كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:00 pm

في أخبار البربر والأمة الثانية من أهل المغرب وذكر أوليتهم وأجيالهم منذ بدء الخليقة لهذا العهد ونقل الخلاف الواقع بين الناس في أنسابهم


الفصل الأول


اجيال البربر وانسابهم


هذا الجيل من الآدميين هم سكان المغرب القديم، ملأوا البسائط والجبال من تلوله وأريافه وضواحيه وأمصاره، يتخذون البيوت من الحجارة والطين ومن الخوص والشجر ومن الشعر والوبر. ويظعن أهل العز منهم والغلبة لانتجاع المراعي فيما قرب من الرحلة، لا يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفر الأملس. ومكاسبهم الشاء والبقر والخيل في الغالب للركوب والنتاج. وربما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم شأن العرب، ومعاش المستضعفين منهم بالفلح ودواجن السائمة. ومعاش المعتزين أهل الانتجاع والأظعان في نتاج الإبل وظلال الرماح وقطع السابلة. ولباسهم وأكثر أثاثهم من الصوف يشتملون الصماء بالأكسية المعلمة، ويفرغون عليها البرانس الكحل ورؤوسهم في الغالب حاسرة، وربما يتعاهدونها بالحلق. ولغتهم من الرطانة الأعجمية متميزة بنوعها، وهي التي اختصوا من أجلها بهذ! الاسم.
يقال إن أفريقش بن قيس بن صيفي من ملوك التبابعة لما غزا المغرب وإفريقية، وقتل الملك جرجيس وبنى المدن والأمصار، وباسمه زعموا سميت إفريقية لما رأى هذا الجيل من الأعاجم وسمع رطانتهم ووعى اختلافها وتنوعها تعجب من ذلك وقال: ما أكثر بربرتكم فسموا بالبربر. والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة. ومنه يقال بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة.
وأما شعوب هذا الجيل وبطونهم فإن علماء النسب متفقون على أنهم يجمعهم جذمان عظيمان وهما برنس وماذغيس. ويلقب ماذغيس بالأبتر فلذلك يقال لشعوبه البتر ويقال لشعوب برنس البرانس، وهما معاً ابنا برنس. وبين النسابين خلاف هل هما لأب واحد. فذكر ابن حزم عن أيوب بن أبي يزيد صاحب الحمار أنهما لأب واحد، على ما حدثه عنه يوسف الوراق. وقال سالم بن سليم المطماطي وهاني بن مسرور والكومي وكهلان عن أبي لوا وهم، نسابة البربر: إن البرانس بتر، وهم من نسل مازيغ بن كنعان. والتبر بنو بر بن قيس بن عيلان وربما نقل ذلك أن أيوب بن أبي يزيد، إلا أن رواية ابن حزم أصح لأنه أوثق.

وأما شعوب البرانس فعند النسابين أنهم يجمعهم سبعة أجذام وهي ازداجة ومصمودة وأوربة وعجيسة وكتامة وصنهاجة وأوريغة. وزاد سابق بن سليم وأصحابه: لمطة وهكسورة وكزولة. وقال أبو محمد بن حزم: يقال إن صنهاج ولمط إنما هما ابنا امرأة يقال لها تصكي ولا يعرف لهما أب تزوجها أوريغ فولدت له هوار فلا يعرف لهما أكثر من أنهما أخوان لهوار من أمه. قال وزعم قوم من أوريغ أنه ابن خبوز بن المثنى بن السكاسك من كندة وذلك باطل.
وقال الكلبي أن كتامة وصنهاجة ليستا من قبائل البربر وإنما هما من شعوب اليمانية، تركهما أفريقش بن صيفي بإفريقية مع من نزل بها من الحامية. هذه جماع مذاهب أهل التحقيق في شأنهم، فمن ازداجة مسطاطة، ومن مصمودة غمارة بنو غمار بن مصطاف بن مليل بن مصمود، ومن أوريغة هوارة وملد ومغر وقلدن. فمن هوار بن أوريغ مليلة وبنو كهلان، ومن ملس أوريغ سطط وورفل وأسيل ومسراتة. ويقال لجميعهم لهانة بنو لهان بن ملد. ويقال إن مليلة منهم. ومن مغر بن أوريغ ماواس وزمور وكبا ومصراي ومن قلدن بن أوريغ قمصاتة وورسطيف وبيانة وفل مليلة.
وأما شعوب البتر وهم بنو مادغيس الأبتر فيجمعهم أربعة أجذام، أداسة ونفوسة وضرية وبنو لوا الأكبر وكلهم بنو زحيك بن مادغيس. فأما أداسة بنو أداس بن زحيك فبطونهم كلها في هوارة لأن أم أداس تزوجها بعد زحيك أوريغ ابن عمه برنس والد هوازة، فكان أداس أخاً لهوارة، ودخل نسب بنيه كلهم في هوارة. وهم سفارة وأندارة وهنزولة وضرية وهداغة وأوطيطة وترهتة. هؤلاء كلهم بنو أداس بن زحيك بن باذغيس وهم اليوم في هوارة.
وأما لوا الأكبر فمنه بطنان عظيمان وهما: نفزاوة بنو نفزا وابن لوا الأكبر، ولواتة بنو لوا الأصغر بن لوا الأكبر، فخلفه أبوه حملاً فسمي به. فمن لواتة أكوزه وعتروزة وبنو فاصلة بن لوا الأصغر ومنهم مزاتة بنو زاير بن لوا الأصغر. ومغانة وجدانة بنو كطوف بن لوا الأصغر ومن لواتة سرداتة بنو نيطط بن لوا الأصغر. ودخل نسب سدراتة في مغراوة. أبو محمد بن حزم: كان مغراوة تزوج أم سدراتة فصار سدراتة أخا بني مغراوة لأمهم واختلط نسبه بهم. ومن نفزاوة أيضاً بطون كثيرة وهم ولهاصة وغساسة وزهلة وسوماتة وورسيف ومرنيزة وزاتيمة ووركول ومرنسية ووردغروس ووردين كلهم بنو يطوفت من نفراوة.
وزاد ابن سابق وأصحابه مجر ومكلاتة. وقال: ويقال إن مكلاتة ليس من البربر، من حمير وقع إلى يطوفت صغيراً فتبناه وهو مكلا بن ريمان بن كلاع حاتم بن سعد بن حمير. ولولهاصة من نفزاوة بطون كثيرة من بزغاش ودحية، بني ولهاص. فمن بزغاش بطون ورفجومة وهم: رجال وطووبورغيش ووانجز وكرطيط وما انجدل وسينتت بنو رفجوم بن بيزغاش بن ولهاص بن يطوفت بن نغزاو.
قال ابن سابق وأصحابه: وبنو بيزغاش لواتة كلهم بجبال أوراس. ومن دحية ورترين وتريرو ورتبونت ومكراولقوس بنو دحية بن ولهاص بن تطوفت بن نفزاو. وأما ضرية وهم بنو ضرى بن زحيك بن مادغيس الأبتر فيجمعهم جذمان عظيمان: بنو تمصيت بن ضرى وبنو يحيى بن ضرى.
وقال سابق وأصحابه: إن بطون تمصيت كلها من فاتن بن تمصيت وأنهم اختصوا بنسب ضرسية دون بطون يحيى. فمن بطون تمصيت: مطماطة وصطفورة، وهم كومية ولماية ومطغرة ومرينة ومغيلة ومكزوزة وكشاتة ودونة ومديونة، كلهم بنو فاتن بن تمصيت بن ضرى. ومن بطون يحيى: زناتة كلهم وسمكان وورصطف. فمن ورصطف: مكناسة وأوكنة وورتناج بنو ورصطف بن يحيى. فمن مكناسة ورتيفة وررتدوسن وتفليت ومنصارة وموالات وحرات ورفلابس ومن مكن بولالين وتدين ويصلتن وجرين وفوغال. ومن ورتناج: مكنسة وبطالسة وكرنيطة وسدرجة وهناطة وفولال بنو ورتناج بن ورصطف. ومن سمكان زواغة وزواوة بنو سمكان بن يحيى وابن حزم بعد زواوة التي بالواو في بطون كتامة وهو أظهر، ويشهد له الوطن. فالغالب أن زواوة بنو سكمان بن يحيى، وعن ابن حزم: بعد زواوة التي بالواو في بطون كتامة والتي تعد في سكان هي التي بالزاي وهي قبيلة معروفة. ومن زواغة بنو ماجر وبنو واطيل وسمكين. وسيأتي الكلام فيهم مستوفى عند ذكرهم إن شاء الله تعالى. هذا آخر الكلام في شعوب هذا الجيل مجملاً، ولا بد من تفصيل فيه عند تفصيل أخبارهم.


وأما إلى من يرجع نسبهم من الأمم الماضية فقد اختلف النسابون في ذلك اختلافاً كثيراً وبحثوا فيه طويلاً. فقال لعضهم: إنهم من ولد إبراهيم عليه السلام من نقشان ابنه، وقد تقدم ذكره عند ذكر إبراهيم عليه السلام. وقال آخرون: البربر يمنيون وقالوا أوزاع من اليمن. وقال المسعودي من غسان وغيرهم تفرقوا عندما كان من سيل العرم. وقيل: خلفهم أبرهة ذو المنار بالمغرب، وقيل من لخم وجذام كانت منازلهم بفلسطين وأخرجهم منها بعض ملوك فارس. فلما وصلوا إلى مصر منعتهم ملوك مصر النزول فعبروا النيل وانتشروا في البلاد. وقال أبو عمر بن عبد البر: ادعت طوائف من البربر أنهم من ولد النعمان بن حميد بن سبأ. قال: ورأيت في كتاب الأسفنداد الحكيم: إن النعمان بن حمير بن سبأ كان ملك زمانه في الفترة، وأنه استدعى أبناءه وقال لهم. أريد أن أبعث منكم للمغرب من يعمره، فراجعوه في ذلك، وعزم عليهم، وأنه بعث منهم لمت أبا لمتونة ومسفو أبا مسوفة ومرطا أبا هسكورة وأصناك أبا صنهاجة ولمط أبا لمطة وإيلان أبا هيلانة، فنزل بعضهم بجبل دون وبعضهم بالسوس وبعضهم بدرعة.
ونزل لمط عند كزول وتزوج ابنته ونزل أجانا وهو أبو زناتة بوادي شلف ونزل بنو ورتجين ومغراو بأطراف إفريقية من جهة المغرب ونزل مصمود بمقربة من طنجة والحكاية طويلة أنكرها أبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم. وقال آخرون: إنهم كلهم من، قوم جالوت. وقال علي بن عبد العزيز الجرجاني النسابة في كتاب الأنساب له: لا أعلم قولاً يؤدي إلى الصحة إلا قول من قال إنهم من ولد جالوت. ولم ينسب جالوت ممن هو وعند ابن قتيبة أنه ونور بن هربيل بن حديلان بن جالود بن رديلان بن حطى زياد بن زجيك بن مادغيس الأبتر.
ونقل عنه أيضاً أنه جالوت بن هربال بن جالود بن دنيال بن قحطان بن فارس.
قال: وفارس مشهور وسفك أبو البربر كلهم. قالوا: والبربر قبائل كثيرة وشعوب- وهي هوارة وزناتة وضريسة ومغيلة وورفجومة ونفزة وكتامة ولواثة وغمارة ومصمودة وصدينة ويزدران وورنجين وصنهاجة ومجكسة وواركلان وغيرهم. وذكر آخرون منهم الطبري وغيره: أن البربر أخلاط من كنعان والعماليق، فلما قتل جالوت تفرقوا في البلاد وغزا أفريقش المغرب ونقلهم من سواحل الشام وأسكنهم إفريقية وسماهم بربر، وقيل البربر من ولد حام بن نوح بن بربر بن تملا بن مازيغ بن كنعان بن حام. وقال الصولي هم من ولد بربر بن كسلوجيم بن مصرائيم بن حام. وقيل إن العمالقة من بربر بن تملا مارب بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاود بن إرم بن سام، وعلى هذا القول فهم عمالقة. وقال مالك بن المرحل. البربر قبائل شتى من حمير ومضر والقبط والعمالقة وكنعان وقريش تلاقوا بالشام ولغطوا فسماهم أفريقش البربر لكثرة كلامهم. وشب خروجهم عند المسعودي والطبري والسهيلي: أن أفريقش استجاشهم لفتح إفريقية وسماهم البربر وينشدون من شعره:

بربرت كنعان لما سقتها من اراضى الضنك للعيش الخصيب
وقال ابن الكلبي: اختلف الناس فيمن أخرج البربر من الشام، فقيل داود بالوحي قيل يا داود أخرج البربر من الشام فإنهم جذام الأرض. وقيل يوشع بن نون وقيل أفريقش وقيل بعض الملوك التبابعة. وعند البكري أن بني إسرائيل أخرجوهم عند قتل جالوت وللمسعودي والبكري أنهم فروا بعد موت جالوت إلى المغرب، وأرادوا مصر فأجلت القبط فسكنوا برقة وإفريقية والمغرب على حرب مع الإفرنج والأفارقة وأجازوهم على صقلية وسردانية وميورقة والأندلس. ثم اصطلحوا على أن المدن للافرنجة وسكنوا القفار عصوراً في الخيام وانتجاع الأمصار من الإسكندرية إلى البحر وإلى طنجة والسوس، حتى جاء الإسلام وكان منهم من تهود ومن تنصر وآخرون مجوساً يعبدون الشمس والقمر والأصنام، ولهم ملوك ورؤساء. وكان بينهم وبين المسلمين حروب مذكورة. وقال الصولي البكري إن الشيطان نزغ بين بني حام وبني سام، فانجلى بنو حام إلى المغرب ونسلوا به.
وقال أيضاً إن حام لما اسود بدعوة أبيه فر إلى المغرب حياء واتبعه بنوه وهلك عن أربعمائة سنة. وكان من ولده بربر بن كسلاجيم فنسل بنوه بالمغرب. قال وانضاف إلى البربر حيان من المغرب يمنيان عند خروجهم من مارب كتامة وصنهاجة قال وهوارة ولمطة ولواتة بنو حمير بن سبأ. وقال هانىء بن بكور الضريسي وسابق بن سليمان المطماطي وكهلان بن أبي لؤي وأيوب بن أبي يزيد وغيرهم من نسابة البربر أن البربر فرقتان كما قدمناه وهما: البرانس والبتر فالبتر من ولد بر بن قيس بن عيلان والبرانس بنو برنس بن سفجو بن أبزج بن جناح بن واليل بن شراط بن تام بن دويم بن دام بن مازيغ بن كنعان بن حام وهذا هو الذي يعتمده نسابة البربر. قال الطبري: خرج بربر بن قيس ينشد ضالة بأحياء البربر فهوي جارية وتزوجها فولدت. وعند غيره من نسابة البزبر أنه خرج فاراً من أخيه عمرو بن قيس وفي ذلك تقول تماضر وهي أخته:
لتبكي كل باكـية أخـاهـا كما أبكي على بر بن قيس
تحمل عن عشيرته فأضحى ودون لقائه أنضاء عـيس
ومما ينسب إلى تماضر أيضاً: وشطت ببر داره عن بـلادنـا وطوح بر نفسه حيث يمـمـا
وازرت ببر لكنة أعـجـمـية وما كان بر في الحجاز بأعجما
كأنا وبرا لم نقـف بـجـيادنـا بنجد ولم نقسم نهابا ومغنـمـا
وأنشد علماء البربر لعبيدة بن قيس العقيلي: ألا أيها الساعي لفـرقة بـينـنـا توقف هداك الله سبل الأطـائب
فاقسم إنـا والـبـرابـر إخـوة نمانا وهم جد كريم المنـاصـب
أبونا أبوهم قيس عيلان في الذرى وفي حرمة يسقي غليل المحارب
فنحن وهم ركن مـنـيع وإخـوة على رغم أعداء لئام المغـاقـب
فإن البر ما بقي الناس نـاصـراً وبر لنا ركن منيع المـنـاكـب
نعد لمن عادى شـواذه ضـمـرا وبيضاً تقط الهام يوم التضـارب
وبر بن قيس عصـبة مـضـرية وفي الفرع من أحسابها والذوائب
وقيس قوام الدين في كل بـلـدة وخير معد عند حفظ المنـاسـب
وقيس لها المجد الذي يقتـدى بـه وقيس لها سيف حديد المضارب
وينشد أيضاً أبيات ليزيد بن خالد يمدح البربر: أيها السائل عنـا أصـلـنـا قيس عيلان بنو العـز الأول
نحن مانحن بنو بر الـقـوى عرف المجد وفي المجد دخل
وابتنى المجد فـأورى زنـده وكفانا كل خطب ذي جلـل
إن قيساً يعتـزي بـر لـهـا ولبر يعتزي قـيس الأجـل
ولنا الفـخـر بـقـيس إنـه جدنا الأكبر فكاك الـكـبـل
إن قيساً قـيس عـيلان هـم معدن الحق على الخير دلـل
حسبك البربر قومـي إنـهـم ملكوا لأرض بأطراف الأسل
وببيض تضرب الهـام بـهـا هام من كان عن الحق نكـل
أبلغوا البربر عنـي مـدحـاً حيك من جوهر شعر منتحل
وعند نسابة البربر، وحكاه البكري وغيره أنه كان لمضر ولدان إلياس وعيلان أمهما الرباب بنت حيدة بن عمرو بن معد بن عدنان فولد عيلان بن مضر قيساً ودهمان أما دهمان فولده قليل وهم أهل بيت من قيس يقال لهم بنو أمامة. وكانت لهم بنت تسمى البهاء بنت دهمان وأما، قيس بن عيلان فولد له أربعة بنين وهم سعد وعمر وأمهما مزنة بنت أسد بن ربيعة بن نزار وبر وتماضر وأمهما تمريغ بنت مجدل ومجدل بن غمار مصمود، وكانت قبائل البربر يومئذ يسكنون الشام ويجاورون العرب في المساكن ويشاركونهم في المياه والمراعي والمسارح ويصهرون إليهم، فتزوج بر بن قيس بنت عمه وهي البهاء بنت دهمان وحسده إخوته في ذلك. وكانت أمه تمريغ من دهاة النساء فخشيت منهم عليه، وبعثت بذلك إلى أخوالها سراً، ورحلت معهم بولدها وزوجته إلى أرض البربر. وهم إذ ذاك ساكنون بفلسطين وأكناف الشام فولدت البهاء لبر بن قيس ولدين: علوان ومادغيس. فمات علوان صغيراً وبقي مادغيس فكان يلقب الأبتر، وهو أبو البتر من البربر ومن ولده جميع زناتة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:02 pm

قمالوا: وتزوج مادغيس بن بر وهو الأبتر بأملل بنت واطاس بن محمد بن مجدل بن عمار فولدت له زحيك بن مادغيس. وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب التمهيد في الأنساب اختلف الناس في أنساب البربر اختلافاً كثيراً. وأنسب ما قيل فيهم أنهم من ولد قبط بن حام لما نزل مصر خرج ابنه يريد المغرب فسكنوا عند آخر عمالة مصر، وذلك ما وراء برقة إلى البحر الأخضر، مع بحر الأندلس إلى منقطع الرمل متصلين بالسودان. فمنهم لواتة آهلين بأرض طرابلس، ونزل قوم بقربها وهم نفزة.
ثم امتدت بهم الطرق إلى القيروان وما وراءها إلى تاهرت إلى طنجة وسجلماسة إلى السوس الأقصى وهم طوائف صنهاجة وكتامة وزكالة من وركلاوة وفطواكة من هسكورة ومزطاوة وذكر بعض أهل الآثار أن الشيطان نزغ بين بني حام وبني سام فوقعت بينهم مناوشات كانت الدبرة فيها لسام وبنيه، وخرج سام إلى المغرب وقدم مصر وتفرق بنوه ومضى على وجهه يؤم المغرب حتى بلغ السوس الأقصى، وخرج بنوه في أثره يطلبونه، فكل طائفة من ولده بلغت موضعاً وانقطع عنهم خبره فأقاموا بذلك الموضع وتناسلوا فيه، ووصلت إليهم طائفة فأقاموا معهم وتناسلوا هنالك.
وكان عمر حام أربعمائة وثلاثاً وأربعين سنة فيما ذكره البكري، وقال آخرون: كان عمره خمسمائة وإحدى وثلاثين سنة وقال السهيلي فيمن هو يعرب بن قحطان. قال: وهو الذي أجلى بني حام إلى المغرب بعد أن كانوا الجزى من ولد قوط بن يافث هذا آخر الخلاف في أنساب البربر.
واعلم أن هذه المذاهب كلها مرجوحة وبعيدة من الصواب، فأما القول بأنهم من ولد إبراهيم فبعيد، لأن داود الذي قتل جالوت وكان البربر معاصرين له ليس بينه وبين إسحق بن إبراهيم أخي نقشان الذي زعموا أنه أبو البربر إلا نحو عشرة آباء ذكرناهم أول الكتاب. ويبعد أن يتشعب النسل فيهم مثل هذا التشعب.
وأما القول بأنهم من ولد جالوت أو العماليق، وأنهم نقلوا من ديار الشام وانتقلوا فقول ساقط، يكاد يكون من أحاديث خرافة، إذ متل هذه الأمة المشتملة على أمم وعوالم ملأت جانب الأرض لا تكون منتقلة من جانب آخر وقطر محصور، والبربر معروفون في بلادهم وأقاليمهم متحيزون بشعارهم من الأمم منذ الأحقاب المتطاولة قبل الإسلام فما الذي يحوجنا إلى التعلق بهذه الترهات في شأن أوليتهم. ويحتاج إلى مثله في كل جيل وأمة من العجم والعرب. وأفريقش الذي يزعمون أنه نقلهم قد ذكروا أنه وجدهم بها وأنه تعجب من ش كثرتهم وعجمتهم وقال: ما أكثر بربرتكم. فكيف يكون هو الذي نقلهم وليس بينه وبين أبرهة ذي المنار من يتشعبون فيه إلى مثل ذلك أن قالوا أنه الذي نقلهم. وأما القول أيضاً بأنهم من حمير من ولد النعمان أو من مضر من ولد قيس بن عيلان، فمنكر من القول، وقد أبطله إمام النسابين والعلماء أبو محمد بن حزم. وقال في كتالب الجمهرة: ادعت طوائف من البربر أنهم من اليمن ومن حمير، وبعضهم ينسب إلى بربر بن قيس، وهذا كله باطل لا شك فيه. وما علم النسابون لقيس بن عيلان ابناً اسمه بر أصلاً، وما كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا في تكاذيب مؤرخي اليمن. وأما ما ذهب إليه ابن قتيبة أنهم من ولد جالوت، وأن جالوت من ولد قيس بن عيلان فأبعد عن الصواب. فإن قيس عيلان من ولد معد. وقد قدمنا أن معداً كان معاصراً لبختنضر وأن أرمياء النبي خلص به إلى الشام حذراً عليه من بختنصر حين سلط على العرب. وبختنصر هو الذي خرب بين المقدس بعد بناء داود وسليمان إياه بأربعمائة وخمسين سنة ونحوها، فيكون معد بعد داود بمثل هذا الأمد، فكيف يكون ابنه قيس أباً لجالوت المعاصر لداود. هذا في غاية البعد وأظنها غفلة من ابن قتيبة ووهماً.
والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم أنهم من ولد كنعان بن حام بن نوح كما تقدم في أنساب الخليقة، وأن اسم أبيهم مازيغ وإخوتهم أركيش وفلسطين إخوانهم بنو كسلوحيم بن مصرايم بن حام، وملكهم جالوت سمة معروفة له. وكانت بين فلسطين هؤلاء وبين بني إسرائيل بالشام حروب مذكورة. وكان بنو كنعان وواكريكيش شيعاً لفلسطين فلا يقعن في وهمك غير هذا، فهو الصحيح الذي لا يعدل عنه. ولا خلاف بين نسابة العرب أن شعوب البربر الذي قدمنا ذكرهم كلهم من البربر إلا صنهاجة وكتامة. فإن بين نسابة العرب خلافاً والمشهور أنهم من اليمنية، وأن أفريقش لما غزا إفريقية أنزلهم بها.

أما نسابة البربر فيزعمون في بعض شعوبهم أنهم من العرب، مثل لواتة يزعمون أنهم من حمير، ومثل هوارة يزعمون أنهم من كندة من السكاسك، ومثل زناتة تزعم نسابتهم أنهم من العمالقة فروا أمام بني إسرائيل. وربما يزعمون فيهم أنهم من بقايا التبابعة ومثل غمارة أيضاً وزواوة ومكلاتة يزعم في هؤلاء كلهم نسابتهم أنهم من حمير حسبما نذكره عند تفصيل شعوبهم في كل فرقة منهم، وهذه كلهما مزاعم. والحق الذي شهد به المواطن والعجمة أنهم بمعزل عن العرب إلا ما تزعمه نسابة العرب في صنهاجة وكتامة. وعندي أنهم من إخوانهم والله أعلم. وقد انتهى بنا الكلام إلى أنسابهم وأوليتهم فلنرجع إلى تفصيل شعوبهم وذكرهم أمة بعد أمة. ونقتصر على ذكر من كانت له منهم دولة ملك أو سالف شهرة أو تشعب نسل في العالم وعدد لهذا العهد وما قبله من صنفي البرانس. والبتر منهم وترتيبهم شعباً شعباً حسبما تأدى إلينا من ذلك واشتمل عليه محفوظنا، والله المستعان.


عدل سابقا من قبل المعتمد بن عباد في الخميس سبتمبر 23, 2010 4:56 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:06 pm

الفصل الثاني


مواطن البربر بافريقية والمغرب


في ذكر مواطن هؤلاء البربر بإفريقية والمغرب اعلم أن لفظ المغرب في أصل وضعه اسم إضافي يدل على مكان من الأمكنة بإضافته إلى جهة المشرق ولفظ المشرق كذلك بإضافته إلى جهة المغرب، فكل مكان من الأرض مغرب بالإضافة إلى جهة المشرق ومشرق بالإضافة إلى جهة المغرب، إلا أن العرب قد يخصص هذه الأسماء بجهات معينة وأقطار مخصوصة. وعرف أهل الجغرافيا المعتنين بمعرفة هيئة الأرض وقسمتها، بأقاليمها ومعمورها وخرابها وجبالها وبحارها ومساكن أهلها، مثل بطليموس ورجار صاحب صقلية المنسوب إليه الكتاب المشهور بين الناس لهذا العهد في هيئة الأرض والبلدان وأمثالهم: أن المغرب قطر واحد مميز بين الأقطار .فحده من جهة المغرب بحر المحيط وهو عنصر الماء، وسمي محيطاً لإحاطته بما انكشف من الأرض كما قدمنا أول الكتاب.
ويسمى أيضاً البحر الأخضر لتلونه غالباً بالخضرة، ويسمى بحر الظلمات لما أنه تقل الأضواء من الأشعة المنعكسة على سطح الأرض من الشمس لبعده عن الأرض فيكون مظلماً. ولفقدان الأضواء تقل الحرارة المحللة للأبخرة فلا تزال السحب والغيوم متكاثفة على سطحه منعقدة هنالك متراكمة، وتسميه الأعاجم: بحر أوقيانوس يعنون والله أعلم ما نعني نحن بالعنصر. ويسمونه أيضاً بحر البلاية بتفخيم اللام الثانية. وهو بحر كبير غير منحصر لا تبعد فيه السفن عن مرأى العين من السواحل للجهل بسمو الرياح هنالك ولنهايتها، إذ لا غاية من العمران وراءه.
والبحار المنحصرة إنما جرت فيها السفن بالرياح المعروفة الهوائية بكثرة تجاربهم فتبعث الريح من الأماكن، وغاية مهبها في سمتها فكل ريح عندهم معروفة الغاية. فإذا علم أن جريته بالريح المنبعثة من مكان كذا، وبما خرج من ريح إلى ريح ريح بحسب مقصوده وجهته. وهذا مفقود في البحر الكبير لأنه منحصر ومنبعث الريح، وإن كان معروفاً فيه فغايته غير معروفة لفقدان العمران وراءه فتضل السفن إذا جرت به وتذهب فتهلك. وأيضاً فإذا أوغل فيه فربما وقع في المتكاثف من الغيوم والأبخرة كما قلف فيهلك، فلهذا كان راكبه على غرر وخطر.
فحد الغرب من جهة المغرب البحر المحيط كما قلناه، وعليه كثير من مدنه مثل طنجة وسلا أزمور وأنفى وأسفى، وهي من مدن الغرب وحواضره. وعليه أيضاً مسجد ماسة وبلدتا كاوصت ونول من بلاد السوس، وهي كلها من مساكن البربر وحواضرهم وتنتهي المراكب إلى وراء ساحل نول ولا تجاوزه إلا على خطر كما قلناه. وأما حده من جهة الشمال فالبحر الرومي والمتفرع من هذا البحر المحيط يخرج في خليج متضايق بين طنجة من بلاد المغرب وطريف من بلاد الأندلس، ويسمى هذا الخليج الزقاق، وعرضه ثمانية أميال فما فوقها. وكانت عليه قنطرة ركبها ماء البحر.

ثم يذهب هذا البحر الرومي في سمت الشرق إلى أن ينتهي إلى سواحل الشام وثغوره وما إليها مثل أنطالية وأنطاكية والعلايا وطرسوس والمصيصة وطرابلس وصور والإسكندرية. ولذلك سمي البحر الشامي. وهو إذاً خرج من الخليج ينفسح في ذهابه عرضاً. وأكثر انفساحه إلى جهة الشمال، ولا يزال انفساحه ذلك متصاعداً إلى الشمال إلي أن ينتهي إلى غايته. وطوله فيما يقال خمسة آلاف ميل أو ستة. وفيه جزائر ميورقة ومنرقة وياسة وصقلية وأقريطش وسردانية وقبرص. وأما عرضه من جهة الجنوب فإنه يخرج عن سمت واحد. ثم يختلف في ذهابه فتارة يبعد عن الجنوب، وتارة يرجع إلى الشمال. واعترض ذلك بعروض البلدان التي بساحله وذلك أن عرض البلد هو ارتفاع قطبه الشمال على أفقه. وهو أيضاً بعد ما بين سمت رؤوس أهله ودائرة معدل النهار. والسبب في ذلك أن الأرض كروية الشكل، والسماء من فوقها مثلها. وأفق البلد هو فرق ما يرى وبين ما لا يرى من السماء ومن الأرض. والفلك ذو قطبين إذا ارتفع أحدهما على رؤوس معمور انخفض الآخر بقدره عنهم، والعمارة في الأرض كلها هي إلى الجانب الشمال أكثر، وليس في الجنوب عمران لما تقرر في موضعه. فلهذا ارتفع القطب الشمالي على أهل العمران دون الجنوبي. والمار على سطح الكرة كلما أبعد في جهة ظهر له من سطح الكرة ومن السماء المقابل لها ما لم يكن يظهر، فيزيد بعد القطب على الأفق كما أبعد في الشمال، وينقص كلما رجع إلى الجنوب. فعرض سبتة وطنجة التي هي على زقاق هذا البحر وخليجه -له- ودقائق. ثم يتصاعد البحر إلى الجنوب فيكون عرض تلمسان -لد- ونصف فتزيد في الجنوب، فيكون عرض وهران -لب- أبعد من فاس بيسير لأن عرض فاس -لج- ودقائق.
ولهذا كان العمران في المغرب الأقصى أعرض في الشمال من عمران المغرب الأوسط بقدر ما بين فاس وسبتة. وصار ذلك القطر كالجزيرة بين البحار لانعطاف البحر الرومي إلى الجنوب. ثم يرجع البحر بعد وهران عن سمته ذلك فيكون عرض تونس والجزائر -له- على مثل سمته الأول عند منبعثه من الزقاق. ثم يزيد في الشمال فيكون عرض بجاية وتونس -يوم- على مثل سمت غرناطة ومرية ومالقة. ثم يرجع إلى الجنوب فيكون عرض طرابلس وقابس -له- على مثل السمت الأول بطنجة وسبتة. ثم يزيد في الجنوب فيكون عرض برقة -لج- على مثل سمت فاس وتوزر فيكون عرض الإسكندرية -لا- على مثل مراكش وأغمات. ثم يذهب في الشمال إلى القطافة إلى منتهى سمته بسواحل الشام.
وهكذا اختلافه في هذه العدوة الجنوبية ولسنا على علم من حاله في العدوة الشمالية. وينتهي بسواحل عرض هذا البحر في انفساحه إلى سبعمائة ميل أو نحوها ما بين سواحل إفريقية وجنوة من العدوة الشمالية والبلاد الساحلية من المغرب الأقصى والأوسط وإفريقية من لدن الخليج حيث منبعثة كلها عليه، مثل طنجة وسبتة وبادس وعساسة وهنين ووهران والجزائر وبجاية وبونة وتونس وسوسة والمهدية وصفاقس وقابس وطرابلس وسواحل برقة والإسكندرية.
هذا وصف هذا البحر الرومي الذي هو حد المغرب من جهة الشمال. وأما حده من جهة القبلة والجنوب فالرمال المتهيلة الماثلة حجزاً بين بلاد السودان وبلاد البربر. وتعرف عند العرب الرحالة البادية بالعرق، وهذا العرق سياج على المغرب من جهة الجنوب مبتدىء من البحر المحيط وذاهب في جهة الشرق على سمت واحد إلى أن يعترضه النيل الهابط من الجنوب إلى مصر. فهنالك ينقطع وعرضه ثلاث مراحل وأزيد. ويعترضه في جهة المغرب الأوسط أرض محجرة تسمى عند العرب الحمادة من دوين مصاب إلى بلاد ريغ، ووراءه من جهة الجنوب بعض بلاد الجريدية ذات نخيل، وأنهار معدودة في جملة بلاد المغرب، مثل بلاد بودة وتمنطيت فى قبلة المغرب الأقصى وتسايبت وتيكورارين في قبلة المغرب الأوسط وغدامس وفزان وودان في قبلة طرابلس. كل واحد من هذه إقليم يشتمل على بلدان عامرة ذات قرى ونخيل وأنهار، ينتهي عدد كل واحد منها إلى المائة فأكثر.

وإلى هذه العدوة الجنوبية من هذا العرق ينتهي في بعض السنين مجالات أهل الشام من صنهاجة ومتقلبهم الجائلون هناك إلى بلاد السودان. وفي العدوة الشمالية- منه مجالات البادية من الأعراب الظواعن بالمغرب. وكانت قبلهم مجالات للبربر كما نذكره بعد هذا حد المغرب من جهة الجنوب. ومن دون هذا العرق سياج آخر على المغرب مما يلي التلول منه. وهي الجبال التي هي تخوم تلك التلول ممتدة من لدن البحر المحيط في الغرب إلى برنيق من بلاد برقة. وهنالك تنقطع هذه الجبال. ويسمى مبدؤها من المغرب جبال درن. وما بين هذه الجبال المحيطة بالتلول وبين العرق الذي وصفناه آنفاً بسائط وقفار أكثر نباتها الشجر، وفيما يلي التلول منها ويقاربها بلاد الجريد ذات نخل وأنهار.
ففي أرض السوس قبلة مراكش ترودانت والغيرى فويان وغيرهما، بلاد ذات نخل وأنهار ومزارع متعددة عامرة. وفي قبلة فاس سجلماسة وقراها بلد معروف، ودرعة أيضاً وهي معروفة وفي قبلة تلمسان قصور متعددة ذات نخل وأنهار. وفي قبلة تاهرت القصور أيضاً بلاد متتالية على سطر من المشرق إلى المغرب أقرب ما إليها جبل راشد، وهي ذات نخل ومزارع وأنهار. ثم قصور معينات تناهز المائة وأكثر قبله الجزائر ذات نخل وأنهار. ثم بلد واركلي قبلة بجاية بلد واحد مستبحر العمران كثير النخل، وفي سمته إلى جهة التلول بلاد ريغ تناهز الثلثمائة منتظمة على حفافي واد ينحدر من المغرب إلى المشرق يناهز مائة من البلاد فأكثر، قاعدتها بسكرة من كبار الأمصار بالمغرب. وتشتمل كلها على النخل والأنهار والفدن والقرى والمزارع.
ثم بلاد الجريد قبلة تونس وهي: نفطة وتوزر وقفصة وبلاد نفزاوة وتسمى كلها بلاد قسطيلة مستبحرة العمران مستحكمة الحضارة مشتملة على النخل والأنهار. ثم قابس قبلة سوسة وهي حاضرة البحر من أعظم أمصار إفريقية، وكانت دار ملك لابن غانية كما نذكره بعد. وتشتمل على النخل والأنهار والمزارع. ثم فزان وودان قبلة طرابلس قصور متعددة ذات نخل وأنهار، وهي أول ما افتتح المسلمون من أرض إفريقية لما غزاها عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص. ثم الوحات قبلة برقة. ذكرها المسعودي فى كتابه. وما وراء هذه كلها في جهة الجنوب فقفار ورمال لا تنبت زرعاً ولا مرعى إلى أن تنتهي إلى العرق الذي ذكرناه.
ومن ورائه مجالات المتلثمين كما قلناه مفاوز معطشة إلى بلاد السودان. وما بين بلاد هذه والجبال التي هي سياج التلول بسائط متلون مزاجها تارة بمزاج التلول، وتارة بمزاج الصحراء بهوائها ومياهها ومنابتها. وفيها القيروان، وجبل أوراس معترض وسطها. وبلاد الحضنة حيث كانت طبنة ما بين الزاب والتل. وفيها مقرة والمسيلة، وفيها السرسو قبلة تلمسان حيث تاهرت فيها جبل ديرو وقبلة فاس معترض في تلك البسائط. هذا حد المغرب من جهة القبلة والجنوب.
وأما من جهة الشرق فيختلف باختلاف الاصطلاحات. فعرف أهل الجغرافيا أنه بحر أهل القلزم المنفجر من بحر اليمن، هابط على سمت الشمال وبانحراف يسير إلى المغرب حتى ينتهي إلى القلزم والسويس، ويبقى بينهم من هنالك، وبين سمته من البحر الرومي مسيرة يومين. وينقطع عند السويس والقلزم. وبعده عن مصر في جهة الشرق ثلاثة أيام. هذا آخر المغرب عندهم، ويدخل فيه إقليم مصر وبرقة.
وكان المغرب عندهم جزيرة أحاطت بها البحر من ثلاث جهاتها كما تراه. وأما العرف الجاري لهذا العهد بين سكان هذه الأقاليم فلا يدخل فيه إقليم مصر ولا برقة، وإنما يختص بطرابلس وما وراءها إلى جهة المغرب في هذا العرف لهذا العهد. وهذا الذي كان في القديم ديار البربر ومواطنهم. فأما المغرب الأقصى منه، وهو ما بين وادي ملوية من جهة الشرق إلى أسفي حاضرة البحر المحيط. وجبال درن من جهة الغرب فهي في الأغلب ديار المصامدة من أهل درن وبرغواطة وغمارة. وآخر غمارة بطوية مما يلي غساسة، ومعهم عوالم من صنهاجة ومطغرة وأوربة وغيرهم، يحيط به البحر الكبير من غربيه، والرومي من شماليه، والجبال الصاعدة المتكاثفة مثل درن من جانب القبلة وجبال تازى من جهة الشرق.

لأن الجبال أكثر ما هي وأكثف قرب البحار بما اقتضاه التكوين من ممانعة البحار بها. فكانت جبال المغرب لذلك أكثر، وساكنها من المصامدة في الأغلب وقيل من صنهاجة. وبقيت البسائط من الغرب مثل أزغاو وتامستا وتادلا ودكالة. واعتمرها الظواى من البربر الطارئين عليه من جشم ورياح فغص المغرب بساكنه من أمم لا يحصيهم إ لا خالقهم، وصار كأنه جزيرة وبلد واحد أحاطت به الجبال والبحار وقاعدته لهذا العهد فاس، وهي دار ملكه.
ويمر فيه النهر العظيم المعروف بوادي أم ربيع، وهو نهر عظيم يمتنع عبوره أيام الأمطار لاتساعه، ويعظم مده إلى البحر فينتهي إلى سبعين ميلاً أو ما يقاربها ومصبه في البحر الكبير عند أزبور. ومنبعه من جبال درن من فوهة كبيرة ينبع منها هذا النهر ويتساهل إلى بسيط المغرب. وينبع منها أيضاً نهر آخر، وينحدر إلى القبلة. ويمر ببلاد درعة ذات النخل المخصوصة بنبات النيلج. وصناعة استخراجه من شجره، وهي قصور ذات نخل موضوعة في سفح جبل درن من آخره، وبها يسمى هذا النهر، ويجاورها إلى أن يغوص في الرمل قبلة بلاد السوس.
وأما نهر ملوية آخر المغرب الأقصى فهو نهر عظيم منبعه من فوهة في جبال قبلة تازى، ويصب في البحر الرومي عند غساسة. وعليه كانت ديار مكناسة المعروفة بهم في القديم. ويسكنها لهذا العهد أمم أخرى من زناتة في قصور منتظمة إلى أعلى النهر يعرفون بوطاط ويجاورهم هنالك وفي سائر نواحيه أمم من البربر أشهر من فيهم بطالسة إخوة مكناسة. وينبع مع هذا النهر من فوهته نهر كبير ينحدر ذاهباً إلى القبلة مشرقاً بعض الشيء، ويقطع العرق على سمته إلى أن ينتهي إلى بودة ثم بعدها إلى تمنطيت ويسمى لهذا العهد كير، وعليه قصورها. ثم يمر إلى أن يصب في القفار ويروغ في قفارها ويغور في رمالها وهو موضع مغامه قصور ذات نخل تسمى وركلان. وفي شرق بوده مما وراء العرق قصور تسابيت من قصور الصحراء. وفي شرقي تسابيت إلى ما يلي الجنوب قصور تيكورارين تنتهي إلى ثلثمائة أو أكثر في واد واحد فينحدر من المغرب إلى المشرق، وفيها أمم من قبائل زناتة.
وأما المغرب الأوسط فهو في الأغلب ديار زناتة. كان لمغراوة وبني يفرن. وكان معهم مديونة ومغيلة وكومية ومطغرة ومطماطة. ثم صار من بعدهم لبني ومانوا وبني يلومي. ثم صار لبني عبد الواد وتوجين من بني مادين وقاعدته لهذا العهد تلمسان، وهي دار ملكه ويجاوره من جهة المشرق بلاد صنهاجة من الجزائر ومتيجة والمرية وما يليها إلى بجاية، وقبائله كلهم لهذا العهد مغلوبون للعرب من زغبة. ويمر في وادي شلف بني واطيل النهر الأعظم منبعه من بلد راشد في بلاد الصحراء. ويدخل إلى التل من بلاد حصين لهذا العهد. ثم يمر مغرباً ويجتمع فيه سائر أودية المغرب الأوسط مثل مينا وغيره إلى أن يصب في البحر الرومي ما بين كليتوا ومستغانم. وينبع من فوهته نهر آخر يذهب مشرقاً من جبل راشد، ويمر بالزاب إلى أن يصب في سبخة ما بين توزر ونفزاوة معروفة هنالك، ويسمى هذا النهر وادي شدي.
وأما بلاد بجاية وقسطنطينة فهي دار زواوة وكنامة وعجيسة وهوارة، وهي اليوم ديار للعرب إلا ممتنع الجبال، وفيها بقاياهم. وأما إفريقية كلها إلى طرابلس فبسائط فيح كانت دياراً لنفزاوة وبني يفرن ونفوسة ومن لا يحصى من قبائل البربر. وكانت قاعدتها القيروان، وهي لهذا العهد مجالات للعرب من سليم وبني يفرن وهوارة مغلوبون تحت أيديهم. وقد تبدو معهم ونسوا رطانة الأعاجم وتكلموا بلغات العرب وتحلوا بشعارهم في جميع أحوالهم. وقاعدتها لهذا العهد تونس، وهي دار ملكها، ويمر فيها النهر الأعظم المعروف بوادي مجردة يجتمع فيه سائر الأودية بها، ويصب في البحر الرومي على مرحلة من غربي تونس بموضع يعرف ببنزرت. وأما برقة فدرست معالمها وخربت أمصارها وانقرض أمرها. وعادت مجالات للعرب بعد أن كانت دارا للواتة وهوارة وغيرهم من البربر. وكانت بها الأمصار المستبحرة مثل لبدة وزويلة وبرقة وقصر حسان وأمثالها فعادت يباباً ومفاوز كأن لم تكن والله أعلم.


عدل سابقا من قبل المعتمد بن عباد في الخميس سبتمبر 23, 2010 6:01 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:10 pm

الفصل الثالث
فضائل هذا الجيل من البربر
في ذكر ما كان لهذا الجيل قديماً وحديثاً من الفضائل الإنسانية والخصائص الشريفة الراقية بهم إلى مراقي العز ومعارج السلطان والملك

قد ذكرنا ما كان من أمر هذا الجيل من البربر ووفور عدده، وكثرة قبائلهم وأجيالهم وما سواه من مغالبة الملوك ومزاحمة الدول عدة آلاف من السنين، من لدن حروبهم مع بني إسرائيل بالشام وخروجهم عنه إلى إفريقية والمغرب، وما كان منهم لأول الفتح في محاربة الطوالع من المسلمين أولاً، ثم في مشايعتهم ومظاهرتهم على عدوهم ثانياً من المقامات الحميدة والآثار الجميلة. وما كان لوهياً الكاهنة وقومها بجبل أوراس من الملك والعز والكثرة قبل الإسلام وبعده حتى تغلب عليهم العرب، وما كان لمكناسة من مشايعة المسلمين أولاً، ثم ردتهم ثانياً، وتحيزهم إلى المغرب الأقصى وفرارهم أمام عقبة بن نافع، ثم غلبهم بعد ذلك طوالع هشام بأرض المغرب.
قال ابن أبي زيد: إن البربر ارتدوا بإفريقية المغرب اثنتي عشرة مرة، وزحفوا في كلها للمسلمين، ولم يثبت إسلامهم إلا في أيام موسى بن نصير، وقيل بعدها. وتقدم ذكر ما كان لهم في الصحراء والقفر من البلاد، وما شيدوا من الحصون والآطام والأمصار من سجلماسة وقصور توات، وتجورارين وفيجيج ومصاب وواركل وبلاد ريغة والزاب ونفزاوة والحمة وغذامس. ثم ما كان لهم من الأيام والوقائع والدول والممالك. ثم ما كان بينهم وبين طوالع العرب من بني هلال في المائة الخامسة بإفريقية. وما كان لهم مع دولة آل حماد بالقلعة، ومع لمتونة بتلمسان وتاهرت من الموالاة والانحراف. وما استولى عليه بنو بادين آخراً بإسهام الموحدين وإقطاعهم من بلاد المغرب، وما كان لبني مرين في الأجلاب على عير عبد المؤمن من الآثار، وما تشهد أخباره كلها بأنه جيل عزيز على الأيام، وأنهم قوم مرهوب جانبهم شديد بأسهم كثير جمعهم، مظاهرون لأمم العالم وأجياله من العرب والفرس ويونان والروم.
ولكنهم لما أصابهم الفناء وتلاشت عصابتهم بما حصل لهم من ترف الملك والدول التي تكررت فيهم، قلت جموعهم وفنيت عصابتهم وعشائرهم وأصبحوا خولاً للدول وعبيداً للجباية. واستنكف كثير من الناس عن النسب فيهم لأجل ذلك، وإلا فقد كانت أوربة أميرهم كسيلة عند الفتح كما سمعت، وزناتة أيضاً حتى أسر أميرهم وزمار بن مولات، وحمل إلى المدينة إلى عثمان بن عفان. ومن بعد ذلك هوارة وصنهاجة، وبعدهم كتامة وما أقاموا من الدولة التي ملكوا بها المغرب والمشرق، وزاحموا بني العباس في ديارهم وغير ذلك منهم كثير.
وأما تخلقهم بالفضائل الإنسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة، وما جبلوا عليه من الخلق الكريم مرقاة الشرف والرفعة بين الأمم، ومدعاة المدح والثناء من الخلق من عز الجوار وحماية النزيل ورعي الأذمة والوسائل والوفاء بالقول والعهد، والصبر على المكاره والثبات في الشدائد. وحسن الملكة والإغضاء عن العيوب والتجافي عن الانتقام، ورحمة المسكين وبر الكبير وتوقير أهل العلم وحمل الكل وكسب المعدوم. وقرى الضيف والإعانة على النوائب، وعلو الهمة وإباية الضيم ومشاقة الدول ومقارعة الخطوب وغلاب الملك وبيع النفوس من الله في نصر دينه. فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون أسوة لمتبعيه من الأمم وحسبك ما اكتسبوه من حميدها واتصفوا به من شريفها أن قادتهم إلى مراقي العز، وأوفت بهم على ثنايا الملك حتى علت على الأيدي أيديهم ومضت فى الخلق بالقبض والبسط أحكامهم.

وكان مشاهيرهم بذلك من أهل الطبقة الأولى: بلكين بن زيري الصنهاجي عامل إفريقية للعيديين، ومحمد بن خزر والخير ابنه، وعروبة بن يوسف الكتامي القائم بدعوة عبد الله الشيعي، ويوسف بن تاشفين ملك لمتونة بالمغرب، وعبد المؤمن بن علي شيخ الموحدين وصاحب الإمام المهدي. وكان عظماؤهم من أهل الطبقة الثانية السابقون إلى الراية بين يدي دولهم والماهدون لملكهم بالمغرب الأقصى والأوسط، كبيرهم يعقوب بن عبد الحق سلطان بني مرين ويغمراسن بن زيان سلطان بني عبد الواد، ومحمد بن عبد القوي ووزمار كبير بني توجين وثابت بن منديل أمير مغراوة وأهل شلف ووزمار بن إبراهيم زعيم بني راشد المتعاصرين في أزمانهم المتناغين في تأثيل عزهم والتمهيد لقومهم كل على شاكلته بقوة جمعه. فكانوا من أرسخهم في تلك الخلال قدماً وأطولهم فيها يداً وأكثرهم لها جمعاً، طارت عنهم في ذلك قبل الملك وبعده أخبار عني بنقلها الأثبات من البربر وغيرهم، وبلغت في الصحة والشهرة منتهى التواتر.
وأما إقامتهم لمراسم الشريعة وأخذهم بأحكام الملة ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين لأحكام دين الله لصبيانهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم واقتفاء الأئمة للصلوات في بواديهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وصياغتهم إلى أهل الخير والدين من أهل مصرهم التماساً في آثارهم وسوءاً للدعاء عن صالحيهم، وإغشائهم البحر لفضل المرابطة والجهاد وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه ما يدل على رسوخ إيمانهم و صحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم التي كانت ملاكاً لعزهم ومقاداً إلى سلطانهم وملكهم. المبرز منهم في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن علي وبنوهم.
ثم يعقوب بن عبد الحق من بعدهم وبنوه، فقد كان لهم في الاهتمام بالعلم والجهاد وتشييد المدارس واختطاط الزوايا والربط، وسد الثغور وبذل النفس في الله، وإنفاق الأموال في سبيل الخيرات، ثم مخالطة أهل العلم وترفيع مكانهم مجالستهم ومفاوضتهم في الاقتداء بالشريعة، والانقياد لإشاراتهم في الوقائع والأحكام ومطالعة سير الأنبياء وأخبار الأولياء وقراءتها بين أيديهم من دواوبن ملكهم ومجالس أحكامهم وقصور عزهم. والتعرض بالمعاقل لسماع شكوى المتظلمين وإنصاف الرعايا من العمال، والضرب على يد أهل الجور، واتخاذ المساجد بصحن دورهم وسده خلافتهم وملكهم، يعمرونها بالصلوات والتسبيحات والقراء المرتلين لتلاوة كتاب الله أحزاباً بالعشي والإشراق على الأيام، وتحصين ثغور المسلمين بالبنيان المشيد والكتائب المجهزة، وإنفاق الأموال العريضة. شهدت لهم بذلك آثار تخلفوها بعدهم.
وأما وقوع الخوارق فيهم وظهور الكاملين في النوع الإنساني من أشخاصهم، فقد كان فيهم من الأولياء المحدثين أهل النفوس القدسية والعلوم الموهوبة. ومن حملة العلم عن التابعين ومن بعدهم من الأئمة والكهان المفطورين على المطلع للأسرار المغيب ومن الغرائب التي خرقت العادة وأوضحت أدلة القدرة ما يدل على عظيم عناية الله بذلك الجيل وكرامته لهم، بما آتاهم من جماع الخير وآثرهم به من مذاهب الكمال، وجمع لهم من متفرق خواص الإنسان، ينقل ذلك في أخبار توهم عجائب.
فكان من مشاهير حملة العلم فيهم سعيد بن واسول جد بني مدرار ملوك سجلماسة، أدرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى العباس ذكره عريب بن حميد في تاريخة. ومنهم أبو يزيد مخلد بن كيداد اليفرني صاحب الحمار، الخارج على الشيعة سنة اثنتين وثلثمائة الدائن بدين الخارجية. أخذ العلم بتوزر عن مشيختها، ورأس في الفتيا وقرأ مذاهب الإضافية من الخوارج وصدق فيه. ثم لقي عماراً الأعمى الصفري النكار. فتلقن عنه من مذاهبهم ما انسلخ من آية السعادة بانتحاله. وهو مع ذلك من الشهرة في هذا الجيل بحيث لايغفل.
ومنهم منذر بن سعيد قاضي الجماعة بقرطبة من ظواعن ولهاصة ثم من سوماتة منهم، مولده عام عشرة ووفاته عام ثلاثه وثمانين وثلثمائة. كان من البتر من ولد مادغيس، هلك على يد عبد الرحمن الناصر. ومنهم أيضاً أبو محمد بن أبي زيد علم الملة وهو من نفزة أيضاً. ومنهم علماء بالنسبة والتاريخ وغير ذلك من فنون العلوم.

ومن مشاهير زناتة أيضاً موسى بن صالح الغمري، معروف عند كافتهم معرفة وضوح وشهرة، وقد ذكرناه عند ذكر غمرة من شعوب زناتة. وهو وإن لم توقفنا الأخبار الصحيحة على الجلي من أمره في دينه، فهو من محاسن هذا الجيل الشاهدة بوجود الخواص الإنسانية فيهم: من ولاية وكهانة وعلم وسحر وكل نوع من آثار الخليقة. ولقد تحدث أهل هذا الجيل فيما يتحدثون به أن أخت يعلى بن محمد اليفرني جاءت بولد من غير أب سموه كلمام. ويذكر له أخبار في الشجاعة خرقت العوائد ودلت على أنه موهبة من الله استأثره بها لم يشاركه فيها غيره من أهل جلدته. وربما ضاقت- حواصل الخواص منهم عن ملتقط هذه الكائنة، ويجهلون ما يتسع لها ولأمثالها من نطاق القدرة وينقلون أن حملها كان إثر استحمامها في عين حامية هنالك غب ما صدر عنها بعض السباع، كانت ترد فيها على الناس، ويردون عليها، ويرون أنها علقت من فضل ولوغه، ويسمون ذلك المولود ابن الأسد لظهور خاصة الشجاعة فيه. وكثير من أمثال هذه الأخبار التي لو انصرفت إليها عناية الناقلين لملأت الدواوين. ولم يزل هذا دأبهم وحالهم إلى أن مهدوا من الدول وأثلوا من الملك ما نحن في سبيل ذكره.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:28 pm

الفصل الرابع


ذكراخبارهم على الجملة


في ذكر أخبارهم على الجملة من قبل الفتح الإسلامي ومن بعده إلى ولاية بني الأغلب


هؤلاء البربر جيل ذو شعوب وقبائل أكثر من أن تحصى حسبما هو معروف تاريخ الفتح بإفريقية والمغرب، وفي أخبار ردتهم وحروبهم فيها. نقل ابن أبي الرقيق: أن موسى بن نصير لما فتح سقوما كتب إلى الوليد بن عبد الملك أنه صار لك من سقوما مائة ألف رأس. فكتب إليه الوليد بن عبد الملك: ويحك إني أظنها من بعض كذباتك، فإن كنت صادقاً فهذا محشر الأمة، ولم تزل بلاد المغرب إلى طرابلس بل الإسكندرية عامرة بهذا الجيل ما بين البحر الرومي وبلاد السودان منذ أزمنة لا يعرف أولها ولا ما قبلها. وكان دينهم دين المجوسية شأن الأعاجم كلهم بالمشرق والمغرب إلا في بعض الأحايين يدينون بدين من غلب عليهم من الأمم. فإن الأمم أهل الدول العظيمة كانوا يتغلبون عليهم فقد غزتهم ملوك اليمن من قرارهم مراراً على ما ذكر مؤرخوهم فاستكانوا لغلبهم ودانوا بدينهم.
ذكر ابن الكلبي: أن حمير بالقبائل اليمانية ملك المغرب مائة سنة وأنه الذي مدائنه مثل إفريقية وصقلية. واتفق المؤرخون على غزو أفريقش بن صيفي من التبابعة إلى المغرب كما ذكرنا في أخبار الروم، واختطوا بسيف البحر وما يليه من الأرياف عظيمة الخطة وثيقة المباني شهيرة الذكر، باقية المعالم والآثار لهذا العهد، مثل: سبيطلة وجلولاء ومرناق ووطاقة وزانة وغيرها من المدن التي خربها المسلمون من العرب الفتح عند استيلائهم عليها. وقد كانوا دانوا لعهدهم بما تعبدوهم به من دين النصر وأعطوهم المهادنة وأدوا إليهم الجباية طواعية.
وكان للبربر في الضواحي وراء ملك الأمصار المرهوبة الحامية ما شاء من قوة وعدة وعدد وملوك ورؤساء وأقيال. وأمرؤها لا يرامون بذل، ولا ينالهم الروم والإفرنج في ضواحيهم تلك بمسخطة الإساءة، وقد صبحهم الإسلام وهم في مملكة قد استولوا على رومة. وكانوا يؤدون الجباية لهرقل ملك القسطنطينية كما كان المقوقس صاحب الإسكندرية وبرقة ومصر يؤدون الجباية له، وكما كان صاحب طرابلس ولبدة وصبرة وصاحب صقلية، وصاحب الأندلس من الغوط لما كان الروم غلبوا على هؤلاء الأمم أجمع. وعنهم كلهم أخذوا دين النصرانية، فكان الفرنجة هم الذين ولوا أمر إفريقية ولم يكن للروم فيها شيء من ولاية. وإنما كان كل من كان منهم بها جنداً للإفرنج ومن حشودهم. وما يسمع في كتب الفتح من ذكر الروم في فتح إفريقية فمن باب التغليب لأن العرب يومئذ لم يكونوا يعرفون الفرنج، وما قاتلوا في الشام إلا الروم فظنوا أنهم هم الغالبون على أمم النصرانية. فإن هرقل هو ملك النصرانية كلها فغلبوا اسم الروم على جميع أمم النصرانية.

ونقلت الأخبار عن العرب كما هي: فجرجير المقتول عند الفتح من الفرنج وليس من الروم، وكذا الأمة الذين كانوا بإفريقية غالبين على البربر ونازلين بمدنها وحصونها إنما كانوا من الفرنجة. وكذلك ربما كان بعض هؤلاء البربر دانوا بدين اليهودية أخذوه عن بني إسرائيل عند استفحال ملكهم، لقرب الشاه وسلطانه منهم كما كان جرأة أهل جبل أوراس قبيلة الكاهنة مقتولة العرب لأول الفتح، وكما كانت نفوسة من برابر إفريقية وقندلاوة ومديونة وبهلولة وغياتة وبنو فازان من برابرة المغرب الأقصى حتى محا إدريس الأكبر الناجم بالمغرب من بني حسن بن الحسن جميع ما كان في نواحيه من بقايا الأديان والملل، فكان البربر بإفريقية والمغرب قبل الإسلام تحت ملك الفرنج وعلى دين النصرانية الذي اجتمعوا عليه مع الروم كما ذكرناه. حتى إذا كان الفتح وزحف المسلمون إلى إفريقية زمان عمررضي الله عنه سنة تسع وعشرين، وغلبهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عمامر بن لؤي فجمع لهم جرير ملك الفرنجة يومئذ بإفريقية من كان بأمصارها من الفرنج والروم، ومن بضواحيها من جموع البربر وملوكهم.
وكان ملك ما بين طرابلس وطنجة، وكانت دار ملكه سبيطة فلقوا المسلمين في زهاء مائة وعشرين ألفاً. والمسلمون يومئذ في عشرين ألفاً فكان من هزيمة العرب لهم، وفتحهم لسبيطلة وتخريبهم إياها وقتلهم جرجير ملكهم. وما نفلهم الله من أموالهم وبناتهم التي اختصت منهن ابنته بقاتلة عبد الله بن الزبير لعهد المسلمين له بذلك بعد الهزيمة، وخلوصه بخبر الفتح إلى الخليفة والملأ من المسلمين بالمدينة ما هو كله مذكور مشهور. ثم أرزىء الفرنجة ومن معهم من الروم بعد الهزيمة، وخلوصه بخبر الفتح إلى حصون إفريقية. وانساح المسلمون في البسائط بالغارات، ووقع بينهم وبين البربر أهل الضواحي زحوف وقتل وسبي. حتى لقد حصل في أسرهم يومئذ من ملوكهم وزمار بن صقلاب جد بني خزر، وهو يومئذ أمير مغوارة وسائر زناتة ورفعوه إلى عثمان بن عفان فأسلم على يده، ومن عليه وأطلقه وعقد له على قومه.
ويقال إنما وصله وافداً، وحصن المسلمين عليهم ولاذ الفرنج بالسلم، وشرطوا لابن أبي سرح ثلثمائة قنطار من الذهب على أن يرحل عنهم بالعرب، ويخرج بهم من بلادهم ففعل. ورجع المسلمون إلى المشرق وشغلوا بما كان من الفتن الإسلامية. ثم كان الاجتماع والإتفاق على معاوية بن أبي سفيان، وبعث معاوية بن خديج السكوني من مصر لافتتاح إفريقية سنة خمس وأربعين. وبعث ملك الروم من القسطنطينية عساكره لمدافعتهم في البحر فلم تغن شيئاً وهزمهم العرب بساحل أجم. وحاصروا جلولاء وفتحوها. وقفل معاوية بن خديج إلى مصر فولى معاوية بن أبي سفيان على إفريقية بعده عقبة بن نافع، فاختط القيروان وافترق أمر الفرنجة، وصاروا إلى الحصون وبقي البربر بضواحيهم إلى أن ولي يزيد بن معاوية وولى على إفريقية أبا المهاجر مولى.
وكانت رئاسة البربر يومئذ في أوربة لكسيلة بن لمزم، وهو رأس البرانس، ومرادفة سكرديد بن رومي بن مازرت من أوربة، وكان على دين النصرانية فأسلما لأول الفتح. ثم ارتدا عند ولاية أبي المهاجر واجتمع إليها البرانس، وزحف إليهم أبو المهاجر حتى نزل عيون تلمسان فهزمهم، وظفر بكسيلة فأسلم واستبقاه. ثم جاء عقبة بعد أبي المهاجر فنكبه غيظاً على صحابته لأبي المهاجر. ثم استفتح حصون الفرنجة مثل باغاية ولميس ولقيه ملوك البربر بالزاب وتاهرت ففضهم جمعاً بعد جمع. ودخل المغرب الأقصى وأطاعته غمارة، وأميرهم يومئذ يليان. ثم أجاز إلى وليلى ثم إلى جبال درن وقاتل المصامدة، وكانت بينهم وبينه حروب، وحاصروه بجبال درن. ونهضت إليهم جموع زناتة، وكانوا خالصة للمسلمين منذ إسلام مغراوة فأفرجت المصامدة عن عقبة وأثخن فيهم حتى حملهم على طاعة الإسلام ودوخ بلادهم.

ثم أجاز إلى بلاد السوس لقتال من بها من صنهاجة أهل اللثام، وهم يومئذ على دين المجوسية، ولم يدينوا بالنصرانية فأثخن فيهم، وانتهى إلى تارودانت وهزم جموع البربر، وقاتل مسوفة من وراء السوس وسبى منهم وقفل راجعاً. وكسيلة أثناء هذا كله في اعتقاله يحمله معه في عسكره سائر غزواته. فلما قفل من السوس سرح العساكر إلى القيروان حتى بقي في خف من الجنود. وتراسل كسيلة وقومه فأرسلوا له شهوداً وانتهزوا الفرصة فيه وقتلوه ومن معه، وملك كسيلة إفريقية خمس سنين ونزل القيروان، وأعطى الأمان لمن بقي بها ممن تخلف من العرب أهل الذراري والأثقال، وعظم سلطانه على البربر.
وزحف قيس بن زهير البلوي في ولاية عبد الملك للثأر بدم عقبة سنة سبع وستين، وجمع له كسيلة سائر البربر، ولقيه بجيش من نواحي القيروان فاشتد القتال بين الفريقين ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومن لا يحصى منهم، وأتبعهم العرب إلى مرمحنة ثم إلى ملوية: وفي هذه الواقعة ذل البربر وفنيت فرسانهم ورجالهم وخضدت شوكتهم واضمحل أمر الفرنجة فلم يعد، وخاف البربر من زهير ومن العرب خوفاً شديداً فلجأوا إلى القلاع والحصون. ثم توهب زهير بعدها وقفل إلى المشرق فاستشهد ببرقة كما ذكرناه. واضطرمت إفريقية ناراً وافترق أمر البربر وتعدد سلطانهم في رؤسائهم. وكان من أعظمهم شأناً يومئذ الكاهنة دهيا بنت ماتية بن تيفان ملكة جبل أوراس وقومها من جراوة ملوك البتر وزعماؤهم فبعث عبد الملك إلى حيان بن النعمان الغساني عامله على مصر أن يخرج إلى جهاد إفريقية، وبعث إليه بالمدد فزحف إليها سنة تسع وسبعين. ودخل القيروان وغزا قرطاجنة وافتتحها عنوة، وذهب من كان بقي بها من الإفرنجة إلى صقلية وإلى الأندلس. ثم سأل عن أعظم ملوك البربر فدلوه على الكاهنة وقومها جراوة فمضى إليها حتى نزل وادي مسكيانة. وزحفت إليه فاقتتلوا قتالاً شديداً. ثم انهزم المسلمون وقتل منهم خلق كثير، وأسر خالد بن يزيد القيسي. ولم تزل الكاهنة والبربر في اتباع حيان والعرب حتى أخرجرهم من عمل قابس، ولحق حسان بعمل طرابلس. ولقيه كتاب عبد الملك بالمقام فأقام وبنى قصوره وتعرف لهذا العهد به. ثم رجعت الكاهنة إلى مكانها، واتخذت عهداً عند أسيرها خالد بالرضاع مع ابنيها. وأقامت في سلطان إفريقية والبربر خمس سنين. ثم بعط عبد الملك إلى حسان بالمدد فرجع إلى إفريقية سنة أربع وسبعين، وخربت الكاهنة جميع المدن والضياع. وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلاً واحداً في قرى متصلة.
وشق ذلك على البربر فاستأمنوا لحسان فأمنهم، ووجد السبيل إلى تفريق أمرها وزحف إليها وهي في جموعها من البربر فانهزموا وقتلت الكاهنة بمكان البير المعروف بها لهذا العهد بجبل أوراس. واستأمن إليه البربر على الإسلام والطاعة، وعلى أن يكون منهم اثنا عشر ألفاً مجاهدين معه فأجابوا وأسلموا وحسن إسلامهم، وعقد للأكبر من ولد الكاهنة على قومهم من جراوة وعلى جبل أوراس فقالوا: لزمنا الطاعة له سبقناها إليها وبايعناه عليها. وأشارت عليهم بذلك لأثارة من علم كانت لديها بذلك من شياطينها. وانصرف حسان إلى القيروان فدون الدواوين وصالح من ألقى بيده من البربر على الخراج. وكتب الخراج على عجم إفريقية ومن أقام معهم على النصرانية من البربر والبرانس. واختلفت أيدي البربر فيما بينهم على إفريقية والمغرب فخلت أكثر البلاد، وقدم موسى بن نصير إلى القيروان والياً على إفريقية. ورأى ما فيها من الخلاف وكان ينقل العجم من الأقاصي إلى الأداني وأثخن في البربر ودوخ المغرب وأدى إليه البربر الطاعة. وولي على طنجة طارق بن زياد، وأنزل معه سبعة وعشرين ألفاً من العرب، واثني عشر ألفاً من البربر، وأمرهم أن يعلموا البربر القرآن والفقه. ثم أسلم بقية البربر على يد إسمعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر سنة إحدى ومائة.

وذكر أبو محمد بن أبي زيد: أن البربر ارتدوا اثنتي عشرة مرة من طرابلس إلى طنجة، ولم يستقر إسلامهم حتى أجاز طارق وموسى بن نصير إلى الأندلس، بعد أن دوخ المغرب وأجاز معه كثير من رجالات البربر وأمرائهم برسم الجهاد. فاستقروا هنالك من لدن الفتح، فحينئذ استقر الإسلام بالمغرب وأذعن البربر لحكمه. ورسخت فيهم كلمة الإسلام وتناسوا الردة. ثم نبضت فيهم عروق الخارجية فدانوا بها ولقنوها من العرب الناقليها من منبعها بالعراق. وتعددت طوائفهم وتشعبت طرقها من الأباضية والصفرية كما ذكرنا في أخبار الخوارج.
وفشت هذه البدعة وأعقدها رؤوس النفاق من العرب وجراثيم الفتنة من البربر ذريعة إلى، الانتزاء على الأمر فاختلوا في كل جهة، ودعوا إلى قائدهم طغام البربر تتلون عليهم مذاهب كفرها، ويلبسون الحق بالباطل فيها إلى أن رسخت فيهم كلمات منها، ووشجت بينهم عروق من غرائسها. ثم تطاول البربر إلى الفتك بأمراء العرب، فقتلوا يزيد بن أبي مسلم سنة اثنتين ومائة لما نقموا عليه في بعض الفعلات. ثم انتقض البربر بعد ذلك سنة اثنتين وعشرين ومائة في ولاية عبد الله بن الحجاب أيام هشام بن عبد الملك لما أوطأ عساكره بلاد السوس، وأثخن في البربر وسبى وغنم. وانتهى إلى مسوفة فقتل وسبى داخل البربر منه رعب. وبلغه أن البربر أحسوا بأنهم فيء للمسلمين فانتقضوا عليه. وثار ميسرة المطغري بطنجة على عمرو بن عبد الله فقتله وبايع لعبد الأعلى بن جريج الإفريقي رومي الأصل ومولى العرب، كان مقدم الصفرية من الخوارج في انتحال مذهبهم، فقام بأمرهم مدة وبايع ميسرة لنفسه بالخلافة داعياً إلى نحلته من الخارجية على مذهب الصفرية. ثم ساءت سيرته فنقم عليه البربر ما جاء به فقتلوه وقدموا على أنفسهم خالد بن حميد الزناتي.
قال ابن عبد الحكم: هو من هتورة إحدى بطون زناتة فقام بأمرهم، وزحف إلى العرب وسرح إليه عبد الله بن الحبحاب العساكر في مقدمته ومعهم خالد بن أبي حبيب فالتقوا بوادي شلف، وانهزم العرب وقتل خالد بن أبي حبيب ومن معه، وسميت وقعة الأسراب وانتقضت البلاد ومرج أمر الناس، وبلغ الخبر هشام بن عبد الملك فعزل ابن الحبحاب وولى كلثوم بن عياض القشيري سنة ثلاث وعشرين وسرحه في اثني عشر ألفاً من أهل الشام. وكتب إلى ثغور مصر وبرقة وطرابلس أن يمدوه فخرج إلى إفريقية والمغرب، حتى بلغ وادي طنجة وهو وادي سبس فزحف إليه خالد بن حميد الزناتي فيمن معه من البربر، وكانوا خلقاً لا يحصى. ولقوا كلثوم بن عياض من بعد أن هزموا مقدمته فاشتد القتال بينهم، وقتل كلثوم وانهزمت العساكر فمضى أهل الشام إلى الأندلس مع بلج بن بشر القشيري. ومضى أهل مصر وإفريقية إلى القيروان.
وبلغ الخبر إلى هشام بن عبد الملك فبعث حنظلة بن سفيان الكلبي فقدم القيروان سنة أربع وعشرين وأربعمائة وهوارة يومئذ خوارج على الدولة، منهم: عكاشة بن أيوب وعبد الواحد بن يزيد في قومهما. فثارت هوارة ومن تبعهم من البربر فهزمهم حنظلة بن المعز بظاهر القيروان بعد قتال شديد. وقتل عبد الواحد الهواري وأخذ عكاشة أسيراً، وأحصيت القتلى في هذه الوقيعة فكانوا مائة وثمانين ألفاً. وكتب بذلك حنظلة إلى هشام وسمعها الليث بن سعد فقال: ما غزوة كنت أحب أن أشهدها بعد غزوة بدر أحب إلي من غزوة القرن والأصنام.
ثم خفت صوت الخلافة بالمشرق والتاث أمرها لما كان بين بني أمية من الفتنة، وما كان من أمر الشيعة والخوارج مع مروان. وأفضى الأمر إلى الإدالة ببني العباس من بني أمية. وأجاز البحر عبد الرحمن بن حبيب من الأندلس إلى إفريقيا فملكها، وغلب حنظلة عليها سنة ست وعشرين ومائة فعادت هيف إلى أديانها. واستشرى داء البربر، أمر الخارجية ورؤوسها فانتفضوا من أطراف البقاع، وتواثبوا على الأمر بكل ما كان داعين إلى بدعتهم. وتولى كبر ذلك يومئذ صنهاجة. وتغلب أميرهم تابت بن زيدون وقومه على باجة، وثار معه عبد الله بن سكرديد من أمرائهم فيمن تبعه.
وثار بطرابلس عبد الجبار والحرث من هوارة وكانا يدينان برأي الأباضية فقتلوا عامل طرابلس بكر بن عبس القيسي لما خرج إليهم يدعوهم إلى الصلح، وبقي الأمر ذلك مدة. وثار إسمعيل بن زياد فيمن معه من نفوسة. وتغلب على قابس. ثم زحف إليهم عبد الرحمن بن حبيب سنة إحدى وثلاثين فقتل عبد الجبار والحارث وأوعب في قتل البربر. وأثخن فيهم وزحف إلى تلمسان سنة خمس وثلاثين فظفر بها ودوخ المغرب، وأذل من كان فيه من البربر. ثم كانت بعد ذلك فتنة وربجومة وسائر قبائل نفراوة سنة أربعين ومائة، وذلك لما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبي جعفر، وقتله أخواه إلياس وعبد الوارث فولي مكانه ابنه حبيب وطالبهما بثأر أبيه، فقتل إلياس ولحق عبد الوارث بوربجومة فأجاره أميرهم عاصم بن جميل، وتبعه على شأنه يزيد بن سكوم أمير ولهاصة واجتمعت لهم كلمة نفزاوة، ودعوا لأبي جعفر المنصور، وزحفوا إلى القيروان ودخلوها عنوة. وفر حبيب بن قابس فأتبعه عاصم في نفزاوة وقبائلهم.
وولي على القيروان عبد الملك بن أبي الجعد النفزي، ثم انهزم حبيب إلى أوراس، واتبعه عاصم، فاعترضه عبد الملك بن أبي الجعد وجموع نفزاوة الذين كانوا بالقيروان وقتلوه. واستولت وربجومة على القيروان وسائر إفريقية، وقتلوا من كان بها من قريش، وربطوا دوابهم بالمسجد الجامع. واشتد البلاء على أهل القيروان، وأنكرت ذلك من فعل وربجومة ومن إليهم من نفزاوة برابرة طرابلس الأباضية من هوارة وزناتة، فخرجوا واجتمعوا إلى أبي الخطاب عبد الأعلى ابن الشيخ المعافري وقصدوا طرابلس وأخرجوا عمر بن عثمان القرشي، واستولى أبو الخطاب عليها. واجتمع إليه سائر البربر الذين كانوا هنالك من زناتة وهوارة، وزحف بهم إلى القيروان فقتل عبد الملك بن أبي الجعد وسائر وربجومة ونفزاوة، واستولى على القيروان سنة إحدى وأربعين.
ثم ولي على القيروان عبد الرحمن بن رستم، وهو من أبناء رستم أمير فارس بالقادسية. كان من موالي العرب ومن رؤوس هذه البدعة. ورجع أبو الخطاب إلى طرابلس، واضطرم المغرب ناراً. وانتزى خوارج البربر على الجهات فملكوها. واجتمعت الصفرية من مكناسة بناحية المغرب سنة أربعبن ومائة، وقدموا عليهم عيسى بن يزيد الأسود، وأسسوا مدينة سجلماسة ونزلوها. وقدم محمد بن الأشعث والياً على إفريقية من قبل أبي جعفر المنصور فزحف إليه أبو الخالاب ولقيه بسرت، فهزمه ابن الأشعث، وقتل البربر قتلاً ذريعاً. وفر عبد الرحمن بن رستم من القيروان إلى تاهرت بالمغرب الأوسط، واجتمعت إليه طوائف البربر الأباضيه من لماية ولواتة ورجالة من نفزاوة فنزل بها واختط مدينتها سنة أربع وأربعين. وضبط ابن الأشعث إفريقية وخافه البربر.
ثم انتقض بنو يفرن من زناتة ومغيلة من البربر بنواحي تلمسان، وقدموا على أنفسهم أبا قرة من بني يفرن، ويقال إنه من مغيلة وهو الأصح في شأنه، وبويع له بالخلافة سنة ثمان وأربعين ومائة. وزحف إليه الأغلب بن سود التميمي عامل طنجة، فلما قرب منه هرب أبو قرة فنرل الأغلب الزاب ثم اعتزم على تلمسان ثم طنجة ورجع إليه الجند فرجع ثم انتقض البربر من بعد ذلك أيام عمر بن حفص في ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب. وكان يلقب هزار مرد سنة إحدى وخمسين.
واجتمعوا بطرابلس وقدموا عليهم أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن مدين بن يطوفت من أمراء مغيلة ويسمى أبا قادم. وزحفت إليهم جنود عمر بن حفص فهزموها وملكوا طرابلس، وزحفوا إلى القيروان فحاصروها. ثم زحف البرابرة من الجانب الآخر بجنود عمر بطبنة في اثني عشر معسكراً. وكان منهم أبو قرة في أربعبن ألفاً من الصفرية وعبد الرحمن بن رستم في ستة آلاف من الأباضية، والمسور بن هانىء في عشرة آلاف كذلك، وجرير بن مسعود فيمن تبعه من مديونة، وعبد الملك بن سكرديد الصنهاجي في ألفين منهم من الصفرية.- واشتد الحصار على عمر بن حفص فأعمل الحيلة في الخلاف بين جماعتهم. وكان بنو يفرن من زناتة أكثر البرابرة يومئذ جمعاً، وأشدهم قوة فصالح أبو قزة زعيمهم على أربعين ألفاً، وأعطى ابنه في إتمام ذلك أربعة آلاف، وافترقوا وارتحلوا عن طبنة. ثم بعث بعثاً إلى ابن رستم فهزمه، ودخل تاهرت مفلولاً. وزحف عمر بن حفص الى أبي خاتم، والبربر الأباضية الذين معه. ونهضوا إليه فخالفهم إلى القيروان، وشحنها بالأقوات والرجال.

ثم لقي أبا حاتم والبربر وهزموه، ورجع إلى القيروان وحاصروه. وكانوا في ثلائمائة وخمسين ألفاً الخيل منها خمسة وثلاثون ألفاً، وكانوا كلهم أباضية. وطال الحصار وقتل عمر بن حفص في بعض أيامه سنة أربع وخمسين ومائة. وصالح أهل القيروان أبا حاتم على ما أحب، وارتحل. وقدم يزيد بن قبيصة بن المهلب سنة أربع وخمسين ومائة والياً على إفريقية، فزحف إليه أبو حاتم بعد أن خالف عليه عمر بن عثمان الفهري، وافترق أمرهم فلقيه يزيد بن حاتم بطرابلس فقتل أبو حاتم، وانهزم البربر. ولحق عبد الرحمن بن حبيب بن عبد الرحمن من أصحاب أبي حاتم بكتامة. وبعث المخارق بن غفار الطائي فحاصره ثمانية أشهر. ثم غلب عليه فقتله ومن كان معه من البربر، وهربوا إلى كل ناحية. وكانت حروبهم مع الجند من لدن قتل عمر بن حفص بطبنة إلى انقصاء ثلثمائة وخمسة وسبعين حرباً.
وقدم يزيد إفريقية فزال فسادها ورتب القيروان، ولم تزل البلاد هادئة. وانتقض ورفجومة سنة سبع وخمسين وولوا عليهم رجلاً منهم اسمه أبو زرجونة، فسرح إليهم يزيد من عشيرة ابن محراة المهلبي فهزموه. واستأذنه ابنه المهلب وكان على الزاب وطبنة وكتامة في الزحف إلى ورفجومة فأذن له، وأمده بالعلاء بن سعيد بن مروان المهلبي من عشيرتهم أيضاً فأرقع بهم وقتلهم أبرح قتل. وانتقض نفزاوة من بعد ذلك في سلطنة ابنه داود من بعد مهلكه سنة إحدى وستين ومائة، وولوا عليهم صالح بن نصير النفزي، ودعوا إلى رأيهم رأي الأباضية، فسرح إليهم ابن عمه سليمان بن الصمة في عشرة آلاف فهزمهم وقتل البربر أبرح قتل. ثم تحيز إلى صالح بن نصير ولم يشهد الأولى من البربر الأباضية واجتمعوا بشقبنارية فهزمهم إليها سليمان ثانية وانصرف إلى القيروان.
وركذت ريح الخوارج من البربر من إفريقية وتداعت بدعتهم إلى الاضمحلال، ورغب عبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت سنة إحدى وسبعين في موادعة صاحب القيروان روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب، فوادعه وانحصدت شوكة البربر واستكانوا للغلب وأطاعوا للدين، فضرب الإسلام بجرانه، وألقت الدولة الضريبة على البربر بكلكلها. وتقفد إبراهيم بن الأغلب التميمي أمر إفريقية والمغرب من قبل الرشيد هرون سنة خمس وثمانين ومائة فاضطلع بأمر هذه الولاية، وأحسن السيرة وقوم المنئاد ورأب الصدع وجمح الكلمة. ورضيت الكافة. واستقل بولايتها غير منازع ولامتشوه. وتوارثها بنوه خالفاً عن سالف.
وكانت لهم بإفريقية والمغرب الدولة التي ذكرناها من قبل، إلى أن انقرض أمر العرب بإفريقية على زيادة الله عاقبتهم الفار إلى المشرق أمام كتامة سنة ست وتسعين ومائتين كما نذكره. وخرج كتامة على بني الأغلب بدعوة الرافضية. قام بها فيهم أبو عبد الله المحتسب الشيعي داعية عبيد الله المهدي فكان ذلك آخر عهد العرب بالملك والدولة بإفريقية. واستقل كتامة بالأمر من يومئذ، ثم من بعدهم من برابرة المغرب. وذهبت ريح العرب ودولتهم عن المغرب وإفريقية فلم يكن لهم بعد دولة إلى هذا العهد، وصار الملك للبربر وقبائلهم يتداولونه طائفة بعد أخرى وجيلاً بعد آخر، تارة يدعون إلى الأمويين الخلفاء بالأندلس، وتارة إلى الهاشميين من بني العباس وبني الحسن. ثم استقلوا بالدعوة لأنفسهم آخراً حسبما نذكر ذلك كله مفصلاً عندما يعرض لنا من ذكر دول زناتة والبربر الذين نحن في سياقة أخبارهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:32 pm

البرابرة البتر


الخبر عن البرابرة البتر وشعوبهم ونبدأ منهم أولاً بذكر نفوسة وبطونهم وتصاريف أحوالهم


نفوسة

كان مادغيس الأبتر جد البرابرة البتر، وكان ابنه زحيك ومنه تشعبت بطونهم. فكان له من الولد فيما يذكر نسابة البربر أربعة: نفوس واداس وضرا ولوا. فأما أداس فصار في هوارة لما يقال إن هوارة خلف أباه زحيك على أمه قبل فصاله فانتسب إليه واختلط بولده. واندرجت بطون أداس في هوارة كما ذكرناه. وأما ضرا ولوا فسنأتي بذكر بطونهم واحداً واحداً. وأما نفوس فهم بطن واحد تنسب إليه نفوسة كلها. وكانوا من أوسع قبائل البربر فيهم شعوب كثيرة مثل بني زمور وبني مكسور وماطوسة.
وكانت مواطن جمهورهم بجهات طرابلس وما إليها، وهناك الجبل المعروف بهم.
وهم على ثلاثة مراحل من قبلة طرابلس يسكنه اليوم بقاياهم. وكانت مدينة صبرة قبل الفتح في مواطنهم وتعزى إليهم، وهي كانت باكورة الفتح لأول الإسلام وخربها العرب عند استيلائهم عليها فلم يبق منهم إلا الأطلال ورسوم خافية. وكان من رجالاتهم إسمعيل بن زياد المتغلب على قابس سنة اثنتين وثلاثين ومائة لأول الدولة العباسية. ومنهم لهذا العهد أوزاع متفرقون في الأقطار بعمالات مصر والمغرب، والله وارث الأرض ومن عليها، وأما لوا فمن ولده نفزاوة ولواتة كما نذكر.
نفزاوة الخبر عن نفزاوة وبطونهم وتصاريف أحوالهم وهم بنو يطوفت بن نفزاو بن لوا الأكبر بن زحيك، وبطونهم كثيرة مثل غساسة ومرنيسة وزهيلة وسوماتة وزاتيمة وولهاصة ومجرة. وورسيف ومن بطونهم مكلاتة، ويقال إن مكلاتة من عرب اليمن وقع إلى يطوفت صغيراً فتبناه، وليس من البربر. ولمكلاتة بطون متعدد مثل بني ورياغل وكزناية وبني يصلتين وبني ديمار وريحون وبني سراين. ويقال أن غساسة منهم هكذا عند نسابة البربر مثل: سابق المطماطي وغيره. ومن بطون ولهاصة ورتدين بن داحية بن ولهاصة وورفجومة بن تيدغاس بن ولهاص. ومن بطون ورفجومة زكولة رجالة لذاك بن ورفجوم إلى بطون أخرى كثيرة.
وكان ورفجومة هؤلاء أوسم بطون نفزاوة وأشدهم بأساً وقوة. ولما انحرف عبد الرحمن بن حبيب عن طاعة أبي جعفر المنصور، وقتله أخواه عبد الوارث وإلياس وطالبهما ابنه حبيب بالثار فلحق عبد الوارث بورفجومة، ونزل على أميرهم عاصم بن جميل بأوراس، وكان كاهناً فأجاره وقام بدعوة أبي جعفر المنصور، واجتمعت إليه نفزاوة. وكان من رجالاتهم عبد الملك بن أبي الجعد ويزيد بن سكوم وكانوا يدينون بدين الأباضية من الخوارج، وزحفوا إلى القيروان سنة أربعين ومائة. وفر عنها حبيب بن عبد الرحمن، ودخلها عبد الملك بن أبي الجعد وقتل حبيباً. واستولت نفزاوة على القيروان وقتلوا من كان بها من قريش وسائر العرب، وربطوا دوابهم بالمسجد وعظمت حوادثهم.
ونكر ذلك عليهم الأباضية من برابرة طرابلس وتولى كبرها زناتة وهوارة فاجتمعوا إلى الخطاب بن السمح ورجالات العرب، واستولوا على طرابلس ثم على القيروان سنة إحدى وأربعين، وقتلوا عبد الملك بن أبي الجعد وأثخنوا في قومه من نفزاوة وورفجومة. ثم رجعوا إلى طرابلس بعد أن استعمل أبو الخطاب على القيروان عبد الرحمن بن رستم. واضطرم المغرب ناراً وعظمت فتنة ورفجومة هؤلاء إلى أن قدم محمد بن الأشعث سنة ست وأربعين من قبل المنصور فأثخن في البربر وأطفأ نار هذه الفتنة كما قدمناه. ولما اختط عمر بن حفص مدينة طبنة سنة إحدى وخمسين أنزل ورفجومة هؤلاء بها بما كانوا شيعاً له، وعظم غناؤهم فيها عندما حاصره بها ابن رستم وبنو يفرن.
ثم انتقضوا بعد مهلك عمر على يزيد بن حاتم عند قدومه على إفريقية سنة سبع وخمسين، وولوا عليهم أبا زرجونة منهم وسرح إليهم يزيد العساكر مع ابنه وقومه فأثخنوا فيهم. ثم انتقضت نفزاوة على أبيه داود ودعوا إلى دين الأباضية، وولوا عليهم صالح بن نصر منهم فرجعت العساكر إليهم متراسلة وقتلوهم أبرح قتل. وعليها كان ركود ريح الخوارج بإفريقية ذعار البربر. وافترق بنو ورفجوم بعد ذلك وانقرض أمرهم وصاروا أوزاعاً في الفبائل. وكان رجالة منهم بطناً متسعاً. وكان منهم رجالات مذكورون في أول العبيديين وبني أمية بالأندلس منهم الرجالي أحد الكتاب بقرطبة. وبقي منهم لهذا العهد فرق بمرماجة. وهناك قرية ببسيطها تنسب إليهم.
وأما سائر ولهاصة من ورفجومة وغيرهم فهم لهذا العهد أوزاع لذلك أشهرهم قبيلة بساحل تلمسان اندرجوا في كومية وعدوا منهم بالنسب والخلط. وكان منهم في أواسط هذه المائة الثامنة ابن عبد الملك استقل برياستهم وتملك بدعوى السلطان بعد استيلاء بني عبد الواد على تلمسان ونواحيها، وتغلب على سلطانهم لذلك العهد كما نذكره عثمان بن عبد الرحمن وسجنه بالمطبق بتلمسان ثم قتله. ومن أشهر قبائل ولهاصة أيضاً قبيلة أخرى ببسيط بونة يركبون الخيل ويأخذون مذاهب العرب في زيهم ولغتهم وسائر شعارهم كما هو شأن هوارة. وهم في عذاد القبائل الغارمة، ورئاستهم في بني عريف منهم، وهي لهذا العهد في ولد حازم بن شداد بن حزام بن نصر بن مالك بن عريف. وكانت قبلهم لعسكر بن بطنان منهم. هذه أخبار ولهاصة فيما علمناه.

وأما بقايا بطون نفزاؤ فمنهم زاتيمة، وبقية منهم لهذا العهد بساحل برشك، ومنهم غساسة. وبقية منهم لهذا العهد بساحل بطوية حيث القرية التي هناك حاضرة البحر ومرسى لأساطيل المغرب وهي مشهورة باسمهم. وأما زهيلة فبقيتهم لهذا العهد بنواحي بادس مندرجون في غمارة وكان منهم لعهد مشيختنا أبو يعقوب البادسي أكبر الأولياء، وأخرهم بالمغرب. وأما مرنيسة فلا يسلم لهم موطن، ومن أعقابهم أوزاع بين أحياء العرب لإفريقية. وأما سوماتة فمنهم بقية في نواحي القيروان: كان منهم منذر بن سعيد القاضي بقرطبة لعهد الناصر والله أعلم.
وأما بقايا بطون نفزاوة فلا يعرف لهم لهذا العهد حي ولا موطن إلا القرى الظاهرة المقدرة السير المنسوبة إليهم ببلاد قسطيلة. وبها معاهدون من الفرنجة أوطنوهم على الجزية واعتقاد الذمة عند عهد الفتح، وأعقابهم بها لهذا العهد. وقد نزل معهم كثير من بني سليم من الشريد وزغبة وأوطنوها وتملكوا بها العقار والضياع. وكان أمر هذه القرى راجعاً إلى عامل توزر أيام استبداد الخلافة. فلما تقلص ظل الدولة عنهم، وحدثت للعصبة في الأمضار استبدت كل قرية بأمرها، وصار مقدم توزر يحاول دخولهم في إيالته. فمنهم من يعطيه ذلك، ومنهم من يأباه حتى أظلتهم دولة مولانا السلطان أبي العباس، وأدرجوا كلهم في طاعته واندرجوا في حبله، والله ولي الأمور ولا رب غيره.
لواتة الخبر عن لواتة من البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم وهو بطن عظيم متسع من بطون البربر البتر ينتسبون إلى لوا الأصغر بن لوا الأكبر بن زحيك، ولوا الأصغر هو نفزاو كما قلناه. ولوا اسم أبيهم، والبربر إذا أرادوا العموم في الجمع زادوا الألف والتاء فصار لوات فلما عربته العرب حملوه على الأفراد وألحقوا به هاء الجمع. وذكر ابن حزم أن نسابة البربر يزعمرن أن سدراتة ولواتة ومزاتة من القبط، وليس ذلك بصحيح، وابن حزم لم يطلع على كتب علماء البربر في ذلك. وفي لواتة بطون كثيرة، وفيهم قبائل كثيرة مثل سدراتة بن نيطط بن لوا، ومثل عزوزة بن ماصلت بن لوا. وعد سابق وأصحابه في بني ماصلت بطوناً أخرى غير عزوزة وهم: أكورة وجرمانة ومغانة ومثل بني زائد بن لوا، وأكثر بطونهم مزاتة. ونسابة البربر يعدون في مزاتة بطوناً كثيرة مثل: بلايان وقرنة ومجيجة ودكمة وحمرة ومدونة. وكان لواتة هؤلاء ظواعن في مواطنهم بنواحي برقة كما ذكره المسعودي، وكان لهم في فتنة أبى يزيد آثار.
وكان منهم بجبل أوراس أمة عظيمة ظاهروا أبا يزيد مع بني كملان على أمره. ولم يزالوا بأوراس لهذا العهد مع من به من قبائل هوارة وكتامة، ويدهم العالية عليهم تناهز خيالتهم ألفاً وتجاوز رجالاتهم العدة. وتستكفي بهم الدولة في جباية من تحت أيديهم جبل أوراس من القبائل الغارمة فيحسنون الغناء والكفاية. وكانت البعوث مضروبة عليهم ينفرون بها في معسكر السلطان. فلما تقلص ظل الدولة عنهم صار بنو سعادة منهم في أقطاع أولاد محمد من الدواودة فاستعملوهم في مثل ما كانت الدولة تستعملهم فيه، فأصاروهم خولاً للجباية وعسكراً للاستنفار وأصبحوأ من جملة رعاياهم. وقد كان بقي جانب منهم لم تستوفه الإقطاعات، وهم بنو زنجان وبنو باديس فاستضافهم منصور بن مزني إلى عمله. فلما استبد مزني عن الدولة واستقلوا بالزاب صاروا يبعدونهم بالجبلية بعض السنين ويعسكرون عليهم لذلك بأفاريق الأعراب. وهم لهذا العهد معتصمون بجبلهم لا يجاوزونه إلى البسيط خوفاً من عادية الأعراب.
ولبني باديس منهم أتاوات على بلد نقاوس المختطة في سفح الجبل بما تغلبوا على ضواحيها. فإذا انحدر الأعراب ألى مشاتيهم اقتضوا منها أتاواتهم وخفارتهم. وإذا أقبلوا إلى مصايفهم رجع لواتة إلى معاقلهم الممتنعة على الأعراب. وكان من لواتة هؤلاء أمة عظيمة بضواحي تاهرت إلى ناحية القبلة وكانوا ظواعن هنالك على وادي ميناس ما بين جبل يعود من جهة الشرق وإلى وارصلف من جهة الغرب. يقال إن بعض أمراء القيروان نقلهم معه في غزوة وأنزلهم هنالك. وكان كبيرهم أورغ بن علي بن هشام قائداً لعبيد الله الشيعي.
ولما انتقض حميد بن يصل صاحب تاهرت على المنصور ثالث خلفاء الشيعة ظاهروه على خلافه، وجاوروه في مذاهب ضلاله إلى أن غلبه المنصور. وأجاز حميد إلى الأندلس سنة ست وثلاثين، وزحف المنصور يريد لواتة فهربوا أمامه إلى الرمال ورجع عنهم، ونزل إلى وادي ميناس ثم انصرف إلى القيروان.
وذكر ابن الرقيق: إن المنصور وقف هنالك على أثر من آثار الأقدمين بالقصور التي على الجبال الثلاثة مبنية بالحجر المنحوت، يبدو للناظر على البعد كأنها أسنمة قبور، ورأى كتاباً في حجر فسره له أبو سليمان السردغوس: خالف أهل هذا البلد على الملك فأخرجني إليهم ففتح لي عليهم وبنيت هذا البناء لأذكر به، هكذا ذكر ابن الرقيق. وكان بنو وجديجن من قبائل زناتة بمواطنهم من منداس جيراناً للواتة هؤلاء والتخم بينهما وادي ميناس وتاهرت. وحدثت بينهما فتنة بسبب امرأة أنكحها بنو وجديجن في لواتة فعيروها بالفقر، فكتبت بذلك إلى قومها ورئيسهم يومئذ عنان فتذامروا واستمدوا من وراءهم من زناتة فأمدوهم بعلي بن محمد اليفرني.
وزحفت مطماطة من الجانب الآخر في مظاهرتهم وعليهم غزانة أميرهم، وزحفوا جميعاً إلى لواتة فكانت بينهم وقائع وحروب هلك في بعضها علاق وأزاحوا عن الجانب الغربي السرسو، وألجؤهم إلى الجبل الذي في قبلة تاهرت المسمى لهذا العهد كركيرة، وكان به قوم من مغراوة فغدروا بهم، وتظاهروا جميعاً عليهم إلى أن أخرجوهم عن آخر مواطنهم في جهة الشرق بجبل يعود فنزلوا من ورائه الجبل المسمى لهذا العهد دارك. وانتشرت عمائرها بتلوله وما وراءه إلى الجبال المطلة على متيجة، وهم لهذا لعهد في عداد القبائل الغارمة. وجبل دارك في أقطاع ولد يعقوب بن موسى مشيخة العطاف من زغبة ومن لواتة أيضاً بطون بالجبال المعروفة بهم قبلة قابس وصفاقس ومنهم بنو مكي رؤساء قابس لهذا العهد.
ومنهم أيضاً بواحات مصر فيما ذكره المسعودي أمة عظيمة بالجيزة التي بينها وبين مصر. وكان لما قرب من هذه القصور شيخهم هنالك بدر بن سالم، وانتقض على الترك وسرحوا إليه العساكر فاستلحموا كثيراً من قومه وفر إلى ناحية برقة، وهو الآن في جوار العرب بها. ومن زناتة هؤلاء أحياء بنواحي تادلا قرب مراكش من الغرب الأقصى، ولهم هنالك كثرة. ويزعم كثير من الناس أنهم بنواحي جابر من عرب جشم، واختلطوا بهم وصاروا في عدادهم. ومنهم أوزاع مفترقون بمصر وقرى الصعيد شاوية وفلاحين، ومنهم أيضاً بضواحي بجاية قبيلة يعرفون بلواتة ينزلون بسيط تاكرارت من أعمالها ويعتمرونها فدناً لمزارعهم ومسارح لأنعامهم. ومشيختهم لهذا العهد في ولد راجح بن صواب منهم، وعليهم للسلطان جباية مفروضة وبعث مضروب. هؤلاء المعروفون من بطون لواتة ولهم شعرب أخرى كثيرة اندرجوا في البطون وتوزعوا بين القبائل، والله وارث الأرض ومن عليها.
بني فاتن الخبر عن بني فاتن من ضريسة إحدى بطون البرابرة البتر وتصاريف أحوالهم وهم بطون مطغرة ولماية وصدينة وكومية ومديونة ومغيلة ومطمامة وملزوزة ومكناسة ودونة، وكلهم من ولد فاتن بن تمصيت بن ضريس بن زحيك بن مادغيس الأبتر، ولهم ظهور من البرابر وأخبار نسردها بطناً بطناً إلى آخرها. مطغرة: وهم من أوفر هذه الشعوب. وكانوا خصاصين آهلين. وكان جمهورهم بالمغرب منذ عهد الإسلام ونوبة الفتح وشؤون الردة وحروبها، وكان لهم فيها مقامات. ولما استوسق الإسلام في البربر أجازوا إلى فتح الأندلس، وأجازت منهم أمم واستقروا هنالك. ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذ مطغرة هؤلاء برأي الصفرية. وكان شيخهم ميسرة، ويعرف بالحفير، مقدماً فيه.

ولما ولي عبيد الله بن الحبحاب على إفريقية من قبل هشام بن عبد الملك، وأمره أن يمضي إليها من مصر فقدمها سنة أربع عشرة، واستعمل عمر بن عبد الله المرادي على طنجة والمغرب الأقصى، وابنه إسمعيل على السوس وما وراءه. واتصل أمر ولايتهم وساءت سيرتهم في البربر ونقموا عليهم أحوالهم، وما كانوا يطالبونهم به من الوصائف البربريات والأفرية العسلية الألوان، وأنواع طرف المغرب، فكانوا يتغالبون في جمعهم ذلك وانتحاله. حتى كانت الصرمة من الغنم تستهلك بالذبح لاتخاذ الجلود العسلية من سخالها، ولا يوجد فيها مع ذلك إلا الواحد وما قرب منه. فكثر عيثهم بذلك في أموال البربر وجورهم عليهم، امتعض لذلك ميسرة الحفيد زعيم مطغرة وحمل البرابرة على الفتك بعمر بن عبد الله عامل طنجة فقتلوه سنة خمس وعشرين. وولى ميسرة مكانه عبد الأعلى بن خدع، الإفريقي الرومي الأصل، كان من موالي العرب وأهل خارجيتهم، وكان يرى رأي الصفرية فولاه ميسرة على طنجة، وتقدم إلى السوس فقتله عامله إسمعيل بن عبد الله، واضطرم المغرب ناراً. وانتقض أمره على خلفاء الممشرق فلم يراجع طاعتهم بعد.
وزحف ابن الحبحاب إليه من القيروان في العساكر وعلى مقدمته خالد بن أبي حبيب الفهري، فلقيهم ميسرة في جموع البرابرة، فهزم المقدمة واستلحمهم وقتل خالد. وتسامع البربر بالأندلس بهذا الخبر فثاروا بعاملهم عقبة بن الحجاج السلولي وعزلوه، وولوا عبد الملك بن قطن الفهري، وبلغ الخبر بذلك إلى هشام بن عبد الملك فسرح كلثوم بن عياض المري في اثني عشر ألفاً من جنود الشام، وولاه على إفريقية وأدال به من عبيد الله بن الحبحاب.
وزحف كلثوم إلى البرابرة سنة ثلاث وعشرين حتى انتهت مقدمته إلى وادي سبو من أعمال طنجة، فلقيه البرابرة هنالك مع ميسرة، وقد فحصوا عن أوساط رؤوسهم ونادوا بشعار الخارجية فهزموا مقدمته، ثم هزموه وقتلوه.
وكان كيدهم في لقائهم إياه، أن ملأوا الشنان بالحجارة وربطوها بأذناب الخيل تنادي بها فتقعقع الحجارة في شنانها، ومرت بمصاف العساكر من العرب فنفرت خيولهم، واختل مصافهم وانجرت عليهم الهزيمة فافترقوا، وذهب بلج مع الطلائع من أهل الشام إلى سبتة كما ذكرناه في أخبارهم. ورجع إلى القيروان أهل مصل وإفريقية وظهرت الخوارج في كل جهة، واقتطع المغرب عن طاعة الخلفاء إلى أن هلك ميسرة، وقام برئاسة مطغرة من بعده يحيى بن حارث منهم. وكان حليفاً لمحمد بن خزر ومغراوة. ثم كان من بعد ذلك ظهور إدريس بالمغرب فقدم بها البرابرة وتولى كبرها أوربة منهم كما ذكرناه. وكان على مطغرة يومئذ شيخهم بهلول بن عبد الواحد، فانحرف مالك عن إدريس إلى طاعة هرون الرشيد بمداخلة إبراهيم بن الأغلب عامل القيروان فصالحه إدريس وأنبأه بالسلم.
ثم ركد ريح مطغرة من بعد ذلك وافترق جمعهم، وجرت الدول عليهم أذيالها واندرجوا في عمال البربر الغارمين لهذا العهد بتلول المغرب وصحرائه. فمنهم ما بين فاس وتلمسان أمم يتصلون بكومية ويدخلون حلفهم، واندرجوا من لدن الدعوة الموحدية منهم ورئاستهم لولد خليفة. كان شيخهم على عهد الموحدين، وبنى لهم حصناً بمواطنهم على ساحل البحر يسمى تاونت. ولما انقرضت دولة بني عبد المؤمن، واستولى بنو مرين على المغرب قام هرون بن موسى بن خليفة بدعوة يعقوب بن عبد الحق سلطانهم، وتغلب على ندرومة. وزحف إليه يغراسن بن زيان فاسترجع ندرومة من يده وغلبه على تاونت. ثم زحف يعقوب بن عبد الله إليهم وأخذها من أيديهم وشحنها بالأقوات، واستعمل هرون ورجع إلى المغرب فحدثت هرون نفسه بالاستبداد، فدعا لنفسه معتصماً بذلك الحصن خمس سنين.
ثم حاصره يغمراسن واستنزله على صلح سنة اثنتين وسبعين وستمائة. ولحق هرون بيعقوب بن عبد الحق. ثم أجاز إلى الجهاد بإذنه واستشهد هنالك. وقام بأمر مطغرة من بعده أخوه تاشفين إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعمائة. واتصلت رياستهم على عقبه لهذا العهد. ومن قبائل مطغرة أمة بجبل قبلة فاس معروف بهم. ومنهم أيضاً قبائل كثيرون بنواحي سجلماسة وأكثر أهلها منهم. وربما حدثت بها عصبية من جراهم. ومن قبائل مطغرة أيضاً بصحراء المغرب كثيرون نزلوا بقصورها واغترسوا شجرة النخل على طريقة العرب. فمنهم بنوات قبلة سجلماسة إلى تمنطيت آخر عملها قوم كثيرون موطنون مع غيرهم من أصناف البربر.
ومنهم في قبلة تلمسان وعلى ستة مراحل منها، وهي قصور متقاربة بعضها من بعض، ائتلف منها مصر كبير مستبحر بالعمران البدوي، معدود في آحاد الأمصار بالصحراء، ضاح من ظل الملك والدول لبعده في القفر. ورياسته في بني سيد الملوك منهم. وفي شرقيها وعلى مراحل منها قرى أخرى متتابعة على سمتها متصاعدة قليلاً إلى الجوف، آخرها على مرحلة من قبلة جبل راشد. وهي في مجالات بني عامر من زغبة وأوطانهم من القفر، وقد تملكوها لحط أثقالهم وقضاء حاجاتهم حتى نسبت إليهم في الشهرة. وفي جهة الشرق عن هذه القصور، وعلى خمس مراحل منها دامعة متوغلة في القفر تعرف بقليعة. والآن يعتمرها رهط من مطغرة هؤلاء. وينتهي إليها ظواعن عن الملثمين من أهل الصحراء بعض السنين إذا لفحهم الهجير، يستبردون في تلولها لتوغلها فني ناحيتهم. ومن مطغرة هؤلاء أوزاع في أعمال المغرب الأوسط وإفريقية، ولله الخلق جميعاً.


عدل سابقا من قبل المعتمد بن عباد في الخميس سبتمبر 23, 2010 1:14 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 12:38 pm

لماية

وهم بطون فاتن بن تمصيت كما ذكرناه إخوة مطغرة، ولهم بطون كثيرة عد منها سابق وأصحابه بنوزكوفا ومزيزة ومليزة بنو مدينين كلهم من لماية. وكانوا ظواعن بإفريقية والمغرب، وكان جمهورهم بالمغرب الأوسط موطنين بتخومة مما يلي الصحراء. ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأي الأباضية ودانوا به، وانتحلوه وانتحله جيرانهم من مواطنهم تلك من لواتة وهوارة. وكانوا بأرض السرسو قبلة منداس وزواغة وكانوا في ناحية الغرب عنهم. وكانت مطماطة ومكناسة وزناتة جميعاً في ناحية الجوف والشرق، فكانوا جميعاً على دين الخارجية وعلى رأي الأباضية منهم. وكان عبد الرحمن بن رستم من مسلمة الفتح، وهو من ولد رستم أمير الفرس بالقادسية. وقدم إلى إفريقية مع طوالع الفتح فكان بها. وأخذ بدين الخارجية والأباضية منهم. وكان شيعة لليمنية وحليفاً لهم.
ولما تحزب الأباضية بناحية طرابلس منكرين على ورفجومة فعلهم في القيروان كما مر واجتمعوا إلى أبي الخطاب عبد الأعلى بن السمح المغافري إمام الإباضية فملكوا طرابلس. ثم ملكوا القيروان، وقتلوا واليها من ورفجومة عبد الملك بن أبي الجعد، وأثخنوا في ورفجومة وسائر نفراوة سنة إحدى وأربعين. ورجع أبو الخطاب والأباضية الذين معه من زناتة وهوارة وغيرهم بعد أن استخلف على القيروان عبد الرحمن بن رستم. وبلغ الخبر بفتنة ورفجومة هذه واضطراب الخوارج من البربر بإفريقية والمغرب، وتسلفهم على الكرسي للإمارة بالقيروان إلى المنصور أبي جعفر فسرح محمد بن الأشعث الخزاعي في العساكر إلى إفريقية، وقلده حرب الخوارج بها، فقدمها سنة أربع وأربعين.
ولقيهم أبو الخطاب في جموعه قريباً من طرابلس فأوقع به ابن الأشعث وبقومه.
وقتل أبو الخطاب وطار الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن رستم بمكان إمارته في القيروان فاحتمل أهله وولده، ولحق بأباضية المغرب الأوسط من البرابرة الذين ذكرناهم. ونزل على لماية لقديم حلف بينه وبينهم فاجتمعوا إليه وبايعوا له بالخلافة وائتمروا في بناء مدينة ينصبون بها كرسي إمارتهم، فشرعوا في بناء مدينة تاهرت في سفح جبل في كزول السياح على تلول منداس، واختطوها على وادي ميناس النابعة منه عيون بالقبلة، ويمر بها وبالبطحاء إلى أن يصب في وادي شلف. فأسسها عبد الرحمن بن رستم واختطها سنة أربع وأربعين ومائة فتمدنت واتسعت خطتها إلى أن هلك عبد الرحمن، وولي ابنه عبد الوهاب من بعده، وكان رأس الإباضية.

وزحف سنة ست وتسعين مع هوارة إلى طرابلس، وبها عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب من قبل أبيه، فحاصره في جموع الأباضية من البربر إلى أن هلك إبراهيم بن الأغلب، واستقدم عبد الله بن الأغلب لأمارته بالقيروان فصالح عبد الوهاب على أن تكون الضاحية لهم. وانصرف إلى نفوسة ولحق عبد الله بالقيروان، وولى عبد الوهاب ابنه ميموناً وكان رأس الأباضية والصفرية والواصلية. وكان يسلم عليه بالخلافة. وكان أتباعه من الواصلية وحدهم ثلاثين ألفاً من ظواعن ساكنين بالخيام. ولم يزل الملك في بني رستم هؤلاء بتاهرت، وحاربهم جيرانهم من مغراوة وبني يفرن على الدخول في طاعة الأدارسة لما ملكوا تلمسان، وأخذت بها زناتة من لدن ثلاث وسبعين ومائة فامتنعوا عليهم سائر أيامهم، إلى أن كان استيلاء أبي عبد الله الشيعي على إفريقية والمغرب سنة ست وتسعين فغلبهم على مدينة تاهرت وابتزهم ملكهم بها.
وبث دعوة عبيد الله في أقطار المغربين، فانقرض أمرهم بظهور هذه الدولة وعقد عروبة بن يوسف الكتامي فاتح المغرب للشيعة على تاهرت لأبي حميد دواس بن صولان اللهيصي في غزاته إلى المغرب سنة ثمان وتسعين فأثخن في برابرتها الأباضية من لماية وازداجة ولواتة ومكناسة ومطماطة، وحملهم على دين الرافضة وفسخ بها دين الخارجية حتى استحكم في عقائدهم. ثم وليها أيام إسمعيل المنصور بصلاصن بن حبوس. ثم نزع إلى دعوة الأموية وراء البحر، ولحق بالخير بن محمد بن خزر صاحب دعوتهم في زناتة. واستعمل المنصور بعده على تاهرت ميسوراً الخصي مولاه، وأحمد بن الزجالي من صنائعه، فزحف إليها حميد والخير وانهزم ميسور، واقتحموا تاهرت عنوة وتقبضوا على أحمد الزجالي وميسور إلى أن أطلقوهما بعد حين.
ولم تزل تاهرت هذه ثغراً لأعمال الشيعة وصنهاجة سائر أيامهم، وتغلبت عليهما زناتة مراراً ونازلتها عساكر بني أمية زاحفة في أثر زيري بن عطية أمير المغرب من مغراوة أيام أجاز المظفر بن أبي عامر من العدوة إلى حربه. ولم يزل الشأن هذا إلى أن انقرض أمر تلك الدول وصار أمر المغرب إلى لمتونة. ثم صار إلى دولة الموحدين من بعدهم وملكوا المغربين. وخرج عليهم بنوغانية بناحية قابس، ولم يزل يحيى منهم يجلب على ثغور الموحدين، ويشن الغارات على بسائط إفريقية والمغرب الأوسط. وتكرر دخوله إليها عنوة مرة بعد أخرى إلى أن احتمل سكانها وخلا جوها وعفا رسمها لما يناهز عشرون من المائة السابعة والأرض لله.
وأما قبائل لماية فانقرضوا وهلكوا بهلاك مصرهم الذي اختطوه وحازوه وملكوه سنة الله في عباده. وبقيت فرق منهم أوزاعاً في القبائل، ومنهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس، وهم بها لهذا العهد. وقد كان النصرانية من أهل صقلية ملكوها على من بها من المسلمين، وهي قبائل لماية وكتامة مثل: جربة وسدويكس ووضعوا عليهم الجزيه، وشيدوا على ساحل البحر بها معقلاً لإمارتهم سموه القشتيل. وطال تمرس العساكر به من حضرة الدولة الحفصية بتونس حتى كان افتتاحها أعوام ثمان وثلاثين من المائة الثامنة في دولة مولانا السلطان أبي بكر، وعلى يد مخلوف بن الكماد من صنائعه. واستقرت بها الدعوة الإسلامية إلى هذا العهد. إلا أن القبائل الذين بها من البربر لم يزالوا يدينون بدين الخارجية، ويتدارسون مذاهبهم وبينهم مجلدات تشتمل على تآليف لأئمتهم في قواعد ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقراءتها والله خلقكم وما تعملون.

مطماطة

وهم إخوة مطغرة ولماية من ولد فاتن بن تمصيت الذين مر ذكرهم وهم شعوب كثيرة. وعن سابق المطماطي وأصحابه من النسابة أن اسم مطماط مصكاب ومطماط لقب له وأن شعوبهم من لوا بن مطماط. وأنه كان له ولد آخر اسمه ورنشيط، ولم يذكروا له عقباً قالوا: وكان للوا أربعة من الولد: ورماكسن ويلاغف ووريكول ويليصن. ولم يعقب بليصن وأعقب الثلاثة الباقون، ومنهم افترقت شعوب مطماطة كلها. فأما ورماس فمنه مصمود ويونس ويفرين، وأما وريكول فكان له من الولد كلثام ومسيدة وفيدن ولم يعقب مسيدة ولا فيدن. وكان لكلثام عصفراصن وسليايان فمن سليايان ووريغني ووصدى وقسطايان وعمرو ويقال لهؤلاء الخمسة بنو مصطلودة سموا بأمهم. وكان لعصفراصن يرهاض ويصراصن. فمن يصراصن ورتجين ووريكول وجليدا وسكوم، ويقال لهم بني تليفكتان سموا بأمهم. وكان ليزهاض يليت ويصلاسن. فمن يليت ورسفلاسن وسكن ومحمد ومكديل ودكوال.
ومن يصلاسن فان يولين ويتماسن وماركسن ومسافر وفلوسن ووريجيد، ونافع وعبد الله وغرزاي. وأما يلاغف بن لوا بن مطماط فكان له من الولد دهيا وثابتة فمن ثابتة ماجرسن وريغ وعجلان ويفام وقرة. وكان لدهيا ورتجى ومجلين. فمن ورتجى مقرين وتور وسكم وعمجميس. ومن مجلين ماكور وأشكول وكيلان ومذكون وقطارة وأبورة. شعوب مطماطة كما ذكر نسابة البربر سابق وأصحابه، وهم مفرقون في المواطن. فمنهم من نواحي فاس من قبلتها في جبل هنالك معروف بهم ما بين فاس وصفروى. ومنهم بجهات قابس والبلد المختط على العين الحامية من جهة غربها منسوب إليهم. ولهذا العهد يقال حمة مطماطة، ويأتي ذكرها في الدولة الحفصية. وممالك إفريقية وبقاياهم أوزاع من القبائل، وكانت مواطن جمهورهم بتلول منداس عند جبل وانشريس وجبل كزول من نواحي تاهرت. وكان لهم بتلك المواطن أخريات دولة صنهاجة استفحال وصولة.
وفي فتنة حماد بن بلكين مع باديس بن المنصور مقامات وآثار. وكان كبيرهم يومئذ عزانة، وكانت له مع البرابرة المجاورين له من لواتة وغيرهم حروب وأيام. ولما هلك عزانة قام بأمره في مطماطة ابنه زيري فمكث فيهم أياماً ثم غلبت صنهاجة على أمره فأجاز البحر إلى العدوة، ونزل على المنصور بن أبي عامر فاصطنعه ونظمه في طبقة الأمراء من البربر الذين كانوا في جملته، واستظهره على أمره فكان من أوجه رجالهم ، وأعظمهم قدراً لديه إلى أن هلك، وأجراه ابنه المظفر من بعده وأخوه عبد الرحمن الناصر على سنن أبيهما في ترفيع مكانه وإخلاص ولايته، وكان عند ثورة محمد بن هشام بن عبد الجبار غائباً مع أبي عامر في غزاة النعمان مع من كان معه من أمراء البربر وعرفائهم. فلما رأوا انتقاض أمره وسوء تدبيره لحقوا بمحمد بن هشام المهدي فكانوا معه إلى أن كانت الفتنة البربرية بالأندلس إلى أن هلك هنالك ولا أدري أي السنين كان مهلكه، وأجاز إلى الأندلس وهلك زيري هنالك، لا أدري أي السنين كان مهلكه. وأجاز الأندلس أيضاً من رجالتهم كهلان بن أبي لوا بن يصلاصن ونزل على الناصر، وهو من أهل العلم بأنساب البربر. وكان من مشاهيرهم أيضاً النسابة سابق بن سليمان بن حراث بن مولات بن دوفاس وهو كبير نسابة البربر ممن علمناه. وكان منهم أيضاً عبد الله بن إدريس كاتب الخراج لعبيد الله المهدي في آخرين يطول ذكرهم.
وهذا ما تلقيناه من أخباز مطماطة. وأما موطن منداس فزعم بعض الإخباريين من البربر، ووقفت على كتابه في ذلك أنه سمي بمنداس بن مغر بن أوريغ بن كبوري بن المثني وهو هوار وكأنه والله أعلم يشير إلى أداس بن زحيك الذي يقال أنه ربيب هوار كما يأتي في ذكرهم، إلا أنه اختلط عليه الأمر. وكان لمنداس من الولد: شراوة وكلثوم وتكم. قال: ولما استفحل أمر مطماطة وكان شيخهم لهذا العهد إرهاص بن عصفراصن فأخرج منداس من الوطن وغلبه على أمره، واعتمر بنوه موطن منداس ولم يزالوا به كلامه وبقية هؤلاء القوم لهذا العهد بجبل وادشنيش، لحقوا به لما غلبهم بنوتوجين من زناتة على منداس وصاروا في عداد قبائل الغارمة والله وارث الأرض ومن عليها.

مغيلة

وهم إخوة مطامطة ولماية كما قلناه، وإخوتهم ملزوزة معدودون منهم. وكذلك دونة وكشاتة ولهم افتراق في الوطن. وكان منهم جمهوران: أحدهما بالمغرب الأوسط عند مصب شلف في البحر من ضواحي مازونة المصر لهذا العهد. ومن ساحلهم أجاز عبد الرجمن الداخل إلى الأندلس، ونزل بالمنكب فكان منهم أبو قرة المغيلي الدائن بدين الصفرية من الخوارج ملك أربعين سنة. وكانت بينه وبين أمراء العرب بالقيروان لأول دولة بني العباس حروب ونازل طبنة. وقد قيل إن أبا قرة هذا من بني مطماطة، وهذا عندي صحيح، فلذلك أخرت ذكر أخباره إلى أخبار بني يفرن من زناتة.
وكان منهم أيضاً أبو حسان، ثار بإفريقية لأول الإسلام وأبو حاتم يعقوب بن لبيب بن مرين بن يطوفت من ملزوز الثائر مع أبي قرة سنة خمسين ومائة. وتغلب على القيروان فيما ذكر خالد بن خراش وخليفة بن خياط من علمائهم. وذكروا من رؤسائهم أيضاً موسى بن خليد ومليح بن علوان وحسان بن زروال الداخل مع عبد الرحمن. وكان منهم أيضاً دلول بن حماد أميراً عليهم في سلطان يعلى بن محمد اليفرني، وهو الذي اختط بلد إيكري على اثني عشر ميلاً من البحر، وهي لهذا العهد خراب لم يبق منها إلا الأطلال ماثلة. ولم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع ولا حي. وكان جمهورهم الآخر بالمغرب الأقصى، وهم الذين تولوا مع أوربة وصدينة القيام بدعوة إدريس بن عبد الله لما لحق بالمغرب وأجازه، وحملوا قبائل البربر على طاعته والدخول في أمره. ولم يزالوا على ذلك إلى أن اضمحلت دولة الأدارسة وبقاياهم لهذا العهد بمواطنهم ما بين فاس وصفروي ومكناسة والله وارث الأرض ومن عليها.

مدبونة

وهم من إخوة مغيلة ومطماطة من ولد فاتن كما قلناه، وكانت مواطن جمهورهم بنواحي تلمسان ما بين جبل بني راشد لهذا العهد إلى الجبل المعروف بهم قبلة وجدة يتقلبون بظواعنهم في ضواحيه وجهاته. وكان بنو يلومي وبنو يفرن من قبلهم يجاورونهم من ناحية المشرق، ومكناسة من ناحية المغرب، وكومية وولهاصة من جهة الساحل.
وكان من رجالاتهم المذكورين جرير بن مسعود كان أميراً عليهم، وكان مع أبي حاتم وأبي قرة في فتنتهم، وأجاز إلى الأندلس في طوالع القتح كثير منهم، فكان لهم هنالك استفحال. وخرج هلال بن أ بزيا منهم بشنتمرية على عبد الرحمن الداخل متبعاً شقياً المكناسي في خروجه. ثم راجع الطاعة فتقبله وكتب له على قومه فكان بشرق الأندلس وشنتمرية. ثم خلفه بها من قومه نابتة بن عامر. ولما تغلب بنو توجين وبنو راشد من زناتة على ضواحي المغرب الأوسط، وكان مديونة هؤلاء قد قل عددهم وفل حدهم فداخلتهم زناتة على الضواحي من مواطنهم وتملكوها، وصارت مديونة إلى الحصون من بلاده بجبل تاسالة وجبل وجدة المعروف بهم. وضربت عليهم المغارم وتمرست بهم الأيام، فلم يبق منهم هنالك إلا صبابة محترفون بالفلح. ومنهم أيضاً أوزاع في القبائل مندرجون فيهم. وبنواحي فاس ما بينها وبين صفروي قبيلة منهم مجاورة لمغيلة، والله يرث الأرض ومن عليها.

كومية

وهم المعروفون قديماً بصطفورة إخوة لماية ومطغرة، وهم من ولد فاتن كما قدمنا، ولهم ثلاث بطون منها تفرعت شعوبهم وقبائلهم وهي ندرومة وصغارة وبنو يلول: فمن ندرومة نغوطة وحرسة وفردة وهفانة وفراتة. ومن بني يلول: مسيفة ووتيوة وهبيئة وهيوارة ووالغة. ومن صغارة ماتيلة وبنو حياسة. وكان منهم النسابة المشهور هاني بن مصدور بن مريس بن نقوط هذا هو المعروف في كتبهم.
وكان مواطن كومية بالمغرب الأوسط لسيف البحر من ناحية أرشكول وتلمسان.

وكان لهم كثرة موفورة وشوكة مرهوبة. وصاروا من أعظم قبائل الموحدين لما ظاهروا المصامدة على أمر المهدي وكلمة توحيده. وربما كانوا رهط عبد المؤمن صاحبه وخليفته فإنه كان من بني عابد أحد بيوتاتهم، وهوعبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى بن مروان بن نصر بن علي بن عامر بن الأمير بن موسى بن عبد الله بن يحيى بن ورنيغ بن صطفور، وهكذا نسبه مؤرخو دولة الموحدين إلى صطفور. ثم يقولون صطفور بن نفور بن مطماط بن هودج بن قيس غيلان بن مضر. ويذكر بعضهم أنه منقول من خط أبي محمد عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن فأما انتسابهم في قيس غيلان فقد ذكرنا أنه غير صحيح. وفي أسماء هذا العمود من نسب عبد المؤمن ما يدل على أنه مصنوع، إذ هذه الأسماء ليست من أسماء البربر، وإنما هي كما تراه كلها عربية والقوم كانوا من البرابرة معروفون بينهم. وانتساب مطغور إلى مطماط تخليط أيضاً فإنهما أخوان عند نسابة البربر أجمع، وعبد المؤمن بلا شك منهم، والله أعلم بما سوى ذلك.
وكان عبد المؤمن هذا من بيوتاتهم وأشرافهم وموطنهم بتاكرارت، وهو حصن في الجبل المطل على هنين من ناحية الشرق. ولما نجم عبد المؤمن فيهم وشب ارتحل في طلب العلم فنزل بتلمسان. وأخذ عن مشيختها مثل ابن صاحب الصلاة وعبد السلام التونسي، وكان فقيهاً صالحاً، وهو ضجيع الشيخ أبي مدين في ترتبه. ولما هلك عبد السلام هذا، ولم يحذق تلميذه بعد في فنونه وكان شيخ عصره في الفقه والكلام. تعطش التلميذ بعده إلى القراءة، وبلغهم خبر الفقيه محمد بن تومرت المهدي ووصولهم إلى بجاية. وكان يعرف إذ ذاك بالفقيه السوسي نسبة إلى السوس. ولم يكن لقب المهدي وضع عليه بعد.
وكان في ارتحاله من المشرق إلى المغرب قد أخذ نفسه من تغيير المنكر، الذي شأنه وطريقته نشر العلم وتبيين الفتاوى وتدريس الفقه والكلام. وكان له في طريقته الأشعرية إمامة وقدم راسخة، وهو الذي أدخلها إلى المغرب كما ذكرناه، وتشوق طلبة العلم بتلمسان إلى الأخذ عنه وتفاوضوا في ذلك وندب بعضهم بعضاً إلى الرحلة إليه لاستجلابه، وأن يكون له السبق بإتحاف القطر بعلومه. فانتدب لها عبد المؤمن على مكانه من صغر السن بنشاطه للسفر لبداوته، فارتحل إلى بجاية للقائه وترغيبه في نزوله تلمسان فلقيه بملالة، وقد استحكمت بينه وبين العزيز النفرة وبنو ورياكل متعصبون على إجارته منهم، ومنعه من إذايته والوصول إليه. فألقى إليه عبد المؤمن ما عنده من الترغيب، وأدى إليه رسالة طلبة العلم بتلمسان فوعاها، وشأنه غير شأنهم.
وعكف عبد المؤمن على التعليم والأخذ عنه في ظعنه ومقامه. وارتحل إلى المغرب في صحابته، وحذق في العلم وآثره الإمام بمزيد الخصوصية والقرب، بما خصه الله به من الفهم والوعي للتعليم، حتى كأنه خالصة الإمام وكبير صحابته. وكان يؤمله لخلافتة لما ظهر عليه من الشواهد المدونة بذلك. ولما اجتازوا في طريقهم إلى المغرب بالثعالبة من بطون العرب الذين ذكرناهم قبل في نواحي المدينة. قربوا إليه حماراً فارهاً يتخذه له عطية لركوبه فكان يؤثر به عبد المؤمن، ويقول لأصحابه اركبوه الحمار يركبكم الخيول المسومة. ولما بويع فه بهرغة سنة خمس عشرة وخمسمائة، واتفقت على دعوته كلمة المصامدة وحاربوا لمتونة نازلوا مراكش.
وكانت بينهم في بعض أيام منازلتها حرب شديدة هلك فيها من الموحدين الألف، فقيل للإمام إن الموحدين قد هلكوا. فقال لهم ما فعل عبد المؤمن. قالوا: هو على جواده الأدهم قد أحسن البلاء. فقال ما بقي عبد المؤمن فلم يهلك أحد! ولما احتضر الإمام سنة اثنتين وعشرين عهد بخلافته في أمره لعبد المؤمن واستراب من العصبية بين المصامدة، فكتم موت المهدي وأرجأ أمره حتى صدع الشيخ أبو حفص أمير هنتانة وكبير المصامدة لمصاهرته. وأمضى عهد الإمام فيه فقام بالأمر واستبد بشياخة الموحدين رخلافة المسلمين.
ونهض سنة سبع وثلاثين إلى فتح المغرب فدانت له غمارة. ثم ارتحل منها إلى الريف ثم إلى بطوية ثم إلى بطالسة ثم إلى بني يزناسن. ثم إلى مديونة ثم إلى كومية وجيرانهم ولهاصة، وكانوا يلونهم في الكثرة فاشتد عضده بقومه، ودخلوا في أمره وشايعوه على تمكين سلطانه بين الموحدين وخلافته. ولما رجع إلى المغرب وافتتح أمصاره واستولى على مراكش استدعى قومه للرحلة إليها والعسكرة عليه فخف جمهورهم إلى المغرب واستوطن مراكش لحمل سرير الخلافة والقيام بأمر الدعوة والذب عن ثغورهم والمدافعة، فاعتضد بهم عبد المؤمن وبنوه سائر الدولة، وكانوا بمكانتهم فاتحة الكتاب وفذلكة الجماعة. وأنفقهم الملك في الفتوح والعساكر، وأكلتهم الأقطار في تجهيز الكتائب وتدويخ الممالك فانقرضوا وبقي بمواطنهم الأولى بقايا منهم: بنو عابد وهم في عداد القبائل الغارمة قد أثقلت زناتة كاهلهم فحملوا المغرم، والعسف ونهوضهم بالتكاليف. ونظموهم مع جيرانهم ولهاصة في سوم الخسف والذل واقتضاء الخراج بالنكال والعذاب، والله مبدل الأمر ومالك الملك سبحانه.
زواوة وزواغة الخبر عن زواوة وزواغة من بطون ضريسة من البرابر البتر والإلمام ببعض أحوالهم هؤلاء البطون من بطون البرابرة البتر من ولد سمكان بن يحيى بن ضري بن زحيك بن مادغيس الأبتر. وأقرب ما يليهم من البرابر زناتة لأن أباهم أجانا هو أخو سمكان ابن أبيه فلذلك كانوا ذوي قربى لهم.
زواوة فأما زواوة فهم من بطونهم، وقد يقال إن زواوة من قبائل كتامة، ذكر ذلك ابن حزم. ونسابة البربر إنما يعدونهم من ولد سمكان كما قلناه، والصحيح عندي ما ذكره ابن حزم. ويشهد له الموطن ونحلة الشيع مع كتامة لعبيد الله. وعد نسابة البربر لهم بطوناً كثيرة: بنو مجسطة وبنو مليكش وبنو كوفي ومشدالة وبنو زريقف وبنو كوزيت وكرسفينة ووزلجة وخوجة وزكلاوة وبنو مرانة، ويقال إن بني مليكش من صنهاجة والله أعلم.
ومن قبائلهم المشهورة لهذا العهد: بنو يجرو وبنو مانكلات وبنو يترون وبنو ماني ينو بوغردان وبنو يتورغ وبنو بو يوسف وبنو عبسي وبنو بو شعيب وبنو صدقة وبنو غبرين بنو كشطولة. ومواطن زواوة بنواحي بجاية ما بين مواطن كتامة وصنهاجة، أوطنوا منها جبالاً شاهقة متوعرة تنذعر منها الأبصار وفضل في خمرها السالك مثل: بني غبرين بجبل زيري، وفيه شعراء من شجر الزان يشهد بها لهذا العهد. ومثل بني فراسن وبني براثن. جبلهم ما بين بجاية وتدلس وهوأعصم معاقلهم وأمنع حصونهم، فلهم به الاعتزاز على الدول والخيار عليها في إعطاء المغرم، مع أن كلهم لهذا العهد قد امتنع لساهمه، واعتز على السلطان في أبناء طاعته وقانون مزاجه.
وكانت لهم في دولة صنهاجة مقامات مذكورة في السلم والحرب، بما كانوا أولياء كتامة. وظهر أولهم على أمرهم من أول الدولة وقتل بادس بن المنصور في إحدى وقائعه بهم، وشيخهم زيري بن أجانا لاتهامه إياه في أمر حماد. ثم اختط بنو حماد بعد ذلك بجاية بساحتهم وتمرسوا بهم فانقادوا وأذعنوا لهم إلى آخر الدولة. واتصل إذعانهم إلى هذا العهد إلا تمريضاً في المغرم يحملهم عليه الموثقون بمنعة جبالهم. وكانت رئاسة بني يراتن منهم في بني عبد الصمد من بوتاتهم. وكانت عند تغلب السلطان أبي الحسن على المغرب الأوسط شيخة عليهم من بني عبد الصمد هؤلاء اسمها شمسي، وكان لها عشرة من الولد فاستفحل شأنها بهم وملكت عليهم أمرهم.
ولما تقبض السلطان أبو الحسن على ابنه يعقوب المكنى بأبي عبد الرحمن عندما فر من معسكره بمتيجة سنة ثمان أو سبع وثلاثين وسرح في أثره الخيالة فرجعوه واعتقله. ثم قتله من بعد ذلك حسبما يذكر في أخبارهم. لحق حينئذ بني بزاتن هؤلاء خازن من مطبخة فموه عليهم باسمه وشبه بتمثاله، ودعا إلى الخروج على ابنه بزعمه فشمرت شمسي هذه عزائمها في إجازته، وحملت قومها على طاعته. وسرب السلطان أبو الحسن أمواله في قومها وهما على السلامة فأبته. ثم نمي إليها الخبر بمكره وتمويهه فنبذت إليه عهده وخرج عنها إلى بلاد العرب كما نذكر بعض ذلك في أخبارهم. وقدمت على السلطان أبي الحسن في وفد من قومها وبعض بنيها فأبلغ السلطان في تكريمها وأحسن صلتها وأجاز الوفد ورجعت بهم إلى موطنها ولم تزل الرئاسة في هذا البيت.
زواغة
وأما زواغة فلم يتأد إلينا من أخبارهم وتصاريف أحوالهم ما نعمل في الأقلام، ولهم ثلاثة بطون وهي: دمر بن زواغ وبنو واطيل بن زحيك بن زواغ وبنو ماخر بن تيفون بن زواغة. ومن دمر بنو سمكان، وهم أوزاع في القبائل. ومنهم بنواحي طرابلس مفترقون في براريها ولهم هنالك الجبل المعروف بدمر. وفي جهات قسطنطينة أيضاً رهط من زواغة. وكذلك بجبال شلف بنو واطيل منهم وبنواحي فاس أخرون، ولله الخلق والأمر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 6:18 pm

مكناسة


الخبر عن مكناسة وسائر بطون بني ورصطف وما كان لمكناسة من الدول بالمغرب وأولية ذلك وتصاريفه


كان لورصطف بن يحيى، وهو أخو اجانا بن يحيى وسمكان بن يحيى، ثلاثة من البطون وهم: مكناسة وورتناجة وأوكته. ويقال مكنة وبنو ورتناجة أربعة بطون: سدرجة ومكسة وبطالسة وكرنيطة. وزاد سابق وأصحابه في بطونهم هناطة وفولالة، وكذلك عدوا في بطون مكنة: بني يصلتن وبني تولالين وبني ترين وبني جرتن وبني فوغال. ولمكناسة عندهم أيضاً بطون كثيرة منها: صولات وبنو حوات وبنو ورفلاس وبنو وريدوس وقنصارة وورنيفة ووريفلتة. وبطون ورصطف كلهم مندرجون في بطون مكناسة. وكانت مواطنهم على وادي ملوية من لدن أعلاه بسجلماسة إلى مصبه في البحر، وما بين ذلك من نواحي تازا وتسول. وكانت رئاستهم جميعاً في بني أبي يزول واسمه مجدول بن تافريس بن فراديس بن ونيف بن مكناس. وأجاز منهم إلى العدوة عند الفتح أمم.
وكانت لهم بالأندلس رئاسة وكثرة. وخرج منهم على عبد الرحمن الداخل شعيا بن عبد الواحد سنة إحدى وخمسين واعتصم بشنتمرية ودعا لنفسه منتسباً إلى الحسن بن علي، وتسمى عبد الله بن محمد وتلقب بالفاطمي، وكانت بينه وبين عبد الرحمن حروب إلى أن غلبه ومحا أثر ضلالته. وكان من رجالتهم لعهد دولة الشيعة مصالة بن حبوس بن منازل، اتصل بعبيد الله الشيعي، وكان من أعظم قواده وأوليائه وولاه تاهرت وافتتح له المغرب وفاس وسجلماسة.
ولما هلك أقام أخاه يصلتن بن حبوس مقامه في ولاية تاهرت والمغرب. ثم هلك وأقام ابنه حميداً مقامه فانحرف عن الشيعة، ودعا لعبد الرحمن الناصر. واجتمع مع بني خزر أمراء جراوة على ولاية المروانية. ثم أجاز إلى الأندلس وولي الولايات أيام الناصر وابنه الحكم، وولي في بعضها تلمسان بدعوتهم. ثم هلك وأقام ابنه نصل بن حميد وأخوه فياطن بن يصلتن وعلي ابن عمه مصالة في ظل الدولة الأموية إلى أن أجاز المظفربن أبي عامر إلى المغرب فولى يصل بن حميد سجلماسة كما نذكره. ثم أن رئاسة مكناسة بالعدوة انقسمت في بني أبي يزول، وانقسمت قبائل مكناسة بانقسامها. وصارت رئاسة مكناسة في مواطن سجلماسة وما إليها من بني واسول بن مصلان بن أبي يزول، ورئاسة مكناسة بجهات تازا وتسول وملوية ومليلة لبني أبي العافية بن أبي نائل بن أبي الضحاك بن أبي يزول. ولكل واحد من هذين الفريقين في الإسلام دولة وسلطان وصاروا به في عداد الملوك كما نذكره.
دولة بني واسول الخبر عن دولة بني واسول ملوك سجلماسة وأعمالها من مكناسة كان أهل مواطن سجلماسة من مكناسة يدينون لأول الإسلام بدين الصفرية من الخوارج لقنوه عن أئمتهم ورؤوسهم من العرب لما لحقوا بالمغرب وأنتزوا على الأصقاع، وماجت أقطار المغرب بفتنة ميسرة. فلما اجتمع على هذا المذهب زهاء أربعين من رجالاتهم نقضوا طاعة الخلفاء وولوا عليهم عيسى بن يزيد الأسود من موالي العرب ورؤوس الخوارج. واختطوا مدينة سجلماسة لأربعين ومائة من الهجرة. ودخل سائر مكناسة من أهل تلك الناحية في دينهم. ثم سخطوا أميرهم عيسى ونقموا عليه كثيراً من أحواله فشدوه كتافاً ووضعوه على قنة جبل إلى أن هلك سنة خمس وخمسين. واجتمعوا بعده على كبيرهم أبي القاسم سمكو بن مصلان بن أبي يزول، كان أبوه سمقو من حملة العلم، ارتحل إلى المدينة فأدرك التابعين وأخذ عن عكرمة مولى ابن عباس، ذكره غريب بن حميد في تاريخه، وكان صاحب ماشية، وهو الذي بايع لعيسى بن يزيد، وحمل قومه على طاعته فبايعوه من بعده.

[b]وقاموا بأمره إلى أن هلك سنة سبع وستين ومائة لمنتهى عشر سنين من ولايته، وكان أباضياً صفرياً. وخطب في عمله للمنصور والمهدي من بني العباس. ولما هلك ولوا عليهم ابنه إلياس، وكان يدعى بالوزير. ثم انتقضوا عليه سنة أربع وتسعين فخلعوه، وولوا مكانه أخاه إليسع بن أبي القاسم وكنيته أبو منصور، فلم يزل أميراً عليهم. وبنى سور سجلماسة لأربع وثلاثين سنة من ولايته. وكان أباضياً صفرياً. وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة. وهو الذي أتم بناءها وتشييدها، واختط بها المصانع والقصور، وانتقل إليها آخر المائة الثانية ودوخ بلاد الصحراء وأخذ الخمس من معادن درعة، وأصهر لعبد الرحمن بن رستم صاحب تاهرت بابنه مدرار في ابنته أروى فأنكحه إياها.
ولما هلك سنة ثمان ومائتين ولي بعده ابنه مدرار، ولقبه المنتصر، وطال أمر ولايته. وكان له ولدان اسم كل واحد منهما ميمون، أحدهما لأروى بنت عبد الرحمن بن رستم، وقيل إن اسمه أيضاً عبد الرحمن. والآخر لتقي وتنازعا في الاستبداد على أبيه، ودامت الحرب بينهما ثلاث سنين. وكانت لأبيهما مدرار صاغية إلى ابن أروى فمال معه خى غلب أخاه فأخذه وأخرجه عن سجلماسة. ولم يلبث أن خلع أباه واستبد بأمره. ثم ساءت سيرته في قومه ومدينته فخلعوه وصار إلى درعة وأعاد مدراراً إلى أمره. ثم حدث نفسه بإعادة ابنه ميمون بن الرستمية إلى أمارته بصاغيته إليه فخلعوه، ورجعوا ابنه ميمون بن التقي، وكان يعرف بالأمير.
ومات مدار إثر ذلك سنة ثلاث وخمسين لخمس وأربعين من ملكه. وأقام ابنه ميمون في استبداده إلى أن هلك سنة ثلاث وستين وولي ابنه محمد، وكان أباضياً. وتوفي سنة سبعين فولي إليسع بن المنتصر وقام بأمره، ولحق عبيد الله الشيعي وابنه وأبو القاسم بسجلماسة لعهده. وأوعز المعتضد إليه في شأنهما، وكان على طاعته فاستراب بهما وحبسهما إلى أن غلب الشيعي بني الأغلب، وملك رقادة فزحف إليه لاستخراج عبيد الله وابنه من محبسه، وخرج اليه إليسع في قومه مكناسة فهزمه أبوعبد الله الشيعي، واقتحم عليه سجلماسة وقتله سنة ست وتسعين. واستخرج عبيد الله وابنه من محبسهما وبايع لهما. وولى عبيد الله المهدي على سجلماسة إبراهيم بن غالب المزاتي من رجالات كتامة، وانصرف إلى إفريقية.
ثم انتقض أمرأء سجلماسة على واليهم إبراهيم فقتلوه ومن كان معه من كتامة سنة ثمان وتسعين، وبايعوا الفتح بن ميمون الأمير بن مدرار، ولقبه واسول، وميمون ليس هو ابن التقي الذي تقدم ذكره، وكان أباضياً. وهلك قريباً من ولايته لرأس المائة الثالثة، فولي أخوه أحمد واستقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حبوس في جموع كتامة ومكناسة، إلى المغرب سنة تسع وثلثمائة، فدوخ المغرب وأخذهم بدعوة صاحبه عبيد الله المهدي. وافتتح سجلماسة وتقبض على صاحبها أحمد بن ميمون بن مدرار. وولى عليها ابن عمه المعتز بن محمد بن بسادر بن مدرار، فلم يلبث أن استبد المعتز. وهلك سنة إحدى وعشرين قبيل ملك المهدي، وولي من بعده ابنه أبو المنتصرمحمد بن المعتز فمكث عشراً.
ثم هلك وولي من بعده ابنه المنتصر سمكو شهرين، وكانت جدته تدبر أمره لصغره. ثم ثار عليه أبن عمه محمد بن الفتح بن ميمون الأمير وتغلب عليه وشغب عليه بنو عبيد الله لفتنة ابن أبي العافية وتاهرت، ثم بفتنة أبي يزيد بعدهما فدعا محمد بن الفتح لنفسه مموهاً بالدعوة لبني العباس. وأخذ بمذاهب أهل السنة، ورفض الخارجية، ولقب الشاكر بالله. واتخذ السكة باسمه ولقبه. وكانت تسمى الدراهم الشاكرية. كذا ذكره ابن حزم وقال فيه: وكان في غاية العدل حتى إذا أفزع له بنو عبيد وحمت الفتنة زحف جوهر الكاتب أيام المعز لدين الله معد في جموع كتامة وصنهاجة وأوليائهم إلى المغرب سنة سبع وأربعين، فغلب على سجلماسة وملكها. وفر محمد بن الفتح إلى حصن تاسكرات على أميال من سجلماسة، وأقام به.
ثم دخل سجلماسة متنكراً فعرفه رجل من مطغرة وأنذر به فتقبض عليه جوهر، وقاده إلى القيروان مع أحمد بن بكر صاحب فاس كما نذكره، وقفل إلى القيروان فلما انتقض المغرب على الشيعة، وفشت بدعة الأمية وأخذ زناتة بطاعة الحكم المستنصر ثأر بسجلماسة قائم من ولد الشاكر وباهى المنتصر بالله. ثم وثب عليه أخوه أبو محمد سنة ، وخمسين فقتله وقام. بالأمر مكانه وتلقب المعتز بالله.

وأقام على ذلك مدة وأمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال، وأمر زناتة قد استفحل بالمغرب عليهم إلى أن زحف خزرون بن فلفول من ملوك مغراوة إلى سجلماسة سنة ست وستين وبرز اليه أبو محمد المعتز فهزمه خزرون وقتله واستولى على بلده وذخيرته، وبعث برأسه إلى قرطبة مع كتاب الفتح. وكان ذلك لأول حجابة المنصور بن عامر فنسب إليه واحتسب له جداً ويمن نقيبة، وعقد لخزرون على سجلماسة، فأفام دعوة هشام بأنحائها فكانت أول دعوة أقيمت لهم بالأمصار في المغرب الأقصى، وانقرض أمر بني مدرار ومكناسة من المغرب أجمع. وأديل منهم بمغراوة وبني يفرن حسبما يأتي ذكرهم في دولتهم، والأمر لله وحده وله البقاء سبحانه وتعالى.
دولة بني أبي العافية الخبر عن دولة بني أبي العافية ملوك تسول من مكناسة وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم كان مكناسة الظواعن من أهل مواطن ملوية وكرسيف ومليلة وما إليها من التلول بنواحي تازا وتسول والكل يرجعون في رئاستهم إلى أبي باسل بن أبي الضحاك بن أبي يزول، وهم الذين اختطوا بلد كرسيف ورباط تازا ولم يزالوا على ذلك من أول الفتح. وكانت رئاستهم في المائة الثالثة لمصالة بن حبوس وموسى بن أبي العافية بن أبي باسل، واستفحل أمرهم في أيامه وعظم سلطانهم وتغلبوا على قبائل البربر بأنحاء تازا إلى الكائي، وكانت بينهم وبين الأدارسة ملوك المغرب لذلك العهد فتن وحروب. وكانوا يغلبونهم على كثير من ضواحيها لما كان نزل بدولتهم من الهرم. ولما استولى عبيد الله ، المغرب واستفحل أمره كانوا من أعظم أوليائه وشيعه، وكان مصالة بن حبوس من قواده لانحياشه إلى، وولاه على مدينة تاهرت والمغرب الأوسط.
ولما زحف مصالة إلى المغرب الأقصى سنة خمس وثلثمائة، واستولى على فاس وعلى سجلمماسة وفرغ من شأن المغرب واستنزل يحيى بن إدريس من إمارته بفاس إلى طاعة عبيد الله وأبقاه أميراً على فاس عقد حينئذ لابن عمه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة على سائر ضواحي المغرب وأمصاره مضافة إلى عمله من قبل تسول وتازا وكرسيف وقفل مصالة إلى القيروان. وقام موسى بن أبي العافية بأمر المغرب، وناقضه يحيى بن إدريس صاحب فاس لما يضطغن له من المظاهرة عليه.
فلما عاود مصالة غزو المغرب سنة تسع أغراه ابن أبي العافية بحيى بن إدريس، فثقبض عليه واستصفاه وطرده عن عمله فلحق ببني عمه بالبصرة والريف. وولى مصالة على فاس ريحان الكتامي، وقفل إلى القيروان فهلك، وعظم ملك ابن أبي العافية بالمغرب. ثم ثار بفاس سنة ثلاث عشرة الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس، وكان مقداماً شجاعاً ويلقب بالحجام لطعنه في المحاجم. دخل فاس على حين غفلة من أهلها، وقتل ريحان واليها، واجتمع الناس على بيعته. ثم خرج لقتاله ابن أبي العافية، فتزاحفوا بفحص أداذ ما بين تازا وفاس، ويعرف لهذا العهد بوادي المطاحن، واشتدت الحرب بينهم، وهلك منهال بن موسى بن أبي العافية في الفتن بمكناسة.
ثم كانت العاقبة لهم وانفض عسكر الحسن ورجع مفلولاً إلى فاس فغدر به عامله على عدوة القرويين حامد بن حمدان الهمداني واستمكن من عاقلة، واستحث ابن أبي العافية للقدوم وأمكنه من البلد، وزحف إلى عدوة الأندلس فملكها وقتل عاملها عبد الله بن ثعلة بن محارب بن محمود، وولى مكانه أخاه محمداً، وطالب حامداً بصاحبه الحسن فدس إليه حامد بالفرار تجافياً عن دعاء أهل البيت، وتدلى الحسن من السور فسقط وانكسر ساقه ومات مستخفياً بعدوة الأندلس لثلاث ليال منها. وحذر حامد من سطوة أبي العافية فلحق بالمهدية، واستولى ابن أبي العافية على فاس والمغرب. وأجمع وأجلى الأدارسة عنه وألجأهم إلى حصنهم بقلعة حجر النسر مما يلي البصرة، وحاصرهم بها مراراً. ثم جمر عليهم العساكر، وخلف فيهم قائده أبا الفتح فحاصرهم ونهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة بعد أن استخلف على المغرب الأقصى ابنه مدين. وأنزله بعدوة القرويين.

واستعمل على عدوة الأندلس طوال بن أبي يزيد وعزل به محمد بن ثعلبة. وزحف إلى تلمسان فملكها وغلب عليها صاحبها الحسن بن أبي العيش بن عيسى بن إدريس بن محمد بن سليمان، من عقب سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر الداخل إلى المغرب بعده، فغلب موسى بن أبي العاقية الحسن على تلمسان وأزعجه عنها إلى مليلة جزائر ملوية ورجع إلى فاس. وقد كان الخليفة الناصر لما فشت دعوته بالمغرب خاطبه بالمقاربة والوعد فسارع إلى إجابته ونقض طاعة الشيعة، وخطب للناصر على منابر له فسرح إليه عبيد الله المهدي قائمه ابن أخي مصالة، وهو حميد بن يصلتن المكناسي قائد تاهرت فزحف في العساكر إلى حرمة سنة إحدى وعشرين، ولقيه موسى بن أبي العافية بفحص مسون فتزاحفوا أياماً. ثم لقيه حميد فهزمه ولحق ابن أبي العافية بتسول فامتنع بها، وأفرج قائده أبو الفتح عن حصن الأدارسة فاتبعوه وهزموه ونهبوا مكره.
ثم نهض حميد إلى فاس ففر عنها مدين بن موسى إلى ابنه، واستعمل عليها حامد بن حمدان كان في جملته وقفل حميد إلى إفريقية وقد دوخ المغرب. ثم انتقض أهل المغرب على الشيعة بعد مهلك عبيد الله، وثار أحمد بن بكر بن عبد الرحمن بن سهل الجذامي على حامد بن حمدان فقتله، وبعث برأسه إلى ابن أبي العافية فأرسله إلى الناصر بقرطبة واستولى على المغرب.
وزحف ميسور الخصي قائد أبي القاسم الشيعي إلى المغرب سنة ثلاث وعشرين، وخام ابن أبي العافية عن لقائه واعتصم بحصن لكائي. ونهض ميسور إلى فاس فحاصرها واستنزل أحمد بن بكر عاملها. ثم تقبض عليه وأشخصه إلى المهدية، وبدر أهل فاس بغدره فامتنعوا وقدموا على أنفسهم حسن بن قاسم اللواتي، وحاصرهم ميسور مدة حتى رغبوا إلى السلم، واشترطوا على أنفسهم الطاعة والأتاوة فتقبل ميسور ورضي، وأقر حسن بن قاسم على ولايته بفاس. وارتحل إلى حرب بن أبي العافية فكانت بينهصا حروب إلى أن غلبه ميسور فتقبض على ابنه الغوري وغربه إلى المهدية. وأجلى موسى بن أبي العافية عن أعمال المغرب إلى نواحي ملوية ووطاط وما وراءها من بلاد الصحراء وقفل إلى القيروان.
ولما مر بأرشكول خرج إليه صاحبها ملاطفاً له بالتحف، وهو إدريس بن إبراهيم بن ولد سليمان بن عبد الله أخي إدريس الأكبر فتقبض عليه واصطلم نعمته، وولى مكانه أبا العيش بن عيسى منهم. وأغذ السير إلى القيروان سنة أربع وعشرين. ورجع موسى بن أبي العافية من الصحراء إلى أعماله بالمغرب فملكها وولى على الأندلس أبا يوسف بن محارب الأزدي، وهو الذي مدن عدوة الأندلس، وكانت حصوناً. واحتل موسى بن أبي العافية قلعة كوماط، وخاطب الناصر فبعث إليه مدداً من أسطوله، وزحف إلى تلمسان ففر عنها أبو العيش واعتصم بأرشكول فنازله وغلبه عليها سنة خمس وعشرين. ولحق أبو العيش بنكور، واعتصم بالقلعة التي بناها هنالك لنفسه.
ثم زحف ابن أبي العافية إلى مدينة لنكور فحاصرها مدة ثم تغلب عليها وقتل صاحبها عبد البديع بن صالح وخرب مدينتهم. ثم سرح ابنه مدين في العساكر فحاصر أبا العباس بالقلعة حتى عقد له السلم عليها. واستفحل أمر ابن أبي العافية في المغرب الأقصى واتصل عمله بعمل محمد بن خزر ملك مغراوة وصاحب المغرب الأوسط، وبثوا دعوة الأموية في أعمالها، وبعث ابنه مدين بأمره في قومه. وعقد له الناصر على أعمال ابنه بالمغرب واتصل يده بيد الخير بن محمد كما كان بين آبائهما.
ثم فسد ما بينهما وتزاحفا للحرب وبعث الناصر قاضيه منفر بن سعد لمشارفة أحوالهما وإصلاح ما بينهما فتم ذلك كما أراده، ولحق به سنة خمس وثلاثين أخوه البوري فاراً من عسكر المنصور مع أحمد بن بكر الجذامي عامل فاس بعد أن لحقا بأبي يزيد فسار أحمد بن أبي بكر إلى فاس وأقام بها متنكراً إلى أن وثب بعاملها حسن بن قاسم اللواتي وتخلى له عن العمل. وصار البوري إلى أخيه مدين واقتسم أعمال ابنه معه ومع ابنه الأخر منقذ فكانوا ثلاث الأثافي. وأثار الثوري الناصر سنة خمس وأربعين فعقد الناصر لابنه منصور على عمله وكانت وفاته وهو محاصر لأخيه مدين بفاس، وأجاز أبناء أبو العيش ومنصور إلى الناصر فأجزل لهما الكرامة على سنن أبيهما.

ثم هلك مدين فعقد الناصر لأخيه أبي منقذ على عمله سنة ثم غلب مغراوة على فاس وأعمالها واستفحل أمرهم بالمغرب وأزاحوا مكناسة عن ضواحيه وأعماله، وساروا إلى مواطنهم، وأجاز إسمعيل بن البوري ومحمد بن عبد الله بن مرين إلى الأندلس فنزلوا بها إلى أن جازوا مع واضح أيام المنصور كما مر عندما نقض زيري بن عطية طاغيتهم سنة ست وثمانين، فملك واضح المغرب ورجعهم إلى أعمالهم. وتغب بلكين بن زيري على المغرب الأوسط. وغلب عليه ملوكه بني خزر من مغراوة فاتصلت يد مكناسة. ولم يزالوا في طاعة بني زيري ومظاهرتهم. وهلك إسمعيل بن البوري في حروب حماد مع باديس بشلف سنة خمس وأربعمائة، وتوارث ملكهم في أعقاب موسى إلى أن ظهرت دولة المرابطين، وغلب يوسف بن تاشفين على أعمال المغرب فزحف إليهم القاسم بن محمد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن موسى بن أبي العافية، فاستدعى أهل فاس وصريخ زناتة بعد مهلك معنصرة المغراوي فلقي عساكر المرابطين بوادي صفر فهزمهم، وزحف إليه يوسف بن تاشفين من مكانه فحاصر قلعة فازاز فهزم القاسم بن محمد وجموع مكناسة وزناتة، ودخل فاس عنوة كما ذكرناه في أخباره.
ثم زحف إلى أعمال مكناسة فاقتحم الحصن وقتل القاسم. وفي بعض تواريخ المغرب أن مهلك إبراهيم بن موسى كان سنة خمس وأربعمائة. وولي ابنه عبد الله أبو عبد الرحمن، وهلك سنة ثلاثين، وولي ابنه محمد وهلك سنة ست وأربعين، وولي ابنه القاسم وهلك بتسول عند اقتحام لمتونة عليه سنة ثلاث وستين. وانقرض ملك مكناسة من المغرب بانقراض ملك مغراوة، والأمر لله وحده، وبقي من قبائل مكناسة لهذا العهد بهذه المواطن أفاريق في جبال تازا بعد ما تمرست بهم الدول، وأناخت بساحتهم الأمم. وهم موصوفون بوفور الجباية وقوة الشكيمة. ولهم عناء في مظاهرة الدولة، وحقوق عند الحشد والعسكرة. وفيهم مؤن من الخيالة. ومن مكناسة غير هؤلاء أوزاع في القبائل لهذا العهد مفرقون في نواحي إفريقية والمغرب الأوسط. "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" وهذا آخر الكلام في بني ورصطيف، فلنرجع إلى من بقي علينا من البربر وهم زناتة، والله ولي العون وبه المستعان.


[/b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 6:24 pm

البرانس


أخبار البرانس من البربر


هوارة


ولنبدأ أولاً بالخبر عن هوارة من شعوبهم وذكر بطونهم وتصاريف أحوالهم وافتراق شعوبهم في عمالات إفريقية والمغرب

وهوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابة العرب والبربر ولد هوار بن أوريغ بن برنس، إلا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن. تارة يقولون من عاملة إحدى بطون قضاعة، وتارة يقولون من ولد المسور بن السكاسك بن واثل بن حمير. وإذا تحروا الصواب المسور بن السكاسك بن أشرس بن كندة وينسبونه هكذا: هوار بن أوريغ بن خنون بن المثنى بن المسور. وعند هؤلاء أن هوارة وصنهاجة ولمطة وكزولة وهكسورة يعرف جميعهم بني ينهل وأن المسور جدهم جميعاً. وأنه وقع إلى البتر، ونزل على بني زحيك بن مادغيس الأبتر. وكانوا أربعة إخوة: لوا وضرا وأداس ونفوس. وأنهم زوجوه أختهم تيسكي العرجاء بنت زحيك فولدت منه المثنى أبا هوارة وتزوجها بعد المسور عاصيل بن زعزاع أبو صنهاجة ولمطة وكزولة وهكسورة كما يأتي فيما بعد أنهم إخوة المثنى لأمه، وبها عرف جميعهم.
قالوا: وولد المثنى بن المسور خبوز وولد خبوز بن المثنى ريغ النيى يقال فيه أوريغ بن برنس، ومنه تفرقت قبائل هوارة. قالوا: إنما سميت هوارة لأن المسور لما جال البلاد ووقع في المغرب قال: لقد تهورنا. هكذا عند بعض نسابة البربر. وعندي، والله أعلم أن هذا الخبر مصنوع، وإن أثر الصنعة باد عليه. ويعضد ذلك أن المحققين، ونسابتهم مثل سابق وأصحابه قالوا: إن بطون أداس بن زحيك دخلت كلها في هوارة من أجل أن هوار خلف زحيك على أم أداس، فربي أداس في حجره وزحيك على ما في الخبر الأول هو جد هوار لأن المثنى جده الأعلى هو ابن تيصكي، وهي بنت زحيك فهو الخامس من زحيك فكيف يخلفه على امرأته. هذا بعيد، والخبر الثاني أصح عند نسابتهم من الأول.

وأما بطون هوارة فكثير وأكثرهم بنو نبه وأوريغ اشتهروا نسبة لشهرته وكبر سنه من بينهم فانتسبوا جميعاً إليه. وكان لأوريغ أربعة من الولد: هوار وهو أكبرهم، ومغر وقلدن وملد، ولكل واحد منهم بطون كثيرة، وكلهم ينسبون إلى هوار. فمن بطون مغرماوس وزمور وكياد وسراي ذكر هذه البطون الأربعة ابن حزم، وزاد سابق المطامطي وأصحابه ورجين رمنداسة وكركورة. ومن بطون قلدن: قمصانة وورصطيف وبيانة. وبل ذكر هذه الأربعة ابن حزم وسابق. ومن بطون ملد مليلة ووسطط وورفل: وأسيل ومسراتة ذكرهما ابن حزم وقال: جميعهم بنو لهان بن ملد وكذا عند سابق. ويقال إن ونيفن أيضاً من لهانة.
ومن بطون هوارة بنو كهلان. ويقال إن مليلة من بطونهم. وعند نسابة البربر من بطونهم غريان وورغة وزكاوة ومسلاتة ومجريس. ويقال إن ونيفن منهم. ومجريس لهذا العهد ينتسبون إلى ونيفن. وعند سابق وأصحابه أن بني كهلان وريجن إحدى بطون مغر، وأن من بطون بني كهلان بني كسى وورتاكط ولشوه وهيوارة. وأما بطون أداس بن زحيك بن مادغيس الأمراء الذين دخلوا في هوارة فكثير. فمنهم هراغة وترهوتة وشتاتة وأنداوة وهنزونة وأوطيطة وصنبرة. هؤلاء باتفاق من ابن حزم وسابق وأصحابه.
وكانت مواطن الجمهور من هوارة هؤلاء، ومن دخل في نسبهم من إخوانهم البرانس والصمغر لأول الفتح بنواحي طرابلس وما يليها من برقة كما ذكره المسعودي والبكري. وكانوا ظواعن وآهلين. ومنهم من قطع الرمل إلى بلاد القفر وجاوزوا لمطة من قبائل الملثمين فيما يلي بلاد كوكو من السودان تجاه إفريقية، ويعرفون بنسبهم هكارة، قلبت العجمة واوه كافاً أعجمية تخرج بين الكاف العربية والقاف. وكان لهم في الردة وحروبها آثار ومقامات. ثم كان لهم في الخارجية والقيام بها ذكر، وخصوصاً بالأباضية منها. وخرج على حنظلة منهم عبد الواحد بن يزيد مع عكاشة الفزاري، فكانت بينهما وبين حنظلة حروب شديدة. ثم هزمها وقتلهما وذلك سنة أربع وعشرين ومائة أيام هشام بن عبد الملك. وخرج على يزيد بن حاتم سنة ست وخمسين ومائة يحيى بن فوناس منهم، واجتمع إليه كثيرمن قومه وغيرهم.
وزحف إليه قائد طرابلس عبد الله بن السمط الكندي على شاطىء البحر بسواريه من سواحلهم فانهزم وقتل عامة هوارة. وكان منهم مع عبد الرحمن بن حبيب مجاهد بن مسلم من قواده. ثم أجاز منهم إلى الأندلس مع طارق رجالات مذكورون واستقروا هنالك، وكان من حلفهم بنو عامر بن وهب أمير رندة أيام لمتونة، وبنو ذي النون الذين ملكوها من أيديهم، واستضافوا معها طليطلة. وبنو رزين أصحاب السهلة. ثم ثارت هوارة من بعد ذلك على إبراهيم بن الأغلب سنة ست وتسعين ومائة، وحاصروا طرابلس وافتتحوها فخربوها. وتولى كبر ذلك منهم عياض بن وهب وسرح إبراهيم إليهم ابنه أبا العباس فهزمهم وقتلهم وبنى طرابلس.


وجأجأ هوارة بعبد الوهاب بن رستم من مكان أمارتهم بتاهرت فجاءهم واجتمعوا إليه ومعهم قبائل نفوسة. وحاصروا أبا العباس بن الأغلب بطرابلس إلى أن هلك أبوه إبراهيم بالقيروان، وقد عهد إليه فصالحهم على أن يكون الصحراء لهم. وانصرف عبد الوهاب إلى نفوسة. ثم أصحبوا بعد ذلك وغزوا مع الجيوش صقلية، وشهد فتحها منهم زواوة بن نعم الحلفاء. ثم كان لهم مع أبي يزيد النكاري وفي حروبه مقامات مذكورة، اجتمعوا إليه من مواطنهم بجبل أوراس ومرماجنة لما غلب عليه وأخذ أهلها بدعوته فانحاشوا إلى ولايته وفعلوا الأفاعيل. وكان من أظهرهم في تلك الفتنة بنو كهلان. ولما هلك أبو يزيد كما نذكره سطا إسمعيل المنصور بهم وأثخن فيهم، وانقطع ذكر بني كهلان. ثم جرت الدول عليهم أذيالها، وأناخت بكلاكلها، وأصبحوا في عداد القبائل الغارمة من كل ناحية: فمنهم لهذا العهد بمصر أوزاع متفرقون أوطنوها أكرة وعباره وشاوية، وآخرون موطنون ما بين برقة والإسكندرية يعرفون بالمثالينة، ويظعنون مع الحرة من بطون هيب من سليم بأرض التلول من إفريقية ما بين تبسة إلى مرماجنة إلى باجة. ظواعن صاروا في عداد النباجعة عرب بني سليم في اللغة والزي وسكنى الخيام وركوب الخيل، وكتب الإبل وممارسة الحروب، وإيلاف الرحلتين في الشتاء والصيف في تلولهم. قد نسوا رطانة البربر، واستبدلوا منها بفصاحة العرب فلا يكاد يفرق بينهم. فأولهم مما يلي تبسة قبيلة ونيقش، ورئاستهم لهذا العهد في ولد يفرن بن حناش لأولاد سليم بن عبد الواحد بن عسكر بن محمد بن يفرن، ثم لأولاد زيتون بن محمد بن يفرن، ولأولاد دحمان بن فلان بعده. وكانت الرئاسة قبلهم لسارية من بطون ونيفن ومواطنهم ببسائط مرماجنة وتبسة وما إليهما.
ويليهم قبيلة أخرى في الجانب الشرقي منهم يعرفون بقيصرون ورئاستهم في بيت بني مؤمن ما بين ولد زعازع وولد حركات ومواطنهم بفحص أبه وما إليها من نواحي الأربس. وتليهم إلى جانب الشرق قبيلة أخرى منهم يعرفون بنصورة، ورئاستهم في بيت الرمامنة لولد سليمان بن جامع منهم. ويرادفهم في رئاسة نصرة قبيلة وربهامة، ومواطنهم ما بين تبسة إلى حامة إلى جبل الزنجار إلى إطار على ساحل تونس وبسائطها. ويجاورهم متساحلين إلى ضواحي باجة قبيلة أخرى من هوارة يعرفون بني سليم، ومعهم بطن من عرب مضر من هذيل بن مدركة بن إلياس. جاؤوا من مواطنهم بالحجاز مع العرب الهلاليين عند دخولهم إلى المغرب، واستوطنوا بهذه الناحية من إفريقية، واختلطوا بهوارة وحملوا في عدادهم.
ومعهم أيضاً بطن آخر من بطون رياح من هلال ينتمون إلى عتبة بن مالك بن رياح صاروا في عدادهم، وجروا على مجراهم من الظعن والمغرم. ومعهم أيضاً بطن من مرداس بني سليم يعرفون ببني حبيب. ويقولون: هو حبيب بن مالك. وهم غارمة مثل سائر هوارة. وضواحي إفريقية لهذا العهد معمورة بهؤلاء الظواعن. ومعظمهم من هوارة. وهم أهل بقر وشاء وركوب للخيل وللسلطان بإفريقية، عليهم وظائف من الجباية، وضعها عليهم دهاقين العمال بديوان الخراج، قوانين مقررة وتضرب عليهم مع ذلك البعث في غزوات السلطان بعسكر مفروض يحضر بمعسكر السلطان متى استنفروا لذلك.
ولرؤسائهم آراء قاطعات ومكان في الدول بين رجالات البدو، ويربطون هوارة بمواطنهم الأولى من نواحي طرابلس ظواعن وآهلين، توزعتهم العرب من دباب فيما توزعوه من الرعايا وغلبوهم على أمرهم منذ ضحا عملهم من ظل الدولة فتملكوهم تملك العبيد للجباية منهم والاستكثار منهم في الانتجاع والحرب مثل: ترهونة وورقلة الظواعن. ومجريس الموطنين بزرنزور من ونيفن وهي قرية من قرى طرابلس. ومن هوارة هؤلاء بآخر عمل طرابلس مما يلى بلد سرت وبرقة قبيلة يعرفون بمسراتة لهم كثرة واعتزاز، ووضائع العرب عليهم قليلة ويعطونها من عزة. وكثيراً ما ينقلون في سبيل التجارة ببلاد مصر والإسكندرية. وفي بلاد الجريد من إفريقية وبأرض السودان إلى هذا العهد.

واعلم أن في قبلة قابس وطرابلس جبالاً متصلاً بعضها ببعض من المغرب إلى المشرق، فأولها من جانب الغرب جبل دمر يسكنه أمم من لواتة ويتصلون في بسيطه إلى فاس وصفاقس من جانب الغرب، وأمم أخرى من نفوسة من جانب الشرق. وفي طوله سبع مراحل، ويتصل به شرقاً جبل نفوسة تسكنه أمة كبيرة من نفوسة ومغراوة وسمراتة، وهو قبلة طرابلس على ثلاث مراحل عنها. وفي طوله سبع مراحل. ويتصل به من جانب الشرق جبل مسلاتة، ويعتمره قبائل هوارة إلى بلد مسراتة ويفضي إلى بلد سرت وبرقة وهو آخر جبال طرابلس. وكانت هذه الجبال من مواطن هوارة ونفوسة ولواتة. وكانت هنالك مدينة صغيرة بلد نفوسة قبل الفتح. وكانت برقة من مواطن هوارة هؤلاء. ومنهم مكان بني خطاب ملوك زويلة إحدى أمصار برقة، كانت قاعدة ملكهم حتى عرفت بهم، فكان يقال زويلة بن خطاب.
ولما خربت انتقلوا منها إلى فزان من بلاد الصحراء وأوطنوها، وكان لهم بها ملك ودولة، حتى إذا جاء قراقوش الغزي الناصري مملوك تقي الدين ابن أخي صلاح الدين، كما نذكر في مكانه عند ذكر الميورقي بن مسوفة وأخباره وافتتح زلة وأوجلة وافتتح فزان بعدها، وتقبض على عاملها محمد بن خطاب بن يصلتن بن عبد الله بن صنفل بن خطاب آخر ملوكهم، وامتحنه وطالبه بالأموال، وبسط عليه العذاب إلى أن هلك وانقرض أمر بني خطاب وهؤلاء الهواريين.
ومن قبائل هوارة بالمغرب أمم كثيرة في مواطن من أعمال تعرف بهم، وظواعن عن شاوية تنتجع لمسرحها في نواحيها، وقد صاورا عبيدا للمغارم في كل ناحية. وذهب ما كان لهم من الاعتزاز والمنعة أيام الفتوحات بسبب الكثرة، وصاروا إلى الافتراق في الأودية بسبب القلة والله مالك الأمور. ومن أشهرهم بالمغرب الأوسط أهل الجبل المطل على البطحاء، وهو مشهور باسم هوارة وفيه من مسراتة وغيرهم من بطونهم، ويعرف رؤساؤهم من بني إسحق. وكان الجبل من قبلهم فيما زعموا لبني يلومين. فلما انقرضوا صار إليه هوارة وأوطنوه، وكانت رئاستهم في بني عبد العزيز منهم. ثم ظهر من بني عمهم رجل اسمه إسحق، واستعمله ملوك القلعة، وصارت رئاستهم في عقبه بني إسحق واختط كبيرهم محمد بن إسحق القلعة المنسوبة إليهم.
وورث رئاسته فيهم أخوه حيون وصارت في عقبه. واتصلوا بالسلطان أيام ملك بني عبد الواد على المغرب الأوسط، وانتظموا في شرائعهم. واستعمل أبو تاشفين من ملوكهم يعقوب بن يوسف بن حيون قائداً على بني توجين عندما غلبهم على أمرهم، المغارم عليهم فقام بها أحسن قيام دوخ بلادهم، وأذل من عزهم. وبعد أن غلب بنو مرين بني عبد الواد على المغرب الأوسط استعمل السلطان أبو الحسن عبد الرحمن بن يعقوب على قبيلة هؤلاء. ثم استعمل بعده عمه عبد الرحمن، ثم ابنه محمد بن عبد الرحمن بن يوسف. ثم تلاشى حال هذا القبيل وخف ساكن الجبل بما اضطهدتهم دولة بني عبد الواد، وأجحفت بهم في الظلامات. وانقرض بيت بني إسحق، والأمر على ذلك لهذا العهد، والله وارث الأرض ومن عليها.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 6:39 pm

أزداجة ومسطاسة وعجيسة


الخبر عن أزداجة ومسطاسة وعجيسة من بطون البرانس ووصف أحوالهم

أما أزداجة ويعرفون أيضاً وزداجة فمن بطون البرانس، وكثير من نسابة البربر يعدونهم في بطون زناتة. وقد يقال إن أزداجة من زناتة ووزداجة من هوارة، وأنهما بطنان مفترقان وكان لهم وفور وكثرة. وكانت مواطنهم بالمغرب الأوسط بناحية وهران، وكان لهم اعتزاز وآثار في الفتن والحروب. ومسطاسة مندرجون معهم فيقال أنهم من عداد بطونهم، ويقال أنهم إخوة مسطاس أخي وزداج والله أعلم.
وكان من رجالتهم المذكورين شجرة بن عبد الكريم المسطاسي وأبو دليم بن خطاب. وأجاز أبو دليم إلى الأندلس من ساحل تلمسان، وكان لبنيه بها ذكر وفي فقهاء قرطبة مكان. وكان من بطون أزداجة بنو مسقن وكانوا يجاورون وهران ونزل موسى وهران من رجال الدولة الأموية محمد بن أبي عون ومحمد بن عبدون، فداخلوا بني مسكن وملكوا وهران سبع سنين مقيمين فيها للدعوة الأموية. فلما ظهرت دعوة الشيعة وملك عبيد الله المهدي تاهرت وولى عليها دواس بن صولات اللهيصي من كتامة، وأخفت البرابرة بدعوتهم أوعز دواس بحصار وهران فزحفوا إليها سنة سبع وتسعين وداخلوا بني مسكن في ذلك فأجابوهم، وفر محمد بن أبي عون فلحق بدواس بن صولات واستبيحت وهران وأضرمت ناراً.
ثم جدد بناءها دواس وأعاد محمد بن أبي عون إلى ولايتها فعادت أحسن ما كانت وأمراء تلمسان لذلك العهد من الأدارسة بنو أحمد بن محمد بن سليمان، وسليمان أخو إدريس الأكبر كما ذكرناه. وكانوا يقيمون دعوة الأموية لذلك العهد. ثم ولي على تاهرت أيام أبي القاسم بن عبد الله أبا مالك يغمراسن بن أبي سمحة، وانتقض عليه البربر فحاصروه عند زحف ابن أبي العافية إلى المغرب الأوسط بدعوة المروانية وكان ممن أخذ بها محمد بن أبي عون صاحب وهران وسرح أبو القاسم ميسوراً مولاه إلى المغرب وأتاه محمد بن عون بطاعته فقبلها وأقره على عمله، ثم نكث محمد بن عون عند منصرف ميسور من المغرب، وراجع طاعة المروانية.
ثم كان شأن أبي يزيد وانتقاض سائر البرابرة على العبيديين، واستفحل أمر زناتة وأخذوا بدعوة المروانيين. وكان الناصر عقد ليعلى بن أبي محمد اليفرني على المغرب فخاطبه بمراوغة محمد بن أبي عون وقبائل أزداجة في الطاعة للعداوة بين القبيلتين بالمجاورة، وزحف إلى أزداجة فحصرهم بجبل كيدرة. ثم تغلب عليهم واستأصلهم وفرق جماعتهم وذلك لسنة ثلاث وأربعين وثلثمائة، ثم زحف إلى وهران ونازلها، ثم افتتحها عنوة وأضرمها ناراً. واستلحم أزداجة ولحق رئاستهم بالأندلس فكانوا بها، وكان منهم خزرون بن محمد من كبار أصحاب المنصور بن أبي عامر وابنه المظفر وأجاز إلى المغرب وبقي أزداجة بعد ذلك على حال من الهضيمة والمذلة وانتظموا في عداد المغارم من القبائل.
وأما العجيسة: وهم بطون البرانس من ولد عجيسة من برنس ومدلول هذا الاسم البطن، فإن البربر يسمون البطن بلغتهم عدس بالدال المشددة فلما عربتها العرب قلبت دالها جيماً مخففة، وكان لهم بين البربر كثرة وظهور، وكانوا مجاورين في بطونهم لصنهاجة. وبقاياهم لهذا العهد فى ضواحي تونس والجبال المطلة على المسيلة، وكانت منهم من بطون يسكنون جبل القلعة. وكان لهم في فتنة أبي يزيد أثر. ولما هزمه المنصور لجأ إليهم واعتصم بقلعة كتامة من حصونهم حتى اقتحم عليه. ثم بادرحماد بن بلكين من بعد ذلك مكاناً لبناء مدينة فاختطها بينهم ونزلها ووسع خطتها واستبحر عمرانها. وكانت حاضرة لملك آل حماد فأخلفت هذه المدينة من جدة عجيسة لما تمرست بهم، وخضدت من شوكتهم وراموا كيد القلعة مراراً، وأجلبوا على ملوكها بالأعياص منهم فاستلحمهم السيف. ثم هلكوا وهلكت القلعة من بعدهم وورثت مواطنهم بذلك الجبل عياض من أفاريق العرب الهلاليين وسمي الجبل بهم. وفي القبائل بالمغرب كثير من عجيسة هؤلاء مفترقون فيهم والله أعلم.

اوربة


الخبر عن أوربة من بطون البرانس وما كان لهم من الردة والثورة وما صار لهم من الدعاء لإدريس الأكبر

وكانت البطون التي فيها الكثرة والغلب من هؤلاء البربر البتر كلهم لعهد الفتح أوربة وهوارة وصنهاجة من البرانس ونفوسة وزناتة ومطغرة ونفزاوة من البتر، وكان التقدم لعهد الفتح لأوربة هؤلاء بما كانوا أكثر عدداً وأشد بأساً وقوة. وهم من ولد أورب بن برنس، وهم بطون كثيرة، فمنهم بجاية ونفاسة ونعجة وزهكوجة ومزياتة ورغيوة وديقوسة. وكان أميرهم بين يدي الفتح سكرديد بن زوغي بن بارزت بن برزيات. ولي عليهم مدة ثلات وسبعين سنة، وأدرك الفتح الإسلامي، ومات سنة إحدى وسبعين وولي عليهم من بعده كسيلة بن لزم الأوربي فكان أميراً على البرانس كلهم. ولما نزل أبو المهاجر تلمسان سنه خمس وخمسين، كان كسيلة بن لزم مرتاداً بالمغرب الأقصى في جموعه من أوربة وغيرهم فظفر به أبو المهاجر وعرض عليه الإسلام فأسلم، واستنقذه وأحسن إليه وصحبه.
وقدم عقبة في الولاية الثانية أيام يزيد سنة اثنتين وستين فاضطغن عليه صحابته لأبي المهاجر، وتقدم أبو المهاجر في اصطناعه فلم يقبل وزحف إلى المغرب. وعلى مقدمته زهير بن قيس البلوي فدوخه. ولقيه ملوك البربر ومن انضم إليه من الفرنجة بالزاب وتاهرت فهزمهم واستباحهم، وأذعن له يليان أمير غمارة ولاطفه وهاداه، ودله على عورات البرابرة وراءه أبو ليلة والسوس وما والاهما من مجالات الملثمين فغنم وسبى، وانتهى إلى ساحل البحر، وقفل ظافراً.


وكان في غزاتة تلك يستهين كسيلة ويستخف به وهو في اعتقاله. وأمره يوماً بسلخ شاة بين يديه فدفعها إلى غلمانه، وأراده عقبة على أن يتولاها بنفسه، وانتهره فقام إليها كسيلة مغضباً. وجعل كلما دس يده في الشاة يمسح بلحيته، والعرب يقولون ما هذا يا بربري? فيقول: هذا جيد للشعر فيقول لهم شيخ منهم إن البربري يتوعدكم. وبلغ ذلك أبا المهاجر فنهى عقبة عنه وقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألف جبابرة العرب، وأنت تعمد إلى رجل جبار في قومه بدار عزة قريب عهد بالشرك فتفسد قلبه وأشار عليه بأن يوثق منه. وخوفه فتكه فتهاون عقبة بقوله.
فلما قفل عن غزاته وانتهى إلى طبنة صرف العساكر إلى القيروان أفواجاً ثقة بما دوخ من البلاد، وأذل من البربر حئى بقي في قليل من الناس. وسار إلى تهودة أوبادس لينزل بها الحامية. فلما نظر إليه الفرنجة طمعوا فيه وراسلوا كسيلة بن لزم ودلوه على الفرصة فيه فانتهزها، وراسل بني عمه ومن تبعهم من البربر، واتبعوا عقبة وأصحابه رضي الله عنه حتى إذا غشوه بتهودة ترجل القوم وكسروا أجفان سيوفهم، ونزل الصبر واستلحم عقبة وأصحابه رضي الله عنهم ولم يفلت منهم أحد، وكانوا زهاء ثلثمائة من كبار الصحابة والتابعين استشهدوا في مصرع واحد، وفيهم أبو المهاجر كان أصحبه في اعتقاله فأبلى رضي الله عنه في ذلك اليوم البلاء الحسن وأجداث الصحابة رضي الله عنهم أولئك الشهداء عقبة وأصحابه بمكانهم ذلك من أرض الزاب لهذا العهد.
وقد جعل على قبر أسنمة ثم جصص واتخذ عليه مسجد عرف باسمه وهو في عدد المزارات ومظان البركة، بل هو أشرف مزور من الأجداث في بقاع الأرض لما توفر فيه من عدد الشهداء من الصحابة والتابعين الذين لا يبلغ أحد مد أحدهم ولا نصيفه. وأسر من الصحابة يومئذ محمد بن أويس الأنصاري ويزيد بن خلف القيسي ونفر معهم ففداهم ابن مصاد صاحب قفصة. وكان زهير بن قيس البلوي بالقيروان، وبلغه الخبر فخرج هارباً وارتحل بالمسلمين ونزل برقة وأقام بها ينتظر المدد من الخلفاء. واجتمع إلى كسيلة جميع أهل المغرب من البربر والفرنجة، وزحف إلى القيروان فخرج العرب منها ولحقوا بزهير بن قيس، وبقي بها أصحاب الذراري والأثقال فأمنهم ودخل القيروان وأقام أميراً على إفريقية ومن بقي بها من العرب خمس سنين.
وقارن ذلك مهلك يزيد بن معاوية وفتنة الضحاك بن قيس مع المروانية بمرج راهط، وحروب آل الزبير فاضطرب أمر الخلافة بعض الشيء واضطرم المغرب ناراً، وفشت الردة في زناتة والبرانس. ثم استقل عبد الملك بن مروان من بعد ذلك بالخلافة وأذهب بالمشرق آثار الفتنة. وكان زهير بن قيس مقيماً ببرقة مند مهلك عقبة فبعث إليه بالمدد وولاه حرب البرابرة والثأر بدم عقبة فزحف إليها في آلاف من العرب سنة سبع وستين. وجمع كسيلة البرانس وسائر البربر، ولقيه بجيش من نواحي القيروان واشتد القتال بين الفريقين.
ثم انهزم البربر وقتل كسيلة ومن لا يحصى منهم، واتبعهم العرب إلى مرماجنة ثم إلى ملوية، وذل البربر ولجأوا إلى القلاع والحصون وخضدت شوكة أوربة من بينهم، واستقر جمهورهم بديار المغرب الأقصى فلم يكن بعدها لهم ذكر. واستولوا على مدينة وليلى بالمغرب وكانت ما بين موضع فاس ومكناسة بجانب جبل زرهون وأقازا على ذلك، والجيوش من القيروان تدوخ المغرب مرة بعد أخرى إلى أن خرج محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي أيام المنصور، وقتل بالمدينة سنة خمس وأربعين. ثم خرج بعده ابن عمه حسين بن علي بن حسن المثلث بن حسن المثنى بن الحسن السبط أيام الهادي وقتل بفخ على ثلاثة أميال من مكة سنة تسع وستين ومائة، واسلتحم كثير من أهل بيته. وفر إدريس بن عبد الله إلى المغرب ونزل على أوربة سنة اثنتين وسبعين، وأميرهم يومئذ أبو ليلى إسحق بن محمد بن عبد الحميد منهم فأجاره، وجمع البرابر على دعوته. واجتمعت عليه زواغة ولواتة وسدراتة وغياتة ونفزة ومكناسة وغمارة وكافة برابرة المغرب فبايعوه وائتمروا بأمره. وتم له الملك والسلطان بالمغرب، وكانت له الدولة التي ورثها أعقابه إلى حين انقراضها كما ذكرنا في دولة الفاطميين والله تعالى أعلم.

كتامة


الخبرعن كتامة من بطون البرانس وما كان لهم من العز والظهور عل القبائل وكيف تناولوا الملك من أيدي الأغالبة بدعوة الشيعة


هذا القبيل من قبائل البربر بالمغرب، وأشدهم بأساً وقوة، وأطولهم باعاً في الملك عند نسابة البربر من ولد كتام بن برنس، ويقال كتم ونسابة العرب يقولون إنهم من حمير ذكر ذلك ابن الكلبي والطبري. وأول ملوكهم أفريقش بن قيس بن صيفي من ملوك التبابعة، وهو الذي افتتح إفريقية وبه سميت وقتل ملكها جرجير وسمي البربر بهذا الاسم كما ذكرناه. ويقال أقام في البربر من حمير صنهاجة وكتامة فهم إلى اليوم فيهم، وتشعبوا في المغرب وانبثوا في نواحيه إلا أن جمهورهم كانوا لأول الملة بعد تهييج الردة وطيخة تلك الفتن موطنين بأرياف قسطنطينية إلى تخوم غرباً إلى جبل أوراس من ناحية القبلة. وكانت بتلك المواطن بلاد مذكورة أكثرها لهم وبين ديارهم ومجالات تقلبهم مثل أبكجان وسطيف وباغاية ونقاوس ويلزمة وميلة وقسطنطينة والسيكرة والقل وجيجل، من حدود جبل أوراس إلى سيف البحر ما بين بجاية وبونة.
وكانت بطونهم كثيرة يجمعها كلها غرسن ويسودة ابنا كتم بن برنس فمن يسوده فلاسة ودنهاجة ومتوسة ووريسن كلهم بنو بسودة بن كتم. وإلى دنهاجة ينسب كتامة بالمغرب لهذا العهد. ومن غرسن مصالة وقلان وما وطن ومعاذ بنو غرسن ولهيصة وجيملة ومسالته بنو يناوة بن غرسن، وإجانة وغسمان وأوفاس بنو ينطاسن بن غرسن وملوسة من أيان بن غرسن. ومن ملوسه هؤلاء بنو زلدوي أهل الجبل المطل على قسطنيطينة لهذا العهد. وبعد البرابرة من كتامة بنو يستيتن وهشتيوة ومصالة وبني وعد ابن حزم منهم زواوة بجميع بطونهم وهو الحق على ما تقدم.
وكان من هذه البطون بالمغرب الأقصى كثير منتدبون عن مواطنهم وهم بها إلى اليوم، ولم يزالوا بهذه المواطن وعلى هذه الحالة من لدن ظهور الملة وملك المغرب إلى دولة الأغالبة. ولم تكن الدولة تسومهم بهضيمة ولا ينالهم تعسف لاعتزازهم بكثرة جموعهم، كما ذكره ابن الرقيق في تاريخه إلى أن كان من قيامهم في دعوة الشيعة ما ذكرناه في دولتهم عند ذكر دولة الفاطميين إثر دولة بني العباس، فأنظره هنالك وتصفحه تجد تفصيله. ولما صار لهم الملك بالمغرب زحفوا إلى المشرق فملكوا الإسكندرية ومصر والشام، واختطوا القاهرة أعظم الأمصار بمصر، وارتحل المعز رابع خلفائهم وارتحل معه كتامة على قبائلهم واستفحلت الدولة هنالك وهلكوا في ترفها وبذخها.
وبقي في مواطنهم الأولى بجبل أوراس وجوانبه من البسائط بقايا من قبائل أسمائها وألقابها، والآخرون بغير لقبهم وكلهم رعايا معبدون للمغارم إلا من اعتصم بفتنة الجبل مثل بني زلدوي بجبالهم وأهل جبال جيجل وزواوة، وزواوة أيضاً في جبالهم. وأما البسائط فأشهر من فيها منهم قبائل سدويكش ورئاستهم في أولاد سواق. ولاأدري إلى من يرجعون من قبائل كتامة المسمين في هذا الكتاب. إلا أنهم منهم باتفاق من أهل الأخبار. ونحن الآن ذاكرون ما عرفناه من أخبارهم المتأخرة بعد دولة كتامة والله تعالى ولي العون.

سدويكش


الخبر عن سدويكش ومن إليهم من بقايا كتامة في مواطنهم

هذا الحي لهذا العهد وما قبله من العصور يعرفون بسدويكش وديارهم في مواطن كتامة ما بين قسطنطينة وبجاية في البسائط منها، ولهم بطون كثيرة مثل سيلين وطرسون وطرغيان وموليت وبني فتنة وبني لمائي وكايارة وبني زغلان والبؤرة وبني مروان وواركسن وسكرال وبني عياد، وفيهم من لماية ومكلاتة وريغة، والرياسة على جميعهم في بطن منهم يعرفون أولاد سواق لهم جمع وقوة وعدد وعدة. وكان جميع هذه البطون وعيالهم غارمة فيمتطون الخيل ويسكنون الخيام ويظعنون على الإبل والبقر ولهم مع الدول في ذلك الوطن استقامة. وهذا شأن القبائل الأعراب من العرب. لهذا العهد. وهم ينتفون من نسب كتامة ويفرون منه، لما وقع منذ أربعمائة سنة من النكير على كتامة بانتحال الرافضة وعداوة الدولة بعدهم، فيتفادون بالانتساب إليهم. وربما انتسبوا في سليم من قبائل مضر وليس ذلك بصحيح. وإنما هم من بطون كتامة، وقد ذكرهم مؤرخو صنهاجة بهذا النسب، ويشهد لذلك الموطن الذي استوطنوه من إفريقية.

ويذكر نسابتهم ومؤرخوهم أن موطن أولاد سواق منهم كان في قلاع بني بو خصرة من نواحي قسطنطينة ومنه انتقلوا وانتشروا في سائر تلك الجهات. وأولاد سواق بطنان وهم: أولاد علاوة بن سواق وأولاد يوسف بن حمو بن سواق. فأما أولاد علاوة فكانت الرئاسة على قبائل سدويكش لهم فيما سمعناه من مشيختنا، وأن ذلك كان لعهد دولة الموحدين وكان منهم علي بن علاوة وبعده ابنه طلحة بن علي، وبعده أخوه يحيى بن علي، وبعده أخوهما منديل بن وعزل تاريز ابن أخيه طلحة.
ولما بويع السطان أبو يحيى بقسطنطينة سنة عشر من هذه المائة وقع من تاريز انحراف عن طاعته واعتلق بطاعة ابن الخلوف ببجاية فقدم عوضاً منه عمه منديل. ثم استبدل منهم أجمعين بأولاد يوسف فشمروا في طاعته وأبلوا، وغلب السلطان على بجاية وقتل ابن الخلوف ظهر أولاد يوسف وزحموا أولاد علاوة، وأخرجوهم من الوطن فصاروا إلى عياض من أفاريق هلال وسكنوا في جوارهم بجبلهم الذي أوطنوه المطل على المسيلة. واتصلت الرئاسة على سدويكش في أولاد يوسف. وهم لهذا العهد أربع قبائل: بنو محمد بن يوسف وبنو المهدي وبنو إبراهيم بن يوسف، والعزيزيون وهم بنو منديل، وظافر وجري وسيد الملوك والعباس وعيسى، والستة أولاد يوسف وهم أشقاء، وأمهم تاعزيزت فنسبوا إليها. وأولاد محمد والعزيزيون يوطنون بنواحي بجاية وأولاد المهدي وإبراهيم بنواحي قسطنطينة.
وما زالت الرئاسة في هذه القبائل الأربع تجتمع تارة في بعضهم وتفترق أخرى إلى هذا العهد. وكانت الأخرى دولة مولانا السلطان أبي يحيى، اجتمعت رئاستهم لعبد الكريم بن منديل بن عيسى بن العزيزيين.
ثم افترقت واستقل كل بطن من هؤلاء الأربعة برئاسة وأولاد علاوة في خلال هذا كله بجبل عياض. ولما تغلب بنو مرين على إفريقية أنكر السلطان أبو عنان أولاد يوسف ورماهم بالميل إلى الموحدين وصرف الرئاسة على سدويكش إلى مهنا بن تاريز بن طلحة من أولاد علاوة فلم يتم له ذلك، وقتله أولاد يوسف. ورجع أولاد علاوة إلى مكانهم من جبل عياض.
وكان رئيسهم لهذه العصور عدوان بن عبد العزيز بن زروق بن علي بن علاوة، وهلك ولم تجتمع رئاستهم بعده لأحد. وفي بطون سدويكش هؤلاء بطن مرادف أولاد سواق، في الرئاسة على أحيائهم وهم بنو سكين. ومواطنهم في جوار لواتة بجبل تابور وما إليه من نواحي بجاية، ورياستهم في بني موسى بن ثابر منهم. أدركنا ابنه صخر بن موسى واختصه السلطان أبو يحيى بالرئاسة على قومه، وكان له مقامات في خدمته. ثم عرف. بعده في الوفاء ابنه الأمير أبو حفص فلم يزل معه إلى أن وقع به بنو مرين بناحية قابس وجيء به مع أسرى الوقيعة فقطعه السلطان أبو الحسن من خلاف، وهلك بعد ذلك وقام برئاسته ابنه عبد الله وكان له فيها وفي خدمة السلطان ببجاية شأن إلى أن هلك لأعوام ثمانين، وولي ابنه محمد من بعده، والله وارث الأرض ومن عليها.

بني ثابت


!لخبر عن بني ثابت أهل الجبل المطل علي قسطنطينة من بقايا كتامة




ومن بطون كتامة وقبائلهم أهل الجبل المطل على القل ما بينه وبين قسطنطينة، المعروف برئاسة أولاد ثابت بن حسن بن أبي بكر من بني تليلان. ويقال إن أبا بكر هذا الجد هو الذي فرض المغرم على أهل هذا الجبل لأيام الموحدين، ولم يكن قبل ذلك عليه مغرم- فلما انقرض ملك صنهاجة وغلب الموحدون على إفريقية وفد أبو بكر هذا على الخليفة بمراكش ونجع بالطاعة والانقياد، وتقرب إليه بفرض المغرم على قبيلة بالجبل، وكان لثابت هذا من الولد علي وحسن وسلطان وإبراهيم، كلهم رأسوا بالجبل. وأما حسن منهم فحجب السلطان أبا يحيى لأول دولته وفي عنيته. ولابن عمر لدولة طرابلس أعوام إحدى عشر وسبعمائة كما نذكره. فلما تملك السلطان بجاية وقتل ابن خلوف ورجع ابن عمر من تونس إلى حجابته وجد حسن بن ثابت معسكراً بفرجيوة لانقضاء مغارم الوطن، فبعث إليه من قتله. وكان آخرهم رئاسة بالجبل علي، أدرك دولة بني مرين بإفريقية. وولي بعده ابن عبد الرحمن. ووفد على السلطان أبي عنان بفاس. ولما استجد مولانا السلطان أبو العباس دولته بإفريقية استولى عليهم ومحا أثر مشيختهم ورئاستهم وصيرهم من عداد جنده وحاشيته. واستعمل في الجبل عماله وهو جبل مطاوع، وجبايته مؤداة لصولته وجواره للعسكر بقسطنطينة. ومن بقايا كتامة أيضاً قبائل أخرى بناحية تدلس في هضابه مكتنفة بها، وهم في عداد القبائل الغارمة. وبالمغرب الأقصى منهم قبيلة من بني يستيتن بجبل قبلة جبل يزناسن، وقبيلة أخرى بناحية الهبط مجاورون لقصر ابن عبد الكريم وقبائل أخرى بناحية مراكش نزلوا مع صنهاجة هنالك. ونسب كتامة لهذا العهد بين القبائل المثل السائر في الدولة لما نكرتهم الدول من بعدهم أربعمائة سنة بانتحالهم الرافضة ومذاهبها الكفرية، حتى صار كثير من أهل نسبهم يفرون منه، وينتسبون فيمن سواهم من القبائل فراراً من هجنته والعزة لله وحده.

الإلمام بذكر زواوة من بطون كتامة

هذا البطن من أكبر بطون البربر ومواطنهم كما تراه محتفة ببجاية إلى تدلس في جبال شاهقة وأوعار متسنمة، ولهم بطون وشعوب كثيرة، ومواطنهم متصلة بمواطن كتامة وهؤلاء، وأكثر الناس جاهلون بنسبهم. وعامة نسابة البربر على أنهم من بني سمكان بن يحيى بن ضريس، وأنهم إخوة زواغة. والمحققون من النسابة مثل ابن حزم وأنظاره إنما يعدونهم في بطون كتامة وهو الأصوب. والمواطن أوضح دليل عليه. وإلا فأين مواطن زواغة? وهي طرابلس. وبالمغرب الأقصى من موطن كتامة. وإنما حمل على الغلط في نسبهم إلى كتامة تصحيف، اسم زوازة بالزاي بعد الواو، وهم إخوة زواغة بلا شك فصحف هذا القارىء الزاي بالواو فعد زواوة إخوان زواغة. ثم استمر التصحيف وجمعا في نسب سمكان والله أعلم، وقد مر ذكرهم هنالك مع ذكر زواغة وتعديد بطونهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 6:44 pm


<H4 dir=rtl style="MARGIN: 12pt 18.75pt 3pt; TEXT-INDENT: 6pt; TEXT-ALIGN: center" align=center>صنهاجة



الخبر عن صنهاجة من بطون البرانس وما كان لهم من الظهور والدول في بلاد المغرب والأندلس

هذا القبيل من أوفر قبائل البربر، وهو أكثر أهل الغرب لهذا العهد وما قبله لا يكاد قطر من أقطاره يخلو من بطن من بطونهم في جبل أو بسيط، حتى لقد زعم كثير من الناس أنهم الثلث من أمم البربر. وكان لهم في الردة ذكر وفي الخروج على الأمراء بإفريقية شأن تقدم منه في صدر ذكر البرابر، ونذكر منه هنا ما تيسر. وأما ذكر نسبهم فإنهم من ولد صنهاج وهو صناك بالصاد المشمة بالزاي والكاف القريبة من الجيم. إلا أن العرب عربته وزادت فيه الهاء بين النون والألف فصار صنهاج. وهو عند نسابة البربر من بطون البرانس من ولد برنس بن بر وذكر ابن الكلبي والطبري أنهم وكتامة جميعاً من حمير كما تقدم في كتامة، وفيما نقل الطبري في تاريخه أنه صنهاج بن يصوكان بن ميسور بن الفند بن أفريقش بن قيس.
وبعض النسابة يزعم أنه صنهاج بن المثنى بن المنصور بن المصباح بن يحصب بن مالك بن عامر بن حمير الأصغر من سبأ كذا نقل ابن النحوي من مؤرخي دولتهم وجعله ليحصب. وقد مر ذكره في أنساب حمير وليس كما ذكر والله أعلم. وأما المحققون من نسابة البربر فيقولون هو صنهاج بن عاميل بن زعزاع بن كيمتا بن سدر بن مولان بن يصلين بن يبرين بن مكسيلة بن دهيوس بن حلحال بن شرو بن مصرايم بن حام. ويزعمون أن جزول واللمط وهكسور إخوة صنهاج، وأن أمهم الأربعة تصكي، وبها يعرفون. وهي بنت زحيك بن مادغس، ويقال لها العرجاء. فهذه القبائل الأربعة من القبائل إخوة لأم والله أعلم.
وأما بطون صنهاجة فكثيرة فمنهم بلكانة وأنجفة وشرطة ولمتونة ومسوفة وكدالة ومندلة وبنو وارث وبنو يتيسن. ومن بطون أنجفة بنو مزوارت وبنو سليب وفشتالة وملوانة. هكذا يكاد نقل بعض نسابة البربر في كتبهم وذكر آخرون من مؤرخي البربرأن بطونهم تنتهي إلى سبعين بطنا. وذكر ابن الكلبي والطبري أن بلادهم بالصحراء مسيرة ستة أشهر. وكان أعظم قبائل صنهاجة تلكانة وفيهم كان الملك الأول. وكانت مواطنهم ما بين المغرب الأوسط وإفريقية، وهم أهل مدر. ومواطن مسوفة ولمتونة وكدالة وشرطة بالصحراء، وهم أهل وبر.
وأما أنجفة فبطونهم مفترقة، وهم أكثر بطون صنهاجة. ولصنهاجة ولاية لعلي بن أبي طالب كما أن لمغراوة ولاية لعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما إلا أنا لا نعرف سبب هذه الولاية ولا أصلها. وكان من مشاهيرهم في الدولة الإسلامية ثابت بن وزريون ثار بإفريقية أيام السفاح عند انقراض الأموية: وعبد الله بن سكرديرلك، وعباد صادق من قواد حماد بلكين، وسليمان بن بطعتان بن عليان أيام باديس بن بلكين. وبنو جدون وزاريني حماد، وهو حمدون بن سليمان بن محمد بن علي بن عليم. منهم ميمون بن جميل ابن أخت طارق، مولى عثمان بن عفان صاحب فتح الأندلس في آخرين يطول ذكرهم. وكان الملك في صنهاجة في طبقتين: الطبقة الأولى تلكاتة ملوك إفريقية والأندلس، والثانية مسوفة ولمتونة من الملثمين ملوك المغرب المسمون بالمرابطين، ويأتي ذكرهم كلهم إن شاء الله تعالى والله أعلم.
الطبقة الأولى من صنهاجة وما كان لهم من الملك كان أهل هذه الطبقة بنو ملكان بن كرت، وكانت مواطنهم بالمسيلة إلى حمرة إلى الجزائر ولمدية ومليناتة من مواطن بني يزيد وحصين والعطاف من زغبة، ومواطن الثعالبة لهذا العهد. وكان معهم بطون كثيرة من صنهاجة أعقابهم هنالك من متنان وأنوغة وبنو عثمان وبنو مزغنة وبنو جعد وملكانة وبطوية وبنو يفرن وبنو خليل، وبعض أعقاب ملكانة بجهات بجاية ونواحيها، وكان التقدم منهم جميعاً لتلكانة وكان كبيرهم لعهد الأغالبة مناد بن منقوش بن صنهاج الأصغر وهو صناك بن واسفاق بن جبريل بن يزيد بن واسلي بن سمليل بن جعفر بن إلياس بن عثمان بن سكاد بن ملكان بن كرت بن صنهاج الأكبر، هكذا نسبه ابن النحوي من مؤرخي الأندلس، وذكر بعض مؤزخي المغرب: أن مناد بن منقوش ملك جانباً من إفريقية والمغرب الأوسط مقيماً لدعوة بني العباس، وراجعاً إلى أمر الأغالبة.
وأقام أمره من بعده ابنه زيري بن مناد، وكان من أعظم ملوك البربر. وكانت بينه وبين مغراوة من زناتة المجاورين له من جهة المغرب الأوسط كما نذكر حروب وفتن طويلة. ولما استوسق الملك للشيعة بإفريقية تحيز إليهم، للولاية التي لعلي رضي الله عنه فيهم. وكان من أعظم أوليائهم، واستطال بهم على عدوه من مغراوة فكانوا ظهراً له عليهم. وانحرفت لذلك مغراوة وسائر زناتة عن الشيعة سائر أيامهم، وتحيزوا إلى المروانيين ملوك العدوة بالأندلس فأقاموا دعوتهم بالمغرب الأوسط والأقصى كما نذكره بعد إن شاء الله تعالى. ولما كانت فتنة أبي يزيد، والتاث أمر العبيديين بالقيروان والمهدية كان لزيري بن مناد منافرة إلى الخوارج أصحاب أبي يزيد وأعقابهم وتسريب الحشود إلى مناصرة العبيديين بالقيروان كما ستراه.

واختط مدينة أشير للتحصن بها سفح الجبل تيطراً لهذا العهد حيث مواطن حصين وحصنها بأمر المنصور، وكانت من أعظم مدن المغرب. واتسعت بعد ذلك خطتها واستبحر عمرانها، ورحل إليها العلماء والتجار من القاصية. وحين نازل أبا إسمعيل المنصور أبا يزيد لقلعة كتامة جاءه زيري في قومه ومن انضم إليه من حشود البربر، وعظمت نكايته في العدو وكان الفتح. وصحبه المنصور إلى أن انصرف من المغرب ووصله بصلات سنية. وعقد له على قومه وأذن له في اتخاذ القصور والمنازل والحمامات بمدينة أشير. وعقد له على تاهرت وأعمالها.
ثم اختط ابنه بلكين بأمره وعلى عهده مدينة الجزائر المنسوبة لبني مزغنة بساحل البحر ومدينة مليانة بالعدوة الشرقية من شلف ومدينة لمدونة. وهم بطن من بطون صنهاجة وهذه المدن لهذا العهد من أعظم مدن المغرب الأوسط، ولم يزل زيري على ذلك قائماً بدعوة العبيديين منابذاً لمغراوة، واتصلت الفتنة فيهم. ولما نهض جوهر الكاتب إلى المغرب الأقصى أيام معد المعز لدين الله أمره أن يستصحب زيري بن مناد فصحبه إلى المغرب وظاهره على أمره. ولما قتل يعلى بن محمد اليفرني اتهمه زناتة بالممالأة عليه. ولما نزل جوهر فاس وبها أحمد بن بكر الجذامي وطال حصاره إياها كان لزيري في حصارها أعظم العناء، وكان فتحها على يده. سهر ذات ليلة وصعد سورها فكان الفتح.
ولما استمرت الفتنة بين زيري بن مناد ومغراوة، ووصلوا أيديهم بالحكم المستنصري وأقاموا الدعوة المروانية بالمغرب الأوسط، وشمر محمد بن الخير بن محمد بن خزر لذلك، رماه معد بقريعة زيري وقومه من صنهاجة وعقد له على المغرب إقطع له ما افتتح من أقطاره فنهض زيري في قومه، واحتشد أهل وطنه وقد جمع له محمد بن الخير وزناتة فسرح إليهم ولده بلكين في مقدمة، وعارضهم قبل استكمالهم لتعبئة، فدارت بينهم حرب شديدة بعد العهد بمثلها يومئذ. واختل مصاف مغراوة وزناتة. ولما أيقن محمد بن الخير بالمهلكة، وعلم أنه أحيط به مال إلى ناحية من العسكر، وتحامل على سيفه فذبح نفسه وانفض جموع زناتة واستمرت الهزيمة عليهم سائر يومهم فاستلحموا، ومكثت عظامهم ماثلة بمصارعهم عصوراً.
وهلك فيما زعموا بضعة عشر أميراً منهم، وبعث زيري برؤوسهم إلى المعز بالقيروان فعظم سروره وغم لها الحكم المستنصري صاحب الدعوة بما أوهنوا من أمره. استطال زيري وصنهاجة على بوادي المغرب وعلت يده على جعفر بن علي صاحب المسيلة والزاب وسما به في الرتب عند الخلافة وتاخمه في العمالة. واستدعى معد جعفر بن علي من المسيلة لتولية إفريقية حين اعتزم على الرحيل إلى القاهرة فاستراب بما كانت السعاية كبرت فيه. وبعث معد المعز بعض مواليه فخافه جعفر على نفسه، وهرب من المسيلة ولحق بمغراوة فاشتملوا عليه، وألقوا بيده زمام أمرهم، وقام فيهم بدعوة الحكم المستنصري، وكانوا أقدم لها إجابة. وفاوضهم زيري الحرب قبل استفحالهم فزحف إليهم واقتتلوا قتالاً شديداً.
وكانت على زيري الدبرة، وكبا به فرفسه، وأجلت الهزيمة عن مصرعه ومصارع حاميته من قومه، فحزوا رأسه وبعثوا به إلى الحكم المستنصري بقرطبة في وفد أوفدوه عليه من أمرائهم يؤدون الطاعة ويؤكدون البيعة، ويجمعون لقومهم النصرة. وكان مقدم وفدهم يحيى بن علي أخو جعفر هذا كما ذكرناه. وهلك زيري هذا سنة ستين وثلثمائة لست وعشرين سنة من ولايته. ولما وصل خبره إلى ابنه بلكين وهو بأشير نهض إلى زناتة ودارت بينهم حرب شديدة فانهزمت زناتة وثأر بلكين بأبيه وقومه واتصل ذلك بالسلطان فحمد أثره، وعقد له على عمل أبيه بأشير وتيهرت وسائر أعمال المغرب، وضم إليه المسيلة والزاب وسائر عمل جعفر فاستعتب واستفحل أمره واتسعت ولايته، وأثخن في البربر أهل الخصوص من مزاتة وهوارة ونفرة وتوغل في المغرب في طلب زناتة فأثخن فيهم. ثم رجع واستقدمه السلطان لولاية إفريقية فقدم سنة إحدى وستين واستبلغ السلطان في تكريمه ونفس ذلك عليه كتامة. ثم نهض السلطان إلى القاهرة واستخلفه كما نذكره. وكان ذلك أول دولة آل زيري بإفريقية والله تعالى أعلم.
</H4>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 6:52 pm


<H6 dir=rtl style="MARGIN: 12pt 18.75pt 3pt; TEXT-INDENT: 6pt; TEXT-ALIGN: center" align=center>دولة آل زيري بن مناد



الخبر عن دولة آل زيري بن مناد ولاة العبيديين من هذه الطبقة بإفريقية وأولية أمرهم وتصاريف أحوالهم



لما أخذ المعز في الرحلة إلى المشرق، وصرف اهتمامه إلى ما يتخلف وراء ظهره من الممالك والعمالات، ونظر فيمن يوليه أمر إفريقية والمغرب ممن له الغناء والاضطلاع، وبه الوثوق من صدق التشييع ورسوخ القدم في دراية الدولة فعثر اختياره على بلكين بن زيري بن مناد، ولي الدولة منذ عهد سلفه بموجب عهد أخذه من أيدي زناتة أعدائها في سبيل الذب عن الدعوة والمظاهرة للدولة.
دولة بلكين بن زيري



فبعث خلف بلكين بن زيري وكان متوغلاً في المغرب في حروب زناتة، وولاه أمر إفريقية والمغرب، ما عدا صقلية كانت لبني أبي الحسين الكلبي، وطرابلس لعبد الله بن يخلف الكتامي، وسماه يوسف بدلاً من بلكين. وكناه أبا الفتوح، ولقبه سيف الدولة، ووصله بالخلع والأكسية الفاخرة. وحمله على مقرباته بالمراكب الثقيلة وأنفذ أمره في الجيش والمال وأطلق يده في الأعمال. وأوصاه بثلاث: أن لا يرفع السيف عن البربر، ولا يرفع الجباية عن أهل البادية، ولا يولي أحداً من أهل بيته. وعهد إليه أن يفتح أمره بغزو المغرب لحسم دائه، وقطع علائق الأموية منه. وارتحل يريد القاهرة سنة اثنتين وستين، ورجع عنه بلكين من نواحي صفاقس فنزل قصر معد بالقيروان، واضطلع بالولاية. وأجمع غزو المغرب فغزاه في جموع صنهاجة ومخلف كتامة، وارتحل إلى المغرب، وفر أمامه ابن خزر صاحب المغرب الأوسط إلى سجلماسة.
وبلغه خلاف أهل تاهرت وإخراج عامله فرحل إليها وخربها. ثم بلغه أن زناتة اجتمعوا إلى تلمسان فرحل إليهم فهربوا أمامه، ونزل على تلمسان فحاصرها حتى نزل أهلها على حكمه ونقلهم إلى أشير. وبلغه كتاب معد ينهاه عن التوغل في المغرب فرجع. ولما كان سنة سبع وستين رغب بلكين من الخليفة نزار بن المعز أن يضيف إليه عمل طرابلس وسرت وأجدابية فأجابه إلى ذلك وعقد له عليها. ورحل عنها عبد الله بن يخلف الكتامي وولى بلكين عليه من قبله. ثم ارتحل بلكين إلى المغرب وفرت أمامه زناتة فملك فاس وسجلماسة وأرض الهبط وطرد منها عمال بني أمية. ثم غزا جموع زناتة بسجلماسة وأوقع بهم، وتقبض على ابن خزر أمير مغراوة فقتله. وأجفل ملوكهم أمامه مثل بني يعلى بن محمد اليفرني وبني عطية بن عبد الله بن خزر وبني فلفول بن خزر، ويحيى بن علي بن حمدون صاحب البصرة.
وبرزوا جميعاً بقياطينهم إلى سبتة، وبعثوا الصريخ إلى المنصور بن أبي عامر فخرج بعساكره إلى الجزيرة الخضراء. وأمدهم بمن كان في حضرته من ملوك زناتة ورؤسائهم النازعين إلى خلفاء الأموية بالأندلس بقرطبة بالمقام في سبيل الطاعة، واغتنام فضل الرباط بثغور المسلمين في إيالة الخلفاء. واجتمعت منهم وراء البحر أمم مع ما انضم إليهم من العساكر والحشود. وأجازهم البحر لقصر جعفر بن علي بن حمدون صاحب المسيلة، وعقد له على حرب بلكين وأمده بمائة حمل من المال فتعاقد ملوك زناتة واجتمعوا إليه، وضربوا مصاف القتال بظاهر سبتة. وهرع إليهم المدد من الجزيرة من عساكر المنصور، وكادوا يخوضون البحر من فراض الزقاق إلى مظاهرة أوليائهم من زناتة. ووصل بلكين إلى تيطاور وتسنم هضابها وقطع شعراءها لنهج المسالك والطرق لعسكره، حتى أطل على معسكرهم بظاهر ستبة فرأى ما هاله واستيقن امتناعهم.
ويقال أنه لما عاين سبتة من مستشرفه، ورأى اتصال المدد من العدوة إلى معسكرهم بها قال: هذه أفعى فغزت إلينا فاها وكر راجعاً على عقبه. وكان موقفه ذلك أقصى أثره. ورجع إلى البصرة فهدمها وكانت دار ملك ابن الأندلسي، وبها عمارة عظيمة. ثم انفتح باب في جهاد برغواطة فارتحل إليهم وشغل بجهادهم، وقتل ملكهم عيسى بن أبي الأنصار كما نذكره. وأرسل بالسبي إلى القيروان وأذهب دعوة بني أمية من نواحي المغرب وزناتة مشردون بالصحراء إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين بوراكسن ما بين سجلماسة وتلمسان منصرفاً من هنه الغارة الطويلة.

دولة منصور بن بلكين



ولما توفي بلكين بعث مولاه أبو زغبل بالخبر إلى ابنه المنصور وكان والياً باشير وصاحب عهد أبيه فقام بأمر صنهاجة من بعده، ونزل صيره، وقلده العزيز نزار بن معد أمر إفريقية والمغرب على سنن أبيه وعقد لأخيه أبي البهارعلى تاهرت ولأخيه يطوفت على أشير، وسرحه بالعساكر إلى المغرب الأقصى سنة أربع وسبعين يسترجعه من أيدي زناتة. وقد بلغه أنهم ملكوا سجلماسة وفاس زيري بزو عطية المغراوي الملقب بالقرطاس أمير فاس فهزمه ورجع إلى أشير. وأقصى المنصور بعدها عن غزو المغرب وزناتة واستقل به ابن عطية وابن خزرون وبدر بن يعلى كما نذكر بعد.
ثم رحل بلكين إلى رقادة وفتك بعبد الله بن الكاتب عامله وعامل أبيه على القيروان لهنات كانت منه، وسعايات أنجحت فيه فهلك سنة تسع وسبعين وولي مكانه يوسف بن أبي محمد وكثر التواتر بكتابه فقتلهم وأثخن فيهم حتى أذعنوا، وأخرج إليهم العمال وعقد لأخيه حماد على أشير. وطالت الفتنة مع زناتة ونزل إليه منهم سعيد بن خزرون. ولم يزل سعيد بطبغة إلى أن هلك سنة إحدى وثمانين وولي ابنه فلفول بن سعيد. وخالف أبو البهار بن زيري سنة تسع وسبعين فزحف إليه المنصور، وفر بين يديه إلى المغرب. وأمد المنصور أهل تاهرت ومضى في اتباع أبي البهار حتى نفد عسكره، وأشير عليه بالرجوع فرجع. وبعث أبو البهار إلى أبي عامر صاحب الأندلس في المظاهرة والمدد، واسترهن ابنه في ذلك فكتب زيري بن عطية صاحب دعوة الأموية من زناتة بفاس أن يكون معه يداً واحدة فظاهره زيري، واتفق رأيهما مدة، وحاربهما بدر بن يعلى فهزماه وملكا فاس وما حولها. ثم اختلفت ذات بينهما سنة اثنتين وثمانين، ورجع أبو البهار إلى قومه. ووفد على المنصور سنة اثنتين وثمانين بالقيروان فأكرمه ووصله وأنزله أحسن نزل، وعقد له على تاهرت. ثم هلك المنصور سنة خمس وثمانين.

دولة باديس بن المنصور



ولما هلك المنصور قام بأمره ابنه باديس وعقد لعمه يطوفث على تاهرت، وسرح عساكره لحرب زناتة مع عميه يطوفت وحماد فولوا منهزمين أمام زناتة إلى أشير. ونهض بنفسه سنة تسع وثمانين لحرب زيري بن عطية راجعاً إلى المغرب فولى باديس أخاه يطوفت على تاهرت وأشير، وخالد عليه عمومته ماكسن وزاوي وحلال ومعتز وعزم واستباحوا عسكر يطوفت وأفلت منهم. ووصل أبو البهار متبرئاً من شأنهم. وشغل السلطان باديس بحرب فلفول بن سعيد كما نذكره في أخبار بني خزرون، وسرح عمه حماداً لحرب بني زيري إخوته. ووصل بنو زيري أيديهم بفلفول ثم رجعوا إلى حماد فهزمهم وتقبض على ماكسن منهم بأطمة الكلاب وقتل أولاد الحسن وباديس كذا ذكر ابن حزم.
ونجا فلهم إلى جبل سنوة فنازلهم حماد أياماً وعقد لهم السلم على الإجازة إلى الأندلس فلحقوا بابن أبي عامر سنة إحدى وتسعين وثلثمائة.
وهلك زيري بن عطية المغراوي لتسع أيام من مهلك ماكسن، وأقفل باديس عمه حماداً إلى حضرته ليستعين به في حروب فلفول فاضطرب المغرب لقفوله، وأظهرت زناتة الفساد وأضروا بالسابلة، وحاصروا المسيلة وأشير فسرح إليهم باديس عمه حماداً وخرج على أثره سنة خمس وتسعين فنزل تيجست ودوخ حماد المغرب، وأثخن في زناتة، واختط مدينة القلعة. ثم طلب منه باديس أن ينزل على عمل يتحس وقسطنطينة اختياراً للطاغية فأبى وأظهر الخلاف. وبعث إليه أخاه إبراهيم فأقام معه وزحف إليهم باديس، ثم رحل في طلبه إلى شلف، ونزع إليه بعض العساكر. ودخل في طاعته بنو توجين وجاروا في مدده. ووصل أميرهم عطية بن دافلين وبدر بن أغمان بن المعتز فوصلها. وكان حماد قتل دافلين. ثم نزل باديس نهر واصل والسرسو وكزول وانثنى حماد راجعاً إلى القلعة واتبعه باديس. ونازله بها وهلك بمعسكره عليها سنة ست وأربعمائة فجأة، وهو نائم بين أصحابه بمضربه، فارتحلوا راجعين واحتملوا باديس على أعواه.

دولة المعز بن باديس


ولما بلغ الخبر بمهلك باديس بويع ابنه المعز ابن ثمان سنين، ووصل العسكر فبايعوه البيعة العامة. ودخل حماد المسيلة واشير، واستعد للحرب وحاصر باغاية. وبلغ الخبر بذلك فزحف المعز إليه وأفرج عن باغاية ولقيه فانهزم حماد وأسلم معسكر وتقبض على أخيه إبراهيم ونجا إلى القلعة، ورغب في الصلح فاستجيب على أن يبعث ولده. وانتهى المعز إلى سطيف وقصر الطين وقفل إلى حضرته، ووصل إليه القائد ابن حماد سنة ثمان وأربعمائة راغباً في الصلح فعقده، واستقل حماد بعمل المسيلة وطبنة والزاب واشير وتاهرت وما يفتح من بلاد المغرب وعقد للقائد ابن حماد على طبنة والمسيلة ومقره ومرسى الدجاج وسوق حمزة وزواوة وانقلب بهدية ضخمة. ووض! الحرب أوزارها من يومئذ واقتسموا الخطة والتحموا بالأصهار، وافترق ملك صنهاجة إلى دولتين: دولة إلى المنصور بن بلكين أصحاب القيروان، ودولة إلى حماد بن بلكين أصحاب القلعة.
ونهض المهز إلى حماد سنة اثنتين وثلاثين فحاصره بالقلعة مدة سنين، ثم أقلع عنها وانكفأ راجعاً ولم يعاود فتنة بعد. ووصل زاوي بن زيري من الأندلس سنة عشر وأربعمائة كما ذكرناه في خبره فتلقاه المعز أعظم لقاء وسلم عليه راجلاً، وفرشت القصور لنزله ووصله أعظم الصلات وأرفعها. واستمر ملك المعز بإفريقية والقيروان، وكان أضخم ملك عرف للبربر بإفريقية وأترفه وأبذخه. نقل ابن الرقيق من أحوالهم في الولائم والهدايا والجنائز والأعطيات ما يشهد بذلك، مثل ما ذكر أن هدية صندل عامل باغاية مائة حمل من المال، وأن بعض توابيت الكبراء منهم كان العود الهندي بمسامير الذهب،، باديس أعطى فلفول بن مسعود الزناتي ثلاثين حملاً من المال وثمانين تختاً. وأن أعشار بعض أعمال الساحل بناحية صفاقس كان خمسين ألف قفيز وغير ذلك من أخبارهم.
وكانت بينه وبين زناتة حروب ووقائع كان له الغلب في جميعها كما هو مذكور وكان المعز منحرفاً عن مذاهب الرافضة ومنتحلاً للسنة فأعلن بمذهبه لأول ولايته ولعن الرافضة. ثم صار إلى قتل من وجد منهم، وكبا به فرسه ذات يوم فنادى مستغيثاً باسم أبي بكر وعمر فسمعته العامة فثاروا لحينهم بالشيعة وقتلوهم أبرح قتل، وقتل دعاة الرافضة يومئذ، وامتعض لذلك خلفاء الشيعة بالقاهرة. وخاطبه وزيرهم أبو القاسم الجرجاني محذراً، وهو يراجعه بالتعريض بخلفائه والقدح فيهم حتى أظلم الجو بينه وبينهم إلى أن انقطع الدعاء لهم سنة أربعين وأربعمائة على عهد المستنصر من خلفائهم. وأحرق بنوده ومحا اسمه من الطرز والسكة، ودعا للقائم بن القادر من خلفاء بغداد. وجاءه خطاب القائم وكتاب عهده صحبة داعيته أبي الفضل بن عبد الواحد التميمي، فرماه المستنصر خليفة العبيديين بالعرب من هلال الذين كانوا مع القرامطة، وهم رياح وزغبة والأثبج. وذلك بمشاركة من وزيره أبي محمد الحسن بن علي اليازوري كما ذكرنا في أخبار العرب ودخولهم إلى إفريقية.
وتقدموا إلى البلاد وأفسدوا السابلة والقرى. وسرح إليهم المعز جيوشه فهزموهم فنهض إليهم ولقيهم بجبل حيدران فهزموه، واعتصم بالقيروان فحاصروه وتمرسوا به وطال عيثهم في البلاد وإضرارهم بالرعايا إلى أن خربت إفريقية. وخرج ابن المعز من القيروان سنة تسع وأربعين مع خفيره منهم، وهو مؤنس بن يحيى الصبري أمير رياح فلحق في خفارته بالمهدية، بعد أن أصهر إليه في ابنته فأنكحه إياها ونزل بالمهدية وقد كان قدم إليها ابنه تميماً فنزل عليه، ودخل العرب القيروان وانتهبوها.
وأقام المعز بالمهدية وانتزى الثوار في البلاد فغلب حمو بن مليل البرغواطي على مدينة صفاقس، وملكها سنة إحدى وخمسين. وخالفت سوسة وصار أهلها إلى الشورى في أمرهم. وصارت تونس آخراً إلى ولاية الناصر بن علناس بن حماد صاحب القلعة. وولى عليهم عبد الحق بن خراسان فاستبد بها واستقرت في ملكه وملك بنيه، وتغلب موسى بن يحيى على قابس. وصار عاملها المعز بن محمد الصنهاجي إلى ولايته، وأخوه إبراهيم من بعده كما يأتي ذكره. والتاث ملك آل باديس وانقسم في الثوار كما نذكر في أخبارهم بعد. وهلك المعز سنة أربع وخمسين والله أعلم.

دولة تميم في المعز


ولما هلك المعز قام بأمره ابنه تميم وغلبه العرب على إفريقية فلم يكن له إلا ما ضمه السور، خلا أنه كان يخالف بينهم وتسلط بعضهم على بعض. وزحف إليه حمو بن ملين البرغواطي صاحب صفاقس فخرج تميم للقائه، وانقسمت العرب عليهما فانهزم حمو وأصحابه، وذلك سنة خمس وخمسين. وسار منها إلى سوسة فافتتحها، ثم بعث عساكره إلى تونس فحاصروا ابن خراسان حتى استقام على الطاعة لتميم. ثم بعث عساكره أيضاً إلى القيروان، وكان بها قائد بن ميمون الصنهاجي من قبل المعز فأقام ثلاثاً. ثم غلبته عليها هوارة، وخرج إلى المهدية ثم رده تميم إلى ولايته بها فخالف بعد ست من ولايته، وكاتب الناصر بن علناس صاحب القلعة فبعث تميم إليه العساكر فلحق بالناصر وأسلم القيروان.
ثم رجع بعد ست إلى حمو بن مليل البرغواطي بصفاقس وابتاع له القيروان من مهنا بن علي أمير زغبة فولاه عليها وحصنها سنة سبعين وكانت بين تميم والناصر صاحب القلعة أثناء ذلك فتن كان سماسرتها العرب يجأجئون بالناصر من قلعته، ويوطئون عساكره ببلاد إفريقية. وربما ملك بعض أمصارها، ثم يردونه على عقبه إلى داره إلى أن اصطلحا سنة سبعين، وأصهر إليه تميم بابنته. ونهض تميم سنة أربع وسبعين إلى قابس وبها ماضي بن محمد الصنهاجي، وليها بعد أخيه إبراهيم فحاصرها ثم أفرج عنها. ونازلته العرب سنة ست وسبعين بالمهدية ثم أفرجوا عنه، وهزمهم فقصدوا القيروان ودخلوها فأخرجهم عنها.
وفي أيامه كان تغلب نصارى جنده على المهدية سنة ثمانين نزلوها في ثلثمائة مركب وثلاثين ألف مقاتل واستولوا عليها وعلى زويلة، فبذل لهم تميم في النزول عنها مائة ألف دينار بعد أن انتهبوا جميع ما كان بها، فاستخلصها من أيديهم ورجع إليها ثم استولى على قابس سنة تسع وثمانين من يد أخيه عمر بن المعز، بايع له أهلها بعد موت قاضي بن إبراهيم. ثم استولى بعدها على صفاقس سنة ثلاث وتسعين، وخرج منها حمو بن مليل إلى قابس فأجاره مكن بن كامل الدهماني إلى أن مات بها. وكانت رياح قد تغلبت على زغبة وعلى إفريقيه من لدن سبع وستين وأخرجوه منها. وفي هذه المائة الخامسة غلب الأخضر من بطون رياح على مدينة باجة وملكوها، وهلك تميم إثر ذلك سنة إحدى وخمسمائة.

دولة يحيي بن تميم

ولما هلك تميم بن المعز ولي ابنه يحيى، وافتتح أمره بافتتاح إقليبية وغلب عليها ابن محفوظ الثائر بها. وثار أهل صفاقس على ابنه أبي الفتوح فلطف الحيلة في تفريق كلمتهم، وراجع طاعة العبيديين ووصلته المخاطبات والهدايا. وكان قد صرف همه إلى غزو النصارى والأساطيل البحرية فاستكثر منها واستبلغ في اقتنائها. وردد البعوث إلى دار الحرب فيها حتى اتقته أمم النصرانية بالجزي من وراء البحر من بلاد إفريقية وجنوة وسردينية. وكان له في ذلك آثار ظاهرة عزيزة. وهلك فجأة في قصره سنة تسع وخمسمائة والله أعلم.

دولة علي بن يحيي

ولما هلك يحيى بن تميم ولي علي ابنه، استقدم لها من صفاقس، فقدم في خفارة أبي بكر بن أبي جابر، مع عسكر، ونظرائه من أمراء العرب. وكان أعظم أمراء عساكر صنهاجة محاصرين لقصر الأجم فاجتمعوا إليه وتمت بيعته. ونهض إلى حصار تونس حتى استقام أحمد بن خراسان على الطاعة، وفتح جبل وسلات. وكان ممتنعاً على من سلف من قومه فجرد إليه عسكراً مع ميمون بن زياد الصخري المعادي من أمراء العرب فافتتحوه وقتلوا من كان به. ووصل رسول الخليفة من مصر بالمخاطبات والهدايا على العادة. ثم نهض إلى حصار رافع بن مكن بقابس سنة إحدى عشرة وخمسمائة. ودون لها قبائل فادغ من بني علي إحدى بطون رياح كما نذكره في أخبار رافع. ثم حدثت الفتنة بينه وبين رجار صاحب صقلية بممالأة رجار لرافع بن كامل عليه، وإمداده إياه بأسطوله يغير على ساحل علي بن يحيى ويرصد أساطيله، فاستخدم علي بن يحيى الأساطيل وأخذ في الأهبة للحرب، وهلك سنة خمس عشرة وخمسمائة والله أعلم.

دولة الحسن بن علي


ولما هلك علي بن يحيى بن تميم ولي بعده ابنه الحسن بن علي غلاماً يفعة ابن اثنتي عشرة سنة، وقام بأمره مولاه صندل. ثم مات صندل وقام بأمره مولاه موفق. وكان أبوه أصدر المكاتبة إلى رجار عند الوحشة يهدده بالمرابطين ملوك المغرب، لما كان بينه وبينهم من المكاتبة. واتفق أن غزا أحمد بن ميمون قائد أسطول المرابطين صقلية وافتتح قرية منها فسباها وقتل أهلها سنة ست عشرة، فلم يشك رجار أن ذلك بإملاء من الحسن فنزلت أساطيله إلى المهدية وعليهم عبد الرحمن بن عبد العزيز وجرجي بن مخائيل الأنطاكي. وكان جرجي هذا نصرانياً هاجر من المشرق، وقد تعلم اللسان وبرع في الحساب. وتهذب في الشام بأنطاكية وغيرها فاصطنعه تميم واستولى عليه، وكان يحيى يشاوره.
فلما هلك تميم أعمل جرجي الحيلة في اللحاق برجار فلحق به وحظي عنده واستعمله على أسطوله فلما اعتزم على حصار المهدية بعثه لذلك فزحف في ثلثمائة مركب، وبها عدد كثير من النصرانية، فيهم ألف فارس. وكان الحسن قد استعد لحربهم فافتتح جزيرة قوصرة، وقصدوا إلى المهدية ونزلوا إلى الساحل، وضربوا الأبنية وملكوا قصر الدهانين وجزيرة الأملس. وتكرر القتال فيهم إلى أن غلبهم المسلمون، وأقلعوا راجعين إلى صقلية بعد أن استمر القتل فيهم. ووصل بأكثر ذلك محمد بن ميمون قائد المرابطين بأسطوله فعاث في نواحي صقلية، واعتزم رجار على إعادة الغزو إلى المهدية. ثم وصل أسطول يحيى بن العزيز صاحب بجاية لحصار المهدية ووصلت عساكره في البر مع قائده مطرف بن علي بن حمدون الفقيه فصالح الحسن صاحب صقلية ووصل يده به واستمد منه أسطوله. واستمد الحسن أسطول رجار فأمده، وارتحل مطرف إلى بلده. وأقام الحسن مملكاً بالمهدية، وانتقض عليه رجار وعاد إلى الفتنة معه، ولم يزل يردد إليه الغزو إلى أن استولى على المهدية قائد أسطوله جرجي بن مناسل سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ووصلها بأسطوله في ثلثمائة مركب وخادعهم بأنهم إنما جاءوا مدداً له. وكان عسكر الحسن قد توجه صريخاً لمحرز بن زياد الفادغي صاحب علي بن خراسان صاحب تونس، فلم يجد صريخاً فجلا عن المهدية ورحل واتبعه الناس. ودخل العدو إلى المدينة وتملكوها دون دفاع. ووجد جرجي القصر كما هو لم يرفع منه الحسن إلا ما خف، وترك الذخائر الملوكية. فأمن الناس وأبقاهم تحت إيالته، ورد الفارين منهم إلى أماكنهم. وبعث أسطولاً إلى صفاقس فملكها وأجاز إلى سوسة فملكها أيضاً ثم إلى طرابلس كذلك. واستولى رجار صاحب صقلية على بلاد الساحل كلها ووضع على أهلها الجري، وولى عليهم كما نذكره، إلى أن استنقذهم من ملكة الكفر عبد المؤمن شيخ الموحدين وخليفة إمامهم المهدي.
ولحق الحسن بن يحيى بعد استيلاء النصارى على المهدية بالعرب من رياح، وكبيرهم محرز بن زياد الفادغي صاحب القلعة، فلم يجد لديهم مصرخاً. وأراد الرحيل إلى مصر للحافظ عبد المجيد فأرصد له جرجي فارتحل إلى المغرب، وأجاز إلى بونة، وبها الحارث بن منصور وأخوه العزيز. ثم توجه إلى قسطنطينة، وبها سبع بن العزيز أخو يحيى صاحب بجاية، فبعث إليه من أجازه إلى الجزائر. ونزل على ابن العزيز فأحسن نزله وجاوره إلى أن فتح الموحدون الجزائر سنة سبع وأربعين بعد تملكهم المغرب والأندلس، فخرج إلى عبد المؤمن فلقاه تكرمة وقبولاً. ولحق به وصحبه إلى إفريقية في غزواته الأولى، ثم الثانية سنة سبع وخمسين فنازل المهدية وحاصرها أشهراً. ثم افتتحها خمس وخمسين، وأسكن بها الحسن وأقطعه رحيش فأقام هنالك ثماني سنين. ثم استدعاه يوسف بن عبد المؤمن فارتحل بأهله يريد مراكش. وهلك بتامستا في طريقه إلى بابارولو سنة ست وثلاثين، والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين ورب الخلائق أجمعين.

</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 6:57 pm


<H6 dir=rtl style="MARGIN: 12pt 18.75pt 3pt; TEXT-INDENT: 6pt" align=center>[size=12]بنو خراسان من صنهاجة



الخبر عن بني خراسان من صنهاجة الثوار بتونس على آل باديس عند اضطراب إفريقية بالعرب ومبد أ أمرهم ومصاير أحوالهم


لما تغلب العرب على القيروان، وأسلم المعز وتحول إلى المهدية اضطرمت إفريقية ناراً. واقتسمت العرب البلاد عمالات، وامتنع كثير من البلاد على ملوك آل باديس مثل أهل سوسة وصفاقس وقابس وصارت صاغية أهل إفريقية إلى بني حماد ملوك القلعة وملكوا القيروان كما تقدم. وانقطعت تونس عن ملك المعز، ووفد مشيختها على الناصر بن علناس فولى عليهم عبد الحق بن عبد العزيز بن خراسان، يقال أنه من أهل تونس والأظهر أنه من قبائل صنهاجة فقام بأمرهم وشاركهم في أمره وتوعد إليهم وأحسن السيرة فيهم، وصالح العرب أهل الضاحية على أتاوة معلومة لكف عاديتهم. وزحف تميم بن المعز من المهدية إليه سنة ثمان وخمسين في جموعه، ومعه يبقى ابن علي أمير زغبة فحاصر تونس أربعة أشهر، إلى أن صالحه ابن خراسان واستقام على طاعته فأفرج عنه.
ولم يزل قائماً بأمره إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين فولي ابنه عبد العزيز وكان مضعفاً وهلك على رأس هذه الماية الخامسة وقام بأمره ابنه أحمد بن عبد العزيز بن عبد الحق فقتل عمه إسمعيل بن عبد الحق لمكان ترشه، وغربه أبو بكر إلى أن برزت فأقام بها خوفاً على نفسه. ونزع أحمد إلى التخلق بسير الملك والخروج عن سير المشيخة واشتدت وطأته، وكان من مشاهير رؤساء بني خراسان هؤلاء فاستبد بتونس لأول المائة السادسة وضبطها وبنى أسوارها. وعامل العرب على إصلاح سابلتها فصلحت حاله، وبنى قصور بني خراسان. وكان مجالساً للعلماء محباً فيهم ونازله علي بن يحيى بن العزيز بن تميم سنة عشر وخمسمائة وضيق عليه، ودافعه بإسعاف غرضه فأفرج عنه. ثم نازله عساكر العزيز بن منصور صاحب بجاية فعاد إلى طاعته سنة أربع عشرة، ولم يزل والياً على تونس إلى أن نهض سنة اثنتين وعشرين مطرف بن علي بن حمدون قائد يحيى بن العزيز من بجاية في العساكر إلى إفريقية، وملك عامة أمصارها فتغلب على تونس وأخرج أحمد بن عبد العزيز صاحبها ونقله إلى بجاية بأهله وولده.
وولى على تونس كرامة بن المنصور عم يحيى بن العزيز فبقي والياً عليها إلى أن مات، وولي عليها بعده أخوه أبو الفتوح بن المنصور إلى أن مات وولي مكانه ابن ابنه محمد. وساءت سيرته فعزل وولي مكانه عمه معد بن المنصور إلى أن استولى النصارى على المهدية وسواحلها ما بين سوسة وصفاقس وطرابلس سنة ثلاث وأربعين، وصارت لصاحب صقلية، وأخرج الحسن بن علي كما هو مذكور فأخذ أهك تونس في الاستعداد والحذر. واستأسدوا لذلك على واليهم وانتشر بغاتهم وربما ثاروا بعض الأيام عليه فقتلوا عبيدة بمرأى منه، واعتدوا عليه في خاصته فبعث عنه أخوه يحيى من بجاية فركب البحر في الأسطول، وترك نائبه العزيز بن دافال من وجوه صنهاجة فأقام بينهم وهم مستبدون عليه. وكان بالمعلقة جوارهم محرز بن زياد أمير بني علي من بطون رياح قد تغلب عليها.
وكانت الحرب بينه وبين أهل تونس سجالاً، والتحم بينهما المصاف. وكان محرز يستمد عساكر صاحب المهدية على أهل تونس فتأتيه إلى أن غلب النصارى على المهدية، وحدثت الفتنة بينهم بالبلد فكان المصاف بين أهل باب السويقة وأهل باب الجزيرة وكانوا يرجعون في أمورهم إلى القاضي عبد المنعم ابن الإمام أبي الحسن. ولما غلب عبد المؤمن على بجاية وقسطنطينة وهزم العرب بسطيف ورجع إلى مراكش. انتهت إليه شكوى الرعايا بإفريقية مما نزل بهم من العرب، فبعث ابنه عبد الله من بجاية إلى إفريقية في عساكر الموحدين فنازل تونس سنة اثنتين وخمسين وامتنعت عليه. ودخل معهم محرز بن زياد وقومه من العرب واجتمع جندهم وبرزوا للموحدين فأوقعوا بهم وأفرجوا عن تونس.
وهلك أميرها عبد الله بن خراسان خلال ذلك، وولي مكانه علي بن أحمد بن عبد العزيز خمسة أشهر، وزحف عبد المؤمن إلى تونس وهو أميرها فانقادوا لطاعته كما نذكره في أخبار الموحدين. ورحل علي بن أحمد بن خراسان إلى مراكش بأهله وولده، وهلك في طريقه سنة أربع وخمسين وأفرج محرز بن زياد عن المعلقة. واجتمعت إليه قومه وتدامرت العرب عن مدافعة الموحدين واجتمعوا بالقيروان، وبلغ الخبر إلى عبد المؤمن وهو منصرف من غزاته إلى المغرب فبعث إليهم العساكر وأدركوهم بالقيروان فأوقعوا بهم واستلحموهم قتلاً وسبياً. وتقبض على محرز بن زياد أميرهم فقتل وصلب شلوه بالقيروان، والله يحكم ما يشاء لا معقب لحكمه وهوعلى كل شيء قدير.
بنو الرند



الخبر عن بني الرند ملوك قفصة الثائرين بها عند التياث ملك آل باديس بالقيروان واضطرابه بفتنة العرب ومبدأ دولتهم ومصاير أمورهم

لما تغلب العرب على إفريقية وانحل نظام الدولة الصنهاجية، وارتحل المعز من القيروان إلى المهدية، وكان بقفصة عاملاً لصنهاجة عبد الله بن محمد بن الرند وأصله من جرية من بني صدغيان. وقال ابن نحيل هو من بني مرين من مغراوة، وكان مسكنهم بالجوسين من نفزاوة فضبط قفصة وقطع عنها عادية الفساد. وصالح العرب على الأتاوة فصلحت السابلة واستقام الحال. ثم استبد بأمره وخلع الامتثال من عنقه سنة خمس وأربعين، واستمر على ذلك. وبايعته توزر وقفصة وسوس والحامة ونفزاوة وسائر أعمال منطينة فاستفحل أمره وعظم سلطانه، ووفد عليه الشعراء والقصاد، وكان معظماً لأهل الدين إلى أن هلك سنة خمس وستين.
وولي من بعده ابنه المعتز وكنيته أبو عمر، وانقاد إليه الناس فضبط الأمور وجبى الأموال واصطنع الرجال وتغلب على قمودة وجبل هوارة وسائر بلاد قسطيلية وما إليها. وحسنت سيرته إلى أن عمي. وهلك في حياته ابنه تميم فعهد لابنه يحيى بن تميم. وقام بالأمر، واستبد على جده ولم يزالوا بخير حال إلى أن نازلهم عبد المؤمن سنة أربع وخمسين فمنعهم من الأمر، ونقلهم إلى بجاية فمات المعتز بها سنة سبع وخمسين لمائة وأربع عشرة من عمره وقيل لسبعين، ومات بعده بيسير حافده يحيى بن تميم. وولى عبد المؤمن على قفصة نعمان بن عبد الحق الهنتاني. ثم عزله بعد ثلاث بميمون ابن أجانا الكنسيفي. ثم عزله بعمران بن موسى الصنهاجي وأساء إلى الرعية فبعثوا عن علي بن العزيز بن المعتز من بجاية. وكان بها في مضيعة يحترف بالخياطة فقدم عليهم، وثاروا بعمران بن موسى عامل الموحدين فقتلوه وقدموا علي بن العزيز فساس ملكه وحاط رعيته. وأغزاه يوسف بن عبد المؤمن سنة ثلاث وستين أخاه السيد أبا زكريا فحاصره وضيق عليه وأخذه وأشخصه إلى مراكش بأهله وماله، واستعمله على الأشغال بمدينة سلا أن هلك وفنيت دولة بني الرند والبقاء لله وحده.

بني جامع


الخبر عن بني جامع الهلاليين أمراء قابس لعهد الصنهاجيين وما كان لتميم بها من الملك والدولة وذلك عند فتنة العرب بأفريقية

ولما دخلت العرب إلى إفريقية وغلبوا المعز على الضواحي ونازلوه بالقيروان، وكان الوالي بفاس المعز بن محمد بن لموية الصنهاجي، وكان أخواه إبراهيم وماضي قيروان قائدين للمعز على جيوشه فعزلهما، ولحقا مغاضبين بمؤنس بن يحيى، وكان ذلك أول تملك العرب. ثم أقام إبراهيم منهم والياً بقابس، ولحق المعز بن محمد بمؤنس فكان معه إلى أن هلك إبراهيم، وولي مكانه أخوه ماضي وكان سيىء السيرة فقتله أهل قابس، وذلك لعهد تميم بن المعز بن باديس، وبعثوا إلى عمر أخي السلطان في طاعة العرب، فوليها بكر بن كامل بن جامع أمير المناقشة من دهمان من بني علي إحدى بطون رياح فقام بأمرها، واستبد على صنهاجة. ولحق به مثنى بن تميم بن المعز نازعاً عن أبيه فأجابه ونازل معه المهدية حتى امتنعت عليه، واطلع على قبائح شتى فأفرج عنها. ولم يزل كذا على حاله في إجابة قابس وإمارة قومه دهمان إلى أن هلك. وقام بأمره بعده رافع واستفحل بها ملكه، وهو الذي اختط قصر العروسيين من مصانع الملك بها، واسمه مكتوب لهذا العهد في جدرانها.
ولما ولي علي بن يحيى بن تميم فسد ما بينه وبين رافع وأعان عليه رافع صاحب صقلية فغلب أسطول علي بن يحيى على أسطول النصارى. ثم ذوى قبائل العرب والأساطيل، وزحل إلى قابس سنة إحدى عشر وأربعمائة. قال ابن أبي الصلت: دول الثلالة الأخماس من قبائل العرب الذين هم: سعيد ومحمد ونحبة، وأضاف إليهم من الخمس الرابع أكابر بني مقدم فوافى من كان منهم بفحص القيروان. وفر رافع إلى القيروان وامتنع عليه أهلها. ثم اجتمع شيوخ دهمان، واقتسموا البلاد وعينوا القيروان لرافع وأمكنوه. وبعث علي بن يحيى عساكره والعرب المدونة على منازلة رافع بالقيروان وخرج إلى محاربتهم فهلك بالطريق في بعض حروبه مع أشياع رافع.
ثم أن ميمون بن زياد الصخري حمل رافع بن مكن على مسالمة السلطان وسعى في إصلاح ذات بينهما فانصلح وارتفعت بينهما الفتنة. وقام بقابس من ذلك رشيد بن كامل. قال ابن نخيل وهو الذي اختط قصر العروسيين وضرب السكة الرشيدية. وولي بعده ابنه محمد بن رشيد وغلب عليه مولاه يوسف. ثم خرج محمد في بعض وجوهه وترك ابنه مع يوسف فطرده يوسف واستبد، وانتهى إلى طاعة رجار فثار به أهل قابس ودفعوه عنهم فخرج إلى أخيه. ولحق أخوه عيسى بن رشيد وأخبره الخبر فحاصرهم رجار بسبب ذلك مدة من الأيام. وكان آخر من ملكها من بني جامع أخوه مدافع بن رشيد بن كامل. ولما استولى عبد المؤمن على المهدية وصفاقس وطرابلس بعث ابنه عبد الله بعسكر إلى قابس، ففر مدافع بن رشيد عن قابس وأسلمها للموحدين ولحق بعرب طرابلس من عرب عوف فأجاروه سنتين ثم لحق بعبد المؤمن بقابس فأكرمه ورضي عنه وانقرض أمر بني جامع من يؤانس والبقاء لله وحده.

الخبر عن ثورة رافع بن مكن بن مطروح بطرابلس والفرياني بصفاقس على النصارى وإخراجهم واستبدادههم بأمر بلدهم في آخر دولة بني باديس

أما طرابلس فكان رجار صاحب صقلية قد استولى عليها سنة أربعين وخمسمائة عل يد قائده جرجي بن ميخاييل الأنطاكي وأبقى المسلمين بها واستعمل عليهم، وبقيت في مملكة النصارى أياماً. ثم إن أبا يحيى بن مطروح من أعيان البلد مشى في وجوه الناس وأعيانهم وداخلهم في الفتك بالنصارى فاجتمعوا لذلك وثاروا بهم وأحرقوهم بالنار ولما وصل عبد المؤمن إلى المهدية وافتتحها سنة خمس وخمسين وفد عليه أبو يحيى بن مطروح ووجوه أهل طرابلس فأوسعهم براً وتكرمة. وقدم ابن مطروح المذكور عليهم وردهم إلى بلدهم فلم يزل عليهم إلى أن هرم وعجز بعهد يوسف بن عبد المؤمن وطلب الحج فسرحه السيد أبو زيد بن أبي حفص محمد بن عبد المؤمن عامل تونس فارتحل في البحر سنة ست وثمانين واستقر بالإسكندرية.
وأما صفاقس فكانت ولاتها أيام بني باديس من صنهاجة قبيلهم إلى أن ولى المعز بن باديس عليها منصور البرغواطي من صنائعه وكان فارساً مقداماً فحدث نفسه بالثورة أيام تغلب العرب على إفريقية وخروج المعز إلى المهدية ففتك به ابن عمه حمو بن مليل البرغواطي وقتله في الحمام غدراً وامتعض له حلفاؤه من العرب وحاصروا حمو حتى بذل لهم من المال ما رضوا به. واستبد حمو بن مليل بأمر صفاقس حتى إذا هلك المعز حدثته نفسه بالتغلب على المهدية فزحف إليها في جموعه من العرب ولقيه تميم فانهزم حمو وأصحابه سنة خمس وخمسين. ثم بعث ابنه يحيى مع العرب لحصار صفاقس فحاصرها مدة وأقلع عنها وزحف إليه تميم بن المعز سنة ثلاث وتسعين فغلبه عليها ولحق حمو بمكن بن كامل أمير قابس فأجاره وصارت صفاقس إلى ملكة تميم ووليها ابنه.
ولما تغلب النصارى على المهدية وملكها جرجي بن ميخاييل قائد رجار سنة ثلاث وأربعين وتغلبوا بعدها على صفاقس وأبقوا أهلها واستعملوا عمر بن أبي الحسن القرباني لمكانه فيهم. وحملوا أباه أبا الحسن معهم إلى صقلية رهناً وكان ذلك مذهب رجار وديدنه فيما ملك من سواحل إفريقية يبقيهم ويستعمل عليهم منهم ويذهب إلى العدل فيهم فبقي عمر بن أبي الحسن عاملاً لهم في أهل بلده وأبوه عندهم ثم أن النصارى الساكنين بصفاقس امتدت أيديهم إلى المسلمين ولحقوهم بالضرر. وبلغ الخبر أبا الحسن وهو بمكانه من صقلية فكتب إلى ابنه عمر وأمره بانتهاز الفرصة فيهم والاستسلام إلى الله في حق المسلمين فثار بهم عمر لوقته سنة إحدى وخمسين وقتلهم. وقتل النصارى أباه أبا الحسن وانتقضت عليهم بسبب ذلك سائر السواحل ولما افتتح عبد المؤمن المهدية من يد رجار وصل إليه عمر وأدى طاعته فولاه صفاقس. ولم يزل والياً عليها وابنه عبد الرحمن من بعده إلى أن تغلب يحيى بن غانية فرغبه في الحج فسرحه ولم يعد.

الخبر عما كان بإفريقية من الثوار على صنهاجة عند اضطرابها بفتنة العرب إلى أن محا أثرهم الموحدون

لما كان أبو رجاء الورد اللخمي عند اضطرام نار الفتنة بالعرب وتقويص المعز عن القيروان إلى المهدية وتغلبهم عليها قد ضم إليه جماعة من الدعار وكان ساكناً بقلعة قرسبنة من جبل شعيب فكان يضرب على النواحي بجهة بنزرت ويفرض على أهل القرى الأتاوات بسبب ذلك فطال عليهم أمره ويئسوا من حسم دائه وكان ببلد بنزرت فريقان أحدهما من لخم وهم قوم الورد، وبقوا فوضى واختلف أمرهم فبعثوا إلى الورد في أن يقوم بأمرهم، فوصل إلى بلدهم فاجتمعوا عليه وأدخلوه حصن بنزرت. وقدموه على سهم فحاطهم من العرب ودافع عن نواحيهم. وكان بنو مقدم من الأثبج ودهمان من بني علي إحدى بطون رياح هم المتغلبون على ضاحيتهم فهادنهم على الأتاوة وكف بها عاديتهم، واستفحل أمرهم وتسمى بالأمير، وشيد المصانع والمباني وكثر عمران بنزرت إلى أن هلك فقام بأمره ابنه طراد، وكان شهماً، وكانت العرب تهابه.
وهلك فولي من بعده ابنه محمد بن طراد وقتله أخوه مقرن لشهر من ولايته في مسامرة وقام بأمر بنزرت وسمي بالأمير، وحمى حوزته من العرب، واصطنع الرجال، وعظم سلطانه وقصده الشعراء وامتدحوه فوصلهم. وهلك فولي من بعده ابنه عبد العزيز عشر سنين وجرى فيها على سنن أبيه وجده ثم ولي من بعده أخوه موسى على سننهم أربع سنين. ثم من بعده أخوهما عيسى واقتفى أثرهم. ولما نازل عبد الله بن عبد المؤمن ، وأفرج عنه ومر به في طريقه فاستفرغ جهده في قراه ونجع بطاعته. وطلب منه الحفاظ على بلده فأسعفه. وولى عليهم أبا الحسن الهرغي، فلما قدم عبد المؤمن على إفريقية سنة أربع وخمسين راعى له ذلك وأقطعه، واندرج في جملة الناس. وكان بقلعة ورغة بدوكس بن أبي علي الصنهاجي من أولياء العزيز المنصور صاحب بجاية، والقلعة قد شادها وحصنها.
وكان مبدأ أمره أن العزيز تغير عليه في حروب وقعت بينه وبين العرب نسب فيها إلى نفسه الإقدام، وإلى السلطان العجز فخافه على نفسه، ولحق ببجاية فأكرمه شيخها محمود بن نزال الريغي وآواه وترافع إلى محمود أهل ورغة من عمله. وكانوا فئتين مختلفتين من زاتيمة إحدى قبائل البربر، وهما: أولاد مدين وأولاد لاحق. فبعث عليهم بروكس بن أبي علي لينظر في أحوالهم، وأقام معهم بالقلعة. تم استجلب بعض الدعار كانوا بناحيتها وأنزلهم بالقلعة معهم واصطنعهم، وصاهر أولاد مدين وظاهرهم على أولاد لاحق، وأخرجهم من القلعة واستبد بها.
وقصدته الرجال من كل جانب إلى أن اجتمعت له خمسمائة فارس، وأثخن في نواحيه، وحارب بني الورد ببنزرت وابن علال بطبربة، وقتل محمد بن سباع أمير بني سعيد من رياح، وغصت القلعة بالساكن فاتخذ لها ربضاً، وجهز إليه العزيز عسكره من بجاية فبارز قائد العسكر وفتك به واسمه غيلاس. وهلك بعد مدة وقام بأمره ابنه منيع، ونازله بنو سباع وسعيد طالبين بثأر أخيهما محمد. وتمادى به الحصار وضاقت أحواله فاقتحموا عليه القلعة، واستلحم هو وأهل بيته قتلاً وسبياً والله مالك الأمور.
وكان أيضاً بطبربة مدافع بن علال القيسي شيخ من شيوخها فلما اضطربت إفريقية عند دخول العرب إليها امتنع بطبرية وحصن قلعتها، واستبد بها في جملة من ولده وبني عمه وجماعته إلى أن ثار عليه ابن بيزون اللخمي في البحرين على والي مجردة بإزاء الرياحين. وطالت بينهما الفتنة والحرب. وكان قهرون بن غنوش بمنزل دحمون قد بنى حصنه وشيده، وجمع إليه جيشاً من أوباش القبائل، وذلك لما أخرجه أهل تونس بعد أن ولاه العامة عليهم. ثم صرفوه عن ولايتهم لسوء سيرته فخرج من البلد، ونزل دحمون وبنى حصناً بنفسه مع الحنايا وردد الغارة على تونس، وعاث في جهاتها فرغبوا من محرز بن زياد أن يظاهرهم عليه ففعل.
وبلغ خبره ابن علال صاحب طبربة فوصل ابن علال يده بصهر منه ونقله إلى بعض الحصون ببلده، وهي قلعة غنوش، وتظافروا على الإفساد. وخلفهما بنوهما من بعدهما إلى أن وصل عبد المؤمن إلى إفريقية سنة أربع وخمسين فمحا آثار الفساد من جانب إفريقية، وكان أيضاً حماد بن خليفة اللخمي بمنزل رقطون من إقليم زغوان على مثل حال ابن علال وابن غنوش وابن بيزون وخلفه ولده في مثل ذلك إلى أن انقطع ذلك على يد عبد المؤمن. وكان عماد بن نصر الله الكلاعي بقلعة شقبنارية قد صار إليه جند من أهل الدعارة وأوباش القبائل فحماها من العرب، واستغاث به ابن فتاتة ثميخ الأربس من العرب وشكا إليه سوء ملكتهم، فزحف إليهم وأخرجهم من الأربس، وفرض عليهم مالاً يؤدونه إليه إلى أن مات وولي ابنه من بعده فجرى على سننه إلى أن دخل في طاعة عبد المؤمن سنة أربع وخمسين وخمسمائة، والله مالك الملك لا رب غيره سبحانه
[/size]</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 7:01 pm

دولة آل حماد من ملوك صنهاجة


الخبر عن دولة آل حماد بالقلعة من ملوك صنهاجة الداعية لخلافة العبيديين وما كان لهم من الملك والسلطان بإفريقية والمغرب الأوسط إلى حين انقراضه بالموحدين

هذه الدولة شعبة من دولة آل زيري، وكان المنصور بلكين قد عقد لأخيه حماد على أشير والمسيلة، وكان يتداولها مع أخيه يطوفت وعمه أبي البهار. ثم استقل بها سنة سبع وثمانين أيام باديس من أخيه المنصور ودفعه لحرب زناتة سنة خمس وتسعين بالمغرب الأوسط من مغراوة وبني يفرن، وشرط له ولاية أشير والمغرب الأوسط وكل بلد يفتحه وأن لا يستقدمه. فعظم عناؤه فيها وأثخن في زناتة، وكان مظفراً عليهم. واختط مدينة القلعة بجبل كتامة سنة ثمان وتسعين، وهو جبل عجيسة وبه لهذا العهد قبائل عياض من عرب هلال. ونقل إليها أهل المسيلة وأهل حمزة وخربهما. ونقل جراوة من المغرب وأنزلهم بها، وتم بناؤها وتمصيرها على رأس المائة الرابعة. وشيد من بنيانها وأسوارها، واستكثر فيها من المساجد والفنادق فاستبحرت في العمارة واتسعت بالتمدن. ورحل إليها الثغور والقاصية والبلد البعيد طلاب العلوم وأرباب الصنائع لنفاق أسواق المعارف والحرف والصنائع بها.
ولم يزل حماد أيام باديس هذا أميراً على الزاب والمغرب الأوسط ومتولياً حروب زناتة. وكان نزوله ببلد أشير والقلعة متاخماً لملوك زناتة وأحيائهم البادية بضواحي تلمسان وتاهرت. وحاربه بنو زيري عند خروجهم على باديس سني تسعين وثلثمائة وهم زاوي وماكسن وإخوانهما، فقتل ماكسن وابناه وألجأ زاوي وإخوته إلى جبل شنون وأجازهم البحر إلى الأندلس. ثم إن بطانة باديس ومن إليه من الأعجام والقرابة نفسوا على حماد رتبته وسعوا في مكانه من بادس، إلى أن فسد ذات بينهما. وطلب باديس أن يسلم عمل تيجسب وقسطنطينة لولده المعز لما قلده الحاكم ولاية عهد ابنه، فأبى حماد وخالف دعوة باديس وقتل الرافضة وأظهر السنة ورضي عن الشيخين ونبذ طاعة العبيديين جملة، وراجع دعوة آل العباس وذلك سنة خمس وأربعمائة.
وزحف إلى باجة فدخلها بالسيف ودس إلى أهل تونس الثورة على المشارقة والرافضة فثاروا بهم فناصبه باديس الحرب، وعبأ عساكره من القيروان، وخرج إليه فنزع عن حماد أكثر أصحابه مثل: بني أبي واليل أصحاب معرة من زناتة، وبني حسن كبار صنهاجة، وبني يطوفت من زناتة، وبني غمرة أيضاً منهم، وفر حماد، وملك باديس أشير. ولحق حماد بشلف بني واليل وباديس في اتباعه، حتى نزل مواطن السرسو من بلاد زناتة. ونزع إليه عطية بن داقلتن في قومه من بني توجين، لما كان حماد قتل أباه. وجاء على أثره ابن عمه بدر بن لقمان بن المعتز فوصلهما باديس واستظهر بهما على حماد.
ثم أجاز إليه باديس من وادي شلف وناجزه الحرب، ونزع إليه عامة أهل معسكره فانهزم وأغذ السير إلى القلعة، وباديس في أثره حتى نزل فحص المسيلة، وانحجر حماد في القلعة وحاصره. ثم هلك بمعسكره من ذلك الحصار فجأة بمضربه وهو نائم بين أصحابه آخر ست وأربعمائة، فبايعت صنهاجة لابنه المعز صبياً ابن ثمان سنين. وتلافوا أمر أشير، وبعثوا كرامة بن منصور لسدها فلم يقدر، واقتحمها عليه حماد. واحتملوا باديس على أعواده إلى مدفنهم بالقيروان. وبايعوا المعز بالبيعة العامة. وزحف إلى حماد بناحية قفصة، وأشفق حماد فبعث ابنه القائد لأحكام الصلح بينه وبين المعز، فوصل إلى القيروان سنة ثمان وأربعمائة بهدية جليلة. وأمضى له المعز ما سأله من الصلح ورجع إلى أبيه.
وهلك حماد سنة تسعة عشر وأربعمائة فقام بأمره ابنه القائد، وكان جباراً فاستعمل أخاه يوسف على المغرب وويغلان على حمزة، في بلد اخطته حمزة بن إدريس. وزحف إليه حمامة بن زيري بن عطية ملك فاس من مغراوة سنة ثلاثين، فخرج إليه القائد وسرب الأموال في زناتة. وأحس بذلك حمامة فصالحه ودخل في طاعته، ورجع إلى فاس. وزحف إليه المعز من القيروان سنة أربع وثلاثين وحاصره مدة طويلة. ثم صالح القائد وانصرف إلى أشير فحاصرها، ثم أقلع عنها وانكفأ راجعاً. وراجع القائد طاعة العبيديين لما نقم عليه المعز ولقبوه شرف الدولة.
وهلك سنة ست وأربعبن وولي ابنه محسن وكان جباراً، وخرج عليه عمه يوسف ولحق بالمغرب فقتل سائر أولاد حماد، وبعث محسن في طلبه بلكين ابن عمه محمد بن حماد، وأصحبه من العرب خليفة بن بكير وعطية الشريف وأمرهما بقتل بلكين في طريقهما، فأخبرا بلكين بذلك وتعاهدوا جميعاً على قتل محسن وأنذر بهم ففر إلى القلعة وأدركوه، فقتله بلكين لتسعة أشهر من ولايته. وولي الأمر سنة سبع وثلاثين، وكان شهماً قرماً حازماً سفاكاً للدماء. وقتل وزير محسن الذي تولى قبله.
وفي أيامه قتل جعفر بن أبي رمان مقدم بسكرة لما أحس بنكثه، فخالف أهل بسكرة بأثر ذلك حسبما نذكره. ثم مات أخوه مقاتل بن محمد فاتهم به زوجته ناميرت بنت عمه علناس بن حماد فقتلها، وأحفظ ذلك أخاها الناصر وطوى على التبييت وكان بلكين كثيراً ما يردد الغزو إلى المغرب. وبلغه استيلاء يوسف بن تاشفين والمرابطين على الصامدة فنهض نحوهم سنة أربع وخمسين، وفر المرابطون إلى الصحراء، وتوغل بلكين في ديار المغرب، رنزلى بفاس، واحتمل من أكابر أهلها وأشرافهم رهناً على لاعة. وانكفأ راجعاً إلى القلعة، فانتهز منه الناصر ابن عمه الفرصة في الثأر بأخته، ومالأه قومه من صنهاجة لما لحقهم من تكلف المشقة بإبعاد الغزو والتوغل في أرص العدو فقتلة بتساتة سنة أربع وخمسين.
وقام بالأمر من بعده، واستوزر أبا بكر أبي الفتوح، وعقد على المغرب لأخيه كباب وأنزله مليانه وعلى حمزة لأخيه رومان، وعلى نقاوس لأخيه خزر. وكان المعز قد هدم سورها فأصلحه الناصر، وعقد على قسطنطينة لأخيه بلبار، وعلى الجزائر ومرسى الدجاج لابنه عبد الله، وعلى أشير لابنه يوسف، وكتب إليه حمو بن مليل البرغواطي من صفاقس بالطاعة وبعث إليه بالهدية. ووفد عليه أهل قسطنطينة ومقدمهم يحيى بن واطاس فأعلنوا بطاعته، وأجزل صلتهم وردهم إلى أماكنهم، وعقد عليها ليوسف بن خلوف من صنهاجة ودخل أهل القيروان أيضاً قي طاعته وكذلك أهل تونس.
وكان أهل بسكرة لما قتله بلكين مقدمهم جعفر بن أبي رمان خلعوا طاعة آل حماد واستبدوا بأمر بلدهم، وعيلهم بنو جعفر فسرح الناصر إليهم خلف بن أبي حيدرة وزيره ووزير بلكين قبله فنازلها وافتتحها عنوة، واحتمل بني جعفر في جماعة من رؤسائها إلى القلعة فقتلهم الناصر وصلبهم، ثم قتل خلف بن أبي حيدرة بسعاية رجالات صنهاجة فيه أنه لما بلغه خبر يلكين أراد تولية أخيه معمر، وشاورهم في ذلك فقتله الناصر وولى مكانه أحمد بن جعفر بن أفلح.
ثم خرج الناصر ليتفقد المغرب فوثب علي بن راكان على تافربوست دار ملكهم.
وكان لما قتل بلكين هرب إلى إخوانه من عجيسة، واهتبلوا الغرة في تافربوست لغيبة الناصر فطرقوها ليلاً. وملكها علي فرجع الناصر من المسيلة وعاجلهم فسقط في أيديهم وافتتحها عليهم عنوة، وذبح علي بن راكان نفسه بيده ثم وقعت بين العرب الهلاليين فتن وحروب ووفد عليه رجالات الأثبج صريخاً به على رياح فأجابهم ونهض إلى مظاهرتهم في جموعه من صنهاجة وزناتة حتى نزل للاربس، وتواقعوا بسببه فغدرت بهم زناتة وجروا عليه وعلى قومه الهزيمة بدسيسة ابن المعز بن زيري بن عطية وإغراء تميم بن المعز فانهزم الناصر، واستباحوا خزائنه ومضاربه، وقتل أخوه القاسم وكاتبه ونجا إلى قسطنطينة في أتباعه.
ثم لحق بالقلعة في فل من عسكره لم يبلغوا مايتين. وبعث وزيره ابن أبي الفتوح للإصلاح فعقد بينهم وبينه صلحاً وتممه الناصر. ثم وفد عليه رسول تميم وسعى عنده بالوزير ابن أبي الفتوح، وأنه مائل إلى تميم فنكسه وقتله. وكان المستنصر بن خزرون الزناتي خرج في أيام الفتنة بين الترك والمغاربة بمصر، ووصل إلى طرابلس فوجد بني عدي بها قد أخرجهم الأثبج وزغبة من إفريقية كما ذكرناه فرغبهم في بلاد المغرب، وسار بهم حتى نزل المسيلة، ودخلوا أشير. وخرج إليه الناصر ففر إلى الصحراء ورجع، فرجع إلى مكانه من الإفساد فراسله الناصر في الصلح فأسعفه، وأقطعه ضواحي الزاب ووريغة وأوعز إلى عروس بن هندي رئيس بسكرة لعهده وولي دولته أن يمكن به فوصل المنتصر إلى بسكرة، وخرج إليه عروس بن هندي وأحمد نزله، وأشار إلى حشمه عند انسكاب المنتصر وذويه على الطعام فبادروا مكبين لطعنه، وفر أتباعه وأخذوا رأسه وبعث به إلى الناصر فنصبه ببجاية وصلب شلوه بالقلعة وجعلوه عظة لغيره.
وقتل كثير من رؤساء رناتة فمن مغراوة أبي الفتوح بن حبوس أمير بني سنجلس، وكانت له بلد لمدية ولمرية قبيل من بطون صنهاجة سميت البلد بهم، وقتل معتصر بن حماد منهم أيضاً، وكان بناحية شلف فأجلب على عامل مليانة، وقتل شيوخ بني وريسفان من مغراوة فكاتبهم السلطان لما كان مشتغلاً عنهم بشأن العرب، فزحفوا إلى معنصر وقتلوه، وبعثوا برأسه إلى الناصر فنصبه على رأس القصر. وبعث إليه أهل الزاب أن عمر ومغراوة ظاهروا الأثبج من العرب على بلادهم، فبعث ابنه المنصور في العساكر ونزل وعلان بلد المنتصر بن خزرون وهدمها.
وبعث سراياه وجيوشه إلى بلد واركلا وولى عليها، وقفل بالغنائم والسبي وبلغه عن بني توجين من زناتة أنهم ظاهروا بني عدي من العرب على الفساد وقطع السبيل، وأميرهم إذ ذاك مناد بن عبد الله فبعث ابنه المنصور إليهم بالعسكر، وتقبض على أمراء بني عدي ساكن بن عبد الله وحميد بن خزعل ولاحق بن جهان، وتقبض أيضاً على أمير بني توجين وأخيه زيري وعميهما الأغلب وحمامة، وأحضرهم فوبخهم وقدر عليهم فغلبه في إجارتهم من أولاد القاسم رؤساء بني عبد الواد، وقتلهم جميعاً على الخلاف.
وفي سنة ستين افتتح جبل بجاية، وكان له قبيل من البربر يسمون بهذا الاسم، إلا أن الكاف فيهم بلغتهم ليست كافاً بل هي بين الجيم والكاف وهذا القبيل من صنهاجة باقون لهذا العهد أوزاعاً في البربر، فلما افتتح هذا الجبل اختط به المدينة وسماها الناصريه، وتسمى عند الناس باسم القبيلة وهي بجاية وبنى بها قصر اللؤلؤة، وكان من أعجب قصور الدنيا ونقل إليها الناس، وأسقط الخراج عن ساكنيها وانتقل إليها سنة إحدى وستين.
وفي أيام الناصر هذا كان استفحال ملكهم وشغوفه على ملك بني باديس إخوانهم بالمهدية، ولما أضرع منه الدهر بفتنة العرب الهلاليين حتى اضطرب عليهم أمرهم، وكثر الثوار عليهم والمنازعون من أهل دولتهم فاعتز آل حماد هؤلاء أيام الناصر هذا، وعظم شأن أيامهم فبنى المباني العجيبة المؤنقة، وشيد المدائن العظيمة وردد الغزو إلى المغرب وتوغل فيهم.
ثم هلك سنة إحدى وثمانين، وقام بالأمر من بعده ابنه المنصور بن الناصر. ونزل بجاية سنة ثلاث وثمانين وأوطنها بعساكره وخاصة بعرا من منازل العرب، وما كانوا يسومونهم بالقلعة، من خطة الخسف وسوء العذاب بوطء ساحاتها والعيث في نواحيها، وتخطف الناس من حولها لسهولة طرقها على رواحلهم، وصعوبة المسالك عليها في الطريق إلى بجاية لمكان الأوعار، فاتخذ بجاية هذه معقلاً وصيرها داراً لملكه، وجمد قصورها وشيد جامعها. وكان المنصور هذا جماعة مولعاً بالبناء، وهو الذي حضر ملك بني حماد، وتأنق في اختطاط المباني وتشييد المصانع واتخاذ القصور وإجراء المياه في الرياض والبساتين. فبنى في القلعة قصر الملك والمنار والكوكب وقصر السلام وفي بجاية قصر اللؤلؤة وقصر أميميون.
وكان أخوه يلباز على قسطنطينة منذ عهد الناصر أبيهما. وهم بالاستبداد لأول ولاية المنصور فسرح إليه أبا يكنى بن محصن بن العابد في العساكر، وعقد له على قسطنطينه وبونة فتقبض على بلباز وأشخصه إلى القلعة، وأقام والياً على قسطنطينة مكانه، وولى أخاه ويغلان على بونة. ثم بدا له في الخلاف على المنصور وثار بقسطنطينة سنة سبع وثمانين. وبعث أخاه من بونة إلى تميم بن المعز بالمهدية، واستدعاه لولاية بونة فبعث معه ابنه أبا الفتوح بن تميم، ونزل بونة مع ويغلان. وكاتبوا المرابطين بالمغرب الأقصى وجمعوا العرب على أمرهم. وسرح المنصور عساكره فحاصروا بونة سبعة أشهر. ثم اقتحموها غلاباً، وتقبضوا على أبي الفتوح بن تميم وبعثوا به إلى المنصور فاعتقله بالقلعة.
ثم نازلت عساكره قسطنطينة واضطرب أحوال ابن أبي يكنى فخرج إلى قلعة بجبل أوراس، وتحصن بها. ونزل بقسطنطينة صليصل بن الأحمر من رجالات الأثبج. وداخل صليصل المنصور في أن يمكنه من قسطنطينة على مال يبذله ففعل، واستولى عليها المنصور. وأقام أبو يكنى بحصنه من أوراس، وردد الغارة على قسطنطينة فتوجهت إليه العساكر وحاصروه بقلعته. ثم اقتحموها عليه وقتلوه. وكان بنو ومانو من زناتة حياً جميعاً وقوماً أعزة. وكانت إليهم رئاسة زناتة. وكان رئيسهم لعهده ماخوخ، وكان بينهم وبين آل حماد صهر فكانت إحدى بناتهم زوجة للناصر، وكانت أخرى عند المنصور.
ولما تجددت الفتنة بينه وبين قومهما أغزاهم المنصور بنفسه في جموع صنهاجة وحشوده، وجمع له ماخوخ ولقيه في زناتة فانهزم المنصور إلى بجاية فقتل أخت ماخوخ التي كانت تحته. واستحكمت النفرة بين ماخوخ وبينه. وسار إلى ولاية أمراء تلمسان من لمتونة وحرضهم على بلاد صنهاجة، فكان ذلك مما دعا المنصور إلى النهوض إلى تلمسان. وذلك أن يوسف بن تاشفين لما ملك المغرب واستفحل به أمره سما إلى ملك تلمسان، فغلب عليها أولاد يعلى سنة أربع وسبعين على ما يأتي ذكره، وأنزلها محمد بن يغمر المسوفي وصيرها ثغراً لملكه فاضطلع بأمرها ونازل بلاد صنهاجة وثغورهم، فزحف إليه المنصور وأخرب ثغوره وحصون ماخوخ، وضيق عليه فبعث إليه يوسف بن تاشفين وصالحه.
وقبض أيدي المرابطين عن بلاد صنهاجة ثم عاود المرابطون إلى شأنهم في بلاده فبعث ابنه الأمير عبد الله، وسمع به المرابطون فانقبضوا عن بلاده وزحفوا إلى مراكش. واحتل هو بالمغرب الأوسط فشن الغارة في بلاد بني ومانوا، وحاصر الجعبات، وفتحها ثم عاود ذلك مرات كذلك، وعفا عن أهلها، ورجع إلى أبيه. ثم وقعت الفتنة بينه وبين ماخوخ. وقتل أخوه ولحق ابن ماخوخ بتلمسان، وظاهره ابن يغمر صاحب تلمسان على أمره، وأجلبوا على الجزائر فنازلوها يومين، مات عقيبها محمد بن يغمر صاحب تلمسان. وولي يوسف بن تاشفين مكان أخيه تاشفين بن يغمر، فنهض إلى أشير وافتتحها فقام المنصور في ركائبه ومعه كافة صنهاجة. ومن العرب أحياء الأثبج وزغبة وربيعة، وهم المعقل، من زناتة أمماً كثيرة، ونهض إلى غزو تلمسان سنة ست وسبعين في نحو عشرين ألفاً. ولقي أسطقسيف وبعث العسكر في مقدمته، وجاء على أثرهم. وكان تاشفين قد أفرج عن تلمسان وخرج إلى تسالة ولقيته عساكر المنصور فهزموه، ولجأ إلى جبل الصخرة. وعاثت عساكر المنصور في تلمسان فخرجت إليه حوا زوجة تاشفين أميرهم متذممة راغبة في الإبقاء، متوسلة بوشائج الصنهاجية، فأكبر قصدها إليه وأكرم موصلها، وأفرج عنهم صبيحة يومه. وانكفأ راجعاً إلى حضرته بالقلعة. وأثخن بعدها في زناتة وشردهم بنواحي الزاب والمغرب الأوسط. ورجع إلى بجاية وأثخن في نواحيها ودوخت عساكره قبائلها فساروا في جبالها المنيعة مثل بني عمران وبني تازروت والمنصورية والصهريج والناظور وحجر المغز، وقد كان أسلافه يرومون كثيراً عنها فتمتنع عليهم فاستقام أمره واستفحل ملكه.
وقدم عليه معز الدولة بن صمادح من المرية فاراً أمام المرابطين لما ملكوا الأندلس، فنزل على المنصور وأقطعه تدلس وأنزله بها. وهلك سنة ثمان وتسعين فولي من بعده ابنه باديس، فكان شديد البأس عظيم النظر فنكب عبد الكريم بن سليمان وزير أبيه لأول ولايته، وخرج من القلعة إلى بجاية فنكب سهاماً عامل بجاية. وهلك قبل أن يستكمل سنة، وولي من بعده أخوه العزيز. وقد كان عزله عن الجزائر وغربه إلى جيجل فبعث عنه القائد علي بن حمدون فوصل، وبايعوه وصالح زناتة وأصهر إلى ماخوخ فأنكحه ابنته. وطال أمر ملكه، وكانت أيامه هدنة وأمناً. وكان العلماء يتناظرون في مجلسه.
ونازلت أساطيله جربة فنزلوا على حكمه وأخذوا بطاعته. ونازل تونس وصالحه صاحبها أحمد بن عبد العزيز وأخذ بطاعته، وكبس العرب في أيامه القلعة وهم غازون فاكتسحوا جميع ما وجدوه بظواهرها، وعظم عيثهم، وقاتلتهم الحامية فغلبوهم وأخرجوهم من البلد. ثم ارتحل العرب وبلغ الخبر إلى العزيز فبعث ابنه يحيى وقائده علي بن حمدون من بجاية في عسكر وتعبية، فوصل إلى القلعة وسكن الأحوال. وقد أمن العرب واستعتبوا فأعتبوا وانكفأ يحيى راجعاً إلى بجاية في عسكره. وعلى عهد العزيز هذا كان وصول مهدي الموحدين إلى بجاية قافلاً من المشرق سنة اثتتي عشرة، وغير بها المنكر فسعى به عند العزيز وائتمر به، فخرج إلى بني ورياكل من صنهاجة كانوا ساكنين بوادي بجاية فأجاروه. ونزل عليهم بملالة وأقام بها يدرس العلم. وطلبه العزيز فمنعوه وقاتلوه دونه إلى أن رحل عنهم إلى المغرب.
وهلك العزيز سنة خمس عشرة وأربعمائة فولي من بعده ابنه يحيى، وطالت أيامه مستضعفاً مغلباً للنساء مولعاً بالصيد، على حين انقراض الدولة وذهاب الأيام بقبائل صنهاجة، واستحدث السكة ولم يحدثها أحد من قومه أدباً مع خلفائهم العبيديين ونقل ابن حماد أن سكته في الدينار كانت ثلاثة سطور ودائرة في كل وجه، فدائرة الوجه الواحد: "واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" والسطور: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعتصم بحبل الله يحيى بن العزيز بالله الأمير المنصور. ودائرة الوجه الآخر: بسم الله الرحمن الرحيم ضرب هذا الدينار بالناصرية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة. وفي سطوره: الإمام أبو عبد الله المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين العباسي.
ووصل سنة ثلاث وأربعين إلى القلعة لافتقادها ونقل ما بقي بها وانتقض عليه بتوزر ابن مروان فجهز إليه الفقيه مطرف بن علي بن حمدون في العساكر فافتتحها عنوة وتقبض على ابن مروان وأوصله إليه فسجنه بالجزائر إلى أن هلك في معتقله، وقيل قتله. وبعث مطرف بابنه إلى تونس فافتتحها ونازل في وجهته هذه المهدية فامتنعت عليه، ورجع إلى بجاية. وتغلب النصارى على المهدية، وقصده الحسن صاحبها فأجازه إلى الجزائر وأنزله بها مع أخيه القائد، حتى إذا زحف الموحدون إلى بجاية وفر القائد من الجزائر وأسلمها قدموا الحسن على أنفسهم. ولقي عبد المؤمن فأمنهم، وأخرج يحيى بن عبد العزيز أخاه سبع للقاء الموحدين فانهزم وملك الموحدون بجاية.
وركب يحيى البحر إلى صقلية يروم الإجازة منها إلى بغداد. ثم عدل إلى بونة فنزل على أخيه الحارث. ونكر عليه سوء صنيعه وإخراجه عن البلاد فارتحل عنه إلى قسطنطينة فنزل على أخيه الحسن، فتخلى له عن الأمر. وفي خلال ذلك دخل الموحدون لقلعة عنوة. وقتل حوشن بن العزيز وابن الدحامس من الأثبج معه وخربت القلعة. ثم بايع يحيى لعبد المؤمن سنة سبع وأرببعين. ونزل عن قسطنطينة واشترط لنفسه فوفى له، ونقله إلى مراكش فسكنها. ثم انتقل إلى سلا سنة ثمان وخمسين فسكن قصر بني عشيرة إلى أن هلك في سنته. وأما الحارث بن عبد العزيز صاحب بونة ففر إلى صقلية واستصرخ صاحبها فصارخه على أمره ورجع إلى بونة وملكها. ثم غلب عليها الموحدون وقتلوه صبراً. وانقرض ملك بني حماد والبقاء لله وحده ولم يبق من قبائل ماكسن إلا أوزاع بوادي بجاية ينسبون إليهم، وهم لهذا العهد في عداد الجند، ولهم اقطاع بنواحي البلد على العسكرة في جملة السلطنة مع قواده، والله وارث الأرض ومن عليها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 23, 2010 7:02 pm


ملوك بني حبوس


الخبر عن ملوك بني حبوس في ماكسن من بني زيري من صنهاجة بغرناطة من عدوة الأندلس وأولية ذلك ومصايره

لما استبد باديس بن المنصور بن بلكين بن زيري بن مناد بن هاد بولاية إفريقية سنة خمس وثمانين ولى عمومته وقرابته ثغور عمله، فأنزل حماداً بأشير وأخاه يطوفت بتاهرت، وزحف زيري بن عطية صاحب فاس من مغراوة بدعوة المؤيد هشام خليفة قرطبة إلى عمل صنهاجة في جموع زناتة ونزل تاهرت وسرح باديس عساكره لنظر محمد بن أبي العون فالتقوا على تاهرت وانهزم صنهاجة فزحف باديس بنفسه للقائهم وخالف عليه فلفول بن سعيد بن خزرون صاحب طبنة. ثم أجفل زيري بن عطية امامه ورجع به إلى المغرب فرجع باديس إلى القيروان، وترك عمومته أولاد زيري بأشير مع حماد وأخيه يطوفت وهم: زاوى وجلال وعمرم ومعنين وأجمعوا على الخلاف والخروج على باديس سنة سبع وثمانين، فأسلموا حماداً برمته واستولوا على جميع ما معه، واتصل الخبر بأبي البهار بن زيري وهم مع باديس فخشيه على نفسه ولحق بهم واجتمعوا في الخلاف، واشتغل باديس عنهم بحرب فلفول بن يانس مولى الحاكم القادم على طرابلس من قبله، وانفسح مجالهم في الفساد والعبث ووصلوا أيديهم بفلفول وعاقدوه.
ثم رجع أبو البهار عنهم إلى باديس فتقبله وصالح له ثم رجعوا إلى حماد سنة إحدى وتسعين، ولقيهم فهزمهم وقتل مساكن وابنه، ولحق زاوي بجبل شنوق، من ساحل مليانة، وأجاز البحر إلى الأندلس في بنيه وبني أخيه وحاشيته، ونزل على المنصور بن أبي عامر صاحب الدولة وكافل الخلافة الأموية فأحسن نزلهم وأكرم وفادتهم، واصطنعهم لنفسه واتخذهم بطانة لدولته وأوليائه على ما يرومه من قهر الدولة والتغلب على الخلافة، ونظمهم في طبقات زناتة وسائر رجالات البربر الذين أدال بجموعهم من جنود السلطان وعساكر الأموية وقبائل العرب، واستغلظ أمر صنهاجة بالأندلس واستفحلت أمارتهم وحملوا دولة المنصور بن أبي عامر وولديه المظفر والناصر من بعده على كاهلهم.



ولما انقرض أمرهم واضمحلت دولتهم ونشأت الفتنة بالأندلس بين البرابرة وأهلها فكان زاوي كبش تلك الوقائع ومحش حروبها. وتمرس بقرطبة هو وقومه صنهاجة وكافة زناتة والبربر حتى أثبتوا قدم خليفتهم المستعين سليمان بن الحكم بن سليمان بن الناصر الذي أتوه ببيعتهم، وأعطوه على الطاعة صفقتهم كما ذكرناه في أخبارهم ثم اقتحموا به قرطبة عنوة واصطلموا عامة أهلها وأنزلوا المعرات بذوي الصون منها وبيوتات الستر من خراصها، فحدث الناس في ذلك بأخبارها. وتوصل زاوي عند استباحة قرطبة إلى رأس أبيه زيرى بن مناد المنصور بجدران قصر قرطبة فأزاله وأصاره إلى قومه ليدفن في جدثه. ثم كان شأن أبي حمود من العلوية وافترق أمر البرابرة واضطرمت الأندلس ناراً وامتلأت جوانبها فتنة وأسرى الرؤساء من البرابرة ورجالات الدولة على النواحي والأمصار فملكوها، وتحيزت صنهاجة إلى ناحية ألبيرة فكانت ضواحيها لهم وحصل عليها استلاؤهم، وزاوي يومئذ عضد البرابرة فنزل غرناطة واتخذها داراً لملكته ومعتصماً لقومه.
ثم وقع في نفسه سوء أثر البربر بالأندلس أيام الفتنة، وحذر مغبة الفعلة واستعاضت الدولة فاعتزم على الرطة وآوى إلى سلطان قومه بالقيروان سنة عشر وأربعمائة بعد غيبة عشرين سنة، وأنزل على المعز بن باديس حافد أخيه بلكين أجل ما كانت دولتهم بأمر إفريقية، وأترف وأوسع ملكاً وأوفر عدداً. فلقيه المعز بأحسن أحوال البر والتجلة، وأنزله أرفع المنازل من الدولة وقدمه على الأعمام والقرابة وأسكنه بقصره، وأبرز الحرم للقائه، فيقال إنه لقيه من ذوات محارمه ألف امرأة لا تحل له واحدة منهن، ووارى إبراهيم مع شلوه بجدثه، وكان استخلف على عمله ابنه ونا، فظعن لأهل غرناطة فانتقضوا عليه وبعثوا عن حبوس ابن عمه ماكسن بن زيري مكانه ببعض حصون عمله، فبادر إليهم ونزل بغرناطة فانتقضوا عليه وبايعوه، واستحدث بها ملكاً، وكان من أعظم ملوك الطوائف بالأندلس إلى أن هلك سنة تسع وعشرين.
وولي من بعده ابنه باديس بن حبوس ويلقب بالمظفر ولم يزل مقيماً لدعوة آل حمود أمراء مالقة بعد تخلفهم عن قرطبة سائر أيامه وزحف إليها العامري صاحب المرية سنة تسع وعشرين، فلقيه باديس بظاهر غرناطة فهزمه وقتله، وطالت أيامه ومد ملوك الطوائف أيديهم جميعاً إلى مدده، فكان ممن استمده محمد بن عبد الله البرزالي لما حاصره إسمعيل بن القاضي بن عباد بعساكر أبيه، فأمده باديس بنفسه وقومه وصار إلى صريخه مع ابن بقية قائد إدريس بن حمود صاحب المالقة سنة إحدى وثلاثين ورجعوا من طريقهم، وطمع إسمعيل بن القاضي بن عباد مع صريخه فيهم فاتبعهم ولحق بباديس في قومه فاقتتلوا وفر عسكر إسمعيل وأسلموه فقتله صنهاجة، وحمل رأسه إلى ابن حمود.
وكان القادر بن ذي النون صاحب طليلة أيضاً يستدفع به وبقومه استطالة ابن عباد وأعوانه. وباديس هذا هو الذي مصر غرناطة واختط قصبتها وشاد قصورها وشيد حصونها، وآثاره في مبانيها ومصانعها باقية لهذا العهد. واستولى على مالقة عند انقراض بني حمود سنة تسع وأربعين وأضافها إلى عمله، وهلك سنة سبع، وستين. وظهرأمر المرابطين بالمغرب، واستفحل ملك يوسف بن تاشفين فولي من بعده حافده عبد الله بن بلكين بن باديس. وتغلب المظفر وعقد لأخيه تميم على مالقة فاستقام أمرها إلى أن أجاز يوسف بن تاشفين إلى العدوة إجازته المعروفة كما نذكره في أخباره ونزل بغرناطة سنة ثلاث وثمانين فتقبض على عبد الله بن بلكين، واستصفى أمواله وذخيرته، وألحق به أخاه تميماً من مالقة واستصحبها إلى العدوة. فأنزل عبد الله وتميماً بالسوس الأقصى وأقطع لهما إلى أن هلكوا في إيالته. ويزعم بنو الماكسن من بيوتات طنجة لهذا العهد أنهم من أعقابهم، فاضمحل ملك بلكانة من صنهاجة ومن إفريقية والأندلس أجمع، والبقاء لله وحده.
الطبقة الثانية من صنهاجة وهم الملثمون وما كان لهم بالمغرب من الملك والدولة
هنه الطبقة من صنهاجة هم الملثمون الموطنون بالقفر وراء الرمال الصحراوية بالجنوب، أبعدوا في المجالات هنالك منذ دهور قبل الفتح لا يعرف أولها، فأصحروا عن الأرياف ووجدوا بها المراد وهجروا التلول وجفوها، واعتاضوا منها بألبان الأنعام ولحومها انتباذاً عن العمران واستئناساً بالانفراد وتوحشاً بالعز عن الغلبة والقهر. فنزلوا من ريف الحبشة جواراً، وصاروا ما بين بلاد البربر وبلاد السودان حجزاً، واتخذوا اللثام خطاماً تميزوا بشعاره بين الأمم، وعفوا في تلك البلاد وكثروا. وتعددت قبائلهم من كذالة فلمتونة فمسوفة فوتريكة فناوكا فزغاوة ثم لمطة إخوة صنهاجة كلهم ما بين البحر المحيط بالمغرب إلى غدامس من قبلة طرابلس وبرقة.
وللمتونة فيهم بطون كثيرة منهم: بنو ورتنطق وبنو زمال وبنو صولان وبنو ناسجة، وكان موطنهم من بلاد الصحراء يعرف كاكدم، وكان دينهم جميعاً المجوسية شأن برابرة المغرب. ولم يزالوا مستقرين بتلك المجالات حتى كان إسلامهم بعد فتح الأندلس، وكانت الرياسة فيهم للمتونة. واستوسق لهم ملك ضخم منذ دولة عبد الرحمن بن معاوية الداخل توارتة ملوك منهم. تلاكاكين وورتكا وأوراكن بن ورتنطق جد أبي بكر بن عمر أمير لمتونة في مبتدأ دولتهم، وطالت أعمارهم فيها إلى الثمانين ونحوها، ودوخوا تلك البلاد الصحراوية، وجاهدوا من بها من أمم السودان وحملوهم على الإسلام، فدان به كثيرهم. واتقاهم آخرون بالجزية فقبلوها منهم وملك عليهم بعد تلاكاكين المذكور تيولوتان.
قال ابن أبي زرع: أول من ملك الصحراء من لمتونة تيولوتان، فدوخ بلاد الصحراء واقتضى مغارم السودان. وكان يركب في مائة ألف نجيب. وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وملك بعده يلتان وقام بأمرهم وتوفي سنة سبع وثمانين ومائتين، وقام بأمرهم بعده ابنه تميم إلى سنة ست وثلثمائة وقتله صنهاجة وافترق أمرهم. انتهى كلام ابن أبي زرع. وقال غيره: كان من أشهرهم تينزوا بن وانشيق بن بيزا وقيل برويان بن واشنق بن يزار ملك الصحراء بأسرها على عهد عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم المستنصر في المائة الرابعة. وفي عهد عبيد الله وابنه أبي القاسم من خلفاء الشيعة، كان يركب في مائة ألف نجيب وعمله مسيرة شهرين في مثلها. ودان له عشرون ملكاً من ملوك السودان يعطونه الجزى، وملك من بعده بنوه ثم افترق أمرهم من بعد ذلك، وصار ملكهم طوائف ورياستهم شيعاً. قال ابن أبي زرع: افترق أمرهم بعد تميم بن يلتان مائة وعشرون سنة إلى أن قام فيهم أبوعبيد الله بن تيفاوت المعروف بناشرت اللمتوني فاجتمعوا عليه وأحبوه وكان من أهل الدين والصلاح، وحج وهلك لثلاثة أعوام من رياسته في بعض غزواته. وقام بأمرهم صهره يحيى بن إبراهيم الكندالي. وبعده يحيى بن عمر بن تلاكاكين. وكان لهذه الطبقة ملك ضخم بالمغرب والأندلس أولاً، وبإفريقية بعده فنذكره الآن على نسقه.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:18 pm


دولة المرابطين من لمتونة


الخبر عن دولة المرابطين من لمتونة وما كان لهم بالعدوتين من الملك وأولية ذلك ومصايره


كان هؤلاء الملثمون في صحاريهم كما قلناه وكانوا على دين المجوسية إلى أن ظهر فيهم الإسلام لعهد المائة الثالثة كما ذكرناه، وجاهدوا جيرانهم من السودان عليه فدانوا لهم واستوثق لهم الملك. ثم افترقوا وكانت رياسة كل بطن منهم في بيت مخصوص. فكانت رياسة لمتونة في بني ورتانطق بن منصور بن مصالة بن المنصور بن مزالت بن أميت بن رتمال بن تلميت وهو لمتونة. ولما أفضت الرياسة إلى يحيى بن إبراهيم الكندالي، وكان له صهر في بني ورتانطق هؤلاء، وتظاهروا على أمرهم. وخرج يحيى بن إبراهيم لقضائه فرصة في رؤساء من قومه في سني أربعين وأربعمائة، فلقوا في منصرفهم بالقيروان شيخ المذهب المالكي أبو عمران الفاسي، واغتنموا ما متعوا به من هديه، وما شافههم به من فروض أعيانهم من فتاوبه.
وسأله الأمير يحيى أن يصحبهم من تلميذه من يرجعون إليه في نوازلهم وقضايا دينهم. فندب تلميذه إلى ذلك حرصاً على إيصال الخير إليهم لما رأى من رغتهم فيه، فاستوعبوا مسغبة بلادهم. وكتب لهم الفقيه أبو عمران إلى الفقيه محمد وكاك بن زلوا اللمطي بسجلماسة من الآخذين عنه وعهد إليه أن يلتمس لهم من يثق بدينه وفقهه، ويروض نفسه على مسغبة أرضهم قي معاشه، فبعث معهم عبد الله بن ياسين بن مكو الجزولي، ووصل معهم يعلمهم القرآن ويقيم لهم الدين. ثم هلك يحيى بن إبراهيم وافترق أمرهم، واطرحوا عبد الله بن ياسين، واستصعبوا علمه وتركوا الأخذ عنه لما تجشموا فيه من مشاق التكليف، فأعرض عنهم وترهب. وتنسك معه يحيى بن عمر بن تلاكاكين من رؤساء لمتونة وأخوه أبو بكر، فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها ضحضاحاً في المصيف وغمراً في الشتاء، فتعود جزراً منقطعة. فدخلوا في غياضها منفردين للعبادة، وتسامع بهم من في قلبه مثقال حبة من خير، فتسايلوا إليهم ودخلوا في دينهم وغيضتهم.
ولما كمل معهم ألف من الرجالات قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين إن ألفاً لن تغلب من قلة، وقد تعين علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه، فأخرجوا بنا لذلك فخرجوا وقتلوا من استعصى عليهم من قبائل لمتونة وكدالة ومسوفة، حتى أنابوا إلى الحق واستقاموا على الطريقة، وأذن لهم في أخذ الصدقات من أموال المسلمين، وسماهم بالمرابطين وجعل أمرهم في العرب إلى الأمير يحيى بن عمر، فتخطوا الرمال الصحراوبة إلى بلاد درعة وسجلماسة، فأعطوهم صدقاتهم وانقلبوا. ثم كتب إليهم وكاك اللمطي بما نال المسلمين فيما إليه من العسف والجور من بني وانودين أمراء، سجلماسة من مغراوة وحرضهم على تغيير أمرهم، فخرجوا من الصحراء سنة خمس وأربعين وأبعمائة في عدد ضخم ركباناً على المهارى أكثرهم وعمدوا إلى درعة. لا بل كانت هنالك بالحمى وكانت تناهز. خمسين ألفاً ونحوها.
ونهض إليهم مسعود بن وانودين أمير مغراوة، وصاحب سجلماسة ودرعة لمدافعتهم عنها وعن بلاده، فتواقعوا وانهزم ابن وانودين وقتل، واستلحم عسكره مع أموالهم، واستلحمهم ودوابهم وإبل الحمى التي كانت ببلد درعة. وقصدوا سجلماسة فدخلوها غلاباً، وقتلوا من كان بها من فل مغراوة، وأصلحوا من أحوالها وغيروا المنكرات، وأسقطوا المغارم والمكوس واقتضوا الصدقات واستعملوا عليها منهم وعادوا إلى صحرائهم. فهلك يحيى بن عمر سنة سبع وأربعين، وقدم مكانه أخاه أبا بكر، وندب المرابطين إلى فتح المغرب فغزا بلاد السوس سنة ثمان وأربعين.
وافتتح ماسة وتارودانت وجميع معاقله. ثم افتتح مدينة أغمات سنة تسع وأربعين وفر أميرها لقوط بن يوسف بن علي المغراوي إلى قادلا، واستضاف إلى بني يفرن بها، ثم افتتح المرابطون بلاد المصامدة بجبال درن، وجاسوا خلالها سنة خمسين، ثم أغزوا تادلا فاستباحوها واستلحموا بني يفرن ملوكها، وقتل معهم لقوط بن يوسف المغراوي صاحب أغمات. وتزوج امرأته زينب بنت إسحق النفراوية، وكانت مشهورة بالجمال والرئاسة، وكانت قبل لقوط عند يوسف بن علي بن عبد الرحمن بن واطاس، وكان شيخاً على وريكة وهزرجة بزمن هيلانة في دولة أمغارن في بلاد المصامدة وهم الشيوخ. وتغلب بنو يفرن على وريكة وملكوا أغمات فتزوج لقوط زينب هذه، ثم تزوجها بعده أبو بكر بن عمر كما ذكرنا. ثم دعا المرابطين إلى جهاد برغواطة الذين كانوا بتامستا وإنفا وجهات الريف الغربي فكانت لهم فيهم وقائع وأيام استشهد عبد الله بن ياسين في بعضها سنة خمسين.
وقدم المرابطون بعده سليمان بن عدو ليرجعوا إليه في قضايا دينهم. واستمر أبو بكر بن عمر في إمارة قومه على جهادهم، ثم استأصل شأفتهم، ومحا أثر دعوتهم من المغرب وهلك في جهادهم سليمان بن عدو سنة إحدى وخمسين لسنة من وفاة عبد الله بن ياسين.

ثم نازل أبو بكر مدينة لواتة وافتتحها عنوة وقتل من كان بها من زناتة سنة اثنتين وخمسين. وبلغه وهو لم يستتم فتح المغرب بعدما وقع من الخلاف بين لمتونة ومسوفة ببلاد الصحراء، حيث أصل أعياصهم ووشايج أعراقهم ومنيع عددهم فخشي افتراق الكلمة وانقطاع الوصلة، وتلافى أمره بالرحلة. وأكد ذلك زحف بلكين بن محمد بن حماد صاحب القلعة إلى المغرب سنة ثلاث وخمسين لقتالهم، فارتحل أبو بكر إلى الصحراء، واستعمل على المغرب ابن عمه يوسف بن تاشفين، ونزل له عن زوجه زينب بنت إسحق، ولحق بقومه. ورفع ما كان بينهم من خرق الفتنة، وفتح باباً من جهاد السودان فاستولى على نحو تسعين مرحلة من بلادهم.
وأقام يوسف بن تاشفين بأطراف المغرب، ونزك بلكين صاحب القلعة فاس وأخذ رهنها على الطاعة، وانكفأ راجعاً. فحينئذ سار يوسف بن تاشفين في عسكره من المرابطين ودوخ أقطار المغرب. ثم رجع أبو بكر إلى المغرب فوجد يوسف بن تاشفين قد استبد عليه. وأشارت عليه زينب أن يريه الاستبداد في أحواله وأن يعد له متاع الصحراء وماعونها، ففطن لذلك الأمير أبو بكر، وتجافى عن المنازعة وسلم له الأمر، ورجع إلى أرضه فهلك لمرجعه سنة ثمانين وأربعمائة.
واختط يوسف مدينة مراكش سنة أربع وخمسين، ونزلها بالخيام وأدار سورها على مسجد وقصبة صغيرة لاختزان أمواله وسلاحه، وكمل تشييدها وأسوارها ابنه من بعده سنة ست وعشرين وخمسمائة. وجعل يوسف مدينة مراكش لنزله لعسكره وللتمرس بقبائل المصامدة المصيفة بمواطنهم بها في جبل درن، فلم يكن في قبائل المغرب أشد منهم ولا أكثر جمعاً. ثم صرف عزمه إلى مطالبة مغراوة وبني يفرن وقبائل زناتة بالمغرب، وجذب الحبل من أيديهم، وكشف ما نزل بالرعايا من جورهم وعسفهم، فقد كانوا من ذلك على ألم- حدث المؤرخون في أخبار مدينة فاس ودولتهم فيها بكثير منه- فنازل أولاً قلعة فازاز، وبها مهدي بن توالي من بني يحفش.
قال صاحب نظم الجواهر: وهم بطن من زناتة، وكان أبو توالي صاحب تلك القلعة ووليها هو من بعده فنازله يوسف بن تاشفين. ثم استجاش به على فاس مهدي بن يوسف الكزنابي صاحب مكناسة بما كان عدواً لمعنصر المغراوي صاحب فاس، فزحف في عساكر المرابطين إلى فاس، وجمع إليه معنصر ففض جموعه، وارتحل يوسف إلى فاس وتقرى منازلها وافتتح جميع الحصون المحيطة بها، وأقام عليها أياماً قلائل، وظفر بعاملها بكار بن إبراهيم فقتله. ثم نهض إلى صفروي فافتتحها وقتل من كان بها من أولاد وانودين المغراوي ورجع إلى فاس فافتتحها صلحاً سنة خمس وخمسين، ثم خرج إلى غمارة ونازلهم وفتح كثيراً من بلادهم. وأشرف على طنجة، وبها سكوت البرغواطي الحاجب صاحب سبتة وبقية الأمراء من موالي الحمودية وأهل دعوتهما. ثم رجع إلى منازلة قلعة فازاز، وخالفه معنصر إلى فاس فاستولى عليها وقتل عاملها.
واستدعى يوسف بن تاشفين مهدي بن يوسف صاحب مكناسة ليستجيش به على فاس فاستعرضه معنصر في طريقه قبل أن تتصل بأيديهما، وناجزه الحرب ففض جموعه وقتله، وبعث برأسه إلى وليه ومساهمه في شدته الحاجب سكوت البرغواطي. واستصرخ أهل مكناسة بالأمير يوسف بن تاشفين فسرح عساكر لمتونة إلى حصار فاس فأخذوا بمخنقها وقطعوا المرافق عنها وألحوا بالقتال عليها فمسهم الجهد. وبرز معنصر إلى مناجزة عدوه لإحدى الراحتين فكانت الدائرة عليه وهلك. واجتمع زناتة من بعده على القاسم بن محمد بن عبد الرحمن من ولد موسى بن أبي العافية، كانوا ملوكاً بتازا وتسول، فزحفوا إلى عساكر المرابطين والتقوا بوادي صفير فكان الظهور لزناتة. واستلحم كثير من المرابطين، واتصل خبرهم بيوسف بن تاشفين وهو محاصر لقلعة مهدي من بلاد فازاز فارتحل سنة ست وخمسين، ونزل عليها عسكر من المرابطين وصار يتنقل في بلاد المغرب، فافتتح بني مراسن ثم فنزلاوة، ثم بلاد ورغة سنة ثمان وخمسين.
ثم افتتح بلاد غمارة سنة ستين. وفي سنة اثنتين وستين نازل فاس فحاصرها مدة ثم افتتحها عنوة وقتل بها زهاء ثلاثة آلاف من مغراوة وبني يفرن ومكناسة وقبائل زناتة حتى أعوزت مدافنهم فرادى، فاتخذت لهم الأخاديد وقبروا جماعات، وخلص من نجا منهم من القتل إلى بلاد تلمسان وأمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين القرويين والأندلسيين من عدوتيها، وصيرها مصراً واحداً. وأدار عليها الأسوار، وحمل أهلها على الاستكثار من المساجد، ورتب بناءها. وارتحل سنة ثلاث وستين إلى وادي ملوية فافتتح بلادها وحصون وطاط من نواحيها. ثم نهض سنة خمس وستين إلى مدينة الدمنة فافتتحها عنوة، ثم افتتح حصن علودان من حصون غمارة. ثم نهض سنة سبع وستين إلى جبال غياثة وبني مكود من أحواز تازا فافتتحها ودوخها. ثم قسم المغرب عمالات على بنيه وأمراء قومه وذويه، ثم استدعاه المعتمد بن عباد إلى الجهاد فاعتذر له بمكان الحاجب سكوت البرغواطي وقومه من أولياء الدولة الحمودية بسبتة، فأعاد إليه ابن عباد الرسل بالمشايعة إليهم فجهز إليهم قائده صالح بن عمران في عساكر لمتونة، فلقيه سكوت الحاجب بظاهر طنجة في قومه، ومعه ابنه ضياء الدولة فانكشف وقتل الحاجب سكوت، ولحق ابنه العزيز ضياء الدولة. وكتب صالح بن عمران بالفتح إلى يوسف بن تاشفين. ثم أغزى الأمير يوسف بن تاشفين إلى المغرب الأوسط سنة اثنتين وسبعين قائده مزدلي بن تبلكان بن محمد بن وركوت من عثسيره في عساكر لمتونة لمحاربة مغراوة ملوك تلمسان، بومئذ الأمير العباس ين يختي من ولد يعلى بن محمد بن الخير بن محمد بن خزر، فدوخوا المغرب الأوسط وصاروا في بلاد زناتة وظفروا بيعلى بن الأمير العباسي فقتلوه، وانكفأوا راجعين من غزاتهم.
ثم نهض يوسف بن تاشفين سنة ثلاث بعدها إلى الريف، وافتتح كرسيف ومليلة وسائر بلاد الريف وخرب مدينة نكور فلم تعمر بعد، ثم نهض في عساكره المرابطين إلى بلاد المغرب الأوسط فافتتح مدينة وجدة وبلاد بني يزتاسن. ثم افتتح مدينة تلمسان واستلحم من كان بها من مغراوة، وقتل العباس بن بختي أمير تلمسان وأنزل محمد بن المستوفى بها في عساكر المرابطين، فصارت ثغراً لملكه. ونزل بعساكره واختط بها مدينة تاكرارت بمكان محلته، وهو اسم المحلة بلسان البربر. ثم افتتح مدينة تنس ووهران وجبل وانشريس إلى الجزائر، وانكفأ راجعاً إلى المغرب فاحتل مراكش سنة خمس وسبعين. ولم يزل محمد بن تينعمر والياً بتلمسان إلى أن هلك، وولي بعده أخوه ثم إن الطاغية تكالب على بلاد المسلمين وراء البحر، وانتهز الفرصة فيها بما كان من الفرقة بين ملوك الطوائف فحاصر طليلة، وبها القادر بن يحيى بن ذي النون حتى نالهم الجهد، وتسلمها منه صلحاً سنة ثمان وسبعين على أن يملكه بلنسية، فبعث معه عسكراً من النصرانية فدخل بلنسية وتملكها على حين مهلك صاحبها أبي بكر بن العزيز بين يدي حصار طليلة. وسار الطاغية في بلاد الأندلس حتى وقف بفرضة المجاز من صريف، وأعيا أمره أهل الأندلس واقتضى منهم الجزية فأعطوها. ثم نازل سرقسطة وضيق على ابن هود بها، وطال مقامه وامتد أمله إلى تملكها فخاطب المعتمد بن عباد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين منتجزاً وعده في صريخ الإسلام بالعدوة وجهاد الطاغية.
وكاتبه أهل الأندلس في كافة من العلماء والخاصة فاهتز للجهاد وبعث ابنه المعز في عساكر المرابطين إلى سبتة فرضة المجاز، فنازلها براً. وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحراً فاقتحموها عنوة في ربيع الآخر سنة ست وسبعين، وتقبض على ضياء الدولة وقيد إلى المغرب فقتله صبراً وكتب إلى أبيه بالفتح. ثم أجاز ابن عباد البحر في جماعته والمرابطين، ولقيه بفاس مستنفراً للجهاد. وأنزل له ابنه الراضي عن الجزيرة الخضمراء لتكون رباطاً لجهاده فأجاز البحر في عساكر المرابطين وقبائل المغرب ونزل الجزيرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ولقيه المعتمد ابن عباد وابن الأفطس صاحب بطليوس. وجمع ابن أدفونش ملك الجلالقة أمم النصرانية لقتاله، ولقي المرابطين بالزلاقة من نواحي بطليوس فكان للمسلمين عليه اليوم المشهور سنة إحدى وثمانين.
ثم رجع إلى مراكش وخلف عسكراً بالإشبيلية لنظر محمد ومجون بن سيمونن بن محمد بن وركوت من عشيره، ويعرف أبوه بالحاج وكان محمد من بطانته وأعاظم قواد تكاليب الطاغية على شرق الأندلس، ولم يغن فيه أمراء الطوائف شيئاً فزحف إليه من سبتة ابن الحاج قائد يوسمف بن تاشفين في عساكر المرابطين فهزموا جميع النصارى هزيمة شنيعة. وخلع ابن رشيق صاحب مرسية، وتمادى إلى دانية ففر علي بن مجاهد أمامه إلى بجاية ونزل على الناصر بن علناس فأكرمه، ووصل ابن جحاف قاضي بلنسية إلى محمد بن الحاج مغرياً بالقادر بن ذي النون فأنفذ معه عسكراً وملك بلنسية، وقتل ابن ذي النون، وذلك سنة خمس وثمانين، وانتهى الخبر إلى الطاغية فنازل بلنسية، واتصل حصاره إياها إلى أن ملكها سنة خمس وثمانين، ثم استخلصتها عساكر المرابطين وولى عليها يوسف بن تاشفين الأمير مزدلي، وأجاز يوسف بن تاشفين ثانية سنة ست وثمانين، وتثاقل أمراء الطوائف عن لقائه لما أحسوا من نكيره عليهم لما يسمون به عليهم من الظلامات والمكوس وتلاحق المغارم فوجد عليهم، وعهد برفع المكوس وتحرى المعدلة، فلما أجاز انقبضوا عنه إلا ابن عباد فإنه بادر إلى لقائه وأغراه بالكثير منهم، فتقبض على ابن رشيق فأمكن ابن عباد منه العداوة التي بينهما.
وبعث جيشاً إلى المرية ففر عنها ابن صمادح ونزلى على المنصور بن الناصر ببجاية، وتوافق ملوك الطوائف على قطع المدد عن عساكره ومحلاته فساء نظره، وأفتاه الفقهاء وأهل الشورى من المغرب والأندلس بخلعهم وانتزاع الأمر من أيديهم وصارت إليه بذلك فتاوى أهل الشرق الأعلام مثل الغزالي والطرطوشي فعهد إلى غرناطة واستنزل صاحبها عبيد الله بن بلكين بن باديس وأخاه تميماً من مالقة بعد أن كان منهما مداخلة الطاغية في عداوة يوسف بن تاشفين. وبعث بهما إلى المغرب فخاف ابن عباد عند ذلك منه وانقبض عن لقائه وفشت السعايات بينهما. ونهض يوسف بن تاشفين إلى سبتة فاستقر بها وعقد للأمير سير بن أبي بكر بن محمد وركوت على الأندلس وأجازه فقدم عليها، وقعد ابن عباد عن تلقيه ومبرته فأحفظه ذلك، وطالبه بالطاعة للأمير يوسف والنزول عن الأمر ففسد ذات بينهما وغلبه على جميع عمله.
واستنزل أولاد المأمون من قرطبة ويزيد الراضي من رندة وقرمونة واستولى على جميعها وقتلهم. وصمد إلى إشبيلية فحاصر المعتمد بها وضيق عليه، واستنجد الطاغية فعمد إلى إستنقاذه من هذا الحصار فلم يغن عنه شيئاً وكان دفاع لمتونة مما فت في عضده واقتحم المرابطون إشبيلية عليه عنوة سنة أربع وثمانين. وتقبض على المعتمد وقاده أسيراً إلى مراكش فلم يزل في اعتقال يوسف بن تاشفين إلى أن هلك في محبسه بأغمات سنة سبعين وأربعمائة، ثم عمد إلى بطليوس وتقبض على صاحبها عمر بن الأفطس فقتله وابنيه يوم الأضحى سنة تسع وثمانين بما صح عنده من مداخلتهم الطاغية وأن يملكوه مدينة بطليوس، ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الثالث سنة تسعين وزحف إليه الطاغية فبعث عساكر المرابطين لنظر محمد بن الحاج فانهزم النصارى أمامه وكان الظهور للمسلمين.
ثم أجاز الأمير يحيى بن أبي بكر بن يوسف بن تاشفين سنة ثلاث وتسعين وانضم إليه محمد بن الحاج وسير بن أبي بكر واقتحموا عامة الأندلس من أيدي ملوك الطوائف، ولم يبق منها إلا سرقسطة في يد المستعين بن هود معتصماً بالنصارى. وغزا الأمير مزدلي صاحب بلنسية إلى بلد برشلونة فأثخن بها وبلغ إلى حيث لم يبلغ أحد قبله ورجع. وانتظمت بلاد الأندلس في ملكة يوسف بن تاشفين، وانقرض ملك الطوائف منها أجمع كأن لم يكن واستولى على العدوتين، واتصلت هزائم النصارى على يد المرابطين مراراً وتسمى بأمير المسلمين، وخاطب المستنصر العباسي الخليفة لعهده ببغداد وبعث إليه عبد الله بن محمد بن العرب المعافري الإشبيلي وولده القاضي أبا بكر فتلطفا في القول وأحسنا في الإبلاغ، وطلبا من الخليفة أن يعقد له على المغرب والأندلس فعقد له وتضمن ذلك مكتوب الخليفة بذلك منقولاً في أيدي الناس، وانقلبا إليه بتقليد الخليفة وعهده على ما إلى نظره من الأقطار والأقاليم. وخاطبه الإمام الغزالي والقاضي أبو بكر الطرطوشي يحضانه على العدل والتمسك بالخير، ويفتيانه في شأن ملوك الطوائف بحكم الله.
ثم أجاز يوسف بن تاشفين الجواز الرابع إلى الأندلس سنة سبع وتسعين، وقد كان ما قدمناه في أخبار بني حماد من زحف المنصور بن الناصر إلى تلمسان سنة سبع وتسعين للفتنة التي وقعت بينه وبين تاشفين بن يتنعمر وافتتاحه أكثر بلادهم، فصالحه يوسف بن تاشفين واسترضاه بعدول تاشفين عن تلمسان سنة سبع وتسعين وبعث إليهما مزدلي من بلنسية، وولي بلنسية عوضاً عنه أبا محمد ابن فاطمة، وكثرت غزواته في بلاد النصرانية. وهلك يوسف على رأس المائة الخامسة وقام بالأمر من بعده ابنه علي بن يوسف فكان خير ملك، وكانت أيامه صدراً منها وادعة ودولته على الكفر وأهله ظهور وعزة وأجاز إلى العدوة فأثخن في بلاد العدو قتلاً وسبياً، وولى على الأندلس الأمير تميم بن. وجمع الطاغية للأمير تميم فهزمه تميم، ثم أجاز علي بن يوسف سنة ثلاث ونازل طليطلة. وأثخن في بلاد النصارى ورجع، وعلى أثر ذلك قصد ابن ردمير سرقسطة وخرج ابن هود للقائه فانهزم المسلمون ومات ابن هود شهيداً وحاصر ابن ردمير البلد حتى نزلوا على حكمه.
ثم كان سنة تسع شأن برقة وتغلب أهل جنوة عليها وخلاؤها. ثم رجع العمران إليها على يد ابن تامرظست من قواد المرابطين كما مر في ذكرها عند ذكر الطوائف، ثم استمرت حال علي بن يوسف في ملكه وعظم شأنه، وعقد لولده تاشفين على غرب الأندلس سنة ست وعشرين وأنزله قرطبة وإشبيلية، وأجاز معه الزبير بن عمر، وحشد قومه وعقد لأبي بكر بن إبراهيم المسوفي على شرق الأندس وأنزله بلنسية، وهو ممدوح بن خفاجة ومخدوم أبي بكر بن باجة الحكيم المعروف بابن الصائغ. وعقد لابن غانية المسوفي على الجزائر الشرقية دانية وميورقة، واستقامت أيامه، ولأربع عشرة سنة من دولته كان ظهور الإمام المهدي صاحب دعوة الموحدين، فقيهاً منتحلاً للعلم والفتيا والتدريس، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر متعرضاً بذلك للمكروه في نفسه.
ونالته ببجاية وتلمسان ومكناسة اذايات من الفسقة ومن الظالمين، وأحضره الأمير علي بن يوسف للمناظرة ففلج علي خصومه من الفقهاء بمجلسه، ولحق بقومه هرغة من المصامدة. واستدرك علي بن يوسف رأيه فتفقده وطالب هرغة بإحضاره فأبوا عليه فسرح إليهم البعث فأوقعوا به وتقاسم معهم هنتاتة وتينملل على إجارته والوفاء بما عاهدهم عليه من القيام بالحق والدعاء إليه حسبما يذكر ذلك كله بعد دولتهم. وهلك المهدي في سنة أربع وعشرين وقام بأمرهم عبد المؤمن بن علي الكومي كبير أصحابه بعهده إليه، وانتظمت كلمة المصامدة وأغزوا مراكش مراراً. وفشل ريح لمتونة بالعدوة الأندلسية، وظهر أمر الموحدين وفشت كلمتهم في برابرة المغرب. وهلك علي بن يوسف سنة سبع وثلاثين وقام بالأمر من بعده ولده تاشفين وولي عهده، وأخذ بطاعته وبيعته أهل العدوتين كما كانوا على حين استغلظ أمر الموحدين واستفحل شأنهم وألحوا في طلبه.
وغزا عبد المؤمن غزوته المجرى إلى جبال المغرب، ونهض تاشفين بعساكره بالبسائط إلى أن نزل تلمسان. ونازله عبد المؤمن والموحدون بكهف الضحاك بين الصخرتين من جبل تيطري المطل عليها، ووصله هنالك مدد صنهاجة من قبل يحيى بن عبد العزيز صاحب بجاية مع قائده طاهر بن كباب، وشرهوا إلى مدافعة الموحدين فغلبوهم. وهلك طاهر واستلحم الصنهاجيون وفر تاشفين إلى وهران في موادعة لب بن ميمون قائد البحر بأساطيله. واتبعه الموحدون واقتحموا عليه البلد فهلك، يقال سنة إحدى وأربعين. واستولى الموحدون على المغرب الأوسط واستلحموا لمتونة. ثم بويع بمراكش ابنه إبراهيم وألفوه مضعفاً عاجزاً فخلع وبويع عمه إسحق بن علي بن يوسف بن تاشفين. وعلى هيئة ذلك وصل الموحدون إليها وقد ملكوا جميع بلاد المغرب عليه، فخرج إليهم في خاصته فقتلهم الموحدون. وأجاز عبد المؤمن والموحدون إلى الأندلس سنة إحدى وخمسين وملكوا، واستحلموا أمراء لمتونة وكافتهم وفروا في كل وجه، ولحق فلهم بالجزائر الشرقية ميورقة ومنورقة ويابسة إلى أن جددوا من بعده للملك بناحية إفريقية، والله غالب على أمره.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:22 pm

دولة ابن غانية


الخبر عن دولة ابن غانية


من بقية المرابطين وما كان له من الملك والسلطان بناحية قابس وطرابلس واجلابه علي الموحدين ومظاهرة قراقش الغزي له على أمره وأولية ذلك ومصايره

كان أمر المرابطين من أوله في كدالة من قبائل الملثمين حتى هلك يحيى بن إبراهيم فاختلفوا على عبد الله بن ياسين أمامهم، وتحول عنهم إلى لمتونة وأقصر عن دعوته وتنسك وترهب كما قلناه، حتى إذا أجاب داعية يحيى بن عمر وأبي بكر بن عمر من بني ورتانطق بيت رئاسة لمتونة. واتبعهم الكثير من قومهم وجاهدوا معه سائر قبائل الملثمين، وكان مسوفة قد دخل في دعوة المرابطين كثير منهم فكان لهم بذلك في تلك الدولة حظ من الرئاسة والظهور. وكان يحيى المسوفي من رجالاتهم وشجعانهم، وكان مقدماً عند يوسف بن تاشفين لمكانه في قومه. واتفق أنه قتل بعذر رجالات لمتونة في ملاحاة وقعت بينهم فتثاور الحيان وفر هو إلى الصحراء ففدى يوسف بن تاشفين القتيل ووداه، واسترجع علياً من مقره لسنين من مغيبه، وأنكحه امرأة من أهل بيته تسمى غانية بعهد أبيها إليه في ذلك فولدت منه محمداً ويحيى ونشأ في ظل يوسف بن تاشفين وحجر كفالته.
ورعى لهما علي بن يوسف ذمام هذه الأواصر، وعقد ليحيى على غرب الأندلس وأنزله قرطبة. وعقد لمحمد على الجزائر الشرقية ميورقة ومنورقة ويابسة سنة عشرين وخمسائة، وانقرض بعد ذلك أمر المرابطين. وتقدم وفد الأندلس إلى عبد المؤمن، وبعث معهم أبا إسحق براق بن محمد المصمودي من رجالات الموجدين وعقد له على حرب لمتونة كما يذكر في أخبارهم، فملك إشبيلية واقتضى طاعة يحيى بن علي بن غانية، واستنزله عن قرطبة إلى جيان. والقلعة فسار منها إلى غرناطة يستنزل من بها من لمتونة، ويحملهم على طاعة الموحدين فهلك هنالك سنة ثلاث وأربعين ودفن بقصر باديس. وأما محمد بن علي فلم يزل والياً إلى أن هلك وقام بأمره بعده ابنه عبد الله.
ثم هلك وقام بالأمر أخوه إسحق بن محمد بن علي. وقيل إن إسحق ولي بعد ابنه محمد. وأنه قتله غيرة من أخيه عبد الله لمكان أبيه منه فقتلهما معاً، واستبد بأمره إلى أن هلك سنة ثمانين وخمسائة. وخلف ثمانية من الولد وهم محمد وعلي ويحيى وعبد الله والغازي وسير والمنصور وجبارة، فقام بالأمر ابنه محمد. ولما أجاز يوسف بن عبد المؤمن بن علي إلى ابن الزبرتير لاختبار طاعتهم، ولحين وصوله نكر ذلك إخوته وتقبضوا عليه واعتقلوه. وقام بالأمر أخوه علي بن محمد بن علي وتلوموا في رد ابن الزبرتير إلى مرسله، وحالوا بينه وبين الأسطول حين بلغهم أن الخليفة يوسف القسري استشهد في الجهاد بأركش من العدوة، وقام بالأمر ابنه يعقوب واعتقلوا ابن الزبرتير وركبوا البحر في اثنتين وثلاثين قطعة من أساطيلهم وأسطوله، وركب معه إخوته يحيى وعبد الله والغازي وولي على ميورقة عمه أبا الزبير وأقلعوا إلى بجاية فطرقوها على حين غفلة من أهلها وعليها السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان بايميلول من خارجها في بعض مذاهبه واعتقلوا بها السيد أبا موسى بن عبد المؤمن كان قافلاً من إفريقية يؤم المغرب واكتسحوا ما كان بدار السادة والموحدين.
وكان والي القلعة قاصداً مراكش وهو يستخبر خبر بجاية فرجع وظاهر السيد أبا الربيع وزحف إليهما علي بن غانية فهزمهما واستولى على أموالهما وابنتهما ولحقا بتلمسان فنزلا بها على السيد أبي الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن وأخذ في تحصين تلمسان ورم أسوارها وأقاما عند السيد يرومان الكرة من صاحب تلمسان وعاث علي بن محمد بن غانية في الأموال وفرقها في ذؤبان العرب ومن انضاف إليهم ورحل إلى الجزائر فافتتحها وولى عليها بدر بن عائشة. ثم نهض إلى القلعة فحاصرها ثلاثاً ودخلها عنوة وكانت له في المغرب خطة مشهورة ثم قصد قسطنطينة فامتنعت عليه واجتمعت عليه وفود الغزو سرح العساكر في البر لنظر السيد أبي زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن وعقد له على المغرب الأوسط.
وبعث الأساطيل إلى البحر وقائدها أحمد الصقلي وعقد عليها لأبي محمد بن إبراهيم بن جامع وزحفت العساكر من كل جهة فثار أهل الجزائر على يحيى بن أبي طلحة ومن معه وأمكنوا منهم السيد أبايزيد فقتلهم على شلف وعفا عن يحيىى لنجدة عمه طلحة وكان بدر بن عائشة أسرى من مليانة واتبعه الجيش فلحقوه أمام العدو فتقبضوا عليه بعد قتال مع البرابرة حين أرادوا إجارته وقادوه إلى السيد أبي يزيد فقتله وسبق الأسطول إلى بجاية فثار بيحيى بن غانية وفر إلى أخيه علي لمكانه من حصار قسطنطينة بعد أن كان أخذ بمخنقها ونزل السيد أبو زيد بعساكره بتكلات من ظاهر بجاية وأطلق السيد أبا موسى من معتقله ثم رحل في طلب العدو فأفرج عن قسطنطينة بعد أن كان أخذها ومضى شديداً في الصحراء والموحدون في اتباعه حتى انتهوا إلى مغرة ونغارس. ثم نقلوا إلى بجاية واستنفر السيد أبا زيد بها وقصد علي بن غانية في قفصة فملكها ونازل بورق وقصطيلة فامتنعت وارتحل إلى طرابلس وفيها قراقش الغزي المطغري، وكان من خبره على ما نقل أبو محمد التيجاني في كتاب رحلته أن صلاح الدين صاحب مصر بعث تقي الدين ابن أخيه شاه إلى المغرب لافتتاح ما أمكنه من المدن تكون له معقلاً يتحصن فيه من مطالبة نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشام الذي كان صلاح الدين عمه من وزرائه. واستعجلوا النصر فخشوا عاديته. ثم رجع تقي الدين من طريقه لأمر عرض له ففر قراقش الأرمني بطائفة من جنوده. وفر إبراهيم بن قراتكين سلاح دار المعظم نسبة للملك المعظم شمس الدولة ابن أيوب أخي صلاح الدين. فأما قراقش فلحق بسنترية، وافتتحها وذلك سنة ست وثمانين وخطب فيها لصلاح الدين ولأستاذه تقي الدين. وكتب لهما بالفتح وافتتح زويلة وغلب بني خطاب الهواري على ملك فزان، وكانت ملكاً لعمه محمد بن الخطاب بن يصلتن بن عبد الله بن صنفل بن خطاب وهو آخر ملوكهم، وكانت قاعدة ملكه زويلة. وتعرف زويلة ابن خطاب فتقبض عليه وغلبه على المال حتى هلك، ولم يزل يفتح البلاد إلى أن وصل إلى طرابلس واجتمع عليه عرب ذياب بن سليم. ونهض بهم إلى جبل نفوسة فملكه واستخلص أموال العرب واتصل به مسعود بن زمام شيخ الدواودة من رياح عند مفره من المغرب كما ذكرناه. واجتمعت أيديهم على طرابلس وافتتحها واجتمع إليه ذؤبان العرب من هلال وسليم. وفرض لهم العطاء، واستبد بملك طرابلس وما وراءها، وكان قراقش من الأرمن، وكان يقال له المظفري لأنه مملوك المظفر والناصري لأنه يخطب للناصر صلاح الدين. وكان يكتب في ظهائره ولي أمير المؤمنين بسكون الميم، ويكتب علامة الظهير بخطه: وثقت بالله وحده أسفل الكتاب. وأما إبراهيم بن قراقش صاحبه فإنه سار مع العرب إلى قفصة فملك جميع منازلها وراسل بني الزند رؤساء قفصة فأمكنوه من البلد لانحرافهم عن بني عبد المؤمن فدخلها وخطب للعباسي ولصلاح الدين إلى أن قتله المنصور عند فتح قفصة كما نذكره في أخبار الموحدين.

رجع الخبر إلى ابن غانية

ولما وصل علي بن غانية إلى طرابلس ولقي قراقش اتفقا على المظاهرة على الموحدين واستمال ابن غانية كافة بني سليم من العرب وما جاورهم من مجالاتهم ببرقة وخالطوه في ولايتهم، واجتمع إليه من كان منحرفاً عن طاعة الموحدين من قبائل هلال مثل: جشم ورياح والأثبج. وخالفتهم زغبة إلى الموحدين فاعتقلوا بطاعتهم سائر أيامهم. ولحق بابن غانية فل قومه من لمتونة ومنونة من أطراف البقاع، فانعقد أمره وتجدد بذلك القطر سلطان قومه. وجدد رسوم الملك واتخذ الآلة وافتتح كثيراً من بلاد الجريد وأقام فيها الدعوة العباسية. ثم بعث ولده وكاتبه عبد المؤمن من فرسان الأندلس إلى الخليفة الناصر بن المستضيئ ببغداد، مجدداً ما سلف لقومه من المرابطين بالمغرب من البيعة والطاعة وطلب المدد والإعانة، فعقد له كما كان لقومه وكتب الكتاب من ديوان الخليفة إلى ملك مصر والشام النائب عن الخليفة بها صلاح الدين يوسف بن أيوب، جاء إلى مصر فكتب له صلاح الدين إلى قراقش واتصل أمرهما في إقامة الدعوة العباسية.
وظاهره ابن غانية على حصار قابس فافتتحها قراقش من يد سعيد بن أبي الحسن، وولى عليها مولاه وجعل فيها ذخائره. ثم اتصل بها إلى أن وصل إلى قفصة خلعوا طاعة ابن غانية فظاهره قراقش عليها فافتتحها عنوة. ثم رحل إلى توزر وقراقش في مظاهرته فافتتحها أيضاً. ولما اتصل بالمنصور ما نزل بإفريقية من أجلاب ابن غانية وقراقش على، بلاد الجريد نهض من مراكش سنة ثمان وثمانين لحسم هذا الداء واستنقاذ ما غلبوا عليه. ووصل إلى تونس فأراح بها وسرح في مقدمته السيد أبا يوسف يعقوب بن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن، ومعه عمر بن أبي زيد من أعيان الموحدين فلقيهم ابن غانية في جموعه بعهده فانهزم الموحدون وقتل ابن أبي زيد وجماعة منهم، وأسر علي بن الزبرتير في آخرين وامتلأت أملاك العدو من أسلابهم ومتاعهم. ووصل سرعان الناس إلى تونس، وصمد المنصور إليهم فأوقع بهم بظاهر الحامة في شعبان من سنته. وأفلت ابن غانية وقراقش بحومة الوفر وبادر أهل قابس وكانت خالصة لقراقش دون ابن غانية فأتوا طاعتهم وأسلموا من كان عندهم من أصحابه وذويه فاحتملوا إلى مراكش، وقصد المنصور إلى توزر فحاصرها فأسلموا إليه من كان فيها من أصحاب ابن غانية. وبادر هلها بالطاعة.
ثم رجع إلى قفصة فحاصرها حتى نزلوا على حكمه، وقتل من كان بها من الحشود. وقتل إبراهيم بن قراتكين. وأمتن على سائر الأعوان وخلى سبيلهم، وأمن أهل البلد في أنفسهم وجعل أملاكهم بأيديهم على حكم المساقاة. ثم غزا العرب واستباح حللهم وأحياءهم حتى استقاموا على طاعته. وفر ذو المراس كثير الخلاف والفتنة منهم إلى المغرب مثل: جشم ورياح والعاصم كما قدمناه. وقفل إلى المغرب سنة أربع وثمانين، ورجع ابن غانية وقراقش إلى حالهما من الأجلاب على بلاد الجريد إلى أن هلك علي في بعض حروبها مع أهل نفزاوة سنة أربع وثمانين، أصابه سهم غرب كان فيه هلاكه فدفن هنالك وعفى على قبره، وحمل شلوه إلى ميورقة فدفن بها. وقام بالأمر أخوه يحيى بن إسحاق بن محمد بن غانية وجرى في مظاهرة قراقش وموالاته على سنن أخيه علي.
ثم نزع قراقش إلى طاعة الموحدين سنة ست وثمانين فهاجر إليهم بتونس وتقبله السيد أبو زيد بن أبي حفص بن عبد المؤمن وأقام معه أياماً. ثم فر ووصل إلى قابس فدخلها مخادعة وقتل جماعة منهم، واستبد على أشياخ ذباب والكعوب من بني سليم فقتل سبعين منهم بقصر العروسيين. كان منهم محمود بن طوق أبو المحاميد، وحميد بن جارية أبو الجواري. ونهض إلى طرابلس فافتتحها ورجع إلى بلاد الجريد فاستولى على أكثرها، ثم فسد ما بينه وبين يحيى بن غانية. وسار إليه يحيى فانتهز قراقش ولحق بالجبال وتوغل فيها، ثم فر إلى الصحراء ونزل ودان ولم يزل بها إلى أن حاصره ابن غانية من بعد ذلك بمدة وجمع عليه أهل الثأر من ذباب، واقتحمها عليه عنوة وقتله ولحق ابنه بالموحدين. ولم يزل بالحضرة إلى أيام المستنصر. ثم فر إلى ودان وأجلب في الفتنة فبعث إليه ملك كام من قتله لسنة ست وخمسين وخمسمائة.
رجع الخبر: واستولى ابن غانية على الجريد، واستنزل ياقوت فولى قراقش من طرده، كذا ذكره التجاني في رحلته. ولحق ياقوت بطرابلس، ونازله ابن غانية بها، وطال أمر حصاره. وبالغ ياقوت في المدافعة، وبعث يحيى عن أسطول ميورقة فأمده أخوه عبد الله بقطعتين منه فاستولى على طرابلس، وأشخص ياقوت إلى ميورقة واعتقل بها إلى أن أخذها الموحدون. وكان من خبر ميورقة أن علي بن غانية لما نهض إلى فتح بجاية ترك أخاه محمداً وعلي بن الزبرتير في معتقلهما. فلما خلا الجو من أولاد غانية وكثير من الحامية داخل ابن الزبرتير في معتقله نفر من أهل الجزيرة، وثاروا بدعوة محمد وحاصروا القصيبة إلى أن صالحهم أهلها على إطلاق محمد بن إسحاق فأطلق من معتقله، وصار الأمر له فدخل في دعوة الموحدين، ووفد مع علي بن الزبرتير على يعقوب المنصور. وخالفهم إلى ميورقة عبد الله بن إسحاق، ركب البحر من إفريقية إلى صقلية وأمدوه بأسطول، ووصل إلى ميورقة عند وفادة أخيه على المنصور فملكها، ولم يزل بها والياً. وبعث إلى أخيه علي بالمدد إلى طرابلس كما ذكرناه، وبعثوا إليه ياقوت فاعتقله عنوة أن غلب عليه الموحدون سنة تسع وتسعين فقتل. ومضى ياقوت إلى مراكش وبها مات.
رجع الخبر: ولما فرغ ابن غانية من أمر طرابلس ولى عليها تاشفين ابن عمه الغازي، وقصد قابس فوجد بها عامل الموحدين ابن عمر تافراكين بعثه إليهم صاحب تونس الشيخ أبو سعيد بن أبي حفص، فاستدعاه أهلها لما فر عنهم نائب قراقش أخذ ابن غانية لطرابلس فنازل قابس، وضيق عليها حتى سألوه الأمان على أن يخلي سبيل ابن تافراكين فعقد لهم ذلك وأمكنوه من البلد فملكها سنة إحدى وتسعين وأغرمهم ستين ألف دينار، وقصد المهدية سنة سبع وتسعين فاستولى عليها وقتل الثائر بها محمد بن عبد الكريم الركراكي.
وكان من خبره أنه نشأ بالمهدية وصار من جندها المرتدين وهو كوفي الأصل، وكانت له شجاعة معروفة فجمع لنفسه خيلاً ورجالاً، وصار يغير على المفسدين من الأعراب بالأطراف فداخلهم هيبة وبعد في ذلك صيته وأمده الناس بالدعاء. وقدم أبو سعيد بن أبي حفص على إفريقية من قبل المنصور لأول ولايته، وولى على المهدية أخاه يونس. وطالب محمد بن عبد الكريم بالسهمان في المغانم. وامتنع فأنزل به النكال وعاقبه بالسجن فدبر ابن عبد الكريم الثورة وداخل فيها بطانته وتقبض على أبي علي يونس سنة خمس وتسعين واعتقله إلى أن فداه أخوه أبو سعيد بخمسمائة دينار من الذهب العين واستبد ابن عبد الكريم بالمهدية ودعا لنفسه وتلقب المتوكل على الله. ثم وصل السيد أبو زيد بمن أبي حفص عمر بن عبد المؤمن والياً على إفريقية فنازل ابن عبد الكريم بتونس سنة ست وتسعين واضطرب معسكره بحلق الوادي وبرز إليه جيوش الموحدين فهزمهم وطال حصاره لهم. ثم سألوه الإفراج عنهم فأجاب لذلك، وارتحل عنهم إلى حصار يحيى بن غانية بفاس فنازله مدة.
ثم ارتحل إلى قفصة وخرج ابن غانية في أتباعه، فانهزم ابن عبد الكريم أمامه ولحق بالمهدية، وحاصره ابن غانية بها سنة سبع وتسعين، وأمده السيد أبو زيد بقطعتين من الغزاة حتى سأل ابن عبد الكريم النزول على حكمه وخرج إليه فقبض عليه ابن غانية وهلك في اعتقاله، واستولى على المهدية واستضافها إلى ما كان بيده من طرابلس وقابس وصفاقس والجريد. ثم نهض إلى الجانب الغربي من إفريقية فنازل باجة، ونصب عليها المجانيق، وافتتحها عنوة وخربها، وقتل عاملها عمر بن غالب، ولحق شريدها بالأربس وشقبنارية، وتركها خاوية على عروشها وبعد مدة تراجع إليها ساكنها بأمن السيد أبي زيد فزحف إليها ابن غانية ثانية ونازلها، وزحف إليه السيد أبو الحسن أخو السيد أبي زيد فلقيه بقسطنطينة، وانهزم الموحدون واستولى على معسكرهم.
ثم نهض إلى بسكرة واستولى عليها وقطع أيدي أهلها وتقبض على حافظها أبي الحسن ابن أبي يعلى، وتملك بعدها بلنسية والقيروان وبايعه أهل بونة، ورجع إلى المهدية وقد استفحل ملكه فأزمع على حصار تونس، وارتحل إليها سنة تسع وتسعين، واستعمل على المهدية ابن عمه علي بن الغازي، ويعرف بالكافي بن عبد الله بن محمد بن علي بن غانية، ونزل بالجبل الأحمر من ظاهر تونس ونزل أخوه بحلق الوادي. ثم ضايقوها بمعسكرهم وردموا خندقها ونصبوا المجانيق والآلات، واقتحموها لأربعة أشهر من حصارها في ختام المائة السادسة، وقبض على السيد أبي زيد وابنيه ومن كان معه من الموحدين، وأخذ أهل تونس بغرم مائة ألف دينار، وولى بقبضها منهم كاتبه ابن عصفور وأبا بكر بن عبد العزيز بن السكاك فأرهقوا الناس بالطلب حتى لاذ معظمهم بالموت واستعجل القتل فيما نقل أن إسماعيل بن عبد الرفيع من بيوتاتها ألقى بنفسه في بئر فهلك، فرفع الطلب ببقيتها عنهم.
وارتحل إلى نفوسة والسيد أبو زيد معتقل في معسكره ففعل بهم مثل ذلك، وأغرمهم ألف ألف مرتين من الدنانير، وكثر عيثه وإضراره بالرعية، وعظم طغيانه وعتوه. واتصل بالناصر بمراكش ما دهم أهل إفريقية منه ومن ابن عبد الكريم قبله، فامتعض لذلك ورحل إليها سنة إحدى وستمائة. وبلغ يحيى بن غانية خبر زحفه إليه فخرج من تونس إلى القيروان ثم إلى قفصة واجتمع إليه العرب وأعطوه الرهن على المظاهرة والدفاع. ونازل طرة من حصون مغراوة فاستباحها، وانتقل إلى حامة مطماطة. ونزل الناصر تونس ثم قفصة ثم قابس وتحصن منه ابن غانية في جبل عمر، فرجع عنه إلى المهدية، وعسكر عليها واتخذ الآلة لحصارها.
وسرح الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص لقتال ابن غانية في أربعة آلاف من الموحدين سنة اثنتين وستمائة فلقيه بجبل تاجرا من نواحي قابس وأوقع به، وقتل أخاه جبارة بن إسحاق واستنقذ السيد أبا زيد من معتقله، ثم افتتح الناصر المهدية ودخل إليها علي بن الغازي في دعوته فتقبله، ورفع مكانه ووصله بهدية وافق وصولها من سبتة إليه على يد واصل مولاه وكان بها ثوبان منسوجان بالجواهر فوصله بذلك كله، ولم يزل معه إلى أن استشهد مجاهداً.
وولى الناصر على المهدية محمد بن يغمور من الموحدين ورجع إلى تونس. ثم نظر فيمن يوليه أمر إفريقية لسد فرجها والذب عنها، ومدافعة ابن غانية وجموعه دونها. فوقع اختياره على الشيخ أبي محمد بن أبي حفص فعقد له على ذلك سنة ثلاث كما ذكرناه في أخباره. ورجع الناصر إلى المغرب، وأجمع ابن غانية النهوض لقتال الموحدين بتونس، وجمع ذؤبان العرب من الدواودة وغيرهم. وأوفد الدواودة يومئذ محمد بن مسعود بن سلطان وتحيز بنو عوف بن سليم إلى الموحدين، والتقوا بشبرو من نواحي تبسة فانهزمت جموع ابن غانية، ولجأ إلى جهة طرابلس.
ثم نهض إلى المغرب في جموعه من العرب والملثمين فانتهى إلى سجلماسة، وامتلأت أيدي أتباعه من النهاب، وخرقوا الأرض بالعبث والفساد، وانكفأ إلى المغرب الأوسط وداخله المفسدون من زناتة، وأغزوا به صاحب تلمسان السيد أبا عمران موسى بن يوسف بن عبد المؤمن، فلقيه بتاهرت فهزمه ابن غانية، وقتله وأسر وافده وكر راجعاً إلى إفريقية فاعترضه الشيخ أبو محمد صاحب إفريقية في جموع الموحدين، واستنقذ الغنائم من أيديهم. ولجأ ابن غانية إلى جبال طرابلس، وهاجر أخوه سير بن إسحاق إلى مراكش فقبله الناصر وأكرمه. ثم اجتمع إلى ابن غانية طوائف العرب من رياح وعوف وهيث ومن معهم من قبائل البربر، وعزم على دخول إفريقية. ونهض إليهم الشيخ أبو محمد سنة ست ولقيهم بجبل نفوسة ففل عسكرهم واستلحم أمرهم، وغنم ما كان معهم من الظهر والكراع والأسلحة. وقتل يومئذ محمد بن الغازي وجوار بن يفرن، وقتل معه ابن عمه من كتاب ابن أبي الشيخ ابن عساكر بن سلطان، وهلك يومئذ من العرب الهلاليين أمير قرة سماد بن نخيل.
حكى ابن نخيل: أن مغانم الموحدين يومئذ من عساكر الملثمين كانت ثمانية عشر ألفاً من الظهر فكان ذلك مما أوهن من شدته ووطى من بأسه. وثارت قبائل نفوسة بكاتبه ابن عصفور فقتلوا ولديه، وكان ابن غانية يبعثه عليهم للمغرم. وسار أبو محمد في نواحي إفريقية ودفع سلبهم واستثأر أشياخهم بأهلهم، وأسكنهم بتونس حسماً لفسادهم. وصلحت أحوال إفريقية إلى أن هلك الشيخ أبو محمد سنة ثمان عشرة، وولى أبو محمد السيد أبو العلا إدريس بن يونس بن عبد المؤمن. ويقال بل وليها قبيل مهلك الشيخ أبي محمد فاستطار بعد مهلكه ثور بن غانية، ونجم نفاقه وعيثه، فعابه رعيته ونهض إليه السيد أبو العلا ونزل قابس وأقام بقصر العروسيين وسرح ولده السيد أبا زيد بعسكر من الموحدين إلى درج وغدامس، وسرح عسكراً آخر إلى ودان لحصار ابن غانية، فأرجف بهم العرب ونهضوا وهم بهم السيد أبو العلا. وفر ابن غانية إلى الزاب، واتبعه السيد أبو زيد فنازل بسكرة واقتحمها عليه. ونجا ابن غانية، وجمع أوباشاً من العرب والبربر، وأتبعه السيد أبو زيد في الموحدين وقبائل هوارة، وتزاحفوا بظاهر تونس سنة إحدى وعشرين فانهزم ابن غانية وجموعه، وقتل كثير من الملثمين، وامتلأت أيدي الموحدين من الغنائم.
وكان لهوارة يومئذ، وأميرهم حناش بن بعرة بن ونيفن. في هذا الزحف أثر مذكور وبلاء حسن. وبلغ السيد أبا زيد إثر هذه الوقيعة خبر مهلك أبيه بتونس فانكف راجعاً، وأعيد بنو حفص إلى مكان أبيهم الشيخ أبي محمد بن أثال بإفريقية. واستقل الأمير أبو زكريا منهم بأمرها، واقتلعها عن ملكه إلى عبد المؤمن وتناولها من يد أخيه أبي محمد عبد الله. وهذا الأمير أبو زكريا هو جد الخلفاء الحفصيين وماهد أمرهم بإفريقية، فأحسن دفاع ابن غانية عنها وشرعه في أقطارها. ورفع يده شيئاً فشيئاً عن النيل من أهلها ورعاياها. ولم يزل شريداً مع العرب بالقفار، فبلغ سجلماسة من أقصى المغرب، والعقبة الكبرى من تخوم الديار المصرية. واستولى على ابن مذكور صاحب السويقة من تخوم برقة، وأوقع بمغراوة بواجر ما بين متيجة ومليانة، وقتل أميرهم منديل بن عبد الرحمن وصلب شلوه بسور الجزائر.
وكان يستخدم الجند فإذا سئموا الخدمة تركهم لسبيلهم إلى أن هلك لخمسين سنة من إمارته سنة إحدى وثلاثين، وقيل ثلاث وثلاثين، ودفن وعفى أثر مدفنه. يقال بوادي الرجوان قبلة الأربس ويقال بجهة مليانة من وادي شلف، ويقال بصحراء باديس ومديد من بلاد الزاب. وانقرض أمر الملثمين من مسوقة ولمتونة ومن جميع بلاد إفريقية والمغرب والأندلس بمهلكه. وذهب ملك صنهاجة من الأرض بذهاب ملكه وانقطاع أمره. وقد خلف بنات بعثهن زعموا إلى الأمير أبي زكريا لعهده بذلك إلى علجه جابر فوضعن في يده. وبلغه وفاة أبيهن وحسن ظنه في كفالته إياهن، فأحسن الأمير أبو زكريا كفالتهن، وبنى لهن بحضرته داراً لصونهن معروفة لهذا العهد بقصر البنات.
وأقمن تحت حراسته وفي سعة من رزقه موصولات لوصاة أبيهن بذلك منهن وحفظهن لوصاته. ولقد يقال إن ابن عم لهن خطب إحداهن فبعث إليها الأمير أبو زكريا فقال لها: هذا ابن عمك وأحق بك، فقالت لو كان ابن عمنا ما كفلنا الأجانب: إلى أن هلكن عوانس بعد أن متعن من العمر بحظ.
أخبرني والدي رحمه الله: أنه أدرك واحدة منهن أيام حياته في سني العشر والسبعمائة تناهز التسعين من السنين. قال: ولقيتها وكانت من أشرف النساء نفساً وأسراهن خلقاً وأزكاهن خلالا والله وارث الأرض ومن عليها.
ومضى هؤلاء الملثمون وقبائلهم لهذا العهد بمجالاتهم من جوار السودان حجزاً بينهم وبين الرمال التي هي تخوم بلاد البربر من المغربين وإفريقية وهم لهذا العهد متصلون من ساحل البحر المحيط في المغرب إلى ساحل النيل بالمشرق. وهلك من قام بالملك منهم بالعدوتين، وهم قليل من مسوقة ولمتونة كما ذكرناه، أكلتهم الدولة وابتلعتهم الآفاق والأقطار، وأفناهم الرق واستلحمهم أمراء الموحدين. وبقي من أقام بالصحراء منهم على حالهم الأول من افتراق الكلمة واختلاف البين، وهم الآن يعطون طاعة لملوك السودان، يجبون إليهم خراجهم وينفرون في معسكرهم.
واتصل بنيانهم على بلاد السودان إلى المشرق مناظر السلع العرب على بلاد المغربين وإفريقية. فكدالة منهم في مقابلة ذوي حسان من المعقل عرب السوس الأقصى، ولمتونة وتريكة في مقابلة ذوي منصور وذوي عبد الله من المعقل أيضاً عرب المغرب الأقصى، ومسوقة في مقابلة زغبة عرب المغرب الأوسط، ولمطة في مقابلة رياح عرب الزاب وبجاية وقسطنطينة، وتاركاً في مقابلة سليم عرب إفريقية، وأكثر ما عندهم من المواشي الإبل لمعاشهم وحمل أثقالهم وركوبهم، والخيل قليلة لديهم أو معدومة. ويركبون من الإبل الفارهة ويسمونها النجيب، ويقاتلون عليها إذا كانت بينهم حرب، وسيرها هملجة، وتكاد تلحق بالركض وربما يغزوهم أهل القفر من العرب، وخصوصاً بنو سعيد من بادية رياح، فهم أكثر العرب غزواً إلى بلادهم فيستبيحون من صحبوه منهم يرمونه في بطون مغاير. فإذا اتصل الصائح بأحيائهم، وركبوا في أتباعهم اعترضوهم على المياه قبل وصولهم من تلك البلاد فلا يكادون يخلصون ويشتد الحرب بينهم فلا يخلص العرب من غوائلهم إلا بعد جهد، وقد يهلك بعضهم، ولله الخلق والأمر. وإذ عرض لنا ملوك السودان فلنذكر ملوكهم لهذا العهد المجاورين لملوك المغرب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:25 pm

ملوك السودان


الخبر عن ملوك السودان المجاورين للمغرب من وراء هؤلاء الملثمين ووصف أحوالهم والإلمام بما اتصل بنا من دولتهم

هذه الأمم السودان من الآدميين هم أهل الإقليم الثاني، وما وراءه إلى آخر الأول بل وإلى آخر المعمورة متصلون ما بين المغرب والمشرق، يجاورون بلاد البربر بالمغرب وإفريقية وبلاد اليمن والحجاز في الوسط، والبصرة وما وراءها من بلاد الهند بالمشرق، وهم أصناف وشعوب وقبائل أشهرهم بالمشرق الزنج والحبشة والنوبة، وأما أهل المغرب منهم فنحن ذاكروهم بعد، وأما نسبهم فإلى حام بن نوح، بالحبش من ولد حبش بن كوش بن حام، والنوبة من ولد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام فيما قاله المسعودي، وقال ابن عبد البر إنهم من ولد نوب بن قوط بن مصر بن حام، والزنج من ولد زنجي بن كوش وأما سائر السودان فمن ولد قوط بن حام فيما قاله ابن عبد البر، ويقال هو قبط بن حام.
وعد ابن سعيد من قبائلهم وأممهم تسع عشرة أمة، منهم في المشرق الزنج على بحر الهند، لهم مدينة فنقية وهم مجوس، وهم الذين غلب رقيقهم بالبصرة على ساداتهم مع دعي الزنج في خلافة المعتمد. قال: ويليهم مدينة بربرا، وهم الذين ذكرهم امرؤ القيس في شعره. والإسلام لها العهد فاش فيهم، ولهم مدينة مقدشوا على البحر الهندي يعمرها تجار المسلمين ومن غربيهم وجنوبهم الدمادم وهم حفاة عراة. قال: وخرجوا إلى بلاد الحبشة والنوبة عند خروج الططر إلى العراق فعاثوا فيها ثم رجعوا. قال: ويليهم الحبشة وهم أعظم أمم السودان، وهم مجاورون لليمن على شاطئ البحر الغربي ومنه غزوا ملك اليمن ذي نواس وكانت دار مملكتهم كعبر، وكانوا على دين النصرانية، وأخذ بالإسلام واحد منهم زمن الهجرة على ما ثبت في الصحيح، والذي أسلم منهم لعهد النبب صلى الله عليه وسلم. وهاجر إليه الصحابة قبل الهجرة إلى المدينة فآواهم ومنعهم، وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم عندما نعي إليه كان اسمه النجاشي وهو بلسانهم: انكاش بالكاف المشمة بالجيم عربتها العرب جيماً محضة وألحقتها ياء النسب، شأنها في الأسماء الأعجمية إذا تصرفت فيها، وليس هذا الاسم سمة لكل من تمتك منهم كما يزعم كثير من الناس ممن لا علم له بهذا، ولو كان كذلك لشهروا اسمه إلى اليوم لآن ملكهم لم يتحول منهم.
وملكهم لهذا العهد اسمه الخطى ما أدري اسم السلطان نفسه أو اسم العشيرة الذين فيهم الملك وفي غربيه مدينة داموت وكان بها ملك من أعاظمهم وله ملك ضخم وفي شماليه ملك آخر منهم اسمه حق الدين محمد بن علي بن ولصمع في مدينة أسلم أولوه في تواريخ مجهولة. وكان جده ولصمع مطيعاً لملك دامون، وأدركت الخطى الغيرة من ذلك فغزاه واستولى على بلاده. ثم اتصلت الفتنة وضعف أمر الخطى فاسترجع بنو ولصمع بلادهم من الخطى وبنيه، واستولوا على وفات وخربوها. وبلغنا أن حق الدين هلك، وملك بعده أخوه سعد الدين وهم مسلمون ويعطون الطاعة للخطى أحياناً وينابذونه أخرى والله مالك الملك.
قال ابن سعيد: ويليهم البجاوة وهم نصارى ومسلمون، ولهم جزيرة بسواكن في بحر السوس، ويليهم النوبة أخوة الزنج والحبشة ولهم مدينة دنقلة غرب النيل، وأكثرهم مجاورون للديار المصرية، ومنهم رقيق. ويليهم زغاوة وهم مسلمون، ومن شعوبهم تاجرة ويليهم الكانم وهم خلق عظيم، والإسلام غالب عليهم ومدينتهم حميمي ولهم التغلب على بلاد الصحراء إلى فزان. وكانت لهم مهادنة مع الدولة الحفصية منذ أولها، ويليهم من غربهم كوكو، وبعدهم نغالة والتكرور ولمى وتمنم وجالي وكوري وأفكرار، بتضلون بالبحر المحيط إلى غانية في الغرب كلام ابن سعيد.
ولما فتحت إفريقية المغرب دخل التجار بلاد المغرب فلم يجدوا فيهم أعظم من ملوك غانية، كانوا مجاورين للبحر المحيط من جانب الغرب وكانوا أعظم أمة ولهم أضخم ملك، وحاضرة ملكهم غانية مدينتان على حافتي النيل من أعظم مدائن العالم وأكثرها معتمراً، ذكرها مؤلف كتاب رجار وصاحب المسالك والممالك. وكانت تجاورهم من جانب الشرق أمة أخرى فيما زعم الناقلون تعرف صرصو بصادين مضمومتين أو سينين مهملتين، ثم بعدها أمة أخرى تعرف مالي ثم بعدها أمة أخرى تعرف كوكو ويقال كاغو، ثم بعدها أمة أخرى تعرف بالتكرور.
وأخبرني الشيخ عثمان فقيه أهل غانية وكبيرهم علماً وديناً وشهرة، قدم مصر سنة تسع وتسعين حاجاً بأهله وولده ولقيته بها فقال إنهم يسمون التكرور زغاي ومالي أنكاريه.

ثم إن أهل غانية ضعف ملكهم وتلاشى أمرهم واستفحل أمر الملثمين المجاورين لهم من جانب الشمال مما يلي البربر كما ذكرناه، وعبروا على السودان واستباحوا حماهم وبلادهم واقتضوا منهم الأتاوات والجزى، وحملوا كثيراً منهم على الإسلام فدانوا به. ثم اضمحل ملك أصحاب غانة وتغلب عليهم أهل صوصو المجاورون لهم من أمم السودان واستعبدوهم وأصاروهم في جملتهم. ثم إن أهل مالي كثروا أمم السودان في نواحيهم تلك، واستطالوا على الأمم المجاورين لهم فغلبوا على صوصو وملكوا جميع ما بأيديهم من ملكهم القديم، وملك أهل غانة إلى البحر المحيط من ناحية الغرب وكانوا مسلمين، يذكرون أن أول من أسلم منهم ملك اسمه برمندانة هكذا ضبطه الشيخ عثمان. وحج هذا الملك واقتفى سننه في الحج ملوكهم من بعده.
وكان ملكهم الأعظم الذي تغلب على صوصو وافتتح بلادهم وانتزع الملك من أيديهم اسمه ماري جاطة، ومعنى ماري عندهم الأمير الذي يكون من نسل السلطان وجاطة الأسد، واسم الحافد عندهم تكن، ولم يتصل بنا نسب هذا الملك. وملك عليهم خمساً وعشرين سنة فيما ذكروه. ولما هلك ولي عليهم من بعده ابنه منساولي، ومعنى منسا السلطان، ومعنى ولي بلسانهم علي، وكان منسا ولي هذا من أعاظم ملوكهم. وحج أيام الظاهر بيبرس، وولي عليهم من بعده أخوه واتى. ثم بعده أخوهم خليفة وكان محدقاً رامياً، فكان يرسل السهام على الناس فيقتلهم مخاناً، فوثبوا عليه فقتلوه. وولي عليهم من بعده سبط من أسباط ماري جاطة يسمى بأبي بكر، وكان ابن بنته فملكوه على سنن الأعاجم في تمليك الأخت وابن الأخت. ولم يقع إلينا نسبه ونسب أبيه.
ثم ولي عليهم من بعده مولى من مواليهم تغلب على ملكهم اسمه ساكورة. وقال الشيخ عثمان ضبطه بلسانهم أهل غانة سبكرة وحج أيام الملك الناصر وقتل عند مرجعه بتاجورا، وكانت دولته ضخمة اتسع فيها نطاق ملكهم وتغلبوا على الأمم المجاورة لهم. وافتتح بلاد كوكو وأصارها في ملكة أهل مالي. واتصل ملكهم من البحر المحيط وغانة بالمغرب إلى بلاد التكرور في المشرق، واعتز سلطانهم وهابتهم أمم السودان، وارتحل إلى بلادهم التجار من بلاد المغرب وإفريقية.
وقال الحاج يونس ترجمان التكرور إن الذي فتح كوكو هو سغمنجة من قواد منسا موسى، وولي من بعده ساكورة هذا هو ابن السلطان ماري جاطة، ثم من بعده ابنه محمد بن قو، ثم انتقل ملكهم من ولد السلطان ماري جاطة إلى ولد أخيه أبي بكر فولي عليهم منسا موسى بن أبي بكر، وكان رجلاً صالحاً وملكاً عظيماً، له في العدل أخبار تؤثر عنه. وحج سنة أربع وعشرين وسبعمائة، لقيه في الموسم شاعر الأندلس أبو إسحاق إبراهيم الساحلي المعروف بالطويجن وصحبه إلى بلاده. وكان له اختصاص وعناية ورثها من بعده ولده إلى الآن وأوطنوا والاتر من تخوم بلادهم من ناحية المغرب، ولقيه في صرفه صاحبنا المعمر أبو عبد الله بن خديجة الكومي من ولد عبد المؤمن، كان داعية بالزاب للفاطمي المنتظر، وأجلب عليهم بعصائب من العرب فكر به واركلا، واعتقله ثم خلى سبيله بعد حين فخاض القفر إلى السلطان منسا موسى مستجيشاً به عليهم، وقد كان بلغه توجهه للحج فأقام في انتظاره ببلد غدامس يرجو نصراً على عدوه ومعونة على أمره لما كان عليه منسا موسى من استفحال ملكه بالصحراء الموالية لبلد واركلا وقوة سلطانه فلقي منه مبرة وترحباً ووعده بالمظاهرة والقيام بثأره واستصحبه إلى بلدة أخوى وهو الثقة.
قال كنا نواكبه أنا وأبو إسحاق الطويجن دون وزرائه ووجوه قومه، نأخذ بأطراف الأحاديث حيث يتسع المقام، وكان يتحفنا في كل منزل بطرف المآكل والحلاوات قال: والذي تحمل آلته وحربته من الوصائف خاصة اثنا عشر ألفاً لابسات أقبية الديباج والحرير اليماني.
قال الحاج يونس ترجمان هذه الأمة بمصر: جاء هذا الملك منسا موسى من بلده بثمانين حملاً من التبر كل حمل ثلاثة قناطير. قال: وإنما يحملون على الوصائف والرجال في أوطانهم فقط، وأما السفر البعيد كالحج فعلى المطايا.
قال أبو خديجة: ورجعنا معه إلى حضرة ملكه فأراد أن يتخذ بيتاً في قاعدة سلطانه محكم البناء مجللا بالكلس لغرابته بأرضهم فأطرفه أبو إسحاق الطويجن ببناء قبة مربعة الشكل استفرغ فيها إجادته. وكان صناع اليدين وأضفى عليها من الكلس ووالى عليها بالأصباغ المشبعة فجاء من أتقن المباني ووقعت من السلطان موقع الاستغراب لفقدان صنعة البناء بأرضهم، ووصله باثني عشر ألفاً من مثاقيل التبر مبثوثة عليها. إلى ما كان له من الأثرة والميل إليه والصلات السنية. وكان بين هذا السلطان منسا موسى وبين ملك المغرب لعهده من بني مرين السلطان أبي الحسن مواصلة ومهاداة سفرت بينهما فيها الأعلام من رجال الدولتين واستجاد صاحب المغرب من متاع وطنه وتحف ممالكه مما تحدث عنه الناس على ما نذكره عند موضعه، بعث بها مع علي بن غانم المغفل وأعيان من رجال دولته. وتوارثت تلك الوصلة أعقابهما كما سيأتي واتصلت أيام منسا موسى هذا خمساً وعشرين سنة.
ولما هلك ولي أمر مالي من بعده ابنه منسا مغا ومعنى مغا عندهم محمد، وهلك لأربع سنين من ولايته، وولي أمرهم من بعده منسا سليمان بن أبي بكر وهو أخو موسى، واتصلت أيامه أربعاً وعشرين سنة. ثم هلك فولي بعده ابنه منسا بن سليمان، وهلك لتسعة من ولايته فولي عليهم من بعده ماري جاطة بن منسا مغا بن منسا موسى، واتصلت أيامه أربعة عشر عاماً وكان أشر وال عليهم بما سامهم من النكال والعسف وإفساد الحرم. وأتحف ملك المغرب لعهده السلطان أبا سالم ابن السلطان أبي الحسن بالهدية المذكورة سنة اثنتين وستين، وكان فيها الحيوان العظيم الهيكل المستغرب بأرض المغرب المعروف بالزرافة. تحدث الناس بما اجتمع فيه من متفرق الحلى والشبه في جثمانه ونعوته دهراً.
وأخبرني القاضي الثقة أبو عبد الله محمد بن وانسول من أهل سجلماسة. وكان أوطن بأرض كوكو من بلادهم، واستعملوه في خطة القضاء بما لقيه منذ سنة ست وسبعين وسبعمائة، فأخبرني عن ملوكهم بالكثير مما كتبته، وذكر لي عن هذا السلطان جاطة أنه أفسد ملكهم وأتلف ذخيرتهم وكان أن ينتقض شأن سلطانهم. قال: ولقد انتهى الحال به في سرفه وتبذيره أن باع حجر الذهب الذي كان في جملة الذخيرة عن أبيهم، وهو حجر يزن عشرين قنطاراً منقولاً من المعدن من غير علاج بالصناعة ولا تصفية بالنار، كانوا يرونه من أنفس الذخائر والغرائب لندور مثله في المعدن، فعرضه جاطة هذا الملك المسرف على تجار مصر المترددين إلى بلده، وابتاعوه منه بأبخس ثمن إذ استهلك من ذخائر ملوكهم سرفاً وتبذيراً في سبيل الفسوق والتخلف.
قال: وأصابته علة النوم، وهو مرض كثيراً ما يطرق أهل ذلك الإقليم وخصوصاً الرؤساء منهم، يعتاده غشي النوم عامة أزمانه حتى يكاد أن لا يفيق ولا يستيقظ إلا في القليل من أوقاته ويضر صاحبه ويتصل سقمه إلى أن يهلك. قال: ودامت هذه العلة بخلطه مدة عامين اثنين، وهلك سنة خمس وسبعين. وولوا من بعده ابنه موسى فأقبل على مذاهب العدل والنظر لهم، ونكب عن طرق أبيه جملة وهو الآن مرجو الهداية، ويغلب على دولته وزيره ماري جاطة، ومعنى ماري عندهم الوزير وجاطة تقدم وهو الآن قد حجر السلطان واستبد بالأمر عليه، ونظر في تجهيز العساكر وتجهيز الكتائب، ودوخ أقطار الشرق من بلادهم وتجاوز تخوم كوكو، وجهز إلى منازلة تكرت بما وراءها من بلاد الملثمين كتائب نازلتها لأول الدولة، وأخذت بمخنقها. ثم أفرجت عنها وحاطهم الآن هدنة.
وتكرت هذه على سبعين مرحلة من بلد واركلا في الجانب القبلي الغربي، وفيها من الملثمين يعرف بالسلطان، وعليهم طريق الحاج من السودان، وبينه وبين أمير الزاب وواركلا مهاداة ومراسلة. قال: وحاضرة الملك لأهل مالي هو بلد بني... بلد متسع الخطة معين على الزرع مستبحر العمارة نافق الأسواق، وهو الآن محط لركاب البحر من المغرب وإفريقية ومصر والبضائع مجلوبة إليها من كل قطر. ثم بلغنا لهذا العهد أن منسا موسى توفي سنة تسع وثمانين وولي بعده أخوه منسا مغا. ثم قتل لسنة أو نحوها وولي بعده صندكي زوج أم موسى صندكي الوزير. ووثب عليه بعد أشهر رجل من بيت ماري جاطة. ثم خرج من بلاد الكفرة وراءهم وجاءهم رجل اسمه محمود ينسب إلى منساقو بن منسا ولي ابن ماري جاطة الأكبر فتغلب على الدولة وملك أمرهم سنة اثنتين وتسعين ولقبه منسا مغا والخلق والأمر لله وحده.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:28 pm


<H6 align=center>الخبر عن لمطة وكزولة وهسكورة



بني تصكي وهم أخوة هوارة وصنهاجة

هؤلاء القبائل الثلاث قد تقدم لنا أنهم أخوة لصنهاجة وأن أم الثلاثة تصكي العرجاء بنت زحيك بن مادغيس، فأما صنهاجة فمن ولد عاميل بن زعزاع، وأما هوارة فمن ولد أوريغ وهو ابنها ابن برنس، وأما الآخرون فلا تحقيق في نسبهم.
قال ابن حزم: إن صنهاجة ولمطة لا يعرف لهما أب، وهذه الأمم الثلاث موطنون بالسوس وما يليه من بلاد الصحراء وجبال درن ملأوا بسائطه وجباله. فأما لمطة فأكثرهم مجاورون الملثمين من صنهاجة، ولهم شعوب كثيرة وأكثرهم ظواعن أهل وبر. ومنهم بالسوس قبيلتا زكن ولخس، صاروا في عداد ذوي حسان من معقل، وبقايا لمطة بالصحراء مع الملثمين ومعظمهم قبيلة بين تلمسان وإفريقية وكان منهم الفقيه واكاك بن زيزي صاحب أبي عمران الفاسي؛ وكان نزل سجلماسة. ومن تلميذه كان عبد الله بن ياسين صاحب الدولة اللمتونية على ما مر.
وأما كزولة فبطونهم كثيرة ومعظمهم بالسوس ويجاورون لمطة ويحاربونهم. ومنهم الآن ظواعن بأرض السوس، وكان لهم مع المعقل حروب قبل أن يدخلوا السوس، فلما دخلوه تغلب عليهم، وهم الآن من خولهم وأخلافهم ورعاياهم.
وأما هسكورة وهم لهذا العهد في عداد المصامدة وينسبون إلى دعوة الموحدين وهم أمم كثيرة وبطون واسعة ومواطنهم بجبالهم متصلة من درن إلى تادلا من جانب الشرق إلى درعة من جانب القبلة، وكان دخول بعضهم في دعوة المهدي قبل فتح مراكش ولم يستكملوا الدخول في الدعوة إلا من بعده، لذلك لا يعدهم كثير من الناس في الموحدين، وإن عدوا فليسوا من أهل السابقة منهم لمخالفتهم الإمام أول الأمر. وما كان من حروبهم معه ومع أوليائه وشيعته، وكانوا ينادون بخلافهم وعداوتهم ويجهرون بلعنهم. فتقول خطباؤهم في مجامع صلواتهم: لعن الله هنتاتة وتينملل وهرنة وهرزجة، فلما استقاموا من بعد ذلك لم يكن لهم مزية السابقة كما كانت لهنتاتة وتينملل وهرغة وهزرجة، فاستقامتهم على الدعوة كان بعد فتح مراكش.
وبطون هسكورة هؤلاء متعددون، فمنهم مصطاوة وغجرامة وفطواكة وزمراوة وانتيفت وبنو نفال وبنو رسكونت إلى آخرين لم يحضرني أسماؤهم. وكانت الرئاسة عليهم آخر دولة الموحدين لعمر بن وقاريط المنتسب. وذكره في أخبار المأمون والرشيد من بني عبد المؤمن خلفاء الموحدين بمراكش. ثم كان من بعده مسعود بن كلداسن، وهو القائم بأمر دبوس والمظاهر له على شأنه وأظنه جد بني مسعود بن كلداسن الرؤساء عليهم لهذا العهد من فطواكة المعروفين ببني خطاب لاتصال الرئاسة في هذا البيت. ولما انقرض أمر الموحدين استعصوا على بني مرين مدة، واختلفت حالهم معهم في الاستقامة والنفرة، وكانوا ملجأ للنازعين عن الطاعة من عرب جشم، ومأوى للثائرين منهم.
ثم استقاموا وأذعنوا لأداء الضرائب والمغارم وجبايتها من قومهم والخفوف إلى العسكرة مع السلطان متى دعوا إليها شأن غيرهم من سائر المصامدة.
وأما انتيفت فكانت رئاستهم في أولاد هنو، وكان يوسف بن كنون منهم، اتخذ لنفسه حصن تاقيوت، وامتنع به، ولم يزل ولده علي ومخلوف يشيدانه من بعده، وهلك يوسف وقام بأمره ابنه مخلوف، وجاهر بالنفاق سنة اثنتين وسبعمائة. ثم راجع الطاعة، وهو الذي تقبض على يوسف بن أبي عياد المتعلي على مراكش أيام أبي ثابت سنة سبع وسبعمائة كما نذكر في أخباره، لما أحيط به فتقبض عليه مخلوف وأمكن منه. وكانت وسيلته من الطاعة، وكان من بعده ابنه هلال بن مخلوف، والرئاسة فيهم متصلة لهذا العهد.
وأما بنو نفال فكانت رئاستهم لأولاد تروميت، وكان منهم لعهد السلطان أبي سعيد وابنه أبي الحسن كبيرهم علي بن محمد، وكان له في الخلاف والامتناع ذكر. واستنزله السلطان أبو الحسن من محله لأول ولايته بعد حصاره بمكانه، وأصاره في جملته تحت عنايته وأمرائه إلى أن هلك بتونس بعد واقعة القيروان في الطاعون الجارف. وولي بنوه من بعده أمر قومهم إلى أن انقرضوا، والرئاسة لهذا العهد في أهل بيتهم ولأهل عمومتهم.
وأما فطواكة: وهم أوسع بطونهم وأعظمهم رئاسة فيهم، وأقربهم اختصاصاً بصاحب الملك واستعمالا في خدمته. وكان بنو خطاب منذ انقراض أمر الموحدين قد جنحوا إلى بني عبد الحق، وأعطوهم المقادة واختصوا شيوخهم في بني خطاب بالولاية عليهم. وكان شيخهم لعهد السلطان يوسف بن يعقوب محمد بن مسعود وابنه عمر من بعده. وهلك عمر سنة أربع وسبعمائة بمكانه من محله، وولي بعده عمه موسى بن مسعود، وسخطه السلطان لتوقع خلافه فاعتقله. وكان خلاصه من الاعتقال سنة ست وسبعمائة، وقام بأمر هسكورة من بعده محمد بن عمر بن محمد بن مسعود.
ولما استفحل ملك بني مرين وذهب أثر الملك من المصامدة وبعد عهدهم، صار بنو مرين إلى استعمال رؤسائهم في جباية مغارمهم لكونهم من جلدتهم. ولم يكن فيهم أكبر رئاسة من أولاد تونس في هنتاتة. وبني خطاب هؤلاء في هسكورة فداولوا بينهم ولاية الأعمال المراكشية، وليها محمد بن عمر هذا من بعد موسى بن علي وأخيه محمد شيوخ هنتاتة، فلم يزل والياً منها إلى أن هلك قبيل نكبة السلطان أبي الحسن بالقيروان. ولحق ابنه إبراهيم بتلمسان ذاهباً إلى السلطان أبي الحسن. فلما دعا أبو عنان إلى نفسه رجع عنه إلى محله، وتمسك بما كان عليه من طاعة أبيه، ورعاه أبو عنان لعمه عبد الحق، وقلده الأعمال المراكشية فلم يغن في منازعه إلى أن لحق السلطان أبو الحسن بمراكش، فكان من أعظم دعاته، وأبلى في مظاهرته. فلما هلك السلطان أبو الحسن اعتقله أبو عنان وأودعه السجن، ثم قتله بين يدي نهوضه إلى تلمسان سنة ثلاث وخمسين، وقام بأمره من بعده أخوه منصور بن محمد إلى أن ملك الأمير عبد الرحمن بن أبي يغلوسن مراكش سنة ست وسبعين، فاستقدمه وتقبض عليه، واعتقله بدار ابن عمه بجو بن العلام بن مسرى بن مسعود بن خطاب كان في جملته، وكان هو وأبوه نازعاً إلى بني مرين خوفاً على أنفسهم من أولاد محمد بن عمر لترشحهم للأمر، فلما استمكن منه بداره معتقلا وثب عليه فقتله واستلحم بنيه معه وسخطه السلطان لها فاعتقله قليلا. ثم أطلقه واستقل برياسة هسكورة لهذا العهد والله قادر على ما يشاء.
الطبقة الثالثة من صنهاجة وهذه الطبقة ليس فيها ملك وهم لهذا العهد أوفر قبائل المغرب، فمنهم الموطنون بالجانب الشرقي من جبال درن ما بين تازي وتادلا ومعدن بني فازان حيث الثنية المفضية إلى آكرسلوين من بلاد النخل. وتفصل تلك الثنية بين بلادهم وبلاد المصامدة في المغرب من جبال درن. ثم اعتمروا قنن تلك الجبال وشواهقها وتنعطف مواطنهم من تلك الثنية إلى ناحية القبلة إلى أن تنتهي إلى آكرسلوين. ثم ترجع مغرباً من آكرسلوين إلى درعة إلى ضواحي السوس الأقصى، وأمصاره من تارودانت وأيفري إلى فونان وغيرها. ويعرف هؤلاء كلهم باسم صناكة حذفت الهاء من اسم صنهاجة، وأشموا صاده زاياً وأبدلوا الجيم بالكاف المتوسطة المخرج عند العرب لهذا العهد بين الكاف والقاف أو بين الكاف والجيم. وهي معربة النطق.
ولصنهاجة هؤلاء بين قبائل الغرب وفور عدد وشدة بأس ومنعة، وأعزهم جانباً أهل الجبال المطلة على تادلا، ورياستهم لهذا العهد في ولد عمران الصناكي ولهم اعتزاز على الدولة ومنعة عن الهضيمة والانقياد للمغرم. وتتصل بهم قبائل خباتة منهم ظواعن يسكنون بيوت الخص وينتجعون مواقع القطر في نواحي بلادهم يتغانيمين من قبيلة مكناسة إلى وادي أم ربيع من تامستا في الجانب الشمالي من جانبي جبل درن، ورياستهم في ولد هيبري من مشاهيرهم، ولهم اعتياد بالمغرم وروم على الذل.
وتتصل بهم قبائل دكالة في وسط المغرب من عدوة أم ربيع إلى مراكش، ويتصل بهم من جهة المغرب على ساحل البحر المحيط قبيلة بناحية آزمور، وأخرى وافرة العدد مندرجة في عداد المصامدة وطناً ونحلة وجباية وعمالة. ورياستهم لهذا العهد في دولة عزيز بن يبورك، ورئيسهم لأول دولة زناتة ويأتي ذكره ويعرف عقبه الآن ببني بطال، ومن قبائل صنهاصة بطون أخرى بجبال تازى وما والاها مثل بطوية وبخاصة وبني وارتين إلى جبل لكائي من جبال المغرب معروف ببني الكائي إحدى قبائلهم، يعطون المغرم عن عزة. وبطوية منهم ثلاثة بطون: بقوية على تازى، وبني ورياغل على ولد المزمة، وأولاد علي بتافرسيت. وكان لأولاد علي ذمة مع بني عبد الحق ملوك بني مرين، وكانت أم يعقوب بن عبد الحق منهم فاستوزرهم. وكان منهم طلحة بن علي وأخوه عمر على ما يأتي ذكره في دولتهم.
ويتصل ببسيط بالمغرب ما بين جبال درن وجبال الريف من ساحل البحر الرومي حيث مساكن حماد الآتي ذكرهم قبائل أخرى من صنهاجة موطنون في هضاب وأودية وبسائط يسكنون بيوت الحجارة والطين مثل قشتالة وسطه وبنو ورياكل وبنو حميد وبنو مزكلدة وبنو عمران وبنو دركون وبنو رتزر وملوانة وبنو وامرد. وموطن هؤلاء كلهم بورغة، وأمر كو يحترفون بالحياكة والحراثة، ويعرفون لذلك صنهاجة البز، وهم في عداد القبائل المغارمة، ولغتهم في الأكثر عربية لهذا العهد وهم مجاورون بجبال غمارة.
ويتصل بجبال غمارة من ناحيتهم جبل سريف موطن بني زروال. من صنهاجة وبني مغالة لا يحترفون بمعاش ويسمون صنهاجة العز لما اقتضته منعة جبالهم. ويقولون لصنهاجة آزمور الذين قدمنا ذكرهم صنهاجة الذل، لما هم عليه من الذل والمغرم والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وقد يقال في بعض مزاعم البربر أن بني وديد من صنهاجة وبنو يزناسن وباطويه هم أخوال وأصل يزناسن أجناسن ومعناه بلغة العرب الجالس على الأرض.
</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:32 pm


<H6 align=center>المصامدة



الخبر عن المصامدة من قبائل البربر وما كان لهم من الدولة والسلطان بالمغرب ومبدأ ذلك وتصاريفه

وأما المصامدة وهم من ولد مصمود بن يونس بن بربر فهم أكثر قبائل البربر وأوفرهم، من بطونهم برغواطة وغمارة وأهل جبل درن. ولم تزل مواطنهم بالمغرب الأقصى منذ الأحقاب المتطاولة. وكان المتقدم فيهم قبيل الإسلام وصدره برغواطة. ثم صار التقدم بعد ذلك لمصامدة جبال درن إلى هذا العهد. وكان لبرغواطة في عصرهم دولة ولأهل درن منهم دولة أخرى أو دول حسبما نذكر، فلنذكر هذه الشعوب وما كان فيها من الدول بحسب ما تأدى إلينا من ذلك.

برغواطة


الخبر عن برغواطة من بطون المصامدة ودولتهم ومبدأ أمرهم وتصاريف أحوالهم

وهم الجيل الأول منهم، كان لهم في صدر الإسلام التقدم والكثرة وكانوا شعوباً كثيرة مفترقين، وكانت مواطنهم خصوصاً من بين المصامدة في بسائط تامستا وريف البحر المحيط من سلا وأزمور وأنفى وأسفى. وكان كبيرهم لأول المائة الثانية من الهجرة طريف أبو صالح، وكان من قواد ميسرة الخفير طريف المطغري القائم بدعوة الصفرية ومعهما معزوز بن طالوت. ثم انقرض أمر ميسرة والصفرية وبقي طريف قائماً بأمرهم بتامستا ويقال أيضاً أنه تنبأ وشرع لهم الشرائع. ثم هلك وولي مكانه ابنه صالح وقد كان حضر مع أبيه حروب ميسرة وكان من أهل العلم والخير فيهم.

ثم انسلخ من آيات الله وانتحل دعوى النبوة وشرع لهم الديانة التي كانوا عليها من بعده وهي معروفه في كتب المؤرخين. وادعى أنه نزل عليه قرآن كان يتلو عليهم سوراً منه، يسمي منها سورة الديك وسورة الجمل وسورة الفيل وسورة آدم وسورة نوح وكثير من الأنبياء، وسورة هاروت وماروت وإبليس، وسورة غرائب الدنيا وفيها العلم العظيم بزعمهم، حرم فيها وحلل وشرع وقص وكانوا يقرأونه في صلواتهم، وكانوا يسمونه صالح المؤمنين كما حكاه البكري عن زمور بن صالح بن هاشم بن وراد الوافد منهم على الحكم المستنصر الخليفة بقرطبة من قبل ملكهم أبي عيسى بن أبي الأنصاري سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
وكان يترجم عنه بجميع خبره داود بن عمر المسطاسي. قال: وكان ظهور صالح هذا في خلافة هشام بن عبد الملك سنة سبع وعشرين من المائة الثانية من الهجرة. وقد قيل إن ظهوره كان لأول الهجرة، وأنه إنما انتحل ذلك عناداً أو محاكاة لما بلغه شأن النبي صلى الله عليه وسلم والأول أصح. ثم زعم أنه المهدي الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان، وأن عيسى يكون صاحبه ويصلي خلفه، وأن اسمه في العرب صالح وفي السريان مالك وفي الأعجمي عالم وفي العبراني روبيا وفي البربري وربا ومعناه الذي ليس بعده نبي، وخرج إلى المشرق بعد أن ملك أمرهم سبعاً وأربعين سنة، ووعدهم أنه يرجع إليهم في دولة السابع منهم، وأوصى بدينه إلى ابنه إلياس، وعهد إليه بموالاة صاحب الأندلس من بني أمية، وبإظهار دينه إذا قوي أمرهم.
وقام بأمره بعده ابنه إلياس، ولم يزل مظهراً للإسلام مسراً لما أوصاه به أبوه من كلمة كفرهم. وكان طاهراً عفيفاً زاهداً. وهلك لخمسين سنة من ملكه، وولي أمرهم من بعده ابنه يونس فأظهر دينهم ودعا إلى كفرهم، وقتل من لم يدخل في أمره حتى حرق مدائن تامستا وما والاها يقال إنه حرق ثلاثمائة وثمانين مدينة، واستلحم أهلها بالسيف لمخالفتهم إياه، وقتل منهم بموضع يقال له تاملوكاف، وهو حجر عال نابت وسط الطريق فقتل سبعة آلاف وسبعمائة وسبعين.
قال زمور: ورحل يونس إلى المشرق وحج، ولم يحج أحد من أهل بيته قبله ولا بعده، وهلك لأربع وأربعين سنة من ملكه، وانتقل الأمر عن بنيه، وولي أمرهم أبو غفير محمد بن معاد بن إليسع بن صالح بن طريف، فاستولى على ملك برغواطة وأخذ بدين آبائه واشتدت شوكته وعظم أمره، وكانت له في البربر وقائع مشهورة وأيام مذكورة
واتخذ أبو غفير من الزوجات أربعاً وأربعين، وكان له من الولد مثلها وأكثر. وهلك أخريات المائة الثالثة لتسع وعشرين سنة من ملكه، وولي بعده ابنه أبو الأنصار عبد الله فاقتفى سننه وكان كثير الدعة مهاباً عند ملوك عصره يهاودونه ويدافعونه بالمواصلة، وكان يلبس الملحفة والسراويل ولا يلبس المخيط ولا يعتم، ولا يعتم أحد في بلده إلا الغرباء. وكان حافظاً للجار وفياً بالعهد وهلك سنة إحدى وأربعين من المائة الرابعة لأربع وأربعين سنة من ملكه، ودفن بأمسلاخت وبها قبره. وولي بعده ابنه أبو منصور عيسى ابن اثنين وعشرين سنة فسار بسيرة آبائه وادعى النبوة والكهانة، واشتد أمره وعلا سلطانه ودانت له قبائل المغرب.
قال زمور: وكان فيما أوصاه به أبوه: يا بني! أنت سابع الأمراء من أهل بيتك، وأرجو أن يأتيك صالح بن طريف. قال زمور: وكان عسكره يناهز الثلاثة آلاف من برغواطة وعشرة آلاف من سواهم مثل جراوة وزواغة والبرانس ومجكصة ومطغرة ودمر ومطماطة وبنو وارزكيت. وكان أيضاً بنو يفرن وإصادة وركانة وايزمن ورصافة ورنمصزارة على دينهم، ولم يتخذ ملوكهم الآلة منذ كانوا، انتهى كلام زمور. وكان لملوك العدوتين في غزو برغواطة هؤلاء وجهادهم أثناء هذا وبعده آثار عظيمة من الأدارسة والأموية والشيعة. ولما أجاز جعفر بن علي من الأندلس إلى المغرب وقلده المنصور بن أبي عامر عمله سنة ست وستين وثلاثمائة فنزل البصرة، ثم اختلف ذات بينه وبين أخيه يحيى واستمال عليه أخوه الجند وأمراء زناتة، فتجافى له جعفر عن العمل وصرف وجهه إلى جهاد برغواطة يعتده من صالح عمله، وزحف إليهم في أهل المغرب وكافة الجند الأندلسيين فلقوه وسط بلادهم، وكانت عليه الدبرة، ونجا بنفسه في فل من جنده، ولحق بأخيه بالبصرة. ثم أجاز بعدها إلى المنصور باستدعائه وترك أخاه يحيى على عمل المغرب. ثم حاربتهم أيضاً صنهاجة لما غزا بلكين بن زيري المغرب سنة ثمان وستين بعدها وأجفلت زناتة أمامه وارزوا إلى حائط سبتة، وامتنعوا منه بأوعارها، وانصرف عنهم إلى جهاد برغواطة، وزحف إليهم فلقيه أبو منصور عيسى بن أبي الأنصار في قومه، وكانت عليهم الهزيمة.
وقتل أبو منصور وأثخن فيهم بلكين بالقتل، وبعث سبيهم إلى القيروان، وأقام بالمغرب يردد الغزو فيهم إلى سنة اثنتين وسبعين وانصرف من المغرب فهلك في طريقه إلى القيروان. ولم أفق على من هلك أمرهم بعد أبي منصور. ثم حاربتهم أيضاً جنود المنصور بن أبي عامر لما عقد عبد الملك بن المنصور لمولاه واضح على المغرب عند قفوله من غزاة زيري بن عطية سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، فافتتح واضح إمره بغزو برغواطة هؤلاء فيمن قبله من الأجناد وأمراء النواحي وأهل الولاية، فعظم الأثر فيهم بالقتل والسبي، ثم حاربتهم أيضاً بنو يفرن لما استقل بنو يعلى ابن محمد اليفرني من بعد ذلك بناحية سلا من بلاد المغرب، واقتطعوه من عمل أبناء زيري بن عطية المغراوي بعد ما كان بينهما من الحروب.
وانساق أمر أولاد يعلى هؤلاء إلى تميم بن زيري بن يعلى في أول المائة الخامسة، وكان موطناً بمدينة سلا مجاوراً لبرغواطة، فكان له أثر كثير في جهادهم، وذلك في سنة عشرين وأربعمائة فغلبهم على تامستا وولى عليها من قبله بعد أن أثخن فيهم سبياً وقتلاً. ثم تراجعوا من بعده إلى أن جاءت دولة لمتونة وخرجوا من مواطنهم بالصحراء إلى بلاد المغرب، واقتحموا الكثير من معاقل السوس الأقصى وجبال المصامدة. ثم بدا لهم جهاد برغواطة بتامستا وما إليها من الريف الغربي فزحف إليهم أبو بكر بن عمر أمير لمتونة في المرابطين من قومه، وكانت له فيهم وقائع استشهد في بعضها صاحب الدعوة عبد الله بن ياسين الكزولي سنة خمسين وأربعمائة، واستمر أبو بكر وقومه من بعده على جهادهم حتى استأصلوا شأفتهم، ومحوا من الأرض آثارهم. وكان صاحب أمرهم لعهد انقراض دولتهم أبو حفص عبد الله من أعقاب أبي منصور عيسى بن أبي الأنصار عبد الله بن أبي غفير محمد بن معاد بن إليسع بن صالح بن طريف، فهلك في حروبهم. وعليه كان انقراض أمرهم وقطع دابرهم على يد هؤلاء المرابطين، والحمد لله رب العالمين.
وقد يغلط بعض الناس في نسب برغواطة هؤلاء فيعدهم في قبائل زناتة، وآخرون يقولون في صالح أنه يهودي من ولد شمعون بن يعقوب نشأ ببرباط ورحل إلى المشرق، وقرأ على عبد الله المعتزلي واشتغل بالسحر، وجمع فنوناً، وقدم المغرب ونزل تامستا فوجد فيها قبائل جهالا من البربر، فأظهر لهم الزهد وسحرهم بلسانه وموه عليهم فقصدوه واتبعوه، فادعى النبوة وقيل له برباطي نسبة إلى الموطن الذي نشأ به، وهو برباط، واد بفحص شريش من بلاد الأندلس، فعربت العرب هذا الاسم وقالوا برغواط. ذكر ذلك كله صاحب كتاب نظم الجوهر وغيره من النسابين للبربر، وهو من الأغاليط البينة. وليس القوم من زناتة، وبشهد لذلك كله موطنهم وجوارهم لإخوانهم المصامدة. وأما صالح بن طريف فمعروف منهم وليس هن غيرهم، ولا يتم الملك والتغلب على النواحي والقبائل لمنقطع جذمة دخيل في نسبه. سنة الله في عباده، وإنما نسب الرجل في برغواطة وهم شعب من شعوب المصامدة معروف كما ذكرناه والله ولي التوفيق.

غمارة


الخبر عن غمارة من بطون المصامدة وما كان فيهم من الدول وتصاريف أحوالهم

هذا القبيل من بطون المصامدة من ولد غمار بن مصمود، وقيل غمار بن مسطاف بن مليل بن مصمود، وقيل غمار بن أصاد بن مصمود. ويقول بعض العامة أنهم عرب غمروا في تلك الجبال فسموا غمارة، وهو مذهب عامي، وهم شعوب وقبائل أكثر من أن تنحصر. والبطون المشهورة منهم بنو حميد ومتيوة وبنو نال واغصاوة، وبنو وزروال ومجكسة، وهم آخر مواطنهم يعتمرون جبال الريف بساحل البحر الرومي من عن يمين بسائط المغرب، من لدن غساسة، فنكور فبادس فتيكيساس فتيطاوين فسبتة فالقصر إلى طنجة خمس مراحل أو أزيد، أوطنوا منها جبالا شاهقة اتصل بعضها ببعض سياجاً بعد سياج خمس مراحل أخرى في العرض إلى أن ينحط إلى بسائط قصر كتامة ووادي ورغة من بسائط المغرب ترتد عنها الأبصار، وتزل في حافاتها الطيور لا بل الهوام، وتنفسح في رؤوسها وبين قننها الفجاج، سبل السفر ومراتع السائمة وفدن الزراعة وأدواح الرياض.
ويتبين لك أنهم من المصامدة بقاء هذا النسب المحيط سمة فيهم لبعض شعوبهم يعرفون بمصمودة ساكنين ما بين سبتة وطنجة، وإليهم ينسب قصر المجاز الذي يعبر منه الخليج البحري إلى بلد طريف ويعضده أيضاً اتصال مواطنهم بموطن برغواطة من شعوب المصامدة بريف البحر الغربي وهو المحيط، إذ كان بنو حسان منهم موطنين بذلك الساحل من لدن أزغار وأصيلا إلى أنفى، ومن هنالك تتصل بهم مواطن برغواطة ودكالة إلى قبائل درن من المصامدة فما وراءها من بلاد القبلة. فالمصامدة هم أهل الجبال بالمغرب الأقصى إلا قليلا منها وغيرهم في البسائط. ولم تزل غمارة هؤلاء بمواطنهم هذه من لدن الفتح، ولم يعلم ما قبل ذلك.
وللمسلمين فيهم أزمان الفتح وقائع الملاحم وأعظمها لموسى بن نصير، وهو الذي حملهم على الإسلام واسترهن أبناءهم وأنزل منهم عسكراً مع طارق بطنجة. وكان أميرهم لذلك العهد يليان وهو الذي وفد عليه موسى بن نصير ورغبه في غزو الأندلس، وكان منزله سبتة كما نذكره، وذلك قبل استحداث نكور. وكانت في غمارة هؤلاء بعد الإسلام دول قاموا بها لغيرهم وكان فيهم متنبئون، ولم تزل الخوارج تقصد جبالهم للمنعة فيها والاعتصام كما نذكرهم.
</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:36 pm


<H6 align=center>سبتة ودولة بني عصام



الخبر عن سبتة ودولة بني عصام بها

كانت سبتة هذه من الأمصار القديمة قبل الإسلام، كانت يومئذ منزل يليان ملك غمارة، ولما زحف إليه موسى بن نصير صانعه بالهدايا وأذعن للجزية، فأمره عليها واسترهن ابنه وأبناء قومه، وأنزل طارق بن زياد بطنجة وضرب عليهم العسكر للنزول معه. ثم كانت إجازة طارق إلى الأندلس فضرب عليهم البعوث، وكان الفتح الذي لا كفاء له كما مر في موضعه. ولما هلك يليان استولى العرب على مدينة سبتة صلحاً من أيدي قومه فعمروها. ثم كانت فتنة ميسرة الحقير وما دعى إليه من ضلالة الخارجية، وأخذ بها الكثير من البرابرة من غمارة وغيرهم فزحف برابرة طنجة إلى سبتة وأخرجوا العرب منها وسبوها وخربوها فبقيت خلاء.
ثم نزل بها ماجكس من رجالاتهم ووجوه قبائلهم، وبه سميت مجكسة فبناها ورجع إليها الناس وأسلم. وسمع من أهل العلم إلى أن مات فقام بأمره ابنه عصام ووليها دهراً. ولما هلك قام بأمره ابنه مجير فلم يزل والياً عليها إلى أن هلك، ووليها أخوه الرضي ويقال أنه ابنه، وكانوا يعطون لبني إدريس طاعة مضعفة كما نذكره. ولما سما للناصر أمل في ملك المغرب، وتناول حبله من أيدي بني إدريس المالكين ببلاد وغمارة حين أجهضتهم مكناسة وزناتة عن ملكهم بفاس، وقاموا بدعوة الناصر وبثوها في أعمالهم نزلوا حينئذ للناصر عن سبتة، وأشاروا له إلى تناولها من بني عصام فسرح عساكره وأساطيله مع قائده نجاح بن غفير، فكان فتحها سنة تسع عشرة وثلاثمائة ونزل له الرضي بن عصام عنها، وأتاه طاعته وانفرض أمر بني عصام. وصارت سبتة إلى الناصر حتى استولى عليها بعد حين بنو حماد، واستحدثوا بها دولة أخرى كما نذكره.

بني صالح بن منصور


الخبر عن بني صالح بن منصور ملوك نكور ودولتهم في غمالة وتصاريف أحوالهم

استولى المسلمون أيام الفتح على بلاد المغرب وعمالاته واقتسموه، وأمدهم الخلفاء بالبعوث إلى جهاد البربر، وكان فيهم من كل القبائل من العرب. وكان صالح بن منصور الحميري من عرب اليمن في البعث الأول. وكان يعرف بالعبد الصالح فاستخلص نكور لنفسه، وأقطعه إياها الوليد بن عبد الملك في أعوام إحدى وتسعين للهجرة، قاله صاحب المقياس، حد بلد نكور ينتهي من المشرق إلى زواغة وجرواة بن أبي العيص مسافة خمسة أيام، وتجاوره من هنالك مطماطة، وأهل كبدانة ومرنيسة وغساسة أهل جبل هرك، وقلوع جارة التي لبني ورتندي، وينتهي من الغرب إلى بني مروان من غمارة، وبني حميد، وإلى مسطاسة وصنهاجة ومن ورائهم أوربة، حزب فرحون وبني وليد وزناتة وبني يرنيان وبني واسن حزب قاسم صاحب صا والبحر جوفي نكور على خمسة أميال، فأقام صالح هنالك لما اقتطع أرضها وكثر نسله، واجتمع قبائل غمارة وصنهاجة مفتاح، وأسلموا على يده وقاموا بأمره، وملك تمسامان، وانتشر الإسلام فيهم، ثم ثقلت عليهم الشرائع والتكاليف، وارتدوا وأخرجوا صالحاً، وولوا عليهم رجلاً من نفزة يعرف بالرندي.
ثم تابوا وراجعوا الإسلام ورجعوا صالحاً فأقام فيهم إلى أن هلك بتمسامان سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وولي أمرهم من بعده ابنه المعتصم بن صالح، وكان شهماً شريف النفس كثير العبادة. وكان يلي الصلاة والخطبة لهم بنفسه. ثم هلك لأيام يسيرة، وولي من بعده أخوه إدريس فاختط مدينة نكور في عدوة الوادي ولم يكملها. وهلك سنة ثلاث وأربعين وولي من بعده ابنه سعيد، واستفحل أمره. وكان ينزل مدينة تمسامان. ثم اختط مدينة نكور لأول ولايته ونزلها، وهي التي تسمى لهذا العهد المزمة بين نهرين أحدهما نكور ومخرجه من بلاد كزناية ومخرجه ومخرج وادي ورغة واحد، والثاني عيس ومخرجه من بلاد بني ورياغل، يجتمع النهران في أكدال. ثم يفترقان إلى البحر وتقابل نكور من عدوة الأندلس بزليانة.
وغزا المجوس نكور هذه في أساطيلهم سنة أربع وأربعين فتغلبوا عليها واستباحوها ثمانياً. ثم اجتمع إلى سعيد البرانس وأخرجوهم عنها، وانتقضت غمارة بعدها على سعيد فخلعوه وولوا عليهم رجلاً منهم اسمه سكن. وتزاحفوا فأظهره الله عليهم وفرق جماعتهم وقتل مقدمهم واستوسق أمره، إلى أن هلك سنة ثمان وثمانين لسبع وثلاثين من ملكه. وقام بأمره ابنه صالح بن سعيد فتقبل مذاهب سلفه في الاستقامة والإقتداء، وكانت له مع البربر حروب ووقائع إلى أن هلك سنة خمسين ومايتين لاثنين وستين سنة من ملكه.
وقام من بعده ابنه سعيد بن صالح، وكان أصغر ولده، فخرج عليه أخوه عبيد الله وعمه الرضي، وظفر بهما بعد حروب كثيرة فغرب أخاه إلى المشرق ومات بمكة، وأبقى على عمه الرضي لذمة صهر بينهما. وقتل سائر من ظفر به من عمومته وقرابته وامتعض لهم سعادة الله بن هارون منهم، ولحق ببني يصلتن أهل جبل أبي الحسين، ودلهم على عورته، وبيتوا معسكره واستولوا عليه، وأخذوا آلته وقتلوا آلافاً من مواليه، وحاصروا بنكور. ثم كانت له الكرة عليهم وقتل منهم خلقاً ونجا سعادة الله إلى تمسامان، وتقبض على أخيه ميمون فضرب عنقه. ثم صار سعادة الله إلى طلب الصلح فأسعفه وأنزله معه مدينة نكور. ثم غزا سعيد بقومه وأهل إيالته من غمارة بلاد بطوية ومرنيصة وقلوع جارة وبني ورتندي وأصهر بأخته إلى أحمد بن إدريس بن محمد بن سليمان صاحب وأنزله مدينة نكور معه. وتوطد الأمر لسعيد في تلك النواحي إلى أن خاطبه عبيد الله المهدي يدعوه إلى أمره
فكتب عبيد الله إلى مصالة بن حبوس صاحب تاهرت، وأوعز إليه بغزوه فغزاه سنة أربع وثلاثمائة لأربع وخمسين من دولته، فحاربه سعيد وقومه أياماً. ثم غلبهم مصالة وقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى رقادة، فطيف بها وركب بقيتهم البحر إلى مالقة، فتوسع الناصر في إنزالهم وإجارتهم وبالغ في تكريمهم. وأقام مصالة بمدينة نكور ستة أشهر ثم قفل إلى تاهرت وولى عليها دلول من كتامة، فانقبض العسكر من حوله، وبلغ الخبر إلى بني سعيد بن صالح وقومهم بمالقة، وهم: إدريس المعتصم وصالح فركبوا السفن إليها وسبق صالح منهم، فاجتمع إليه البربر بمرسى تمسامان، وبايعوه سنة خمس وثلاثمائة، ولقبوه اليتيم لصغره، وزحفوا إلى دلول فظفروا به وبمن معه وقتلوهم، وكتب صالح بالفتح إلى الناصر، وأقام دعوته بأعماله. وبعث إليه الناصر بالهدايا والتحف والآلة، ووصل إليه أخوته وسائر قومه وأتوا طاعته. ولم يزل على هدى أوليه من اقتداء إلى أن هلك سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
وولي بعده ابنه عبد البديع، ولقب المؤيد، وزحف إليه موسى بن أبي العافية القائم بدعوة العبيديين بالمغرب، فحاصره وتغلب عليه فقتله، واستباح المدينة وخرب بها سنة سبع عشرة. ثم تراجع إليها فلهم، وقام بأمرهم أبو أيوب إسماعيل بن عبد الملك بن عبد الرحمن بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور، وأعاد المدينة التي بناها صالح بن منصور وعمرها وسكنها ثلاثاً. ثم أغزاه ميسور مولى أبي القاسم بن عبيد الله صندلاً مولاه عندما أناخ على فاس، فبعث عسكراً مع صندل هذا فحاصر جراوة، ثم عطف على نكور وتحصن منه إسماعيل بن عبد الملك بقلعة أكدى. وبعث إليه صندل رسله من طريقه فقتلهم فأغذ إليه السير وقاتله ثمانية أيام.
ثم ظفر به فقتله واستباح القلعة وسباها، واستخلف عليها من كتامة رجلاً اسمه مرمازوا، ورحل صندل إلى فاس فتراجع أهل نكور وبايعوا لموسى بن المعتصم بن محمد بن قرة بن المعتصم بن صالح بن منصور. وكان بجبل أبي الحسين عند بني يصلتن وكان يعرف بابن رومي.
وقال صاحب المقياس: هو موسى بن رومي بن عبد السميع بن إدريس بن صالح بن إدريس بن صالح بن منصور، فأخذ مرمازوا ومن معه وضرب أعناقهم، وبعث برؤوسهم إلى الناصر. ثم ثار عليه من أعياص بيته عبد السميع بن جرثم بن إدريس بن صالح بن منصور، فخلعه وأخرجه عن نكور سنة تسع وعشرين، ولحق موسى بالأندلس ومعه أهله وولده وأخوه هارون بن رومي وكثير من عمومته وأهل بيته. فمنهم من نزل معه المرية، ومنهم من نزل مالقة. ثم انتقض أهل نكور على عبد السميع وقتلوه. واستدعوا من مالقة جرثم بن أحمد بن زيادة الله بن سعيد بن إدريس بن صالح بن منصور، فبادر إليهم وبايعوه سنة ست وثلاثين، فاستقامت له الأمور وكان على مذهب سلفه في الاقتداء والعمل بمذهب مالك إلى أن مات آخر سنة ستين لخمس وعشرين سنة من ملكه. واتصلت الولاية في بيته إلى أن غلب عليهم أزداجة المتغلبون على وهران، وزحف أميرهم يعلى بن فتوح الأزداجي سنة ست وأربعمائة، وقيل سنة عشر فغلبهم على نكور وخربها، وانقرض ملكهم بعد ثلاثمائة سنة وأربع عشرة سنة من لدن ولاية صالح وبقيت في بني يعلى بن فتوح وأزداجة إلى أعوام ستين وأربعمائة والله مالك الأمور لا إله إلا هو.

الخبر عن حاميم المتنبي من غمارة

كان غمارة هؤلاء غريقين في الجهالة والبعد عن الشرائع بالبداوة والانتباذ عن مواطن الخير، وتنبأ فيهم من مجكسة حاميم بن من الله بن حرير بن عمر بن رحفو بن أزروال بن مجكسة يكنى أبا محمد، وأبوه أبو خلف. تنبأ سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة بجبل حاميم المشتهر به قريباً من تيطاوين. واجتمع إليه كثير منهم وأقروا بنبوته، وشرع لهم الشرائع والديانات من العبادات والأحكام، وصنع لهم قرآناً كان يتلوه عليهم بلسانهم من كلامه: يا من يخلي البصر، ينظر في الدنيا، خلني من الذنوب. يا من أخرج موسى من البحر، آمنت بحاميم وبأبيه أبي خلف من الله. وآمن رأسي وعقلي وما يكنه صدري، وأحاط به دمي ولحمي وآمنت بتابعيت عمة حاميم أخت أبي خلف من الله، وكانت كاهنة ساحرة، إلى غير هذا، وكان يلقب المفتري، وكانت أخته دبو ساحرة كاهنة، وكانوا يستغيثون بها في الحروب والقحوط، وقتل في حروب مصمودة بأحواز طنجة سنة خمس عشرة وثلاثمائة، وكان لابنه عيسى من بعده قدر جليل في غمارة، ووفد على الناصر. ورهطهم بنو رحفو موطنون بوادي لاو ووادي راس قرب تيطاوين، وكذلك تنبأ منهم بعد ذلك عاصم بن جميل اليزدجومي، وله أخبار مأثورة، وما زالوا ينتحلون السحر لهذا العهد. وأخبرني المشيخة من أهل المغرب أن أكثر منتحلي السحر منهم النساء العواتق.
قال ولهن قوة على استجلاب روحانية ما يشاؤونه من الكواكب، فإذا استولوا عليه وتكيفوا بتلك الروحانية تصرفوا منها في الأكوان بما شاءوا والله أعلم.
</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 1:39 pm


<H6 align=center>دولة الأدارسة



الخبر عن دولة الأدارسة في غمارة وتصاريف أحوالهم

كان عمر بن إدريس عندما قسم محمد بن إدريس أعمال المغرب بين أخوته برأي جدته كنزة أم إدريس، اختص منها بتيكيساس وترغة وبلاد صنهاجة وغمارة، واختص القاسم بطنجة وسبتة والبصرة وما إلى ذلك من بلاد غمارة. ثم غلب عمر عليها عندما تنكر له أخوه محمد واستضافها إلى عمله كما ذكرنا في أخبارهم. ثم تراجع بنو محمد بن القاسم من بعد ذلك إلى عملهم الأول فملكوه، واختط منهم محمد بن إبراهيم بن محمد بن القاسم قلعة حجر النسر الدانية من سبتة معقلاً لهم وثغراً لعملهم. وبقت الإمارة بفاس وأعمال المغرب في ولد محمد بن إدريس. ثم أدالوا منهم بولد عمر بن إدريس، وكان آخرهم يحيى بن إدريس بن عمر وهو الذي بايع لعبيد الله الشيعي على يد مصالة بن حبوس قائده، وعقد له على فاس. ثم نكبه سنة تسع.
وخرج عليه سنة ثلاث عشرة من بني القاسم الحسن بن محمد بن القاسم بن إدريس، ويلقب بالحجام لطعنه في المحاجم، وكاق مقداماً شجاعاً. وثار أهل فاس بريحان وملكوا الحسن، وزحف إليه موسى ففله ومات. واستولى ابن أبي العافية على فاس وأعمال المغرب وأجلى الأدارسة وأحجرهم بحصنهم حجر النسر، وتحيزوا إلى جبال غمارة وبلاد الريف. وكان لغمارة في التمسك بدعوتهم آثار ومقامات، واستجدوا بتلك الناحية مكاً توزعوه قطعاً كان أعظمها لبني محمد هؤلاء ولبني عمر بتيكيساز ونكور وبلاد الريف. ثم سما الناصر عبد الرحمن إلى ملك العدوة ومدافعة الشيعة، فنزل له بنو محمد عن سبتة سنة تسع عشرة وتناولها من يد الرضي بن عصام رئيس مجكسة، كان يقيم فيها دعوة الأدارسة فأفرجوا له عنها ودانوا بطاعته وأخذها من يده.
ولما أغزا أبو القاسم ميسوراً إلى المغرب لمحاربة ابن أبي العافية حين نقض طاعتهم، ودعى للمروانية وجد بنو محمد السبيل إلى النيل منه بمظاهرة ميسور عليه، ومالأهم على ذلك بنو عمر صاحب نكور.
ولما استقل ابن أبي العافية من نكبته، ورجع من الصحراء سنة خمس وعشرين منصرف ميسور من المغرب نازل بني محمد وبني عمر، وهلك بعد ذلك. وأجاز الناصر وزيره القاسم بن محمد بن طملس سنة ثلاث وثلاثين لحربهم، وكتب إلى ملوك مغراوة محمد بن خزر وابنه الخير بمظاهرة عساكره مع ابن أبي العافية عليهم، فسارع أبو العيش بن إدريس بن عمر المعروف بابن مصالة إلى الطاعة، وأوفد رسله إلى الناصر فعقد له الأمان، وأوفد ابنه محمد بن أبي العيش مؤكداً للطاعة، فاحتفل لقدومه وأكد له العقد، وتقبل سائر الأدارسة من بني محمد مذهبهم.
وسألوا مثل سؤالهم، فعقد لجميع بني محمد أيضاً. وكان وفد منهم محمد بن عيسى بن أحمد بن محمد والحسن بن القاسم بن إبراهيم بن محمد، وكان بنو إدريس يرجعون في رئاستهم إلى بني محمد هؤلاء منذ استبد بها أخوهم الحسن بن محمد الملقب بالحجام في ثورته على ابن أبي العافية، فقدموا على أنفسهم القاسم بن محمد الملقب بكنون بعد فرار موسى بن أبي العافية، وملك بلاد المغرب ما عدا فاس مقيماً لدعوة الشيعة إلى أن هلك بقلعة حجر النسر سنة سبع وثلاثين وقام بأمرهم من بعده أبو العيش أحمد بن القاسم كنون، وكان فقيهاً عالماً بالأيام والأخبار شجاعاً كريماً ويعرف بأحمد الفاضل، وكان منه ميل للمروانية فدعا للناصر، وخطب له على منابر عمله، ونقض طاعة الشيعة؛ وبايعه أهل المغرب كافة إلى سجلماسة.
ولما بايعه أهل فاس استعمل عليهم محمد بن الحسن. ووفد محمد بن أبي العيش بن إدريس بن عمر بن مصالة على الناصر عن أبيه سنة ثمان وثلاثين، فاتصلت به وفاة أبيه وهو بالحضرة فعقد له الناصر على عمله وسرحه، وهجم عيسى ابن عمه أبي العيش أحمد بن القاسم كنون على عمله بتيكيساس في غيبة محمد، فملكها واحتوى على مال ابن مصالة. ولما أقبل محمد من الحضرة زحف برابرة غمارة إلى عيسى المذكور ابن كنون ففظعوا به وأثخنوه جراحة، وقتلوا أصحابه ببلد غمارة. وأجاز الناصر قواده إلى المغرب. وكان أول من أجاز إلى بني محمد هؤلاء سنة ثمان وثلاثين أحمد بن يعلى من طبقة القواد إليهم في العساكر ودعاهم إلى هدم تيطاوين فامتنعوا، انقادوا وتنصلوا وأجابوا إلى هدمها.
ورجع عنهم فانتقضوا فسرح إليهم حميد بن يصل المكناسي في العساكر سنة تسع وثلاثين، وزحفوا إليه بوادي لاو فأوقع بهم فأذعنوا من بعدها. وتغلب الناصر على طنجة من يد أبي العيش أمير بني محمد وبقي يصل على بيعة الناصر. ثم تخطت عساكر الناصر إلى بسائط المغرب فأذعن له أهله، وأخذ بدعوته فيه أمراء زناتة من مغراوة وبني يفرن ومكناسة كما ذكرناه، فضعف أمر بني محمد واستأذنه أميرهم أبو العيش في الجهاد فأذن له وأمر ببناء القصور له في كل مرحلة من الجزيرة إلى الثغر، فكانت ثلاثين مرحلة، فأجاز أبو العيش واستخلف على عمله أخاه الحسن بن كنون. وتلقاه الناصر بالمبرة وأجرى له ألف دينار في كل يوم وهلك شهيداً في مواقف الجهاد سنة ثلاث وأربعين.
ولما أغزا معد قائده جوهراً الكاتب إلى المغرب واستنزل عماله، وتحصن الحسن بن كنون منه بقلعة النسر معقلهم. وبعث إليه بطاعته فلم يعرض له جوهر. ولما قفل من المغرب راجع الحسن طاعة الناصر إلى أن هلك سنة خمسين، فاستجد الحكم عزمه في سد ثغور المغرب وإحكام دعوتهم فيه. وشحذ لها عزائم أوليائهم من ملوك زناتة فكان بينهم وبين زيري وبلكين ما ذكرناه. ثم أغزا معد بلكين بن زيري المغرب سنة اثنتين وستين أولى غزواته، فأثخن في زناتة وأوغل في ديار المغرب. وقام الحسن بن كنون بدعوة الشيعة، ونقض طاعة المروانية، فلما انصرف بلكين أجاز الحكم عساكره إلى العدوة مع وزيره محمد بن قاسم بن طملس منه اثنتين وستين لقتال الحسن بن كنون وبني محمد، فكان الظهور والفلاح للحسن على عسكر الحكم.
وقتل قائده محمد بن طملس وخلقاً كثيراً من عسكره وأوليائه. ودخل فلهم إلى سبتة، واستصرخوا الحكم فبعث غالباً مولاه البعيد الصيت المعروف الشهامة، وأمده بكفاء ذلك من الأموال والجنود، وأمره باستنزال الأدارسة وإجازتهم إليه وقال له: سر يا غالب مسير من لا إذن له في الرجوع إلا حياً منصوراً، أو ميتاً معذوراً. واتصل خبره بالحسن بن كنون فأفرج عن مدينة البصرة واحتمل منها أمواله وحرمه وذخيرته إلى حجر النسر معقلهم القريب من سبتة، ونازله غالب بقصر مصمودة فاتصلت الحرب بينهم أياماً.
ثم بث غالب المال في رؤساء البربر من غمارة ومن معه من الجنود ففروا وأسلموه، وانحجز بقلعة حجر النسر، ونازله غالب وأمده الحكم بعرب الدولة ورجال الثغور. وأجازهم مع وزيره صاحب الثغر الأعلى يحيى بن محمد بن هاشم التجيبي فيمن معه من أهل بيته وحشمه سنة ثلاث وستين، فاجتمع مع غالب على القلعة واشتد الحصار على الحسن، وطلب من غالب الأمان فعقد له وتسلم الحصن. من يلده. ثم عطف على من بقي من الأدارسة ببلاد الريف فأزعجهم وصيرهم أسوة ابن عمهم، واستنزل جميع الأدارسة من معاقلهم. وسار إلى فاس فملكها واستعمل عليها محمد بن علي بن قشوش في عدوة القرويين، وعبد الكريم بن ثعلبة الجذامي في عدوة الأندلس. وانصرف غالب إلى قرطبة ومعه الحسن بن كنون وسائر ملوك الأدارسة، وقد مهد المغرب وفرق عماله في جهاته، وقطع دعوة الشيعة، وذلك سنة أربع وستين. وتلقاهم الحكم وأركب الناس للقائهم. وكان يوم دخولهم إلى قرطبة أحفل أيام الدولة.
وعفا عن الحسن بن كنون ووفى له بالعهد، وأجزل له ولرجاله العطاء والخلع والجعالات، وأوسع عليهم الجراية، وأسنى لهم الأرزاق ورتب من حاشيتهم في الديوان سبعمائة من أنجاد المغاربة. وتجنى عليه بعد ثلاث سنين بسؤاله من الحسن قطعة عنبر عظيمة تأدت إليه من بعض سواحل عمله بالمغرب أيام ملكه، فاتخذ منها أريكة يرتفقها ويتوسدها، فسأله حملها إليه على أن يحكمه في رضاه، فأبى عليه مع سعاية بني عمه فيه عند الخليفة، وسوء خلق الحسن ولجاجه، فنكبه واستصفى ما لديه من قطعة العنبر وسواها.
واستقام أمر المغرب للحكم وتظافر أمراؤه على مدافعة بلكين، وعقد الوزير المصحفي لجعفر بن علي على المغرب، واسترجع يحيى بن محمد بن هاشم. وغرب الحسن بن كنون والأدارسة جميعاً إلى المشرق استثقالاً لنفقاتهم. وشرط عليه ألا يعودوا فعبروا البحر من المرية سنة خمس وستين، ونزلوا من جوار العزيز بن معد بالقاهرة خير نزل، وبالغ في الكرامة، ووعد بالنصرة والترة.
ثم بعث الحسن بن كنون إلى المغرب، وكتب له إلى آل زيري بن مناد بالقيروان بالمظاهرة، فلحق بالمغرب ودعا لنفسه. وبعث المنصور بن أبي عامر العساكر لمدافعته فغلبوه وتقبضوا عليه، وأشخصوه إلى الأندلس فقتل في طريقه سنة... كما ذكرناه في أخبارهم. وانقرض ملك الأدارسة من المغرب أجمع إلى أن كان رجوع الأمر لبني حمود منهم ببلاد غمارة وسبتة وطنجة كما نذكره إن شاء الله تعالى.
</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 4:04 pm

دولة بني حمود


الخبر عن دولة بني حمود ومواليهم بسبتة وطنجة وتصاريف أحوالهم وأحوال غمارة من بعدهم

كان الأدارسة لما أجلاهم الحكم المستنصر عن العدوة إلى الشرق، ومحا أثرهم من سائر بلاد المغرب، واستقامت غمارة على طاعة المروانية، وأدعنوا لجند الأندلسيين، ورجع الحسن بن كنون لطلب أمرهم فهلك على يد المنصور بن أبي عامر فانقرض أمرهم، وافترق الأدارسة في القبائل وانتشروا في الأرض، ولاذوا بالاختفاء إلى أن خلعوا شارة ذلك النسب واستحالت صبغتهم منه إلى البداوة. ولحق بالأندلس في جملة البرابرة من ولد عمر بن إدريس رجلان منهم، وهما: علي والقاسم ابنا حمود بن ميمون بن أحمد بن علي بن عبيد الله بن عمر بن إدريس، فطار لهم ذكر في الشجاعة والإقدام ولما كانت الفتنة البربرية بالأندلس بعد انقراض الدولة العامرية، ونصب البرابر سليمان بن الحكم ولقبوه المستعين، واختص به أبناء حمود هذان، وأحسنوا الغناء في ولايته، حتى إذا استولى على ملكه بقرطبة وعقد للمغاربة الولايات، عقد لعلي بن حمود هذا على طنجة وأعمال غمارة فنزلها وراجع عهده معهم فيها.
ثم انتقض ودعا لنفسه وأجاز إلى الأندلس، وولي الخلافة بقرطبة كما ذكرناه فعقد على عمله بطنجة لابنه يحيى. ثم أجاز يحيى إلى الأندلس بعد مهلك أبيه علي منازعاً لعمه القاسم، واستقل أخوه إدريس من بعده بولاية طنجة وسائر أعمال أبيه بالعدوة من مواطن غمارة. ثم أجاز بعد مهلك أخيه يحيى بمالقة فاستدعى رجال دولتهم، وعقد لحسن ابن أخيه يحيى على عملهم بسبتة وطنجة، وأنفذ نجا الخادم معه ليكون تحت نظره واستبداده. ولما هلك إدريس واعتزم ابن بقنة على الاستبداد بمالقة أجاز نجا الخادم بحسن بن يحيى من طنجة فملك مالقة وربت أمره في خلافته ورجع إلى سبتة. وعقد له حسن على عملهم في مواطن غمارة، حتى إذا هلك حسن أجاز نجا إلى الأندلس يروم الاستبداد. واستخلف على العمل من وثق به من موالي الصقالبة، فلم يزل إلى نطرهم واحدا بعد آخر إلى أن استقل بسبتة وطنجة من موالي بني حمود هؤلاء الحاجب سكوت البرغواطي، وكان عبداً للشيخ حداد من مواليهم اشتراه من سبي برغواطة في بعض أيام جهادهم. ثم صار إلى علي بن حمود فأخذت النجابة بضبعه إلى أن استقل بأمرهم واقتعد كرسي عملهم بسبتة وطنجة، وأطاعته قبائل غمارة.
واتصلت أيامه إلى أن كانت دولة المرابطين، وتغلب يوسف بن تاشفين على مغراوة بفاس. ونجا فلهم إلى بلد الدمنة من آخر بسيط المغرب مما يلي بلاد غمارة. ونازلهم يوسف بن تاشفين سنة إحدى وسبعين، ودعا الحاجب سكوت إلى مظاهرته عليهم، فهم بالانحياش ومظاهرته على عدوه. ثم ثناه عن ذلك ابنه الفائل الرأي. فلما فرغ يوسف بن تاشفين من أهل الذمة وأوقع بهم وافتتح حصن علودان من حصون غمارة من ورائه، وانقاد المغرب لحكمه، صرف وجهه إلى سكوت فجهز إليه العساكر وعقد عليها للقائد صالح بن عمران من رجالات لمتونة فتباشرت الرعايا بمقدمهم وانثالوا عليهم. وبلغ الخبر إلى الحاجب سكوت فأقسم أن لا يسمع أحداً من رعيته هدير طبولهم، ولحق هو بمدينة طنجة ثغر عمله. وقد كان عليها من قبله ابنه ضياء الدولة المعز، وبرز للقائهم فالتقى الجمعان بظاهر طنجة، وانكشفت عساكر سكوت، وطحنت رحى المرابطين، وسالت نفسه على ظباهم، ودخلوا طنجة واستولوا عليها. ولحق ضياء الدولة بسبتة.
ولما تكالب الطاغية على بلاد الأندلس، وبعث ابن عباد صريخه إلى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين مستنجزاً وعده في جهاد الطاغية والذب عن المسلمين، وكاتبه أهل الأندلس كافة اهتز إلى الجهاد، وبعث ابنه المعز سنة ست وسبعين في عساكر المرابطين إلى سبتة فرضة المجاز، فنازلها براً، وأحاطت بها أساطيل ابن عباد بحراً، واقتحموها عنوة. وتقبض على ضياء الدولة، واقتيد إلى المعز فطالبه بالمال فأساء إيجابه فقتله لوقته، وعثر على ذخائره وفيها خاتم يحيى بن علي بن حمود. وكتب إلى أبيه بالفتح، وانقرضت دولة آل حمود وامحى أثر سلطانهم من بلاد غمارة، وأقاموا في طاعة لمتونة سائر أيامهم.
ولما نجم المهدي بالمغرب واستفحل أمر الموحدين بعد مهلكه تنقل خليفته عبد المؤمن في بلادهم في غزاته الكبرى لفتح المغرب سنة سبع وثلاثين وما بعدها قبل استيلائه على مراكش كما نذكره في أخبارهم، فوحدوا صفوفهم، واتبعوا أمره، ونازلوا سبتة في عساكره. وامتنعت عليهم، وتولى كبر امتناعها قاضيهم عياض الطائر الذكر رئيسهم لذلك العهد بدينه وأبوته وعلمه ومنصبه. ثم افتتحت بعد فتح مراكش سنة إحدى وأربعين فكانت لغمارة هؤلاء السابقة التي رعيت لهم سائر أيام الدولة.
ولما فشل أمر بني عبد المؤمن، وذهبت ريحهم، وكثر الثوار بالقاصية، ثار فيهم محمد بن محمد الكتامي سنة خمس وعشرين. كان أبوه من قصر كتامة منقبضاً عن الناس، وكان ينتحل السيميا، ولقنه عنه ابنه محمد هذا. وكان يلقب أبا الطواجن فارتحل إلى سبتة ونزل إلى بني سعيد، وادعى صناعة الكيمياء فاتبعه الغوغاء. ثم ادعى النبوة وشرع شرائع وأظهر أنواعاً من الشعوذة، فكثر تابعه. ثم اطلعوا على خبثه ونبذوا إليه عهده. وزحفت عساكر سبتة إليه ففر عنها، وقتله بعض البرابرة غيلة.
ثم غلب بنو مرين على بسائط المغرب وأمصاره سنة أربعين وستمائة، واستولوا على كرسي الأمر بمراكش سنة ثمان وستين، فامتنع قبائل غمارة من طاعتهم واستعصوا عليهم، وأقاموا بمنجاة من الطاعة، وعلى ثبج من الخلاف. وامتنعت سبتة من ورائهم على ملوك بني مرين بسبب امتناعهم. وصار أمرها إلى الشورى، واستبد بها الفقيه أبو القاسم العزفي من مشيختهم. كما نذكر ذلك كله، إلى أن وقع بين قبائل غمارة ورؤسائهم فتن وحروب، ونزعت إحدى الطائفتين إلى طاعة السلطان بالمغرب من بني مرين فأتوها طواعية.
ودخل الآخرون في الطاعة تلوهم طوعاً أو كرهاً. فملك بنو مرين أمرهم، واستعملوا عليهم، وتخطوا إلى سبتة من ورائهم فملكوها من أيدي العزفيين سنة تسع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره بعد عند ذكر دولتهم. وهم الآن على أحسن أحوالهم من الاعتزاز والكثرة يؤتون طاعتهم وجبايتهم عند استقلال الدولة، ويمرضون فيها عند التياثها بفشل أو شغل بخارج، فيجهز البعوث إليهم من الحضرة حتى يستقيموا على الطاعة. ولهم بوعورة جبالهم عز ومنعة وجوار لمن لحق بهم من أعياص الملك، ومستأمني الخوارج إلى هذا العهد. ولبني يكم من بينهم الحظ الوافر من ذلك، لأشراف جبلهم على سائرها وسمو بقاعة إلى مجاري السحب دونها وتوعر مسالكه بهبوب الرياح فيها. وهذا الجبل مطل على سبتة من غربيها ورئيسه منهم وصاحب أمره يوسف بن عمر وبنوه، ولهم فيه عزة وثروة، وقد اتخذوا له المصانع والغروس وفرض لهم السلطان، بديوان سبتة العطاء. وأقطعهم ببسيط طنجة الضياع والفدن استئلافاً بهم وحسماً لزبون، سائر غمارة بإيناس طاعتهم، ولله الخلق والأمر بيده ملك السموات والأرض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 4:06 pm

أهل جبال درن


الخبر عن أهل جبال درن بالمغرب الأقصى من بطون المصامدة وما كان لهم من الظهور والأحوال ومبادئ أمورهم وتصاريفها



هذه الجبال بقاسية المغرب من أعظم جبال المعمور بنا أعرق في الثرى أصلها وذهبت في السماء فروعها، وملأت الجو هياكلها، ومثلت سياجاً على ريف المغرب سطورها تبتدئ من ساحل البحر المحيط عند أسفى وما إليها، وتذهب في الشرق إلى غير نهاية. ويقال إنها تنتهي إلى قبلة برنيق من أرض برقة، وهي في الجانب مما يلي مراكش قد ركب بعضها بعضاً متتالية على نسق من الصحراء إلى التل.
يسير الراكب فيها معترضاً من تامسنا وسواحل مراكش إلى بلاد السوس ودرعة من القبلة ثماني مراحل وأزيد تفجرت فيها الأنهار، وجلل الأرض خمر الشعراء، وتكاثفت بينها ظلال الأدواح. وزكت فيها مواد الزرع والضرع، وانفسحت مسارح الحيوان ومراتع الصيد، وطابت منابت الشجر، ودرت أفاويق الجباية يعمرها من قبائل المصامدة أمم لا يحصيهم إلا خالقهم، قد اتخذوا المعاقل والحصون وشيدوا المباني والقصور واستغنوا بقطرهم منها عن أقطار العالم، فرحل إليهم التجار من الآفاق، واختلفت إليهم أهل النواحي والأمصار، ولم يزالوا منذ أول الإسلام وما قبله معتمرين بتلك الجبال قد أوطنوا منها أقطاراً بل أقاليم تعددت فيها الممالك والعمالات بتعدد شعوبهم وقبائلهم، وافترقت أسماؤها بافتراق أحيائهم.
تنتهي ديارهم من هذه الجبال إلى ثنية المعدن المعروفة ببني فازاز حيث تبتدئ مواطن صناكة، ويحفون بهم كذلك من ناحية القبلة إلى بلاد السوس. وقبائل هؤلاء المصامدة بهذه المواطن كثير فمنهم: هرغة وهنتاتة وتينملل وكدميوة وكنفيسة ووريكة وركراكة ومزميرة ودكالة وحاحة وأصادن وبنو وازكيت وبنو ماكر وإيلانة ويقال هيلانة بالهاء. ويقال أيضاً إن إيلان هو ابن بر، أصهر المصامدة فكانوا خلفاءهم. ومن بطون أصادن مسفاوة وماغوس، ومن مسفاوة دغاغة ويوطانان. ولقال إن غمارة ورهون وأمول بن أصادن والله أعلم.
ويقال إن من بطون حاحة زكن وولخص الظواعن الآن بأرض السوس أحلافاً لذوي حسان المتغلبين عليها من عرب المعقل. ومن بطون كنفيسة أيضاً قبيلة سكسيوة الموطنون بأمنع المعاقل من هذه الجبال يطل جبلهم على بسيط السوس من القبلة وعلى ساحل البحر المحيط من الغرب، ولهم بمنعة معقلهم ذلك اعتزاز على أهل جلدتهم حسبما نذكره بعد. وكان لهؤلاء المصامدة صدر الإسلام بهذه الجبال عدد وقوة وطاعة للدين ومخالفة لإخوانهم برغواطة في نحلة كفرهم. وكان من مشاهيرهم كسير بن وسلاس بن شملال من أصادة، وهو جد يحيى بن يحيى راوي الموطأ عن مالك. ودخل الأندلس وشهد الفتح مع طارق، في آخرين من مشاهيرهم استقروا بالأندلس، وكان لأعقابهم بها ذكر في دولة الأموية. وكذلك كان منهم قبل الإسلام ملوك وأمراء. ولهم مع لمتونة ملوك المغرب حروب وفتن سائر أيامهم، حتى كان اجتماعهم على المهدي وقيامهم بدعوته فكانت لهم دولة عظيمة أدالت من لمتونة بالعدوتين، ومن صنهاجة لإفريقية حسبما هو مشهور ونأتي الآن بذكره إن شاء الله تعالى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 4:12 pm

المهدي ودعوته


الخبر عن مبدأ أمر المهدي ودعوته وما كان للموحدين القائمين بها على يد بني عبد المؤمن من السلطان والدولة بالعدوتين وإفريقية وبداية ذلك وتصاريفه



لم يزل أمر هؤلاء المصامدة بجبال درن عظيماً وجماعتهم موفورة وبأسهم قوياً وفي أخبار الفتح من حروبهم مع عقبة بن نافع، وموسى بن نصير حتى استقاموا على الإسلام ما هو معروف مذكور، إلى أن أظلتهم دولة لمتونة فكان أمرهم فيها مستفحلا، وشأنهم على أهل السلطان والدولة مهماً. حتى لقد اختطوا مدينة مراكش لنزلهم جوار مواطنهم من درن ليتمرسوا بهم، ويذللوا من صعابهم. وفي عنفوان تلك الدولة على عهد علي بن يوسف منها نجم إمامهم العالم الشهير محمد بن تومرت صاحب دولة الموحدين المشتهر بالمهدي، أصله من هرغة من بطون المصامدة الذين عددناهم يسمى أبوه عبد الله. وتومرت وكان يلقب في صغره أيضاً أمغار، وهو محمد بن عبد الله بن وجليد بن يامصال بن حمزة بن عيسى فيما ذكره ابن رشيق وحققه ابن القطان. وذكر بعض مؤرخي المغرب أنه محمد بن تومرت بن تيطاوين بن سافلا بن مسيغون بن إيكلديس بن خالد.


وزعم كثير من المؤرخين أن نسبه في أهل البيت. وأنه محمد بن عبد الله ابن عبد الرحمن بن هود بن خالد بن تمام بن عدنان بن سفيان بن صفوان ابن جابر بن عطاء بن رباح بن محمد من ولد سليمان بن عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب أخي إدريس الأكبر الواقع نسب الكثير من بنيه في المصامدة وأهل السوس. كذا ذكر ابن نخيل في سليمان هذا، وأنه لحق بالمغرب إثر أخيه إدريس، ونزل تلمسان وافترق ولده في المغرب. قال: فمن ولده كل طالبي بالسوس، وقيل بل هو من قرابة إدريس اللاحقين به إلى المغرب، وإن رباحاً الذي في عمود هذا النسب إنما هو ابن يسار بن العباس بن محمد بن الحسن وعلى الأمرين، فإن نسبه الطالبي وقع في هرغة من قبائل المصامدة. ووشجت عروقه فيهم والتحم بعصبيتهم فلبس جلدتهم، وانتسب بنسبتهم وصار في عدادهم. وكان أهل بيته أهل نسك ورباط. وشب محمد هذا قارئاً محباً للعلم، وكان يسمى أسافو، ومعناه الضياء لكثرة ما كان يسرج من القناديل بالمساجد لملازمتها. وارتحل في طلب العلم إلى المشرق على رأس المائة الخامسة. ومرة بالأندلس، ودخل قرطبة، وهي إذ ذاك دار علم. ثم أجاز إلى الإسكندرية وحج. ودخل العراق ولقي جلة العلماء يومئذ، وفحول النظار. وأفاد علماً واسعاً وكان يحدث نفسه بالدولة لقومه على يده لما كان الكهان والحزاء يتحينون ظهور دولة يومئذ بالمغرب، ولقي فيما زعموا أبا حامد الغزالي، وفاوضه بذات صدره في ذلك فأراده عليه لما كان فيه الإسلام يومئذ بأقطار المغرب من اختلال الدولة، وتقويض أركان السلطان المجامع للأمة المقيم للملة بعد أن سأله عمن له من العصابة والقبائل التي تكون بها إلاعتزاز والمنعة، وبشأنها يتم أمر الله في درك البغية وظهور الدعوة. وانطلق هذا الإمام راجعاً إلى المغرب بحراً منفجراً من العلم، وشهاباً وارياً من الدين. وكان قد لقي بالمشرق أئمة الأشعرية من أهل السنة وأخذ عنهم واستحسن طريقهم في الانتصار للعقائد السلفية، والذب عنها بالحجج العقلية الدافعة في صدور أهل البدعة. وذهب إلى رأيهم في تأويل المتشابه من الآي والأحاديث، بعد أن كان أهل المغرب بمعزل عن أتباعهم في التأويل والأخذ برأيهم فيه اقتداء بالسلف في ترك التأويل، وإمرار المتشابهات كما جاءت، فطعن على أهل المغرب في ذلك وحملهم على القول بالتأويل، والأخذ بمذاهب الأشعرية في كافة العقائد، وأعلن بإمامتهم ووجوب تقليدهم، وألف العقائد على رأيهم مثل المرشدة والتوحيد. وكان من رأيه القول بعصمة الإمام على رأي الإمامية من الشيعة. وألف في ذلك كتابه في الإمامة الذي افتتحه بقوله: أعز ما يطلب. وصار هذا المفتتح لقباً على ذلك الكتاب، واحتل بطرابلس أول بلاد المغرب مفتياً بمذهبه ذلك، مظهراً النكير على علماء المغرب في عدولهم عنه. وأخذ نفسه بتدريس العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما استطاع، حتى لقد لقي بسبب ذلك أذايات في نفسه احتسبها من صالح أعماله. ولما دخل بجاية وبها يومئذ العزيز بن المنصور بن الناصر بن علناس بن حماد من أمراء صنهاجة. وكان من المترفين فأغلظ له ولأتباعه بالنكير. وتعرض يوماً لتغيير بعض المنكرات في الطرق فوقعت بسببها هيعة نكرها السلطان والخاصة وائتمروا به، فخرج منها خائفاً ولحق بملالة على فرسخ منها وبها يومئذ بنو ورياكل من قبائل صنهاجة. وكان لهم اعتزاز ومنعة، فآووه وأجاروه. وطالبهم السلطان صاحب بجاية بإسلامه إليه، فأبوا وأسخطوه، وأقام بينهم يدرس العلم أياماً. وكان يجلس إذا فرغ على صخرة بقارعة الطريق قريباً من ديار ملالة، وهي لهذا العهد معروفة. وهنالك لقيه كبير صحابته عبد المؤمن بن علي حاجاً مع عمه فأعجب بعلمه، وأثنى عزمه عن وجهه ذلك، واختص به، وشمر للأخذ عنه. وارتحل المهدي إلى المغرب وهو في جملته. ولحق بوانشريس. وصحبه منها البشير من جلة أصحابه. ثم لحق بتلمسان وقد تسامع الناس بخبره فأحضره القاضي بها ابن صاحب الصلاة، ووبخه على منتحله ذلك وخلافه لأهل قطره. وظن أن العذل يزعه عن ذلك فصم عن قبوله. واستمر على طريقه إلى فاس، ثم إلى مكناسة ونهى بها عن بعض المناكير فأوقع به الشرار من الغوغاء، وأوجموه ضرباً، ولحق بمراكش، وأقام بها آخذاً في شأنه. ولقي علي بن يوسف بالمسجد الجامع في صلاة الجمعة فوعظه وأغلظ له القول. ولقي ذات يوم







الصورة أخت علي بن يوسف حاسرة قناعها على عادة قومها الملثمين في زي نسائهم فوبخها، ودخلت على أخيها باكية لما نالها من تقريعه، ففاوض الفقهاء في شأنه بما وصل إليه من شهرته. وكان ملئوا منه حسداً وحفيظة لما كان ينتحل مذهب الأشعرية في تأويل المتشابه، وينكر عليهم جمودهم على مذهب السلف في إمراره كما جاء، ويرى أن الجمهور لقنوه تجسيماً، ويذهب إلى تكفيرهم بذلك أحد قولي الأضعرية في التكفير بمآل الرأي، فأغروا الأمير به وأحضره للمناظرة معهم فكان له الفتح والظهور عليهم، وخرج من مجلسه ونذر بالشر منهم فلحق من يومه بأغمات، وغير المناكير على عادته، وأغرى به أهلها علي بن يوسف، وطيروا إليه بخبره فخرج عنها هو وتلميذه الذين كانوا في صحابته. ودعا إسماعيل بن إيكيك من أصحابه مايتين من أنجاد قومه، وخرج به إلى منجاة من جبال المصامدة. ولحق أولاً بمسفيوة، ثم بهنتاتة. ولقيه من أشياخهم عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي، وهو الشيخ أبو حفص ويعرف بيته بين هنتاتة ببني فاصكات.
وتقول نسابتهم: إن فاصكات هو جد وانودين ويقال لهنتاتة بلسانهم ينتى فلذلك كان يعرف عمر بينتى وسيأتي الكلام في تحقيق نسبه عند ذكر دولتهم. ثم ارتحله المهدي عنهم إلى إيكيلين من بلاد هرغة فنزل على قومه وذلك سنة خمس عشرة وخمسمائة. وبنى رابطة للعبادة، واجتمعت إليه الطلبة والقبائل، فأعلمهم المرشدة والتوحيد باللسان البربري. وشاع أمره في صحبته. واستدرك رئيس الفئة العلمية بمجلس الأمير علي بن يوسف، وهو مالك بن وهيب، أغراه به. وكان جزاء ينظر في النجوم، وكان الكهان يتحدثون بأن ملكاً كائن بالمغرب لأمة من البربر، ويتغير فيه شكل السكة لقران بين الكوكبين العلويين من السيارة، يقتضي ذلك في أحكامهم، وكان الأمير يتوقعها فقال له: احتفظ بالدولة من الرجل فإنه صاحب القران.
والدرهم المربع في كلام سفساف ببسجع سوقي يتناقل الناس نصه وهو: اجعل على رجله كبلا، ليلاً يسمعك طبلاً. وأظنه صاحب الدرهم المربع فطلبه علي بن يوسف فتفقده، وسرح الخيالة في طلبه ففاتهم وداخل عامل السوس، وهو أبو بكر بن محمد اللمتوني بعض هرغة في قتله، ونذر بهم إخوانهم فنقلوا الإمام إلى معقل امتناعهم، وقتلوا من داخل في أمره. ثم دعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد، وقتال المجسمين دونه سنة خمس عشرة وخمسمائة فتقدم إليها رجالاتهم من العشرة وغيرهم. وكان فيهم من هنتاتة أبو حفص عمر بن يحيى وأبو يحيى بن بكيت ويوسف بن وانودين وابن يغمور، ومن تينملل أبو حفص عمر بن علي أصناك ومحمد بن سليمان وعمر بن تافراكين وعبد الله بن ملويات.
وأوعب قبيلة هرغة فدخلوا في أمره كلهم، ثم دخل معهم كدميوة وكنفيسة ولما كملت بيعته لقبوه بالمهدي، وكان لقبه قبلها الإمام. وكان يسمي أصحابه الطلبة، وأهل دعوته الموحدين. ولما تم له خمسون من أصحابه سماهم آيت الخمسين. وزحف إليهم عامل السوس أبو بكر بن محمد اللمتوني بمكانهم من هرغة، فاستجاشوا بإخوانهم من هنتاتة وتينملل فاجتمعوا إليهم وأوقعوا بعسكر لمتونة فكانت مقدمة الفتح. وكان الإمام يعدهم بذلك فاستبصروا في أمره، وتسابق كافتهم إلى الدخول في دعوته، وترددت عساكر لمتونة إليهم مدة بعد أخرى ففضوهم. وانتقل لثلاث سنين من بيعته إلى جبل تينملل فأوطنه، وبنى داره ومسجده بينهم، حوالي منبع وادي نفيس.
وقاتل من تخلف عن بيعته من المصامدة حتى استقاموا فقاتل أولا: هزرجة وأوقع بهم مراراً، ودانوا بالطاعة. ثم قاتل هسكورة ومعهم أبو درقة اللمتوني فغلبهم وقفل، فاتبعه بنو وازكيت فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا وأسراً. ثم غزا بلد عجدامة وكن قد افتتحه وترك به الشيخ أبا محمد عطية من أصحابه فغدروا به وقتلوه فغزاهم واستباحهم. ورجع إلى تينملل وأقام بها إلى أن كان شأن البشير، وميز الموحد من المنافقين وكانوا يسمون لمتونة الحشم فاعتزم على غزوهم، وجمع كافة أهل دعوته من المصامدة. وزحف إليهم فلقوه بكيك، وهزمهم الموحدون واتبعوهم إلى أغمات فلقيهم هنالك زحوف لمتونة مع بكو بن علي بن يوسف، وإبراهيم بن تاعباست، فهزمهم الموحدون. وقتل إبراهيم واتبعوهم إلى مراكش، فنزلوا البحيرة في زهاء أربعين ألفاً كلهم رجلى، إلا أربعمائة فارس.
واحتفل علي بن يوسف في الاحتشاد وبرز إليهم لأربعين من نزولهم عليه من باب إيلان فهزمهم وأثخن فيهم قتلا وسبياً، وفقد البشير من أصحابه. واستحر القتل في هيلانة، وأبلى عبد المؤمن في ذلك اليوم أحسن البلاء. وكانت وفاة المهدي لأربعة أشهر بعدها. وكان يسمي أتباعه بالموحدين تعريضاً بلمتونة في أخذهم بالعدول عن التأويل وميلهم إلى التجسيم. وكان حصوراً لا يأتي النساء. وكان يلبس العباءة المرقعة. وله قدم في التقشف والعبادة، ولم يحفظ عنه فلتة في البدعة إلا ما كان من وفاقه الإمامية من الشيعة في القول بالإمام المعصوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
 
الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ الاسلامى :: مكتبة التاريخ الاسلامى-
انتقل الى: