كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 العمارة فى العصر البطلمى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: العمارة فى العصر البطلمى   الإثنين مارس 28, 2011 5:50 pm


1. المقابر الإغريقية
ولدراسة فن المعمار في عصر البطالمة سنتناول الكلام عن أقسام هذا الفن المختلفة وهي: المقابر والمنازل والمعابد، عند الإغريق وعند المصريين، ونبين إذا كان الفن المصري والفن الإغريقي قد تأثر أحدهما بالآخر أم بقى كل منهما خالصًا نقيا ...

المقابر الإغريقية

إن بقايا المقابر الإغريقية التي وجدت حتى الآن في الإسكندرية ونقارطيس وأبو صير والفيوم تدل على أنه يمكن تقسيم مقابر إغريق مصر قسمين رئيسين، كان أحدهما عبارة عن حفر منتظمة الشكل أو غير منتظمة، تنحت في الصخر أو تحفر في الأرض، ويختلف اتساعها وعمقها بحسب عدد الأشخاص الذين أعدت لدفنهم، وتغطي بالأحجار والتراب. وهذه المقابر بسيطة جدًا ولا تستحق الإفاضة في الكلام عنها، ولها نظائر كثيرة في مختلف أنحاء العالم الإغريقي، مما يدل على أن الإغريق قد أحشروا معهم طرق دفنهم.

أما القسم الثاني فهو المقابر التي كانت تبنى أو تنحت تحت سطح الأرض وتتألف من نوعين، يسمى أحدهما المقابر ذات الفتحات (Loculi) وكانت توجد في الإسكندرية والفيوم. ويدعى النوع الآخر مقابر الأرائك (Klinai)، ولم يكشف حتى الآن إلا في الإسكندرية فقط، وكان النوع الأول هو الشائع بين الطبقات الوسطى، على حين كان الثاني شائعًا بين الطبقات العليا، لكن ازدياد عدد السكان وضيق الأرض المخصصة للدفن أديا إلى استبدال النوع الأول بالثاني. وقد بدأت عملية الاستبدال في مقبرة الشاطبي وبلغت ذروتها في مقبرة المكس.

ومقابر النوع الأول فئتان، أحداهما لدفن شخص واحد، والأخرى لدفن عدد من الأشخاص. وتتألف مقابر الفئة الأولى من بئر صغيرة بها درج، وفي أسفل جدار البئر المواجه للدرج بنيت فتحة مستطيلة (Loculus) لدفن جثة الميت. وفي بعض الأحيان تؤدي البئر إلى غرفة صغيرة، بني فيها مكان الدفن. أما مقابر الفئة الثانية فهي تتألف عادة من دهليز طويل أو غرفة بنيت في جدرانها فتحات الدفن في صف واحد أو عدة صفوف بعضها بعضًا.

وقد كانت فتحات الدفن تقفل عادة بألواح صخرية، تزينها أبواب وهمية، كانت في أغلب الأحيان مصورة بالألوان، وفي بعضها بالنقش البارز. وطراز هذه الزينة إغريقي عادة ألا نه في حالتين طراز مختلط ففي إحداهما يرينا النصف العلوي عمارة إغريقية بحتًا، على حين أن النصف الأسفل يمثل عمارة مصرية بحتًا، فيما عدا أفريزا إغريقيًا ذا أسنان وسط عناصر مصرية. وفي الحالة الأخرى نجد بابل مصريًا في طرازه، فيما عدا أفريزا إغريقيًا مشابهًا للإفريز سالف الذكر. ونجد هذه الظاهرة أيضًا في بعض أنصاب الموتى التي صنعت على شكل هياكل صغيرة. ويرجح أن تاريخ أقدم هذه الأنصاب يرجع إلى النصف الثاني من القرن الثاني قبل الميلاد. وتدل القرائن على أن الأبواب الوهمية التي تبدو فيها هذه الظاهرة ترجع إلى حوالي هذا التاريخ. ولما كان اختلاط عناصر العمارة الإغريقية والمصرية اختلاطًا محدودًا طفيفًا على نحو ما رأينا، وكانت الأبواب والأنصاب التي تختلط فيها عناصر العمارة الإغريقية والمصرية قليلة جدًا بالنسبة للتي كانت إغريقية بحتًا، فإننا نستطيع أن نستخلص من ذلك أن مدى اختلاط الحضارتين كان محدودًا جدًا.

وبما أن الدفن في فتحات كان خاصة من خواص الدفن في فينيقيا كالمصاطب والأهرامات في مصر، فإننا نرجح أن أصل ما وجد من هذه المقابر في مصر فينيقي. وتدل زخرفة هذه المقابر ونقوشها ومحتوياتها على أن إغريق مصر قد اقتبسوا هذا النوع من المقابر واستعملوه في مصر طوال عصر البطالمة.

وتستحق مقابر الأرائك أن نوليها قدرًا كبيرًا من الاهتمام، لفرط ما كان يوجه إليها من العناية في إنشائها، ولأنها تمدنا بأدلة منقطعة النظير عن المنازل الإغريقية في عصر البطالمة، إذ يبدو أن الإسكندريين كانوا يبنون بيوت العالم الآخر على نمط بيوت هذا العالم؛ وأخيرًا لأن جدران هذه المقابر كانت مغطاة بزخرفة تلقي شعاعًا قويًا من الضوء على أصل الزخرفة المعروفة باسم زخرفة بومبيي (Pompeii).

وتشبه مقابر الإسكندرية التي من هذا النوع نوعًا من المقابر وجد في بالاتيتزا وبلا وبيدنا بمقدونيا. وكانت هذه المقابر المقدونية تتألف من غرفتين: أحداهما خلف الأخرى، وتسمى الفرقة الأمامية بروستاس (Prostas) والغرفة الخلفية أويكرس (Oikos). وكانت هذه الفرقة الخلفية هي الغرفة الرئيسية في المقبرة، وفيها كان يدفن الميت فوق تابوت في شكل الأريكة (Kline) ويحدثنا باوسانياس بأن الإسكندر الأكبر دفن في منف وفقًا للتقاليد المقدونية، مما حدا ببعض العلماء إلى الاستنتاج بأنه دفن في مقبرة من هذا النوع.

ويبدو أن مقابر الإسكندرية التي من هذا النوع لم تقلد مقابر مقدونيا المشابهة لها تقليدًا تامًا، لأن مقابر مقدونيا كانت لا تتألف إلا من غرفتين فقط، أما في الإسكندرية فقد أضيف إلى هاتين الغرفتين بهو خارجي مكشوف أمام البروستاس الغرفة الخارجية، يبين أنه كان نقطة بداية حفرة المقبرة في الصخرة، وأنه لم يوجد له مثيل في مقابر مقدونيا لأنها كانت تبنى في باطن الأرض. وقد كانت الأويكوس (الغرفة الخلفية) في مقابر مقدونيا أكبر من البروستاس على عكس ما كانت عليه الحال في الإسكندرية، حيث كانت توجد في هذه الغرفة إلى جانب الجدران مقاعد طويلة للمعزين أو الزائرين، وفي وسط هذه الغرفة مذبح لتقديم القرابين. وليس لهذه المقاعد ولا للمذابح أثر في مقابر مقدونيا. يضاف إلى ذلك أن الغرفة الخارجية في مقابر الإسكندرية كانت تستخدم كذلك للدفن بعمل فتحات في جدرانها، وهذا يتفق مع المبدأ الإسكندري القائل بدفن أكبر عدد ممكن في أقل حيز ممكن. وفي مقابر مقدونيا كانت الجثة تدفن فوق الأريكة، أما في الإسكندرية فإن الأريكة كانت تجوف وتدفن الجثة في داخلها، ولعل سبب ذلك رطوبة الجو في الإسكندرية. وعلى الرغم من هذه الاختلافات، فإن تقسيم المقبرة هذا التقسيم الواضح إلى أويكوس وبروستاس لم يعرف إلا في مقدونيا وفي الإسكندرية.

ونحن نرى أنه يمكن ترتيب هذا النوع من مقابر الإسكندرية ترتيبًا زمنيًا، بحسب قرب الشبه بينها وبين مقابر مقدونيا، وبحسب طراز زخرفتها، وبحسب تطورها تدريجيًا من مقبرة ذات أريكة مثل مقبرة ذات أريكة وفتحات مثل مقبرة الشاطبي، حيث استعملت هاتان الطريقتان في الدفن؛ إلى مقبرة ذات فتحات وأريكة مثل مقبرتي سيدي جابر وحديقة أنطونيادس، حيث لم تستخدم في الدفن إلا الفتحات فقط ولم تكن الأريكة إلا زخرفة بارزة؛ وأخيرًا إلى مقبرة ذات فتحات ومحارب (Niches)، حيث اختفت الأريكة تمامًا وكان الموتى يدفنون في الفتحات والمحاريب.


مقبرة سوق الورديان:

أقرب كافة مقابر الإسكندرية شبهًا إلى المقابر المقدونية، وهي تتألف من كل العناصر التي تمتاز بها مقابر الإسكندرية التي من هذا النوع، وهي سلم وفناء مكشوف وبروستاس وأويكوس، تقع جميعها على محور واحد. وتدل بقايا هذه المقبرة على أنها أقيمت في الأصل لدفن شخص واحد، إلا أنها استخدمت فيما بعد لدفن عدة أشخاص في فتحات صنعت في جدران المقبرة فشوهت زخرفتها الأصلية. وقد قلدت زخرفة جدران هذه المقبرة جدرانًا مزينة بألواح من مختلف أنواع المرمر قطعت وصفت بحيث تبتدئ وتنتهي ألواح كل صف في منتصف ألواح الصف الذي يعلوه. ويسمى هذا النوع من الزخرفة طراز بومبيي الأول لزخرفة الجدران.


وقد وجدت أمثلة لهذا الطراز من الزخرفة في دهليز مقبرة في بيدنا وفي مقابر بجنوب روسيا وكذلك في بعض مباني برجام وبرايني وديلوس وإيطاليا، فأين كان موطن هذا الطراز؟ قد يميل البعض إلى الاعتقاد بأن مقبرة بيدنا أولى من غيرها بهذا الفضل، لأن الإسكندرية التي أخذت عن مقدونيا هذا النوع من المقابر لابد من أن تكون قد أخذت عنها هذا الطراز من الزخرفة أيضًا. ولكن مقبرة بيدنا هي المثل الوحيد الذي نعرفه عن استخدام هذا الطراز في مقدونيا، ثم أنه لم يستخدم إلا في مكان ثانوي هو دهليز المقبرة المؤدي إلى الغرفة الأمامية. ويضاف إلى ذلك أنه لا يوجد أي دليل على أن مقبرة بيدنا أقدم من مقبرة سوق الورديان، هذا لا يوجد أي دليل على أن مقبرة بيدنا أقدم من مقبرة سوق الورديان، هذا إلى أن مقابر الإسكندرية لم تقلد مقابر مقدونيا إلا في النوع فقط، وحتى ذلك التقليد لم يكن تامًا. وفي الواقع أنه من الخطأ، عند وجود الظاهرة نفسها في مقدونيا وفي الإسكندرية، أن نفترض دائمًا أن هذه الظاهرة مأخوذة من مقدونيا. أما فيما يخص جنوب روسيا، فإن المعروف عن ميل فن هذا الإقليم إلى الخضوع لتأثير الفنون الأجنبية ومن بينها الفن الإسكندري يضعف إسناد الفضل إلى جنوب روسيا. ولابد إذن من أن ترجح كفة الإسكندرية، عندما ندرك أن أقدم المباني التي استخدم فيها هذا الطراز من الزخرفة في برجام وبرايني وديلوس وإيطاليا متأخرة عن مباني الإسكندرية التي استخدم فيها هذا الطراز. ذلك أن تاريخ مباني برجام يرجع إلى ما بعد بداية القرن الثالث، ولا يمكن إرجاع تاريخ مباني برايني وديلوس وإيطاليا إلى ما قبل القرن الثاني قبل الميلاد، على حين أن هذا النوع من الزخرفة استخدم في الإسكندرية في مقبرتي سوق الورديان والأنفوشي وكذلك في السياج المقدسي الذي وجد فيه مذبح الإلهين المنقذين. ونحن نعتقد أن مقبرة سوق الورديان ترجع إلى حوالي عام 300 ق.م.، ومقبرة الأنفوشي إلى النصف الأول من القرن الثالث، والسياج المقدسي إلى عام 280-270 ق.م.

بيد أن البعض يستنتج من زخرفة الجدران في آسيا الصغرى بألواح من الرخام مختلفة الألوان قبل العصر الهلينيسي أن آسيا الصغرى هي موطن هذا الطراز من الزخرفة لكن يبدو أن صاحب هذا الرأي قد نسى أمرًا هامًأ، وهو أن المدار الحقيقي للبحث ليس: أين نشأت زخرفة الجدران بالأحجام المونة ـ فإن ذلك كان يستخدم منذ عهد بعيد قبل العصر الهلينيسي وكان معروفًا عند الأشوريين والكلديين والمصريين في عهد الدولة القديمة ـ وإنما أين قلد بالألوان لأول مرة هذا النوع من الزخرفة.

وإذا عرفنا أن طريقة الزخرفة الآشورية والكلدية كانت مستعملة عند المصريين منذ مدة طويلة، وأن أعمال التنقيب المنظمة في المنطقة التي كانت تقوم عليها قصور البطالمة أثبتت استخدام زخرفة الجدران بالأحجار الملونة هناك، وأن مقابر الإسكندرية في عصر البطالمة ترينا تقليد هذه الزخرفة بالألوان، وأن تاريخ قصور البطالمة ومقابر الإسكندرية أقدم من المباني الهلينسية الأخرى المزينة بالطريقة نفسها، فيجب أن نقرر أن الإسكندرية كانت موطن الزخرفة المعروفة بطراز بومبيي الأول. وترينا مقارنة هذه الزخرفة البطلمية بالزخرفة الفرعونية أنه إذا كانت الفكرة مصرية أو عرفت عن طريق المصريين، فإن طرازها إغريقي بحث.

ونستخلص مما مر بنا أنه ليس في طراز عمارة هذه المقبرة أو زخرفتها أي أثر مصري، ونستدل من قرب الشبه بين هذه المقبرة وبين مقابر مقدونيا، ومن عدم وجود فتحات للدفن في بنائها الأصلي، ومن وجود مذبح بطلمي قديم في غرفتها الخارجية، ومن طراز زخرفتها أنها أقدم مقابر الإسكندرية التي من هذا النوع، وأنها ترجع إلى حوالي عام 300 ق.م.


مقبرة الشاطبي :


على الرغم من أن هذه المقبرة أكثر تعقيدًا من مقابر سوق الورديان الأنفوشي وسيدي جابر، فإننا نستطيع أن نرى فيها، بمثابة نواة البناء كله، جميع العناصر الأساسية التي تتكون منها تلك المقابر، وهي أيوكوس صغيرة (g) أمامها بروستاس أكبر منها (g) وتؤدي إلى فناء كبير على نفس المحور، وإلى جانب الفناء صالة موازية له تؤدي إلى دهليز يبدأ من مدخل المقبرة (a) ويبدو أن المقبرة كانت لا تتألف في الأصل إلا من هذه الأجزاء، لكنها عندما لم تعد مقبرة خاصة أضيفت إليها أجزاء جديدة تتألف من أربع غرف، كانت اثنتان منها (b.c) إلى جانبي الدهليز والثالثة (e) والرابعة (ا) إلى جانبي الصالة والفناء على التوالي. ويبدو كذلك أن هذه المقبرة صممت في الأصل على نمط البيت، فإنها ترينا كل الأجزاء التي كان يتكون منها البيت الإغريقي عادة وهي: مدخل ودهليز وفناء وبروستاس وأويكوس.

وقد استخدمت في هذه المقبرة طريقتان للدفن، وإحداهما هي طريقة الدفن في الأريكة وذلك في الأويكوس حيث لا تزال توجد أريكتان، والأخرى هي طريقة الدفن في فتحات وذلك في باقي الغرف الأخرى. لكن بينما كانت فتحات البروستاس معاصرة لأريكتي الأويكوس، كانت فتحات الغرف الأخرى متأخرة عن ذكل. ومن الطريف أن نسجل هنا ما لا خظناه من أن أحد علماء الآثار النابهين قد تصور خطأ أنه لا توجد في أيوكوس هذه المقبرة أريكتان بل ثلاث أرائك، ومضى في خطئه إلى حد أنه بنى عليه فكرة جديدة وهي أن غرف الدفن الرومانية ذات التوابيت الثلاثة كانت تطورًا طبيعيًا لغرف الدين البطلمية ذات الأرائك الثلاث.

وقد زين البناء الأصلي في هذه المقبرة بزخرفة معمارية، تتكون من أنصاف أعمدة دورية وأيونية بينها نوافذ وأبواب وهمية، ومن ثم فإننا نجد هنا ذلك الطراز من الزخرفة الذي ثبت استخدامه في زخرفة قصر صلا، حيث تظهر بين الأعمدة أقواس ونوافذ ومحاريب (Niches). ويبدو أن هذا الطراز من الزخرفة المعمارية قد بدا في الشرق، فإنه وجد في بناء مجلس شيوخ مليتوس، وفي القاعة الجنوبية ببناء سوق ما جنسيا، وفي بعض مباني مدينتي ترمسوس وبرجا، وكذلك في قاعة ولائم بلطميوس الثاني. وعندما نتبين أن قاعة ولائم بطلميوس الثاني ومقبرة الشاطبي يرجعان إلى النصف الأول من القرن الثالث، على حين أن الأمثلة الأخرى لهذا الطراز من الزخرفة المعمارية خارج مصر ترجع إلى العصر الهلينسي المتأخر، فإنه يتضح جليًا ابن نشأ طراز الزخرفة المعمارية أو طراز بومبني الثاني لزخرفة الجدران. ومن الإسكندرية انتشر هذا الطراز شرقًا وغربًا.

وتلي ذلك مشكلة معرفة أين نشأت فكرة تقليد هذه الزخرفة المعمارية بالألوان. أمن الإسراف في الرأي القول بأن ذلك قد حدث حيث ظهرت الزخرفة الأصلية؟ أننا ننادي بهذا الرأي، ولاسيما أن هذه المقبرة نفسها تعطينا مثلاً رائعًا لهذا الطراز الجديد من الزخرفة، فإن اللوحة التي سدت بها إحدى فتحات الدفن في الغرفة (e)، التي أنشئت إلى جانب الصالة، زينت بباب وهمي يعتبر أروع نموذج لما وصل إلينا من فن التصوير الإسكندري، بل نلاحظ أن هذا الباب قد قلد في قصر بوسكوريالي (Boscoreale). وإذا كان هذا الباب وغيره من الأبواب الوهمية الأخرى في هذه المقبرة عناصر زخرفية مفككة لا رابط بينها، فإن غرفة الأريكة في مقبرة سيدي جابر تعطينا مثلاً كاملاً للزخرفة المعمارية المصورة بالألوان. ومهما وجد من النقص في هذه الأمثلة المبكرة، وأنها ترينا على الأقل اتجاه الإسكندريين نحو تقليد الزخرفة المعمارية بالألوان.

وتظهر من أول نظرة الروح الإغريقية التي تصطبغ بها العمارة والزخرفة في مقبرة الشاطبي، حتى لتبدو كأنها بيت إغريقي مزخرف بعناصر معمارية. ويدل طراز بناء هذه المقبرة وزخرفتها وما عثر فيها من الآنية على أنها حولت إلى مدفن عام حوالي آخر القرن الثالث مما أفضى إلى إدخال إضافات جديدة عليهما.


مقبرة سيدي جابر:

تدل بقايا هذه المقبرة على أنها تشبه في التصميم مقبرة سوق الورديان، وعلى أنها كانت تتألف في الأصل من العناصر الرئيسية نفسها، أي من فناء وبروستاس وأويكوس على المحور نفسه، لكنه أضيفت إليها فيما بعد غرفتان إلى جانبي الفناء، ونستدل على ذلك من حالة هاتين الغرفتين وما فيهما من الفتحات. ونلاحظ أنه توجد في هذه المقبرة أيضًأ فتحات للدفن معاصرة للأريكة ـ كما هي الحال في مقبرة الشاطبي ـ إلا أن الصلة بين الفتحات والأريكة هنا أقوى مما هي في مقبرة الشاطبي، لأنه لا توجد في الأويكوس أريكة فحسب بل كذلك فتحة فوق الأريكة مباشرة، هذا إلى أن الميت لم يدفن في الأريكة، وإنما في هذه الفتحة، فلم تكن الأريكة إذن إلا حلية شكلية فقط.

ونرى في البروستاس والأويكوس اتجاهًا جديدًا في الزخرفة، لعله أقل اكتمالاً في الغرفة الأولى منه في الثانية بسبب الاختلاف بينهما في الاتساع، إذ أن الغرفة الأولى أكثر اتساعًا من الثانية. وعلى كل حال فقط طليت جدران الغرفتين بالألوان، بحيث تبدو في شكل جدران واطئة مزينة بالأحجار الملونة وتنتهي بحافة (كورنيش) معمارية تظهر السماء فوقها. ويبدو أن الفنان قد تغلب إلى حد في طلاء الأويكوس على التردد الذي خالجه في طلاء البروستاس، فأظهر الأويكوس في شكل مظلة ذات أعمدة تقف في الأركان وتصل بعضها ببعض جدران واطئة وطاقات من الورود والأزهار. وإلى جانب ذلك فإن فتحات الدفن في الأويكوس والبروستاس زينت بزخرفة ملونة من الطراز المعماري.

وجلى أن الفنان كان لا يزال مترددًا في استخدام طراز الزخرفة الجديدة استخدامًا شاملاً، لأنه اكتفى ببعض العناصر التي تكشف لنا عنسيول عصره. ولوا هذا التردد لصور لنا بالطلاء الأعمدة والأبواب والنوافذ الوهمية التي رأيناها في مقبرة الشاطبي مصورة تصويرًا بارزًا أو بعبارة أخرى منحوتة. ومع ذلك فإن زخرفة مقبرة سيدي جابر ترينا أن فكرة الزخرفة المعمارية، التي نفذت بالنحت في تزيين الأجزاء الأصلية في مقبرة الشاطبي، ونفذت عناصر مفككة منها بالألوان في زخرفة الأجزاء الإضافية في تلك المقبرة، قد صورت كاملة بالألوان في تزيين أويكوس مقبرة سيدي جابر.

إن دفن الميت في الفتحة بدلاً من الأريكة على الرغم من وجودها يحتم إعطاء هذه المقبرة تاريخًا متأخرًا عن مقبرتي سوق الورديان والشاطبي، وهو ما يتفق كذلك مع طراز زخرفة هذه المقبرة. وإذا كانت الأجزاء الأصلية في مقبرة الشاطبي ترجع إلى حوالي منتصف القرن الثالث قبل الميلاد، وأجزاؤها الإضافية إلى أواخر ذلك القرن، فأننا اعتمدنا على طريةق الدفن التي اتبعت في مقبرة سيدي جابر وعلى طراز زخرفتها قد لا نعدو الحقيقة إذا أرجعنا هذه المقبرة إلى النصف الأول من القرن الثاني قبل الميلاد.


مقبرة حديقة أنطونياس:

وتتألف هذه المقبرة من سلم منحوت في الصخرة يؤدي إلى فناء ذي أعمدة، تقوم إلى جانبيه الشرقي والغربي غرفتان بهما فتحات للدفن. وإلى جانبه الشمالي في مواجهة السلم الغرفة الرئيسية، أي غرفة الأريكة. وتتفق هذه المقبرة مع مقبرة سيدي جابر في ظاهرتين، وهما أن بالمقبرتين فتحات للدفن معاصرة للأريكة، وأن الفتحات وحدها هي التي استعملت للدفن. لكن على حين أنه في مقبرة سيدي جابر وجدت الأريكة كاملة، فإنه في مقبرة حديقة أنطونيادس اتخذ مكان الأريكة شكل محراب كبير (Niche) صورت أريكة على جداره بنقش بارز.

ونجد ظاهرة جديدة في تصميم هذه المقبرة، فإن فيها فناء وأويكوس مثل ما في البناء الأصلي لمقابر سوق الورديان والشاطبي وسيدي جابر لكنها تختلف عن هذه المقابر من حيث أنه لا توجد بها بروستاس، وأنه تحيط بكل من جوانب الفناء، الشرقي والغربي والشمالي. غرفة. ونحن نرى أنه إذا كانت مقبرة الشاطبي تشبه المنازل الإغريقية الشائعة في برايني خلال القرن الثالث قبل الميلاد، فإن هذه المقبرة تشبه المنازل الإغريقية الشائعة في ديلوس في خلال القرن الثاني قبل الميلاد، وذلك بسبب افتقار هذه المقبرة إلى بروستاس وتمتعها بفناء ذي أعمدة غير مكتمل العناصر لكن تحيط بجوانبه غرف على نحو ما نرى في منازل ديلوس. ويجب ألا نخلط بين هذا الفناء وبين الصالة الوسطى في المنازل المصرية، إذ أن هذا الفناء مكشوف وبه أعمدة، وهو في نظرنا تطور طبيعي للفناء الذي وجدناه في المقابر السابقة، على حين أن الصالة الوسطى المصرية مغطاة وليست بها أعمدة، وتقع في وسط المنزل كنتيجة طبيعية للطريقة التي كانت تتبع عادة في تقسيم التصميم المألوف في المنازل المصرية. وتتضح صحة افتراضنا بأن الفناء ذا الأعمدة الموجود في منازل ديلوس وفي مقبرتي حديقة أنطونيادس والمكس لم يكن إلا تطورًا طبيعيًا للفناء الإغريقي القديم، من مقارنة منازل برايني بمنازل ديلوس، ومن الإطلاع على تصميم منزل في برايني حول من طراز منازل القرن الثالث إلى طراز منازل القرن الثاني بإزالة البروستاس منه وإضافة غرف حول الغناء. هذا إلى أن الإغريق في مختلف العصور كانوا يصفون الغرف حول فناء داخلي لتستمد منه الضوء الذي ينيرها. ويؤيد اعتقادنا بأن تصميم مقبرتي حديقة أنطونيادس والمكس تصميم إغريقي وجه الشبه بين هذا التصميم وتصميم منزل كشف عنه في بلدة صغيرة بالقرب من كورنثة.

وقد غطيت جدران هذه المقبرة بطبقة من الجبس وطليت بالألوان، لكنه لم توجد إلا في الأويكوس بقايا طفيفة من هذه الألوان يتعذر معها معرفة الطراز الذي اتبع في الزخرفة. لكن المقبرة زينت إلى جانب ذلك بزخرفة معمارية بارزة يبدو فيها بجلاء تقدم طراز الزخرفة المعمارية، مما لا يدع مجالاً للشك في أن الإسكندرية كانت موطن هذا الطراز من الزخرفة .

ولم توجد في هذه المقبرة نقوش ولا بقايا يمكن الاستعانة بها في تاريخها، لكن بعض ظواهرها تساعدنا على إعطائها تاريخًا تقريبيًأن فإن وجود أريكة بها ولو بالنقش البارز، ووجود فناء ذي أعمدة وإن كان غير كامل، يستبعدان وضعها في العصر الروماني. وبما أنها إذن من عصر البطالمة. فإننا نستطيع معرفة تاريخها بالتقريب من مقارنتها بالمقابر البطالمة، فإننا نستطيع معرفة تاريخها بالتقريب من مقارنتها بالمقابر البطلمية الأخرى. ويدل طراز زخرفتها وعمارتها وشكل أريكتها على أنها متأخرة عن مقبرة سيدي جابر. ولما كانت الأريكة قد صورت على جدار محرابها، على حين أنه لم توجد مثل هذه الظاهرة في محاريب مقبرة المكس، فلابد إذن من أنها سابقة على هذه المقبرة الأخيرة. وإذا كانت مقبرة سيدي جابر ترجع إلى النصف الأول من القرن الثاني ومقبرة المكس إلى القرن الأول، فلا يبعد أن مقبرة حديقة أنطونيادس ترجع إلى النصف الثاني من القرن الثاني. ويجب أن تؤكد أخيرًا أن هذه المقبرة إغريقية بحت في تصميمها وفي عمارتها وفي زخرفتها.

مقبرة المكس:

تمتاز هذه المقبرة بأربع ظواهر، وهي: تعقد تصميمها، وزوال الأركية منها زوالاً تمامًا، وظهور قاعات المحاريب التي استخدمت هي والفتحات في الدفن، ووجود فناء كامل ذي أعمدة. ويبدو أما أن زخرفة هذه المقبرة لم تتم أو أنها اقتصرت على الزخرفة المعمارية، وهذا دليل آخر على حب الإسكنرديين لهذا الطراز من الزخرفة. وفي رأينا أن هذه المقبرة أيضاً إغريقيية في تصميمها وعمارتها وزخرفتها.

إن عدم وجود أرائك في هذه المقبرة، على حين أنه لا توجد بها قاعات محاريب وفتحات، وهي من مميزات المقابر الرومانية في الإسكندرية، يشير إلى تاريخ هذه المقبرة المتأخرة. لكن بما أن عمارتها من الطراز الهلينيسي، وبما أن شكل ما بها من قاعات المحاريب يختلف كثيرًا عن الشكل الشائع في العصر الروماني، فإننا لا نخطئ إذا وضعنا هذه المقبرة في القرن الأول قبل الميلاد، ورأينا فيها مرحلة الانتقال من العصر الهلينيسي إلى العصر الروماني.


_________________



مثلى الاعلى هو كل ما يحقق لى السعادة من خلال حواسى التى هى
......... أنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: العمارة فى العصر البطلمى   الإثنين مارس 28, 2011 5:54 pm

2.المقابر المصرية
إن معلوماتنا طفيفة جدًا عن مدافن المصريين في الإسكندرية . ولما كان المصريون الذين يعيشون في الإسكندرية يعتبرون عنصرًا غريبًا فيها ويتألفون من أهل الحرف والعمال والجنود والرعاة ، الذين كانوا بعيدين حتى عن مظاهر الحضارة الإغريقية ، فإنه من العبث البحث عن مقابر مصرية هامة في الإسكندرية .
ولذلك لا عجب أن المدافن المصرية، التي كشفت عنها الحفائر في الإسكندرية، لم تكن سوى حفر بها توابيت في شكل جسم الإنسان، وتضم جثثًا مخنطفة وأساطير هيروغليفية. وإزاء ذلك لا مفر من أن نقصر بحثنا على دراسة المقابر المصرية في الأقاليم.
لقد شاعت في هذا العصر، كما شاعت في العصور السابقة ولاسيما في العصر الصاوي، سنة إعادة استخدام المقابر القديمة كلما أمكن شراء مقابر قديمة هجرها أهلها وسط اللصوص عليها. ويشير انعدام وجود مقابر صخرية جديدة في منطقة طيبة من هذا العصر إلى أن فخامة مقابر طيبة القديمة قد جرت عليها ويلات كثيرة من جراء هذه العادة. لكن هذا البلاء لم تنكب به طيبة وحدها، فإن القرائن تدل على أنه قد شاركها في ذلك المصير مقابر مدن كثيرة يرجع عهدها إلى عصر الأسرة الثانية عشرة والثامنة عشرة والتاسعة عشرة والعشرين والحادية والعشرين والثانية والعشرين.

ويمكن تقسيم المعابر المصرية التي ترجع إلى عصر البطالمة قسمين رئيسيين، وهما الآبار الجنازية والغرف الجنازية، أما القسم الأول فيتألف من نوعين، ومقابر النوع الأول بسيط جدًا وتتكون عادة من بئر تنشأ في قاعها فتحة يدفن فيها الميت، وتقفل بألواح من الصخر المحلي يحكم وضع بعضها إلى جانب بعض. وقد كان هذا النوع المتواضع من المقابر شائعًا جدًا في عصر البطالمة، ونستدل على تاريخ هذه المقابر مما وجد فيها من الآنية الفخارية والتوابيت والفائف التي كان الموتى يلفون بها. ولما كانت هذه الآبار الجنازية تشتبه الآبار الجنازية التي ترجع إلى الدولتين الوسطى والحديثة وعثر عليها في الرقة وهوارة وهو (Hu) وغيرها من الأماكن، فإنه يتضح لنا أن هذه المقابر البطلمية مقابر مصرية صميمة.

أما مقابر النوع الثاني فهي أغنى من مقابر النوع الأول، ولعل هذا الغنى يفسر قلة عدد مقابره في عصر يمتاز بفقر أهالي البلاد المدقع بوجه عام، كما يتبين من مقارنة مقابر المصريين بمقابر الإغريق، وكانت مقابر هذا النوع تتألف من هيكل جنازي صغير تنزل من أرضيته بئر كان الميت يدفن في قاعها، على نحو ما نرى في مقبرة بأطفيح، شيدت كلها من الحجر الجيري وغطيت جدران الهيكل بطبقة من الجبس طليت بالألوان. وكانت كل الجدران تنقسم إلى ثلاث لوحات زينت جميعها بمناظر ونقوش دينية. ويلاحظ أنه يتعذر فهم أسماء الآلهة في أغلب الأحيان، وأنه تكثر في النقوش عبارات مبهمة غامضة لم توجد في العصور السابقة، إلا أن المسافات بين الكلمات متوازنة والحروف أكثر اتقانًا من المألوف في العصور المتأخرة. وإذا كان مستوى طراز الرسم يقل عما كان عليه في العصور القديمة، فإن الأشكال لا تزال تحتفظ بما تمتاز به العصور القديمة من الدقة والجمال. إن وجه الشبه واضح بين هذه المقبرة والمقابر الفرعونية، ولذلك نعتبرها مصرية في تصميمها وعمارتها وزخرفتها. وتدل نقوشها وطراز زخرفتها على أنها تنتمي إلى هذا العصر.

وليس في الحقيقة لمقبرة بنوسيرس مكان هنا، لأنها بنيت في الأصل قبل الفتح المقدوني، ولأن لاموتى لم يدفنوا في هذه المقبرة في بئر جنازية، لكنها مقبرة هامة لا يمكن إغفالها، ويوجد ما يبرر الكلام عنا في هذا المجال، وذلك بسبب إكمال زخرفة هيكلها في عصر البطالمة، وإضافة قاعة خارجية أمام الهيكل في هذا العصر، وهنا المكان الوحيد الذي نتحدث فيه عن الهياكل البطلمية الجنازية.

يؤدي طريق منحدر ممهد إلى هذه المقبرة، التي تتألف من غرفة أمامية (Pronaos) مستطيلة الشكل، لها واجهة أنيقة تتكون من أربعة أعمدة ذات رؤوس من الطراز الشائع في عهد البطالمة المعروف باسم رءوس الأعمدة المركبة، وتقوم بين هذه الأعمدة أربعة جدران قصيرة كالتسائر. ووراء هذه الغرفة يوجد الهيكل، وهو أيضًا غرفة متسعة مستطيلة تقسمها إلى ثلاثة أقسام أربعة أعمدة مربعة مقامة في صفين. وتنزيل من وسط الهيكل بئر تؤدي إلى عدة غرف كانت تضم عدة توابيت من بينها توابيت بتوسيرس وزوجه وابنه.

وتزين واجهة المقبرةنقوش ومناظر دينية منحوتة ومطلية بالألوان، وهي مصرية في موضوعها وصنعتها وطرازها. وقد قسمت الجدران الداخلية في الغرفة الأمامية إلى لوحات، وضعت بعضها فوق بعض وزينت مثل المقابر الفرعونية بمناظر تمثل صناعة الآنية المعدنية والعطور والأدوات الخشبية وكذلك بعض الأعمال الزراعية. ويوجد على الجدار الجنوبي تحت اللوحات أفريز يمثل مناظر تقديم القرابين. و مناظر مصرية في موضوعها وصنعتها، لكن طرازها يرينا محاولة غير ناجحة لمزج الطرازين المصري والإغريقي. أما مناظر الجزء الغربي من الإفريز فهي تكاد تكون إغريقية في كل شيء.

أما زخرفة كل جدار في الهيكل فتتكون من ثلاثة أقسام: 1- أفريز مصري في الجزء العلوي، 2- لوحتان، أحداهما فوق الأخرى، بهما مناظر تمثل والد بتوسيريس أو أخاه في حضرة آلهة أو أفراد من الأسرة أو كليهما وكذلك مناظر جنازية، 3- أفريز سفلي تزينه مناظر ريفية ونساء ورجال يقدمون القرابين. وهنا أيضًا نجد أن أغلب الزخرفة مصرية صميمة في الموضوع والصنعة والطراز، لكن بعض المناظر ترينا محاولة لخلط الطرازين المصري والإفريقي.

ويدل مظهر الجدار الشمالي في الهيكل على أنه كان في الأصل واجمة المقبرة، أي أن الغرفة الأمامية أضيفت إلى البناء الأصلي فيما بعد. ويؤيد ذلك أيضًا النقوش والزخرفة، فإن نقوش الهيكل التي على الأعمادة وفي اللوحة العليا على الجدارين الجنوبي والغربي وفي الزاويتين الشرقية والغربية على الحائط الشمالي من الخارج دقيقة الصنع رقيقة الألوان، وطراز زخرفتها مصري بحت. أما لانقوش الأخرى التي في الهيكل والغرفة الأمامية، فإنها أقل دقة في الصنع ولم يبق شيء من ألوانها، ونرى في زخرفتها تأثيرات إغريقية ملموسة، مما يدل على أنه للمقبرة تاريخين: أقدمهما عندما أقيم الهيكل وترك غير كامل، وأحدثهما عندما أضيفت الغرفة الخارجية وزخرفت أكملت زخرفة الهيكل.

ويستخلص ليفقر (Lefebvre) من طابع النقوش ومحتوياتها والتأثيرات الإغريقية التي في الزخرفة أن بتوسيريس قد أكمل زخرفة الهيكل وإضافة الغرفة الأمامية حوالي عام 300 ق.م.، وهو تاريخ يتفق مع ما يقترحه فابل (Weil) لأسباب فنية أخرى. أما موتيه (Montet) فيعتقد أن التأثيرات الأجنبية التي في المقبرة تأثيرات فارسية، ويعطي للمقبرة تاريخًا حوالي بداية القرن الخامس قبل الميلاد. ويشارك كافنياك (Cavaignac) رأى مونتيه، لكنه يضع المقبرة حوالي بداية القرن الرابع. لكن بيكار (Picard) يؤيد رأي نيففر، وتعد المزاعم التي ترى في المقبرة تأثيرات فارسية، ويدلل على أن كل الظواهر التي تعتبر غريبة عن الفن المصري في زخرفة هذه المقبرة ظواهر إغريقية. وفي الواقع تذكرنا هذه الظواهر بخصائص الفن الإسكندري في عصر البطالمة.

ننتقل الآن إلى الكلام عن القسم الثاني من المقابر المصرية، ويتألف هذا القسم أيضًا من نوعين، وكانت مقابر النوع الأول تنحت في الصخر، وتتكون عادة من غرفة واحدة أو غرفتين وعدد من الدرج أو ممر منحدر. وقد كان هذا النوع كالآبار الجنازية من أكثر أنواع المقابر شيوعًا. ولعل أهم فارق بين النوعين أن الآبار الجنازية كانت تستخدم عادة لتدفن شخص واحد، أما الغرف فإنها كانت تضم رفات عدة أشخاص. وقد وجدت أمثلة كثيرة لهذا النوع من المقابر في دير البرشة وأسوان وكاو والبدارى والفيوم ، ولا يدع مجالاً للشك في تاريخها ما وجد فيها من التوابيت واللفائف.
وينهض وجه الشبه بين هذه المقابر البطلمية والمقابر الفرعونية التي وجدت في دير البرشة وأسوان وكاو البدارى ـ ينهض دليلاً جديدًا على استمساك المصريين في عصر البطالمة بوسائل دفنهم القديمة.

أما النوع الثاني فيتكون من غرف مبنية، لعلها كانت أكثر كلفة وتبعًا لذلك أقل انتشارًا من الأنواع الأخرى. وأحسن مثل لهذا النوع مقبرة إمراءة أفروديتوبوليس التي عثر عليها عند منشية سليمان. وتتألف هذه المقبرة من بئر مبنية من اللبن، يوجد عند قاعها باب يؤدي إلى ثلاثة أجزاء مبنية من الصخر، تتألف من دهليز وغرفتين صغيرتين أحداهما خلف الأخرى. وقد غطيت الجدران بنقوش ومناظر جنازية مصورة بالألوان الحمراء. أما السقف فإنه زين بمناظر فلكية تشبه ما نراه في مقابر وادي الملوك وعلى سقف الرمسيوم ومدينة ههابو والمعابد الكبرى في عصر البطالمة. ونستخلص من شكل النقوش وطراز الزخرفة وشكل التابوت أن هذه المقبرة ترجع إلى حوالي بداية القرن الثاني قبل الميلاد.

وقد عثر في سقارة إلى الجنوب الغربي من معبد أوناس (Unas) على مقبرة مشابهة للمقبرة سالفة الذكر إلا أنها أصغر منها، إذ أنها تتكون من بئر تؤدي إلى حجرة مستطيلة ذات سقف مدبب طلي باللون الأبيض عند قمته ونثرت أرجاؤه بالنجوم ليشبه السماء. وتغطي جراتها الأربعة نقوش جنازية نحتت ورتبت في لوحات عمودية، وطليت بألوان مختلفة أكسبت المنظر روعة وجمالاً. ونستدل من طراز نقوش هذه المقبرة على أنها ترجع إلى عصر البطالمة، لأنها نحتت بدقة وعناية لكن طرازها لم يحتفظ بنقاء الطراز الصاوي الجميل، كما أن دقة النحت لا تخفي ما في الرسم من القصور على نحو ما نألف في عصر البطالمة ويضاف إلى ذلك أن النصوص تحوي من الأخطاء أكثر مما نصادفه في العصور السابقة.

إن هذا النوع من المقابر، الذي يتألف من بثر وغرفة جنازية أو أكثر دون أن يوجد به هيكل، يرينا الفكرة نفسها التي نجدها في مقابر الدولة الوسطى والعصر الصاوي التي أستغنت عن الهيكل. إذ يلوح أن أنصاب الموتى التيكانت توضع على قمة المقابر أو في داخلها وتزين بمناظر ودعوات دينية كانت تؤدي مثل الوظيفة كالهيا كل الجنازية، بل لعلها كانت أفضل منها ولاسيما في وقت حل فيه الفقر بالأهالي ولم تعد تتوافر لديهم الموارد للإنفاق عن سعة على المقابر. ونجد إذن في هذا النوع أيضًا دليلاً على استمرار التقاليد المصرية القديمة في عصر البطالمة

_________________



مثلى الاعلى هو كل ما يحقق لى السعادة من خلال حواسى التى هى
......... أنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: العمارة فى العصر البطلمى   الإثنين مارس 28, 2011 5:56 pm

3.المنــازل
يبدو لأول وهلة أن من العبث محاولة دراسة المنازل البطلمية ، بسبب افتقارنا إلى الأدلة الأثرية والأدبية . لكننا نستطيع تكوين فكرة عن هذه المنازل .
بفضل معلوماتنا عن المنازل الإغريقية في بلاد أخرى وعن المنازل المصرية في عصر الفراعنة ، ويفضل المعلومات التي نستمدها من قاعة ولائم بطلميوس الثاني ومن القصر العالم الذي شيده بطلميوس الرابع ومن مقابر الإسكندرية ومن بقايا منازل قليلة وجدت في الفيوم ومن الأوراق البردية، أما قصور البطالمة فلا يمكن أن نستمد شيئًا منها، لأن معالمها قد ضاعت دون رجعة، وليس في المصادر القديمة عنها إلا إشارات طفيفة .
لقد سبق القول أن مقابر الأرائك في الإسكندرية شيدت وفقًا لتصميم البيت الإغريقي، فإنه توجد في مقابر السوق الورديان والشاطبي وسيدي جابر كل العناصر المميزة لبيت الإغريقي وهي فناء (aule) وبروستاس وأويكوس. ومن بين كل هذه المقابر البطلمية المبكرة نلاحظ أن البناء الأصلي في مقبرة الشاطبي يشبه منازل برايني التي ترجع إلى القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد، إلى حد أنه يمكن القول بأنها تعطينا فكرة واضحة عن البيت الإغريقي في الإسكندرية منذ إنشائها حتى آخر القرن الثالث، إذ كان يوجد في هذه المقبرة مثل ما كان يوجد في منازل برايني مدخل ودهليز وفناء (aule) وبروستاس وأوبكوس. غير أنه توجد إلى جانب ذلك في البناء الأصلي للمقبرة صالة كبيرة، أقتضت إنشاءها ضرورة وجود مكان يستريح فيه زوار المقبرة.

وبما أن مقبرتي حديقة أنطونيادس والمكس تمتازان بعدم وجود بروستاس وبوجود فناء ذي أعمدة (Peristyle court) تحيط به غرف، فإننا نتسطيع أن نلمس وجه الشبه بين هاتين المقبرتين وبين منازل ديلوس التي ترجع إلى القرن الثاني وكذلك منازل برايني التي أنشئت بعد القرن الثالث، وفي هذا دليل بين على أن طراز المنازل الإغريقية قد تغير في الإسكندرية أيضًا بعد القرن الثالث. وبما أن مقابر الإسكندرية المبكرة تشبه منازل برايني التي من القرن الثالث، على حين أن مقابر الإسكندرية المتأخرة تشبه المنازل المعروفة في ديلوس منذ القرن الثاني، وبما أن مقابر الإسكندرية كانت تبنى على طراز منازلها، فإنه يتضح جليًا أن طراز المنازل الإغريقية في الإسكندرية قد ساير تطور المنازل الإغريقية في العالم الهلينيسي، وأن الإسكندرية قد شهدت أولاً منازل مشابهة لمنازل برايني وبعد ذلك منازل مشابهة لمنازل ديلوس.

ولا تفيدنا قاعدة ولائم بطلميوس الثاني كثيرًا في دراسة المنازل البطلمية، لأنها كانت عبارة عن قاعةة كبيرة يحيط بها من ثلاث جهات دهليز مغطى ذو أعمدة. وفائدة هذه القاعة لنا في هذا المقامة مقصورة على أنه كانت بها عناصر إغريقية وكذلك عناصر مصرية. إذ بينما كانت أعمدتها الخشبية مصرية كانت زخرفة جدرانها إغريقية.

ويؤيد قصر فيلوباتور العالم أدلة مقابر الإسكندرية، لأنه كان يحتوي كل العناصر المعمارية التي توجد في البيت الإغريقي المعروف في القرن الثالث، وأخصها البروستاس والأويكوس. وتتألف هذه السفينة الضخمة (thalamegos) من طابقين يوجد في أسفلهما مدخل ودهليز وبروستاس وأويكوس، وغرف للأكل وأخرى للنوم. ويوجد في الطابق العلوي غرف أخرى للأكل والنوم وكذلك بعض الهياكل. وطراز زخرفة كل أجزاء هذه السفينة، فيما عدا إحدى غرف الأكل في الطابق العلوي، طراز إغريقي. أما هذه الغرفة المستثناه فقد كانت بها أعمدة مصرية.

وننتقل الآن إلى الكلام عن المنازل التي كشفت الحقائر عن بقاياها في مصر. لقد كشفت البعثة الفرنسية عن أساس ثلاثة منازل بطلمية بمدينة حوران بالفيوم، نكتفي بأن ندرس منها التصميمين اللذين وجدا كاملين، وهما لحسن الحظ يمثلان نوعين من أنواع المنازل المصرية. ويبدو أن أحدهما أعد لسكن أفراد من الطبقة المتوسطة الدنيا، فقد بني على قطعة أرض مربعة الشكل قسمت خمية أقسام، تتألف من مدخل به سلم كان يؤدي إلى الغالب إلى السقف، ومن غرفةجلوس وغرفة نوم ومخزن ومطبخ. ووجه الشبه قريب جدًا بين هذا البيت والبيوت الفرعونية، وخاصة البيوت الفقيرة في كاهون، ولذلك لا نسرف إذا اعتبرناه نموذجًا لبيوت الطبقة الوسطى الفقيرة في عصر البطالمة.

أما البيت الآخر فكان أكبر من الأول. ويحتمل أنه كان لأسرة من الطبقة الوسطى المتيسرة، ووجه الشبه قوي جدًا بين هذا البيت البطلمي وبيوت الطبقة الوسطى في العمارنة، من حيث مساحته المربعة الشكل وتقسيمها ثلاثة أقسام تتألف من مدخل وصالة وسطى وغرف للنوم ومطبخ ومخازن. وهذا يثبت بوضوح أن طراز البيت مصري، ويؤيد ذلك أيضًا شكل النوافذ والأبواب. حقًا أن توزيع الغرف مختلف في الحالتين، لكن الصبغة العامة واحدة.

بيد أنه يبين أنه كانت توجد في هذا البيت ظاهرة هامة. إذ يحتمل أن كل أو على الأقل جانبًا من سألته الوسطى كان غير مسقوف، وعلى الرغم من أن الأدلة تجعلنا نميل إلى الاعتقاد بأن الصالة الوسطى في البيوت المصرية كانت مغطاة، وإن الضوء والهواء كانا يصلانها عن طريق الفتحات التي في أعلى جدرانها (clerestory system)، فإن الظاهرة الجديدة التي نلحظها هنا لا تدعو إلى زعزعة هذا الاعتقاد، ولا إلى الظن بأن هذا البيوت المصرية البطلمية كان ضدى لما حدث في المعابد المصرية البطلمية، ذلك أننا سنرى أن صالات الأعمدة في هذه المعابد قد استبدلت بطريقة الإضاءة من الفتحات العليا الجانبية (التي كانت تتطلب أن يزيد ارتفاع الأعمدة الوسطى على ارتفاع الأعمدة الجانبية، وتبعًا لذلك اختلاف مستوى سقف الجزء الأوسط عن سقف الجانبين) طريقة أخرى للإضاءة كانت عبارة عن عمل فتحات في السقف نفسه. وبما أنه لم يكن لهذا التغيير في المعابد أثر في طابع صالات الأعمدة، فلا داعي لأن يكون له في المنازل من الأثر في الصالة الوسطى المكشوفة فناء داخليًا، فيجب ألا نخلط بينه وبين الفناء الإغريقي ذي الأعمدة (Peristyle Court) لأن لكل منهما طابعه الخاص، إذ بينما كان الأول نتيجة طبيعية للطريقة المألوفة في تقسيم المسطح المربع الذي يمتاز به البيت المصري، فإن الثاني فناء أمامي به أعمدة وتحيط به عدة غرف.

ويبدو أن طريقة الإضاءة هذه قد انتشرت تدريجيًا، إلى حد أن الصالة الوسطى أصبحت تترك عادة غير مسقوفة، كما تثبت لنا حفريات البعثة الألمانية في الفيوم، التي كشفت عن تصميم بيتين من العصر الروماني في بطن حارث، إذ أن هذين التصميمين يتفقان من حيث وجود صالة وسطى مكشوفة أو فناء. والتصميمان غير كاملين إلا أن الزمن كان أكثر شفقة بأحدهما من الآخر، ولذلك نرى فيه ما نلقاه عادة من الغرف في البيوت المصرية. ومن الطريف أن نلاحظ أن بعض أجزاء هذا البيت قد زينت بأشكال آلهة إغريقية صورت بطراز إغريقي وقد أثبتت حفريات هذه البعثة في تبتونيس أن البيوت التي كشفت عنها هناك تتفق مع البيوت التي كشفت عنها في القرية سالفة الذكر من حيث صف الغرف حول صالة وسطى أو فناء أوسط. ولذلك يبدو أن جميع الغرف حول قاعة وسطى، كما كانت العادة دائمًا في عصر الفراعنة، قد استمر أيضًا في المنازل المصرية في عصري البطالمة والرومان. ولعلنا لا نبالغ إذا اعتقدنا أننا قد ورثنا عن الفراعنة الصالة الوسطى الشائعة في البيوت المصرية إلى عهد قريب جدًا.

وقد كشفت بعثة ألمانية أخرى في فيلادلفيا عن بقايا بيوت ترجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد. وقد اختفت هذه المنازل عن بعضها بعضًا في توزيع الغرف، لكنها كانت تحتوي عادة على أربع غرف أو خمس في كل طابق. وجدير بالملاحظة (أولاً) أن الدور الأرضي في هذه المنازل خال من النوافذ والأبواب، ويرجح أنه كان يستعمل بمثابة أقبية للتهزين، و(ثانيًا) أن الإنسان كان يصل إلى هذه المنازل، إما من الشارع الرئيسي أو من فناء يتصل بشارع جانبي، بواسطة سلم خارجي يؤدي إلى الطابق الأول، ولعل سبب هذه الطريقة في البناء موقع فيلادلفيا الصخرى الذي لم يسمح بحفر أقبية تحت الأرض دون تكبد صعوبات ونفقات كثيرة. ويعطينا صورة لهذا النوع من البناء نموذج صغير لبيت موجود الآن في متحف القاهرة. وهذا النموذج يتكون من دور أرضي مغلق فوق مستوى سطح الأرض، يعلوه طابق أول يصله بالشارع سلم خارجي وتقوم فوق هذا الطابق أربعة أو خمسة طوابق أخرى.

ولا يمكننا الجزم بعدد الطوابق التي كانت تتألف منها البيوت في فيلادلفيا، لكننا نسمع أن البيوت في قوى أخرى، مثل سوكنوبايو نيسوس (Soknopaiou Nesos) وتبتونيس وغيرهما، كانت تتكون من طابق واحد أو طابقتين، على حين أن النموذج الذي مر بنا ذكره يتكون من خمسة أو ستة طوابق، ويرجح أن هذه كانت حال البيوت في المدن الكبرى. ويتعذر علينا أيضًا أن نعطي صورة كاملة عن داخل المنازل، لأنه في أغلب الأحوال لم تبق من الطابق الأول الذي كان يستخدم للسكن إلا الأجزاء السفلى من الجدران، غير أنه يمكننا أن نستخلص من هذه البقايا ومن أدلة الوثائق البردية أن الجدران كانت تغطي بطبقة من الجبس وتطلي بألوان متعددة كما لو كانت مكسوة بالرخام الملون.

وترينا بقايا أحد المنازل من النوع الشائع في فيلادلفيا أنه كان يتألف من طابق أرضي مغلق وطابق علوي يصل إليه سلم من فناء خارجي. ويتكون هذا الطابق العلوي من ردهة وغرفة أمامية وأربع غرف أخرى وسلم يصل الطابق العلوي بالطابق الأرضي وكذلك بالطوابق العليا أو بالسقف. ونحن نميل إلى الاعتقاد بأن هذه البيوت قد شيدت طبقًا لنموذج إغريقي، لأننا إذا شبهنا الردهة بالفناء (aule) الإغريقي، فإننا نجد في هذه البيوت كل العناصر الأساسية التي كانت توجد في المنازل الإغريقية في القرن الثالث قبل الميلاد وهي: فناء وبروستاس وأويكوس. وإذا كانت هذه المنازل تختلف بعض الشيء عن البيوت الإغريقية المألوفة في القرن الثالث، فإننا نعزو ذلك إلى أثر البيئة لأننا نعتقد أن مطالب البيئة الزراعية هي التي فرضت وجود فناء خارجي وطابق أرضي في هذه المنازل. وبما أنه كان لهذه المنازل فناء خارجي، وبما أن الدور الأرضي كان خاليًا من النوافذ والأبواب ولم يستعمل للسكن، فإنه لم يكن هناك داع لوجود الدهليز الجانبي المألوف في البيوت الإغريقية. ويؤيد هذه النتائج التي وصلنا إليها أن هذه البيوت كانت مزخرفة بزخرفة إغريقية صميمة ، وأنها شيدت في بداية القرن الثالث لتأوى فيما يبدو النزلاء الإغريق في فيلادلفيا، التي خططت في عهد البطالمة على نمط التخطيط الشائع في المدن الإغريقية منذ القرن الخامس، وأنها تشبه المنازل الريفية في برجام.

ولنتناول الآن الكلام عن أدلة الوثائق البردية كان أغلبها مع الأسف من العصر الروماني. ونلاحظ أنها تشير إلى بعض عناصر البيت الإغريقي في ثلاثة أماكن فقط على النحو التالي: بروستاس واويكوس في الإسكندرية، وفناء (aule) وبروستاس وأويكوس في الإسكندرية، وفناء (aule) وبروستاس في فيلادلفيا. وبوستاس فقط في فيلادلفيا وبطوليميس. ونلاحظ أن البروستاس كان في بطوليميس في بناء عام، وكان في فيلادلفيا في إحدى الحالات الغرفة التي أمام غرفتي البخار في حمام عام. وفي حالة أخرى الغرفة التي أمام مخازن بيت زينون، ومن ثم يبدو أن كلمة بروسناس أصبحت تطلق على أنه غرفة أمام أخرى. غير أنه في حالة ثالثة في فيلادلفيا وكذلك في الإسكندرية، يبدو أن البروستاس كان كنظيره في البيوت الإغريقية الأخرى، أي أنه كان الغرفة التي تقوم أمام الغرفة الرئيسية في البيت.

ومن ثم فإن الوثائق البردية توحي بأن طراز منزل برايني الذي كان شائعًا بين إغريق القرنين الرابع والثالث ـ بما فيه من فناء (aule) وبروستاس وأويكوس ـ كان معروفًا في الإسكندرية وفي فيلادلفيا. وإزاء ندرة ذكر البروستاس في الوثائق البردية المتأخرة، يبدو أن ما حدث في برايني قد حدث هنا أيضًا، أي أن البروستاس والفناء (aule) قد خلفهما فناء ذو أعمدة (peristyle court)، على نحو ما يوجد في بيوت ديلوس منذ القرن الثاني قبل الميلاد. ولذلك يبدو أن أدلة الوثائق البردية على قلتها تؤيد تفسيرنا للأدلة الأثرية.

ونستخلص إذن مما مر بنا أن الأدلة الأثرية والأدبية والبردية تثبت ما يأتي:

أولاً: إن إغريق الإسكندرية قد أحضروا معهم إلى عاصمة البطالمة أنواع البيوت التي كانت مألوفة في الأنحاء الأخرى من العالم الإغريقي في العصر الهلينيسي، ونستخلص من الصبغة الإغريقية التي كانت تميز طراز العمارة والزخرفة في كل مقابر الإسكندرية تقريبًا أن بيوت إغريق الإسكندرية كانت تمتاز كذلك في أغلب الأحيان بطراز إغريقي في عمارتها وزخرفتها. بيد أنه لا يبعد أن بعض الأغنياء كانوا يشبعون أحيانًا بعض نزواتهم بشيء من الزخرفة أو العمارة المصرية، على نحو ما حدث في قاعة ولائم بطلميوس الثاني أو سفينة بطلميوس الرابع. لكننا لا نعرف إلى أي مدى كانوا يذهبون في هذه الناحية، ومع ذلك نرجح أنهم لم يغالوا في ذلك على الأقل أول الأمر، إذ بينما كان طراز الغالبية العظمى من غرف سفينة فيلوباتور إغريقيًا، كان طراز زخرفة غرفة واحدة مصريًا. وبديهي أن هذه المنازل الإغريقية في مصر كانت من نصيب الطبقتين العليا والوسطى. وقرب الشبه بين منازل الفقراء في بلاد الإغريق وفي مصر يجعل من العسير بل من العبث أن نحاول التفرقة بين أنواع منازل الفقراء من المصريين ومن الإغريق.

ومن المحتمل أن تكون بطوليميس قد اقتفت أثر الإسكندرية في هذا المضمار. ومن اليسير أن نفسر وجود منازل إغريقية في الإسكندرية وفي بطوليميس، فإن هاتين المدينتين أنشئتا حديثًا لتكونا منبع الحضارة الإغريقية في مصر. وقد نجحتا في الواقع في الاحتفاظ بصبغتهما الإغريقية حتى الفتح الإسلامي. ولابد من أن الحال كانت كذلك في نقراطيس، المدينة الإغريقية القديمة. ولا ريب في أنه ق أنشئت منازل إغريقية كذلك في المدن والقرى التي أنشئت حديثًا للإغريق في الفيوم.

أما فيما عدا الأماكن التي ذكرناها، فإن الإغريق استقروا في مدن وقرى كانت من قبل آهلة بالسكان. وكان أغلب هؤلاء الإغريق جنودًا أو تجارًا نستبعد أنهم أقدموا يوم حطوا رحالهم في مصر على تشييد بيوت خاصة بهم يكون طرازها إغريقيًا، ولاسيما أن الجنود كانوا يمنحون مساكن في بيوت المصريين. ومن المحتمل أن هؤلاء الجنود والتجار لم يعيشوا من قبل في منازل تختلف كثيرًا عما وجدوه من المنازل المصرية. ويبدو طبيعيًا إذن أن إغريق الأقاليم بوجه عام استعملوا المساكن المصرية التي وجدوها فيما نزلوا به من الأماكن، ولعله بمضي الزمن وتناسب هذه المنازل مع البيئة ألف الإغريق سكنى هذه المنازل. وإذا اتخذنا بيوت الفيوم الرومانية دليلاً، فإننا نرجح أنه عندما كان الإغريق يسكنون بيوتًا مصرية كانوا يزخرفونها إغريقية.

ثانيًا: يبدو أن المصريين بوجه عام قنعوا في عهد البطالمة بأنواع البيوت التي ورثوها عن الدولة الحديثة وأورثوها لخلفائهم، فقد احتفظوا بالطراز المصري في تصميم منازلهم وعمارتها، وكذلك في زخرفتها، إذا اعتمدنا في هذا الصدد على المقابر المصرية البطلمية، فيما عدا مقبرة بتوسيريس التي رأينا في جانب من زخرفتها طراز مختلطًا، وإن دل هذا على شيء فهو يدل أيضًا على أنه في بعض الأحيان كان يميل أثرياء المصريين وخاصة المتأغرقين منهم إلى زخرفة منازلهم زخرفة مختلطة، بل يحتمل أنهم كانوا ينشئون لأنفسهم بيوتًا على طراز إغريقي يتفق مع أسلوب حياتهم.

_________________



مثلى الاعلى هو كل ما يحقق لى السعادة من خلال حواسى التى هى
......... أنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
abdh89



تاريخ الميلاد : 23/04/1989
العمر : 28

مُساهمةموضوع: رد: العمارة فى العصر البطلمى   السبت أبريل 14, 2012 12:46 pm

اخي شكرا لك على هذا الموضوع
فقط ابحث عن المراجع لهذا الموضوع
أيدوني وشكرا لكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
العمارة فى العصر البطلمى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ القديم-
انتقل الى: