كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الاندلس

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: الاندلس   الأحد أغسطس 29, 2010 6:10 pm

[center][size=24]
عهد الفتح الإسلامي
فكرة فتح الأندلس: إن فكرة فتح الأندلس فكرة قديمة جدًّا تعود إلى زمن ./عثمان_بن_عفان]عثمان بن عفان رضي الله عنه، إذ قال: إن من يفتح الأندلس شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر.
ولكن من الذي نفذ عملية الفتح؟ الذي قام بذلك هو موسى بن نصير وطارق بن زياد، حيث نجد أن موسى بن نصير منذ أن أصبح واليًا على إفريقيا وهو يعمل على تثبيت دعائم الإسلام في الأندلس بتعليمه للبربر، وتحصين الأماكن التي تفتح؛ لكي يستطيع استكمال فتح الأندلس. وواجهته مشاكل عديدة مثل قلة عدد السفن، وقلة عدد المسلمين إلا أنه استطاع التغلب على هذه المشاكل ببناء أسطول بحري، والاعتماد على البربر في الجيش.
كيف فتحت بلاد الأندلس؟ تحرك طارق بن زياد وعبر المضيق - الذي عُرف فيما بعد باسم مضيق جبل طارق - وانتصر على الجيش الجنوبي للأندلس في الجزيرة الخضراء، ثم انتصر طارق بن زياد على لُذريق في موقعة وادي بَرْباط، وهنا شاعت القصة المشهورة وهي قصة حرق السفن، وهل هي حقيقية أم لا؟!
والحقيقة أن هذه القصة قصة باطلة؛ لأنه لا يوجد لها سند في التاريخ الإسلامي، وادَّعاها الأوربيون للتقليل من انتصار المسلمين على لذريق.
بعد ذلك توجه طارق بن زياد إلى الشمال ليستكمل فتح بلاد الأندلس حتى وصل إلى طليطلة، وهنا تظهر بعض الإشاعات بأن موسى بن نصير أمر طارق بن زياد بالكف عن الفتح خوفًا أن ينسب إليه فتح الأندلس، ولكن هذا غير صحيح؛ فطارق بن زياد واليه، وأن هذا الانتصار يضاف إلى حسنات موسى بن نصير، وأن هذه الإشاعات هدفها إحداث الفرقة بين صفوف المسلمين، وقد تنبه موسى بن نصير وطارق بن زياد لذلك، واتجه القائدان معًا لاستكمال فتح الأندلس. ويجب علينا أن نستفيد من دروس التاريخ، وأن لا ندع للعدو فرصة أن يستخدم معنا سياسة "فَرِّقْ تَسُدْ".
ولكن حدث شيء غريب أثناء الفتح!
أثناء الفتح فُوجئ موسى بن نصير وطارق بن زياد بأمر غريب، وهى رسالة الوليد بن عبد الملك، فلقد أرسل الوليد بن عبد الملك إلى طارق بن زياد وموسى بن نصير رسالة يأمرهم فيها بالعودة وعدم استكمال الفتح. ولكن لماذا يرسل الوليد بن عبد الملك هذه الرسالة، وفي هذا التوقيت؟! السبب كان يكمن في خوفه على المسلمين من التوغل في هذه البلاد، كما أنه سمع أن موسى بن نصير يريد فتح أوربا. ولكن حدث بعد ذلك ما لم يكن بالحسبان، وهو أن ترك الأندلس دون استكمال فتحها، وخاصة منطقة "الصخرة"؛ مما أدى بعد ذلك إلى أن تصبح هذه المنطقة نواة للممالك النصرانية التي ستكون سببًا في سقوط الأندلس.



المسلمون في الشمال الإفريقي
لكي نفهم الفتح الإسلامي للأندلس لا بدّ أن نتعرف على طبيعة الوضع في البلاد الملاصقة لهذا البلد وهي بلاد الشمال الإفريقي، فقد دخلها الإسلام قبل فتح الأندلس بسبعين سنة، أي سنة 23 هـ= 644 م وكان يسكن هذا الإقليم (إقليم الشمال الإفريقي) قبائل ضخمة تسمى قبائل البربر - سنفصّل الأمر فيها قريبًا بمشيئة الله - وهذه القبائل كانت دائمة الارتداد عن دين الله سبحانه وتعالى، فتدخل في الإسلام، ثم ترتد، ثم تسلم، ثم ترتد، ودارت الحروب بين هذه القبائل والمسلمين وانتهت باستقرار الإسلام في هذا الإقليم أواخر سنة 85 أو 86 هـ= 704 أو 705 م على يد موسى بن نصير رحمه الله.





مُوسَى بن نُصَير 19 - 97 هـ= 640 - 716 م

مُوسَى بن نُصَير ذلك القائد المسلم البارع التقي الورع الذي ثبّت الله به أقدام الإسلام في هذه البلاد المترامية الأطراف في الشمال الإفريقي، وهو من التابعين، وقد روى عن بعض الصحابة كتميم الداري رضي الله عنه...
قال عنه ابن خلّكان: كان عاقلاً كريماً شجاعاً ورعاً تقياً لله تعالى، لم يُهزم له جيشٌ قطّ.
أما أبوه فهو نُصَير ذلك الغلام النصراني الذي أسره [/سيف_الله_المسلول_خالد_بن_الوليد]خالد بن lرضي الله عنه في موقعة عين التمر، وكان قبلها يتعلم الإنجيل والدراسات النصرانية في الكنيسة،الوليد وفي الأَسْرِ عرف الإسلام وأُعجب به، فأسلم وهو ابن ثلاثة عشر أو أربعة عشر عامًا، وكان معه وعلى شاكلته سيرين أبو محمد بن سيرين التابعي المشهور.
وهنا وقفة لطيفة نشير إليها في معرض هذا الحديث، وهي تلك الثمرة التي هي من ثمار ومن تبعات الفتوحات الإسلامية، ومصداقا لقوله تعالى: [وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ] [size=12]{فصِّلت:33}. تلك الثمرة التي منّ الله بها على نُصَير وعلى ولده من بعده، ومن ثَمّ على المسلمين أجمعين.
فانظر ماذا فعل الإسلام بنُصَير وغيره؟ وماذا كان سيكون مصير نُصير إذا ظل على ما كان عليه؟ وكيف أصبح في حسنات خالد بن الوليد رضي الله عنه وقد توفي بعده بسنوات وسنوات. وإنه لثمرة من ثمرات الجهاد الإسلامي في بلاد فارس (وهي التي أُسر فيها نُصير). وإن فتح الأندلس على يد موسى بن نصير ليشاركه فيه - بإذن الله - الأجرَ خالد بن الوليد رضي الله عن الجميع.
أما نُصير، فلما أسلم ازداد حبه للإسلام، فأخذ ينهل منه ويتعلم حتى أصبح عالِمًا، وفي ذات الوقت من الفرسان الأشداء والمجاهدين الأكفاء، وظل يترقى من حال إلى حال حتى صار في زمن الدولة الأموية قائدًا لجيوش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وظل في هذه القيادة سنوات طويلة...
قال المقرّي في نفح الطيب عن موسى بن نصير: وكان والده نصير على جيوش معاوية، ومنزلته لديه مكينة، ولمّا خرج معاوية لصفين لم يخرج معه - أي نصير - فقال له: ما منعك من الخروج معي ولي عندك يدّ لم تكافئني عليها؟ فقال: لم يمكني أن أشكرك بكفري من هو أولى بشكري منك، فقال: من هو؟ فقال: الله عزّ وجلّ، فأطرق مليّاً ثم قال: أستغفر الله، ورضي عنه.
في هذا الوقت كان مُوسَى بن نصير يتربى في بيت الخلافة مع أولاد معاوية وأولاد الأمراء والخلفاء، فنشأ على حب الجهاد في سبيل الله ونشر الدين، حتى أصبح شابًا يافعًا يتقلد الرتب والمناصب، فتقلد قيادة جيوش الأمويين في مصر في عهد عبد العزيز بن مروان الأموي، ثم بعد ذلك واليًا على إفريقيا وذلك في سنة 85 هـ= 704 م.
كانت الفرصة مواتية لموسى بن نصير أن ينجز ما عجز السابقون عن إنجازه فتوّجه ناحية المغرب وأعاد تنظيم القوات الإسلامية، وحشد جيوشه جميعًا ووقف فيهم خطيبًا وكان مما قال: إنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة فليحمد الله، وليحضّ على مثلها ومن رأى مني سيئة فلينكرها فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب كما تصيبون... ومن كانت له حاجة فليرفعها إلينا وله عندنا قضاؤها على ما عزّ وهان مع المواساة إن شاء الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ابن خلّكان في وفيات الأعيان: وكانت البلاد في قحط شديد، فأمر الناس بالصوم والصلاة وإصلاح ذات البين، وخرج بهم إلى الصحراء، ومعه سائر الحيوانات، وفرق بينها وبين أولادها، فوقع البكاء والصراخ والضجيج، وأقام على ذلك إلى منتصف النهار، ثم صلى وخطب بالناس، ولم يذكر الوليدَ بنَ عبد الملك، فقيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين فقال: هذا مقام لا يُدعى فيه لغير الله عزوجل، فسقوا حتى رووا.
مُوسَى بن نُصَير وتثبيت دعائم الإسلام في إفريقيا
منذ أصبح موسى بن نصير واليًا على إفريقيا أصبح كلُّ همّه لماذا يرتدّ الناس بين الحين والآخر عن الإسلام بعد أن يكونوا قد دخلوا فيه؟! بل كيف يعودون ويقاتلون المسلمين بعد أن كانوا مسلمين؟! ومن هنا فقد أراد أن يجد حلًا لهذه الأمور، ويعمل على تثبيت دعائم الإسلام في هذا الإقليم الذي كان قد فتحه عقبة بن نافع رحمه الله، والذي اغتيل في القيروان من هذا الإقليم على يد البربر وهو في طريق عودته من المغرب الأقصى.
وفي بحثه عن معرفة أسباب هذه الردّة المتكررة وجد مُوسَى بن نُصَير خطأين وقع فيهما من سبقوه.
الخطأ الأول: هو أن عقبة بن نافع ومن معه كانوا يفتحون البلاد فتحًا سريعًا، ويتوغلون داخلها طمعًا في فتح أماكن أخرى كثيرة، دون أن تتوفر الحماية لظهورهم في هذه المناطق التي فتحوها، ومن ثم كانت النتيجة أن البربر فَقِهوا هذا الأمر واستغلّوه جيدًا، فانقلبوا على عقبة وأحاطوا به وقتلوه، وحتى يتغلب على هذا الأمر بدأ مُوسَى بن نُصَير يفتح البلاد في أناةٍ شديدة، وفي هدوء وحذرٍ كحذر خالد بن الوليد رضي الله عنه، فبدأ يتقدم خطوة ثم يُأَمِّن ظهره، ثم خطوة فيأمّن ظهره، حتى أتمّ فتح هذا الإقليم في سبع أو في ست سنوات، بينما استغرق عقبة بن نافع في فتحه شهورًا معدودات.
أما الخطأ الثاني فقد وجد أن سكان هذا الإقليم لم يتعلموا الإسلام جيدًا ولم يعرفوه حق المعرفة، فبدأ بتعليمهم الإسلام؛ فكان يأتي بعلماء التابعين من منطقة الشام والحجاز ليعلمونهم الإسلام ويعرفونهم به، فأقبلوا على الإسلام وأحبّوه ودخلوا فيه أفواجًا، حتى أصبح البربر الذين يحاربون المسلمين جند الإسلام وأهله، وهكذا عمل مُوسَى بن نُصَير على تثبيت دعائم الإسلام وتوطيده في الشمال الإفريقي، وأتمّ فتح الإقليم بكامله عدا مدينة واحدة وهي مدينة "سَبْتَة" (مدينة "سَبْتَة" الآن من مدن المغرب العربي التي تحتلها إسبانيا، وتقع على مضيق جبل طارق)، فقد فتح ميناء طنجة ولم يفتح ميناء "سَبْتَة" المماثل له في الأهمية، وللموقع الاستراتيجي لمدينة "سَبْتَة" ولّى موسى بن نصير على ميناء طنجة (القريب جدًا من "سَبْتَة" والقريب في ذات الوقت من الأندلس) أمهر قواده طارق بن زياد رحمه الله، وطارق بن زياد لم يكن عربيًا، بل كان من قبائل البربر التي استوطنت الشمال الإفريقي - كما ذكرنا - والتي كان يميزها اللون الأبيض والعيون الزرقاء والشعر الأشقر، بعكس ما يُتخيل من كونهم يشبهون الزنوج، حتى إن البعض ينسبونهم إلى أصول أوروبية، وقد حمل طارق بن زياد القائد الفذّ هذه الصفات الشكلية، إضافة إلى ضخامته الجسمية ووسامته الشديدة، تلك التي لم تمنعه عن الانشغال بحب الجهاد في سبيل الله، ونشر هذا الدين.
من خلال ما سبق نرى أن موسى بن نصير رحمه الله قد تولّى أمر إفريقية وهي تضطرم نارًا، فكان أول عمل له هو تأمين قواعد انطلاقه، ثم انصرف لإخماد الفتن والقضاء على الثورات وتصفية قواعد العدوان، وبناء المجتمع الإسلامي الجديد، ووجد بعد ذلك في إفريقية طاقات ضخمة وإمكانات جبّارة فأفاد من حرية العمل المتوافرة له وانصرف إلى متابعة حشد القوات وتعبئتها وقيادتها من نصر إلى نصر، وإشراكها في شرف الفتوح وتحميلها أعباء نشر الإسلام...
كان موسى بن نصير - إذن - من أعظم رجال الحرب وافدارة المسلمين في القرن الأول للهجرة، وقد ظهرت براعته الإدارية في جميع المناضب التي تقلّدها، كما ظهرت براعته الحربية في جميع الحملات البرية والبحرية التي قادها، على أن هذه المواهب تبدو بنوع خاص في حكمه لإفريقية، حيث كانت الحكومة الإسلامية تواجه شعبًا شديد المراس يضطرم بعوامل الانتفاض والفتنة، وإذا كان موسى قد أبدى في معالجة الموقف وإخماد الفتنة كثيرًا من الحزم والشدة فقد أبدى في الوقت نفسه خبرة فائقة بنفية الشعوب وبراعة في سياستها وقيادتها، وكان موسى فوق مواهبه الإدارية والعسكرية غزير العلم والأدب، متمكنًا من الحديث والفقه، عالمًا بالفلك، مجيدًا للنثر والنظم...





طارق بن زياد يتوغل في الشمال فاتحًا

توجه طارق بن زياد بعد فتح إشبيلية إلى مدينة "أَسْتجّة" وهي أيضا من مدن الجنوب، وفي "أَسْتجّة" قاتل المسلمون قتالًا عنيفًا، لكنه - بلا شك - أقل مما كان في وادي بَرْبَاط؛ فقد فَقَدَ النصارى معظم قواتهم في موقعة وادي بَرْبَاط، وقبل أن ينتصر المسلمون في أواخر المعركة فتح النصارى أبوابهم وقالوا قد صالحنا على الجزية.
وثمة فارق كبير جدًا بين أن يصالح النصارى على الجزية، وبين أن يفتح المسلمون المدينة فتحًا؛ لأنه لو فتح المسلمون هذه المدينة فتحًا (أي بالقتال) لكان لهم أن يأخذوا كل ما فيها، أمّا إن صالح النصارى على الجزية، فإنهم يظلّون يملكون ما يملكون ولا يدفعون إلا الجزية، والتي كانت تقدّر آنذاك بدينار واحد في العام كما وضحنا سابقًا.
ومن أَسْتجّة وبجيش لا يتعدى التسعة آلاف رجل يبدأ طارق بن زياد بإرسال السرايا لفتح المدن الجنوبية الأخرى، وينطلق هو بقوة الجيش الرئيسة في اتجاه الشمال حتى يصل إلى طُلَيْطِلَة عاصمة الأندلس في ذلك الزمن، فقد بعث بسرية إلى قُرْطُبَة، وسرية إلى غِرْنَاطَة، وسرية إلى مَالْقة، وسرية إلى مُرْسِيَه، وهذه كلها من مدن الجنوب المنتشرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والمطلة على مضيق جبل طارق، وكان عدد الرجال في هذه السرايا لا يزيد عن سبعمائة رجل، ومع ذلك فقد فُتحت قُرْطُبَة على قوتها وعظمتها بسرية من تلك التي لا تتعدى السبعمائة رجل [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17}. ثم استمرّ طارق بن زياد رحمه الله في التوجه ناحية الشمال حتى وصل إلى مدينة جَيّان وهي من مدن النصارى الحصينة جدًا.





طارق بن زياد على أعتاب طُلَيْطِلَة

طُلَيْطِلَة: مدينة قديمة في أسبانيا تقع في وسط شبه جزيرة أيبريا على مسافة 91 ك جنوبي غربي مدريد ويحيط بها نهر (التاجو) من جهات ثلاث في واد عميق يسقي مساحات شاسعة من أراضيها.
كان موسى بن نصير رحمه الله الذي اتّسم بالحكمة والأناة قد أوصى طارق بن زياد ألّا يتجاوز مدينة "جَيّان" أو لا يتجاوز مدينة "قُرْطُبَة"، و أمره ألا يسرع في الفتح في طريقه إلى العاصمة "طُلَيْطِلَة" حتى لا يحوطه جيش النصارى.
لكن طارق بن زياد وجد أن الطريق أمامه مفتوحًا، ووجد أن الطريق إلى طُلَيْطِلَة ليس فيه من الصعوبة شيء؛ فاجتهد برأيه، وعلى خلاف رأي الأمير موسى بن نصير وجد أن هذا هو الوقت المناسب لفتح "طُلَيْطِلَة" العاصمة، وكانت تُعدّ أحصن مدن النصارى على الإطلاق، فرأى أنه إن هاجمها في هذه الفترة التي يكتنف النصارى فيها الضعف الشديد الذي لا يستطيعون معه مقاومة جيش المسلمين فإنه قد يتمكن من فتحها، الأمر الذي قد يتعذر بعد ذلك فلا يستطيع فتحها.
وكان الأفضل في هذا الأمر أن يستشير طارقُ بن زياد موسى بن نصير في المغرب، وأن يرسل إليه ولو رسالة يشرح له فيها طبيعة الموقف، وأن الطريق مهيّأ أمامه لفتح "طُلَيْطِلَة"، ويستوضح رأيه ورده في ذلك.
لكنه أسرع في اتجاه طُلَيْطِلَة دون استئذان من موسى بن نصير، وكان موسى بن نصير قد علم بتقدم طارق لفتح طُلَيْطِلَة، ولكن نظرًا لطول المسافات لم يستطع أن يلحق به فيكون مددًا له.
كانت مدينة طُلَيْطِلَة من أحصن مدن الأندلس، بل هي أحصن مدينة في الأندلس؛ فقد كانت محاطة بجبال من جهة الشمال والشرق والغرب، أما الجهة المفتوحة وهي الجنوب فعليها حصن كبير جدًا.
ومع ذلك فقد فتحت أبوابها لطارق بن زياد وصالحت على الجزية.
موسى بن نصير يأمر طارقًا بالكفّ عن الفتوحات ويجهّز نفسه لمدده
تَقَدُّمُ طارق بن زياد بهذه السرعة في بلاد الأندلس لم ينل قبولًا لدى موسى بن نصير؛ إذ وجد فيه تهورًا كبيرًا لا يُؤْمن عواقبه، وكان قد عُرف عن موسى بن نصير الأناة والحكمة والصبر في كل فتوحاته في شمال أفريقيا حتى وصل إلى المغرب، ومن ثم فقد بعث برسالة شديدة اللهجة إلى طارق بن زياد يأمره فيها بالكفّ عن الفتح والانتظار حتى يصل إليه؛ وذلك خشية أن تلتف حوله الجيوش النصرانية.
وفي أثناء ذلك بدأ موسى بن نصير يُعدّ العدة لإمداد طارق بن زياد بعد أن انطلق إلى هذه الأماكن البعيدة الغائرة في وسط الأندلس، فجهّز من المسلمين ثمانية عشر ألفًا.
ولكن من أين جاءوا وقد كان جيش الفتح لا يتعدى الاثنا عشر ألفًا؟!
وذلك أن الناس من مشارق الأرض ومغاربها قد انهمروا على أرض الأندلس حين علموا أن فيها جهادًا، فقد كان جلّ الاثني عشر ألف مسلم الذين فتحوا الأندلس مع طارق بن زياد من البربر، أما هؤلاء الثمانية عشر ألفًا فهم من العرب الذين جاءوا من اليمن والشام والعراق، اجتازوا كل هذه المفاوز البعيدة حتى وصلوا إلى بلاد المغرب، ثم عبروا مع موسى بن نصير إلى بلاد الأندلس نصرةً ومددًا لطارق بن زياد.
موسى بن نصير وأعمال عظام في طريقه إلى طارق بن زياد
عبر موسى بن نصير بجيشه إلى بلاد الأندلس وكان ما توقعه؛ فقد وجد أن النصارى قد نقضوا عهدهم مع طارق في إشبيليّه، وهي المدينة الحصينة الكبيرة التي كانت قد صالحت طارقًا على الجزية، وكانوا قد جهّزوا العدة كي يأتوا طارقًا من خلفه، ولكن يُقدّر الله أن يفاجَئوا بجيش موسى بن نصير رضي الله عنه وهو قادم فيحاصر إشبيليّه.
كان موسى بن نصير قائدًا محنّكا، له نظرة واعية وبُعد نظر ثاقب، ولم يكن يومًا كما يدّعي أناس أنه عطّل طارق بن زياد عن الفتح حسدًا أن يُنسب إليه وحده فتح بلاد الأندلس، ومن ثَمّ أراد أن يُشْرَك في الأمر معه.
فإن طارق بن زياد من عمّال موسى بن نصير، وواليه على الأندلس، وحسنات طارق بن زياد تُعدّ في ميزان موسى بن نصير رحمهما الله؛ فقد دخل الإسلام على يديه، وقد كان أقصى مراد موسى بن نصير هو النصر لجيش المسلمين وعدم الهلكة له بعيدًا عن أرضه. ومن ثَمّ فقد قدم موسى بن نصير وحاصر إشبيليه حصارا شديدا غاب مداه شهورًا حتى فتحت أبوابها أخيرًا، ثم جوّزها موسى بن نصير إلى الشمال، ولم يكن يفتح المناطق التي فتحها طارق بن زياد، وإنما اتجه ناحية الشمال الغربي وهو الاتجاه الذي لم يسلكه طارق بن زياد؛ فقد أراد استكمال الفتح ومساعدة طارق بن زياد وليس أخذ النصر أو الشرف منه.
واصل موسى بن نصير سيره نحو طارق بن زياد وفي طريقه فتح الكثير من المناطق العظيمة حتى وصل إلى منطقة تسمى "مَارْدَه"، كل هذا وطارق بن زياد في "طُلَيْطِلَة" ينتظر قدومه، وكانت "ماردة" هذه من المناطق التي تجمّع فيها كثير من القوط النصارى، فحاصرها موسى بن نصير حصارًا بلغ مداه أيضًا شهورًا، كان آخرها شهر رمضان، ففي أواخره وفي عيد الفطر المبارك وبعد صبر طويل فتحت المدينة أبوابها، وصالح أهلها موسى بن نصير على الجزية، وهكذا كانت تمر الأعياد على المسلمين.
لم يكتف موسى بن نصير بذلك، بل أرسل ابنه عبد العزيز بن موسى بن نصير رضي الله عنهم والذي تربى كأبيه وجدّه على الجهاد؛ ليفتح مناطق أوسع ناحية الغرب، وقد توغّل عبد العزيز في الغرب كثيرًا، حتى إنه في فترات معدودة فتح كل غرب الأندلس والتي تسمى حاليًا دولة البرتغال، فقد وصل إلى "لَشْبُونَة" وفتحها ثم فتح البلاد الواقعة في شمالها، وبهذا يُعدّ عبد العزيز بن موسى بن نصير فاتح البرتغال.
موسى بن نصير وطارق بن زياد.. لقاء الأبطال واستكمال الفتح
تذكر بعض المصادر أنه لما التقى موسى بن نصير وطارق بن زياد أمسك موسى بطارق وعنفه ووبّخه، بل تذكر أيضًا أنه قيّده وضربه بالسوط. والحقيقة أن مثل هذا لم يأت إلا من خلال الروايات الأوروبية فقط، وهو لم يحدث على الإطلاق، والذي حدث أن موسى بن نصير قد عنّف طارق بن زياد بالفعل على معصيته له بعدم البقاء في قُرْطُبَة أو جيّان واستمراره حتى طُلَيْطِلَة كما ذكرنا، وقد كان تعنيفًا سريعًا إلا أنه كان لقاء حارًا بين بطلين افترقا منذ سنتين كاملتين، منذ رمضان سنة 92 هـ= يوليو 711 م وحتى ذي القعدة سنة 94 هـ= أغسطس 713 م فقد أخذت الحملة التي قادها طارق بن زياد حتى وصل إلى "طُلَيْطِلَة" عامًا كاملًا، وكذلك استغرقت الحملة التي قادها موسى بن نصير حتى قابل طارقًا في نفس المكان عامًا كاملًا.
وبعد اللقاء اتحدّا سوّيًا واتجها معًا إلى فتح منطقة الشمال والشمال الشرقي والشمال الغربي، فبدآ بمنطقة الشمال ومرّا بمناطق عدة، كان منها على سبيل المثال منطقة برشلونة ففتحاها سويا (الكثير لا يعلم عن برشلونة إلا أن هذا اسم فريق كرة قدم متميّز، ولم يدر بخلده أنه في يوم ما كان قد دخلها المسلمون الفاتحون وحكّموا فيها شرع الله سبحانه وتعالى).
هكذا كانت همم الأجداد المسلمين التي ناطحت السحاب، فقد اتجها بعد ذلك سويًا إلى مدينة سَرَقُسْطَة وهي أعظم مدن الشمال الشرقي ففتحوها، واتجها أيضا إلى منطقة شمال الوسط، ثم إلى الشمال الغربي.
وفي منطقة الشمال قام موسى بن نصير بعمل يُحسد عليه؛ فقد أرسل سرّية خلف جبال البِرِينيه، وهي الجبال التي تفصل بين فرنسا وبلاد الأندلس، وتقع في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، عبرت هذه السرية جبال البرينيه ثم وصلت إلى مدينة تُسمّى "أربونة"، وتقع هذه المدينة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وبذلك يكون موسى بن نصير قد أسس نواة لمقاطعة إسلامية سوف تكبر مع الزمان كما سيأتي بيانه بمشيئة الله.
وبعد هذه السرية الوحيدة التي فتحت جنوب غرب فرنسا اتجه موسى بن نصير بجيشه إلى الشمال الغربي حتى وصل إلى آخره، وقد ظل المسلمون يفتحون مدن الأندلس المدينة تلو الأخرى حتى تم الانتهاء من فتح كل بلاد الأندلس، إلا منطقة واحدة في أقصى مناطق الشمال الغربي وتُسمى منطقة "الصخرة" أو "صخرة بلاي"، وهي تقع على خليج "بسكاي" عند التقائه مع المحيط الأطلنطي.
ففي زمن قُدّر بثلاث سنوات ونصف السنة، ابتدأ من سنة 92 هـ= 711 م وانتهى في آخر سنة 95 هـ= 714 م كان قد تم للمسلمين فتح كل بلاد الأندلس عدا "صخرة بلاي" هذه، ورغم أن المسلمين حاصروها حصارًا طويلًا إلا أنهم لم يستطيعوا أن يفتحوها، وعزم موسى بن نصير رحمه الله على أن يتم فتح هذه الصخرة ويستكمل الفتح إلى نهايته، إلا أنه فُوجئ بما لم يكن يتوقعه...





رسالة الوليد بن عبد الملك ووقف الفتوحات

من أقصى بلاد المسلمين من دمشق من أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك تصل رسالة إلى موسى بن نصير وطارق بن زياد بأن يعودا أدراجهما إلى دمشق ولا يستكملا الفتح، أمر عجيب وغريب! حزن له موسى بن نصير وأسف أشد الأسف، لكن لم يكن بُدّا من الاستجابة والعودة كما أُمر.
ولنا أن نندهش مع موسى بن نصير لماذا هذا الأمر الغريب؟! ولماذا كان في هذا التوقيت بالذات؟! إلا أن هذه الدهشة سرعان ما تتبخر حين نعلم سبب ذلك عند الوليد بن عبد الملك، وكان ما يلي:
1- كان الوليد بن عبد الملك يشغله همّ توغل المسلمين بعيدًا عن ديارهم، فهو المسئول عن المسلمين الذين انتشروا في كل هذه المناطق الواسعة، وقد رأى أن المسلمين توغّلوا كثيرًا في بلاد الأندلس في وقت قليل، وخشي رحمه الله أن يلتفّ النصارى من جديد حول المسلمين، فإن قوة المسلمين مهما تزايدت في هذه البلاد، فهي قليلة وبعيدة عن مصدر إمدادها، فأراد ألا يتوغّل المسلمون أكثر من هذا.
2- كان من الممكن للوليد بن عبد الملك أن يوقف الفتوح دون عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد، لكن كان هناك أمر آخر عجيب قد سمعه الوليد بن عبد الملك جعله يُصرّ على عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق، وهو أنه قد وصل إلى علمه أن موسى بن نصير يريد بعد أن ينتهي من فتح بلاد الأندلس أن يفتح كل بلاد أوروبا حتى يصل إلى القسطنطينية من الغرب.
كانت القسطنطينية قد استعصت على المسلمين من الشرق، وكثيرًا ما ذهبت جيوش الدولة الأموية إليها ولم تُوفّق في فتحها. وهنا فكّر موسى بن نصير أن يخوض كل بلاد أوروبا، فيفتح فرنسا ثم إيطاليا ثم يوغوسلافيا ثم رومانيا ثم بلغاريا ثم منطقة تركيا، حتى يصل إلى القسطنطينية من جهة الغرب، أي أنه سيتوغّل بالجيش الإسلامي في عمق أوروبا منقطعًا عن كل مدد، فأفزع هذا الأمر الوليد بن عبد الملك، وفكّر فيما لو احتاج هذا الجيش إلى مدد؟ فالمدد على بعد شهور منه، ويفصل بينه وبين بلاد المسلمين بحار وجبال وأراض واسعة، فخشي الوليد بن عبد الملك على جيش المسلمين من الهلكة وعجل بأمر عودة موسى بن نصير وطارق بن زياد.
هِمّة عالية
هنا لا بد لنا أن نقف وقفة عند هذه الهمّة العالية التي كانت عند موسى بن نصير، خاصة إذا علمنا أنه عندما كان يفكر هذا التفكير كان يبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة.
فلله درّه.. شيخ كبير ومع ذلك يجاهد في سبيل الله ويركب الخيول ويفتح المدينة تلو المدينة، يحاصر إشبيلية شهورًا ويحاصر "ماردة" شهورًا، ثم يفتح برشلونة وسرقسطة والشمال الشرقي، ثمّ يتجه إلى الشمال الغربي ويتجه إلى الصخرة فيحاصرها، ثم يريد أن يفتحها ويتجه إلى فرنسا وإيطاليا وغيرها حتى يصل إلى القسطنطينيّة.
أي همّة هذه التي عند هذا الشيخ الكبير والتي تجعله يفعل كل هذا ويؤمّل لهذا التفكير وعمره خمس وسبعون سنة! إنه ليضرب المثل لرجالات المسلمين اليوم وشيوخهم الذين بلغوا مثل عمره أو أقل منه وظنوا أنهم قد (خرجوا على المعاش) وانتهت رسالتهم بخروجهم هذا، فهي رسالة واضحة لهم بأن رسالتهم في الحياة لم تنته بعد، فمن لتعليم الأجيال؟! ومن لتوريث الخبرات؟! ومن لتصحيح المفاهيم؟!
فقد بدأ موسى بن نصير فتح الشمال الإفريقي وقد تجاوز أكثر من ستين سنة، أي تجاوز سن المعاش في زمننا هذا، ثم وهو في سن الخامسة والسبعين يحزن حزنا شديدًا ولكن على أي شيءٍ كان حزنه؟
حزن أولًا على أمر الوليد بن عبد الملك له بتركه أرض الجهاد، فقد كان متشوقًا جدًا له؛ ليتعرض للشهادة لكنها لم تصبه. ثم حزن ثانيًا حزنًا شديدًا لأن الصخرة لم تفتح بعد، ثم حزن ثالثًا وكان حزنه أشدّ لأنه لم يستكمل حلم فتح القسطنطينية من قِبَل الغرب كما كان يتمنى.
وفي هذا يذكر المقرّي صاحب نفح الطيب أن موسى بن نصير ترك الأندلس وهو مع ذلك متلهف على الجهاد الذي فاته، أسيفٌ على ما لحقه من الإزعاج، وكان يؤمل أن يخترق ما بقي عليه من بلد إفرنجة، ويقتحم الأرض الكبيرة حتى يتصل بالناس إلى الشام مؤملاً أن يتخذ مخترقه بتلك الأرض طريقاً مهيعاً - سهلًا وبيّنًا - يسلكه أهل الأندلس في مسيرهم ومجيئهم من المشرق وإليه على البر لا يركبون بحراً...
عودة وأُمنية..
لم يجد موسى بن نصير إلا أن يسمع و يطيع لأمر الوليد بن عبد الملك، فأخذ طارق بن زياد وعاد أدراجه إلى دمشق، وعندما وصل وجد الوليد بن عبد الملك في مرض الموت، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى مات وتولى الخلافة من بعده أخوه سليمان بن الملك، وكان على رأي أخيه في استبقاء موسى بن نصير في دمشق خوفًا على هلكة جيش المسلمين في توغله داخل بلاد أوروبا نحو القسطنطينية.
وبعد عام من قدوم موسى بن نصير سنة 97 هـ= 716 م كان سليمان بن عبد الملك ذاهبًا إلى الحج، الأمر الذي وافق اشتياقًا كبيرًا من قِبَل موسى بن نصير؛ فقد عاش في أرض الجهاد في شمال أفريقيا وبلاد الأندلس أكثر من عشر سنين لم يعد فيها مرة واحدة، فما كان منه إلا أن رافق سليمان بن عبد الملك في طريقه إلى الحج في ذلك العام.
وفي طريقه إلى هناك قال موسى بن نصير: اللهم إن كنت تريد ليَ الحياة فأعدني إلى أرض الجهاد، وأمتني على الشهادة، وإن كنت تريد ليَ غير ذلك فأمتني في مدينة رسول الله صلى الله عليه و سلم. ووصل رضي الله عنه إلى الحج، وبعد حجه وفي طريق عودته مات في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دفن مع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وهكذا كانت همم الصالحين وقلوب الموصولين برب العالمين، بلغ من الكبر عِتِيّا إلا أنه قَدّم أكثر مما عاش، ظل قلبه معلقا بحب ربه سبحانه وتعالى حتى دعاه فكانت الخاتمة وكانت الإجابة، عاش بين الأسنّة في أقصى بلاد الأندلس إلا أنه مات بعد الحج في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلله درّه من قائد وقدوة.
لقد مات القائد المسلم موسى بن نُصير بعد أن ملأ جهادُه - بقيادة المدّ الإسلامي المبارك - وديانَ المغرب الإسلامي ( الشمال الإفريقي والأندلس ) وجباله وسهوله وهضابه، ووجه دعاة الحق لإسماع ساكنيه نداء الخير فيخرجهم من الظلمات إلى النور المبين.
كان موسى بن نصير يقود هذا الجهاد في شبه الجزيرة الأندلسية وهو يبلغ من العمر خمسة وسبعين سنة، ممتطيًا جواده يهبط في وديانها ويرتفع على صخراتها، يتحرّك فيه إيمان بالله العلي الكبير، فتسمو نفسه وتجدد طاقته، وتحدوه لإعلاء كلمة الله ورفع رايته في كل مكان، فيندفع قوي الجنَان رغم ما علا رأسه من الشيب الوقور، يقوده إصرار العقيدة السمحة، وهمة الإيمان الفتي...
أما رفيق الدرب طارق بن زياد فقد انقطعت أخباره كليّة عند هذه المرحلة عند عودته إلى دمشق مع موسى بن نصير، ولا أحد يدري هل عاد مرة أخرى إلى الأندلس أم بقي في دمشق؟! وإن كان هناك بعض الروايات التي لم يتوثق من صحتها تقول أنه توفي سنة 102 هـ= 721 م أي بعد العودة من الأندلس بخمس أو ست سنين تقريبًا، لكن لم يعرف إن كان قد مات في دمشق أم في غيرها.





الصخرة.. والدرس الصعب

عاد موسى بن نصير وطارق بن زياد من الأندلس بعد أن تخطّى المسلمون بلاد الأندلس ووصلوا بفتوحاتهم إلى غرب فرنسا، إلا أنه كانت هناك منطقة صغيرة جدا في أقصى الشمال الغربي من بلاد الأندلس لم تفتح بعد، ولم يخطر على بال أحد من المسلمين أنه سيأتي يوم ما وتكون تلك المنطقة هي نواة الممالك النصرانية التي ستنشأ فيما بعد، وصاحبة اليد الطولى في سقوط الأندلس بعد ذلك بقرون.
تلك هي منطقة "الصخرة" التي لم يستكمل المسلمون فتحها وتهاونوا فيها، وكان فيها طائفة كبيرة من النصارى، و أغلب الظن أنه لو كان موسى بن نصير أو طارق بن زياد في هذا المكان ما تركوها، إلا أننا نستطيع أن نقول: إن التهاون في أمر بسيط جدًا قد يؤدي إلى ويلات عظيمة على مرور الزمن، فلا بد أن يأخذ المسلمون كل أمورهم بالعزم والحزم وعدم الطمأنينة إلا في استكمال النهايات على أتَمّها.
انتهاء عهد الفتح ( 95 هـ= 714 م )
برجوع موسى بن نصير وطارق بن زياد إلى دمشق تكون قد انتهت فترة هي من أهم الفترات في تاريخ الأندلس، وقد أُطلق عليها في التاريخ عهد الفتح؛ حيث إن تاريخ الأندلس يُقسّم إلى فترات أو عهود بحسب طريقة الحكم وبحسب نظام المُلك في هذه الفترات، وعهد الفتح هذا كان قد بدأ سنة 92 ه، 711 م وانتهى سنة 95 هـ= 714 م.
وبهذا يكون عهد الفتح قد ظل ثلاث سنوات ونصف السنة فقط، وهذا بحساب كل العسكريين يُعدّ معجزة عسكريّة بكل المقاييس، معجزة عسكرية أن تفتح كل هذه البلاد بكل الصعوبات الجغرافيّة التي فيها من جبال وأنهار وأرض مجهولة للمسلمين، معجزة عسكرية أن يتمكن المسلمون في ثلاث سنوات ونصف فقط من السيطرة على بلاد الأندلس عدا هذه المنطقة الصغيرة في أقصى الشمال الغربي والتي تسمى منطقة "الصخرة" أو "صخرة بليه"، معجزة عسكرية لم توجد إلا في تاريخ المسلمين.
<


فكرة فتح الأندلس

لم تكن فكرة فتح الأندلس وليدة أيام موسى بن نصير، بل إنها فكرة قديمة جدًا، فمنذ أن استعصت القسطنطينية على الفتح زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه - وكانت الحملات الإسلامية قد وصلت إليها - قال قولته: إن القسطنطينية إنما تُفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر.
فكان عثمان رضي الله عنه يعني أن المسلمين سيفتحون الأندلس أولًا (غرب أوروبا) ثم يتوجهون منها صوب القسطنطينية (شرق أوروبا) فيفتحونها من قِبَل الغرب لا من قِبَل الشرق، من جهة البحر الأسود في ذلك الوقت، لكن المسلمين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى هذه المنطقة من المغرب العربي إلا في أيام بني أمية وفي فترة حكم موسى بن نصير على الشمال الإفريقي.





مُوسَى بن نُصَير وعقبات فتح الأندلس

بعد أن استتبّ الأمر لموسى بن نصير في شمال إفريقيا، وانطلاقًا من قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ] {التوبة:123} أخذ موسى بن نصير الفكرة وهيَّأَ نَفْسَهُ لفتح بلاد الأندلس تلك التي تلي الشمال الإفريقي مباشرةً، وفي طريقه إليها كانت هناك عدة عقباتٍ كان أهمها ما يلي:
العقبة الأولى: قلّة السفن
وجد موسى بن نصير أن المسافة المائية التي سيقطعها بين المغرب والأندلس لا تقلّ عن ثلاثة عشر كيلو مترا، ولم يكن لديه سفنًا كافيةً لعبور هذه العقبة المائية، فمعظم فتوحات المسلمين - باستثناء بعض المواقع مثل ذات الصواري وفتح قبرص - كانت برّية، ومن ثَمّ لم يكن هناك حاجة كبيرة إلى سفن ضخمة، أَمَا والحالة هذه فهم بحاجة إليها لتنقل الجنود وَتَعْبر بهم مضيق جبل طارق ليصلوا إلى الأندلس.
العقبة الثانية: وجود جزر البليار النصرانية في ظهره إن دخل الأندلس
كان موسى بن نصير قد تعلّم من أخطاء سابقيه؛ فلم يخطو خطوة حتى يأمن ظهره أولًا، وفي شرق الأندلس كانت تقع جزر تسمى جزر البليار - هي عدة جزر تقع أمام الساحل الشرقي لأسبانيا وأهمها ثلاثة جزر هي: ميورقة ومنورقة ويابسة وتسمى في المصادر العربية بالجزر الشرقية - وهي قريبة جدًا من الأندلس، ومن هنا فإن ظهره لن يكون آمنًا إن هو دخل الأندلس، وكان عليه أولًا أن يحمي ظهره حتى لو كانت هذه الجزر تابعة للرومان.
العقبة الثالثة: وجود ميناء "سَبْتَة" المطل على مضيق جبل طارق في يد نصارى على علاقة بملوك الأندلس
كان ميناء "سَبْتَة" المطل على مضيق جبل طارق والذي لم يُفتح مع بلدان الشمال الإفريقي، وكان يحكمه ملك نصراني يُدعى يُليان أو جريان، وكان لهذا الملك علاقات طيبة بملك الأندلس الأسبق غَيْطَشَة، وغيطشة هذا كان قد انقلب عليه لُذريق أو رودريقو - كما يُنطق في بعض الأحيان - وتولى حكم الأندلس، وكانت العقبة تكمن في خوف موسى بن نصير من أن ينقلب عليه "يُليان" صاحب ميناء "سَبْتَة" والذي سيكون في ظهره ويتحد مع لُذريق صاحب الأندلس، حتى وإن كان على خلاف معه، فمن يضمن ألا يدخل "يُليان" مع لُذريق في حربه ضد موسى بن نصير نظير مقابل مادي أو تحت أي بند آخر؟
العقبة الرابعة: قلة عدد المسلمين
كانت العقبة الرابعة التي واجهت موسى بن نصير هي أن قوات المسلمين الفاتحين التي جاءت من جزيرة العرب ومن الشام واليمن محدودة جدًا، وكانت في نفس الوقت منتشرة في بلاد الشمال الإفريقي، ومن ثَمّ قد لا يستطيع أن يتم فتح الأندلس بهذا العدد القليل من المسلمين، هذا مع خوفه من أن تنقلب عليه بلاد الشمال الإفريقي إذا هو خرج منها بقواته.
العقبة الخامسة: كثرة عدد النصارى
في مقابل قوة المسلمين المحدودة كانت قوات النصارى تقف بعدتها وضخامتها عقبة في طريق موسى بن نصير لفتح الأندلس، وكان للنصارى في الأندلس أعدادٌ ضخمةٌ، هذا بجانب قوة عدّتهم وكثرة قلاعهم وحصونهم، وإضافة إلى ذلك فهم تحت قيادة لُذريق القائد القوي المتكبر.
العقبة السادسة: طبيعة جغرافية الأندلس وكونها أرض مجهولة بالنسبة للمسلمين
وقف البحر حاجزًا بين المسلمين وبين بلاد الأندلس، فلم تعبر سفنهم هذه المنطقة من قبل فضلًا عن أن يرتادوها أصلا، ومن ثَمّ لم يكن لهم علم بطبيعتها وجغرافيتها، الأمر الذي يجعل من الصعوبة الإقدام على غزو أو فتح هذه البلاد، وفضلًا عن هذا فقد كانت بلاد الأندلس تتميز بكثرة الجبال والأنهار، تلك التي ستقف عقبة كئود أمام حركة أي جيش قادم، خاصةً إذا كانت الخيول والبغال والحمير هي أهمّ وسائل ذلك الجيش في نقل العدة والعتاد.





مُوسَى بن نُصَير ومواجهة العقبات

[center]رغم هذه العقبات التي كانت موجودة بالفعل في طريق فتح الأندلس إلا أن موسى بن نصير لم يكسل ولم يقف مكبّل اليدين، بل أصرّ على الفتح وعلى إتمام الطريق الذي بدأه قبله الفاتحون، ومن هنا بدأ وفي أناةٍ شديدة يرتّب أموره ويحدد أولوياته، فعمل على حلّ المعضلات السابقة على هذا النحو:
أولا: بناء الموانئ وإنشاء السفن
عمد موسى بن نصير أول أمره في سبيل تجاوز عقبات الطريق إلى الأندلس إلى إنشاء السفن؛ فبدأ في سنة 87 أو 88 هـ= 706 أو 707 م ببناء الموانئ الضخمة التي يبنى فيها السفن، وإن كان هذا الأمر ربما يطول أمده إلا أنه بدأه بهمة عالية وإرادة صلبة؛ فبنى أكثر من ميناء في الشمال الإفريقي...
ثانيا: تعليم البربر الإسلام
وفي أثناء ذلك أيضًا عمد موسى بن نصير إلى تعليم البربر الإسلام في مجالس خاصة لهم كالدورات المكثّفة تمامًا، حتى إنه بدأ في تكوين جيش الإسلام منهم، وهذا الصنيع من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن نجده عند غير المسلمين؛ فلم توجد دولة محاربة أو فاتحة غير الدول الإسلامية تُغيّر من طبائع الناس وحبّهم وولائهم الذي كانوا عليه، حتى يصبحوا هم المدافعين عن دين هذه الدولة المحاربة أو الفاتحة، خاصّة إذا كانوا حديثي عهد بهذا الفتح أو بهذا الدين الجديد، فهذا أمر عجيب حقًا، ولا يتكرر إلا مع المسلمين وحدهم، فقد ظلّت فرنسا - على سبيل المثال - في الجزائر مائة وثلاثين عامًا ثم خرجت جيوشها بينما ظلّ الجزائريون كما كانوا على الإسلام لم يتغيروا، بل زاد حماسهم له وزادت صحوتهم الإسلامية...
علّم مُوسَى بن نُصَير البربر الإسلام عقيدةً وعملًا، وغرس فيهم حبّ الجهاد وبذل النفس والنفيس لله سبحانه وتعالى، فكان أن صار جُلّ الجيش الإسلامي وعماده من البربر الذين كانوا منذ ما لا يزيد على خمس سنين من المحاربين له.
ويحسن بنا في هذا الموقف أن نتعرف على البربر بشئٍ من التفصيل، فكلمة بربر إذا ما أُطلقت تشمل كل من يتكلم لغة أو لهجة معقدة، لا تفهم إلا عند بني جنسه، ويدخل في هذا الإطلاق أمة اليونان، وأمة الرومان وأمة السودان.
يقول الأستاذ الطاهر أحمد الزاوي:
"وكلمة البربر أُطلقت بأربعة إطلاقات في أربعة عهود مختلفة، فأُطلقت في عهد (هومير ) على القبائل المعقدة اللغة واللهجة حيثما وجدت وأطلقت في عهد (هيردوت) على الأمم الغريبة عن لغة اليونان وحضارتهم، وأطلقت في عهد (بلتوس) على الروم ما عدا سكان روما وأطلقها العرب في عهدهم على الأمة التي تسكن الساحل الإفريقي - وهم المقصودون هنا - لأنهم يتكلمون بلغة ليست مفهومة للعرب، والعرب يطلقون كلمة البربر على الأصوات المتجمعة غير المفهومة" * د على الصلابي حركة الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي

ثالثا: تولية طارق بن زياد على الجيش
القائد هو قبلة الجيش وعموده، بهذا الفَهْم ولّى مُوسَى بن نُصَير على قيادة جيشه المتجه إلى فتح بلاد الأندلس القائد البربري المحنّك طارق بن زياد (50 - 102 ه، 670 - 720 م ) ذلك القائد الذي جمع بين التقوى والورع والكفاءة الحربية وحبّ الجهاد والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله، ورغم أنه كان من البربر وليس من العرب إلا أن مُوسَى بن نُصَير قدّمه على غيره من العرب، وكان ذلك لعدة أسباب منها:
1- الكفاءة:
لم يمنع كون طارق بن زياد غير عربي أن يولّيه مُوسَى بن نُصَير على قيادة الجيش؛ فهو يعلم أنه ليس لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر فضل إلا بالتقوى، فقد وجد فيه الفضل على غيره والكفاءة في القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، وقد ذكرنا بعضًا من صفاته قبل قليل، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن دعوة الإسلام ليست دعوة قبلية أو عنصرية تدعو إلى التعصب وتفضل عنصرًا أو طائفةً على طائفة؛ إنما هي دعوة للعالمين: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] {الأنبياء:107}.
2- قدرته على فَهم وقيادة قومه:
إضافة إلى الكفاءة التي تميّز بها طارقبن زياد كان كونه من البربر أدعى للقضاء على أيٍ من العوامل النفسية التي قد تختلج في نفوس البربريين الذين دخلوا الإسلام حديثًا، ومن ثَمّ يستطيع قيادة البربر جميعًا وتطويعهم للهدف الذي يصبو إليه، ثُمّ ولكونه بربريًا فهو قادر على فهم لغة قومه؛ إذ ليس كل البربر يتقنون الحديث بالعربية، وكان طارق بن زياد يجيد اللغتين العربية والبربرية بطلاقة، ولهذه الأسباب وغيرها رأى مُوسَى بن نُصَير أنه يصلح لقيادة الجيش فولّاه إياه.
رابعا: فتح جزر البليار وضمها إلى أملاك المسلمين
من أهمّ الوسائل التي قام بها مُوسَى بن نُصَير تمهيدًا لفتح الأندلس وتأمينًا لظهره كما عهدناه، قام بفتح جزر البليار التي ذكرناها سابقًا وضمها إلى أملاك المسلمين، وبهذا يكون قد أمّن ظهره من جهة الشرق، وهذا العمل يدل على حنكته وحكمته وبراعته في التخطيط والقيادة ومع هذا كلّه فقد أُغفل دوره في التاريخ الإسلامي كثيرًا.






[color=black]مشكلة

استطاع مُوسَى بن نُصَير أن يتغلب على قلّة عدد الجيش من خلال البربر أنفسِهم، كذلك تغلب على العقبة المتمثلة في قلة السفن نسبيًا ببناء موانئ وسفن جديدة، وبقيت أرض الأندلس كما هي أرضًا مجهولة له، وكذلك ظلت مشكلة ميناء "سَبْتَة" قائمة لم تُحلّ بعد، وهي -كما ذكرنا - ميناء حصين جدًا يحكمه النصراني "يُليان"، وقد استنفد موسى بن نصير جهده وطاقته وفعل كل ما في وسعه ولم يجد حلًا لهاتين المشكلتين، وهنا فقط كان لا بدّ للأمر الإلهي والتدبير الرباني أن يتدخل: [إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ] {الحج:38}. [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17}. وهذا ما حدث بالفعل وتجسّد في فعل "يُليان" صاحب "سَبْتَة" وكان على النحو التالي:
- فكّر "يُليان" جدّيًا في الأمر من حوله، وكيف أن الأرض بدأت تضيق عليه وتتآكل من قِبَل المسلمين الذين يزدادون قوة يومًا بعد يوم، وإلى متى سيظل صامدًا أمامهم إن هم أتوا إليه؟
[color=blue]- كان "يُليان" مع ذلك يحمل الحقد الدفين على لُذريق حاكم الأندلس ذلك الذي قتل غَيْطَشة صاحبه الأول، وقد كان بينهما علاقات طيبة، حتى إن أولاد غيطشة من بعده استنجدوا بيُليان هذا ليساعدهم في حرب لُذريق، ولكن هيهات فلا طاقة لـ ( يُليان ) بـ ( لُذريق ) ولا طاقة لأولاد غيطشة أيضًا به، ومن هنا فكان ثمة عداءٍ متأصلٍ بين صاحب "سَبْتَة" وحاكم الأندلس؛ ومن ثَمّ فإلى أين سيفرّ "يُليان" إن استولى المسلمون على ميناء "سَبْتَة"؟
- الأمر الأخير الذي دار في خلد "يُليان" هو أن أولاد غيطشة القريبين منه كان لهم من الضياع الضخمة في الأندلس الكثير والتي صادرها وأخذها منهم لُذريق قاتل أبيهم، وكان "يُليان" يريد أن يستردّها لهم، وكان "لُذريق" أيضًا قد فرض على شعبه الضرائب الباهظة وأذاقهم الأمرّين؛ فعاشوا في فقر وبؤس شديد بينما هو في النعيم والمُلك يتصرف فيه كما يحلو له؛ ومن هنا كان شعبه يكرهه ويتمنى الخلاص منه.
ومن تدبير ربّ العالمين أن اختمرت هذه الأفكار جيدًا في عقل "يُليان" - ومُوسَى بن نُصَير آنذاك كان قد استنفد جهده وتحيّر في أمره - وإذا بيُليان يُرسل إلى طارق بن زياد والي طنجة (على بعد عدة كيلو مترات من ميناء "سَبْتَة") برسل من قِبَله يعرض عليه عرضًا للتفاوض، أما تدبير العناية الإلهية والمفاجأة الحقيقية فكانت في بنود هذا العرض وهذا الطلب العجيب الذي نصّ على ما يلي:
1- نسلّمُك ميناء "سَبْتَة". وكانت تلك معضلة حار المسلمون أعوامًا في الاهتداء إلى حلٍ لها؛ حيث كانت فوق مقدرتهم.
2- نَمدُّك ببعض السفن التي تساعدك في عبور المضيق - والذي سُمي بعد ذلك بمضيق جبل طارق - إلى الأندلس. وكأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يقول: سأتمّ ما لم يستطع المسلمون إتمامه ووقفتْ عنده قدراتُهم، حتى ولو كان ذلك من قِبَل أعدائهم، وقد علمنا مدى احتياج مُوسَى بن نُصَير لهذه السفن.
- نمدُّك بالمعلومات الكافية عن أرض الأندلس.
أما المقابل فهو: ضيعات وأملاك غَيْطَشَة التي صادرها لُذريق. وكان لغَيْطَشَة ثلاث آلاف ضيعة (ضيعة تعني عقَارُ وأرضٌ مُغِلَّةُ)، وكانت ملكًا لأولاده من بعده، فأخذها منهم لُذريق وصادرها.
ما أجمل العرض وأحسن الطلب:
وبهذا العرض فقد أراد "يُليان" صاحب "سَبْتَة" أن يتنازل للمسلمين عن "سَبْتَة" ويساعدهم في الوصول إلى الأندلس، ثم حين يحكمها المسلمون يسمع "يُليان" ويطيع، على أن يردّ المسلمون بعد ذلك ضيعات وأملاك غَيْطَشَة، فما أجمل العرض وما أحسن الطلب! وما أعظم السلعة وما أهون الثمن!
إن المسلمين لم يفكروا يومًا في مغنم أو ثروة أو مالٍ حال فتوحاتهم البلاد، ولم يرغبوا يومًا ف


عدل سابقا من قبل المعتمد بن عباد في الإثنين نوفمبر 08, 2010 6:21 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الإثنين أغسطس 30, 2010 10:38 am


إن المسلمين لم يفكروا يومًا في مغنم أو ثروة أو مالٍ حال فتوحاتهم البلاد، ولم يرغبوا يومًا في دنيا يملكها "غيطشة" أو "يُليان" أو "لُذريق" أوغيرهم، فقد كان هدفهم تعليم الناس الإسلام وتعبيدهم لربِّ العباد سبحانه وتعالى، فإذا دخل الناس في الإسلام كان لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، بل لو لم يدخلوا في الإسلام وأرادوا دفع الجزية فحينئذٍ يُترك لهم كل ما يملكون، وسنتحدث عن الجزية في الإسلام بعد قليل
.
ومن هنا كان الثمن هينًا جدًا والعرض غاية الآمال، فبعث طارق بن زياد إلى "مُوسَى بن نُصَير" وكان في القيروان عاصمة الشمال الإفريقي آنذاك (وهي في تونس الآن) يخبره هذا الخبر، فسُرَّ سرورًا عظيمًا، ثم بعث "مُوسَى بن نُصَير" بدوره إلى الخليفة الأموي "الوليد بن عبد الملك" يطلعه أيضًا الخبر ويستأذنه في فتح الأندلس
.
وهنا أذن له "الوليد بن عبد الملك" إلا أنه شرط عليه شرطًا كان قد فكّر فيه قبل ذلك "مُوسَى بن نُصَير" نفسُه، وهو: ألا تدخل بلاد الأندلس حتى تختبرها بسرية من المسلمين، فما يدريك أن المعلومات التي سيقدّمها لك "يُليان" عن الأندلس ستكون صحيحة؟ ومن يضمن لك ألا يخون "يُليان" عهده معك أو يتفق من ورائك مع لُذريق أو مع غيره؟
سَرِيّةُ طَرِيف بن مَالِك أول سَرِيّةٍ للمسلمين إلى الأندلس

جهّز موسى بن نصير بالفعل سريةً من خمسمائة رجل وجعل على رأسهم طَريف بن مالك- أو ملوك كما جاء في روايات أخرى -وكان طريف أيضا من البربر كما كان القائد طارق بن زياد، وهذه مزيّة تفرد بها الإسلام كما ذكرتُ، خاصّة وأن طريف من البربر حديثي العهد بالإسلام وهو الآن وبعد أن كان يحارب الإسلام صار قائدًا مدافعًا عن الإسلام وينشره في ربوع الأرض، سار طريف بن مالك من المغرب على رأس خمسمائة من المسلمين صوب الأندلس، وقد وصلها في رمضان سنة 91 هـ= يوليو 710 م، وقام بمهمته على أكمل وجه في دراسته لمنطقة الأندلس الجنوبية والتي سينزل بها الجيش الإسلامي بعد ذلك، * وعرفت هذه الجزيرة فيما بعد باسم هذا القائد فسُميّت جزيرة طريف ثم عاد بعد انتهائه منها إلى مُوسَى بن نُصَير وشرح له ما رآه، وفي أناةٍ شديدةٍ وعملٍ دءوبٍ ظلَّ مُوسَى بن نُصَير بعد عودة "طريف بن مالك" عامًا كاملًا يجهّز الجيش ويعدّ العدّة، حتى جهّزَ في هذه السنة سبعةَ آلافِ مقاتلٍ، وبدأ بهم الفتح الإسلامي للأندلس رغم الأعداد الضخمة لقواتِ النصارى هناك
.
الصدام الأول وبدايات الفتح الإسلامي للأندلس

في شعبان من سنة 92 هـ= يونية 711 م تحرّك هذا الجيش المكون من سبعة آلاف فقط من جنود الإسلام، وعلى رأسه القائد طارق بن زياد...
يقول ابن الكردبوس: "وكان موسى بن نصير حين أنفذ طارقًا مكبًّا على الدعاء والبكاء والتضرّع لله تعالى والابتهال إليه في أن ينصر جيش المسلمين
..."
تحرّك هذا الجيش وعبر مضيق جبل طارق، والذي ما سُمّي بهذا الاسم (مضيق جبل طارق) إلا في هذا الوقت؛ وذلك لأن طارق بن زياد حين عبر المضيق نزل عند هذا الجبل، وقد ظلّ إلى الآن حتى في اللغة الإسبانية يسمى جبل طارق ومضيق جبل طارق، ومن جبل طارق انتقل طارق بن زياد إلى منطقة واسعة تسمى الجزيرة الخضراء، وهناك قابل الجيش الجنوبي للأندلس، وهو حامية جيش النصارى في هذه المنطقة فلم تكن قوة كبيرة، وكعادة الفاتحين المسلمين فقد عرض طارق بن زياد عليهم: الدخول في الإسلام ويكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ويتركهم وأملاكهم، أو يدفعون الجزية ويترك لهم أيضا ما في أيديهم، أو القتال، ولا يؤخرهم إلا ثلاث، لكن تلك الحامية أخذتها العزة وأبت إلا القتال، فكانت الحرب سجالًا بين الفريقين حتى انتصر عليهم طارق بن زياد، فأرسل زعيم تلك الحامية وكان اسمه ( تُدْمير ) رسالة عاجلة إلى لُذْرِيق وكان في طُلَيْطِلَة عاصمة الأندلس، يقول له فيها: أدركنا يا لُذريق؛ فإنه قد نزل علينا قوم لا ندري أهم من أهل الأرض أم من أهل السماء؟
!
حقًا فهم أناس غرباء، فقد كان من المعروف عندهم أن الفاتح أو المحتلّ لبلد آخر إنما تقتصر مهمته على السلب والنهب لخيرات البلد، والذبح والقتل في كثير من الأحيان، أما أن يجدوا أناسًا يعرضون عليهم الدخول في دينهم ويتركون لهم كل شيء، أو أن يدفعوا لهم الجزية ويتركون لهم أيضا كل شيء بل ويحمونهم من الأعداء، فهذا ما لم يعهدوه من قبل في حياتهم بل ولا في تاريخهم كله، وفضلًا عن هذا فقد كانوا في قتالهم من المهرة الأكفّاء، وفي ليلهم من الرهبان المصلين، وقد أبدى قائد تلك الحميّة دهشته وعجبه الشديد من أمر هؤلاء المسلمين وتساءل في رسالته إلى لُذريق عن شأنهم: أهُم من أهل الأرض، أم هم من أهل السماء؟! وصدق وهو كذوب؛ فهم من جند الله ومن حزبه [أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ] {المجادلة:22
}.
موقعة وادي بَرْبَاط ( 92 هـ= 711 م ) وفتح الأندلس

حين وصلت رسالة قائد الحامية إلى لذريق وقعت عليه كالصاعقة وجن جنونه، وفي غرور وصلف جمّع جيشًا قوامه مائة ألف من الفرسان، وجاء بهم من الشمال إلى الجنوب يقصد جيش المسلمين، كان طارق بن زياد في سبعة آلاف فقط من المسلمين جلهم من الرّجّالة وعدد محدود جدًا من الخيل، فلما أبصر أمرَ لُذريق وجد صعوبة بالغة في هذا القياس، سبعة آلاف أمام مائة ألف، فأرسل إلى موسى بن نصير يطلب منه المدد، فبعث إليه طريف بن مالك على رأس خمسة آلاف آخرين رجّالة أيضًا...
وصل طريف بن مالك إلى طارق بن زياد وأصبح عدد الجيش الإسلامي اثنى عشر ألف مقاتل، وبدأ طارق بن زياد يستعد للمعركة، فكان أول ما صنع أن بحث عن أرض تصلح للقتال حتى وجد منطقة تُسمّى في التاريخ "وادي بَرْبَاط"، وتسمى في بعض المصادر "وادي لُقّة" أو "لِقة" بالكسر، وتسميها بعض المصادر أيضا "وادي لُكّة"، وكان لاختيار طارق بن زياد لهذا المكان أبعاد استراتيجية وعسكرية عظيمة، فقد كان مِن خلفه وعن يمينه جبل شاهق، وبه حمى ظهره وميمنته فلا يستطيع أحد أن يلتفّ حوله، وكان في ميسرته أيضا بحيرة عظيمة فهي ناحية آمنة تمامًا، ثم وضع على المدخل الجنوبي لهذا الوادي (أي في ظهره) فرقة قوية بقيادة طريف بن مالك؛ حتى لا يباغت أحد ظهر المسلمين، ومن ثم يستطيع أن يستدرج قوات النصارى من الناحية الأمامية إلى هذه المنطقة، ولا يستطيع أحد أن يلتفّ من حوله
...
ومن بعيد جاء لُذريق في أبهى زينة، يلبس التاج الذهبي والثياب الموشاة بالذهب، وقد جلس على سرير محلّى بالذهب يجرّه بغلان، فهو لم يستطع أن يتخلى عن دنياه حتى وهو في لحظات الحروب والقتال، وقدم على رأس مائة ألف من الفرسان، وجاء معه بحبالٍ محمّلةٍ على بغالٍ!! ولا تتعجب كثيرًا إذا علمت أنه أتى بهذا الحبال ليقيّد بها أيدي المسلمين وأرجلهم بعد هزيمتهم المحققة في زعمه ثم يأخذهم عبيدًا، وهكذا في صلف وغرور ظن أنه حسم المعركة لصالحه؛ ففي منطقه وبقياسه أنّ اثني عشر ألفًا يحتاجون إلى الشفقة والرحمة، وهم أمام مائة ألف من أصحاب الأرض ومصدر الإمداد
.
وفي 28 من شهر رمضان سنة 92 هـ= 19 يوليو سنة 711 م يتم اللقاء في "وادي بَرْبَاط"، وتدور معركة هي من أشرس المعارك في تاريخ المسلمين، وإن الناظر العادي إلى طرفي المعركة ليدخل في قلبه الشفقة حقًا على المسلمين الذين لا يتعدى عددهم الاثني عشر ألفًا وهم يواجهون مائة ألف كاملة، فبمنطق العقل كيف يقاتلون فضلًا عن أن يَغلبوا؟
!
بين الفريقين

رغم المفارقة الواضحة جدًا بين الفريقين إلا أن الناظر المحلل يرى أن الشفقة كل الشفقة على المائة ألف، فالطرفان [خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ] {الحج:19} وشتان بين الخصمين، شتان بين فريق خرج طائعًا مختارًا، راغبًا في الجهاد، وبين فريق خرج مُكرهًا مضطرًا مجبورًا على القتال، شتان بين فريق خرج مستعدًا للاستشهاد، مسترخصا الحياة من أجل عقيدته، متعاليًا على كل روابط الأرض ومنافع الدنيا، أسمى أمانيه الموت في سبيل الله، وبين فريق لا يعرف من هذه المعاني شيئًا، أسمى أمانيه العودة إلى الأهل والمال والولد، شتان بين فريق يقف فيه الجميع صفًا واحدًا كصفوف الصلاة، الغني بجوار الفقير، والكبير بجوار الصغير، والحاكم بجوار المحكوم، وبين فريق يمتلك فيه الناس بعضهم بعضًا ويستعبد بعضهم بعضًا، فهذا فريق يقوده رجل رباني طارق بن زياد يجمع بين التقوى والحكمة، وبين الرحمة والقوة، وبين العزة والتواضع، وذاك فريق يقوده متسلط مغرور، يعيش مترفًا مُنعّمًا بينما شعبه يعيش في بؤس وشقاء وقد ألهب ظهره بالسياط، هذا جيش توزع عليه أربعة أخماس الغنائم بعد الانتصار، وذاك جيش لا ينال شيئًا، وإنما يذهب كله إلى الحاكم المتسلط المغرور وكأنما حارب وحده، هذا فريق ينصره الله ويؤيده ربه خالق الكون ومالك الملك سبحانه وتعالى، وذاك فريق يحارب الله ربه ويتطاول على قانونه وعلى شرعه سبحانه وتعالى، وبإيجاز فهذا فريق الآخرة وذاك فريق الدنيا، فعلى من تكون الشفقة إذن؟! على من تكون الشفقة وقد قال سبحانه وتعالى: [كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {المجادلة:21}. على من تكون الشفقة وقد قال سبحانه وتعالى: [وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا] {النساء:141}. فالمعركة إذن باتت وكأنها محسومة قبلًا.
وادي بَرْبَاط وشهر رمضان

هكذا وفي شهر رمضان بدأت معركة وادي بَرْبَاط الغير متكافئة ظاهريًا والمحسومة بالمنطق الرباني، بدأت في شهر الصيام والقرآن، الشهر الذي ارتبط اسمه بالمعارك والفتوحات والانتصارات، ولكن وللأسف تحوّل هذا الشهر الآن إلى سباقٍ مع الزمن لإنتاج أحدث المسلسلات والأفلام وغيرها، تحوّل إلى نوم بالنهار وسهر بالليل لا للقرآن أو للقيام، ولكن لمتابعة أو ملاحقة المعروضات الجديدة على الفضائيات وغير الفضائيات، تحول إلى شهر المراوغة من العمل، وقد كان المسلمون ينتظرونه للقيام بأشق الأعمال وأكدّها، تحول إلى شهر الضيق وافتعال المضايقات، وهو شهر الصبر والجهاد وتهذيب للنفس، ففي هذا الشهر الكريم وقبل العيد بيوم أو يومين - وهكذا كانت أعياد المسلمين - وعلى مدى ثمانية أيام متصلة دارت رحى الحرب، وبدأ القتال الضاري الشرس بين المسلمين والنصارى، أمواج من النصارى تنهمر على المسلمين، والمسلمون صابرون صامدون
[
رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً] {الأحزاب:23}.
وعلى هذا الحال ظلّ الوضع طيلة ثمانية أيام متصلة انتهت بنصر مؤزّر للمسلمين بعد أن علم الله صبرهم وصدق إيمانهم، وقُتل لُذريق وفي رواية أنه فرّ إلى الشمال، لكنه اختفى ذكره إلى الأبد، وقد تمخّضَ عن هذه المعركة عدّة نتائج كان أهمها
:
1-
طوت الأندلس صفحة من صفحات الظلم والجهل والاستبداد، وبدأت صفحة جديدة من صفحات الرقيّ والتحضرِ من تاريخ الفتح الإسلامي.
2-
غنم المسلمون غنائم عظيمة كان أهمها الخيول، فأصبحوا خيّالة بعد أن كانوا رجّالة.
3-
بدأ المسلمون المعركة وعددهم اثنا عشر ألفا، وانتهت المعركة وعددهم تسعة آلاف، فكانت الحصيلة ثلاثة آلاف من الشهداء رَوَواْ بدمائهم الغالية أرض الأندلس، فأوصلوا هذا الدين إلى الناس، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
طارق بن زياد وقضية حرق السفن
:

قبل الانتقال إلى ما بعد "وادي بَرْبَاط" لا بدّ لنا من وقفةٍ أمام قضية اشتهرت وذاع صيتها كثيرًا في التاريخ الإسلامي بصفةٍ عامةٍ والتاريخ الأوروبي بصفةٍ خاصةٍ، وهي قضية حرق طارق بن زياد للسفن التي عَبَر بها إلى بلاد الأندلس قبل موقعة "وادي بَرْبَاط" مباشرة
.
فما حقيقة ما يُقال من أن طارق بن زياد أحرق كل السفن التي عبر عليها؟ وذلك حتى يحمّس الجيش على القتال، وقد قال لهم: البحر من ورائكم والعدو من أمامكم فليس لكم نجاة إلا في السيوف
.
في حقيقة الأمر هناك من المؤرخين من يؤكد صحة هذه الرواية، ومنهم من يؤكد بطلانها، والحق أن هذه الرواية من الروايات الباطلة التي أُدخلت إدخالاً على تاريخ المسلمين، وذلك للأسباب الآتية
:
أولًا
:

أن هذه الرواية ليس لها سند صحيح في التاريخ الإسلامي، فعلم الرجال وعلم الجرح والتعديل الذي تميّز به المسلمون عن غيرهم يحيلنا إلى أن الرواية الصحيحة لا بد أن تكون عن طريق أناس موثوق فيهم، وهذه الرواية لم ترد أبدًا في روايات المسلمين الموثوق في تأريخهم، وإنما أتت إلينا من خلال المصادر والروايات الأوروبية التي كتبت عن موقعة "وادي بَرْبَاط
".
ثانيًا
:

أنه لو حدث إحراق لهذه السفن بالفعل كان لا بدّ أن يحدث ردّ فعل من قِبَل موسى بن نصير أو الوليد بن عبد الملك استفسارًا عن هذه الواقعة، كان لا بد أن يكون هناك حوار بين موسى بن نصير وطارق بن زياد حول هذه القضية، ولا بد أن يكون هناك تعليق من الوليد بن عبد الملك، وأيضًا لا بد أن يكون هناك تعليق من علماء المسلمين: هل يجوز هذا الفعل أم لا يجوز؟ وكل المصادر التاريخية التي أوردت هذه الرواية وغيرها لم تذكر على الإطلاق أي ردّ فعل من هذا القبيل؛ مما يعطي شكًّا كبيرًا في حدوث مثل هذا الإحراق
.
ثالثًا
:

أن المصادر الأوروبيّة قد أشاعت هذا الأمر؛ لأن الأوروبيين لم يستطيعوا أن يفسروا كيف انتصر اثنا عشر ألفًا من المسلمين الرجّالة على مائة ألف فارس من القوط النصارى في بلادهم وفي عقر دارهم، وفي أرض عرفوها وألِفوها؟
!
ففي بحثهم عن تفسير مقنع لهذا الانتصار الغريب قالوا: إن طارق بن زياد قام بإحراق السفن لكي يضع المسلمين أمام أحد أمرين: الغرق في البحر من ورائهم، أو الهلاك المحدق من قبل النصارى من أمامهم، وكلا الأمرين موت محقق؛ ومن ثَمّ فالحل الوحيد لهذه المعادلة الصعبة هو الاستماتة في القتال للهروب من الموت المحيط بهم من كل جانب، فكانت النتيجة الطبيعية الانتصار، أما إذا كانت الظروف طبيعية لكانوا قد ركبوا سفنهم وانسحبوا عائدين إلى بلادهم
.
وهكذا فسّر الأوروبيون النصارى السرّ الأعظم - في زعمهم - في انتصار المسلمين في "وادي بَرْبَاط"، وهم معذورون في ذلك؛ فهم لم يفقهوا القاعدة الإسلامية المشهورة والمسجلة في كتابه سبحانه وتعالى والتي تقول: [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة:249
}.
فالناظر في صفحات التاريخ الإسلامي يجد أن الأصل هو أن ينتصر المسلمون وهم قلّة على أعدائهم الكثيرين، بل ومن العجيب أنه إذا زاد المسلمون على أعدائهم في العدد فتكون النتيجة هي الهزيمة للمسلمين، وهذا هو ما حدث يوم حنين [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25
}.
ومن هنا فقد حاول الأوروبيون على جهلٍ منهم وسوء طوية أن يضعوا هذا التفسير وتلك الحجة الواهية حتى يثبتوا أن النصارى لم يُهزموا في ظروفٍ متكافئةٍ، وأن المسلمين لم ينتصروا إلا لظروف خاصة جدًا
.
رابعًا
:

متى كان المسلمون يحتاجون إلى مثل هذا الحماس التي تُحرّق فيه سفنُهم؟! وماذا كانوا يفعلون في مثل هذه المواقف- وهي كثيرة - والتي لم يكن هناك سفن ولا بحر أصلًا؟! فالمسلمون إنما جاءوا إلى هذه البلاد راغبين في الجهاد طالبين الموت في سبيل الله؛ ومن ثَمّ فلا حاجة لهم بقائد يحمّسُهم بحرق سفنهم وإن كان هذا يعدّ جائزًا في حق غيرهم
.
خامسًا
:

ليس من المعقول أن قائدًا محنّكًا مثل طارق بن زياد رحمه الله يقدم على إحراق سفنه وقطع خط الرجعة على جيشه، فماذا لو انهزم المسلمون في هذه المعركة وهو أمر وارد وطبيعي جدًا؟ ألم يكن من الممكن أن تحدث الكرّة على المسلمين خاصة وهم يعلمون قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {الأنفال:15،16
}
فهناك إذن احتمال أن ينسحب المسلمون من ميدان المعركة؛ وذلك إما متحرّفين لقتال جديد، وإمّا تحيزًا إلى فئة المسلمين، وقد كانت فئة المسلمين في المغرب في الشمال الأفريقي، فكيف إذن يقطع طارق بن زياد على نفسه التحرّف والاستعداد إلى قتال جديد، أو يقطع على نفسه طريق الانحياز إلى فئة المسلمين؟
!
ومن هنا فإن مسألة حرق السفن هذه تعد تجاوزًا شرعيًا كبيرًا لا يقدم عليه من هو في ورع وعلم طارق بن زياد رحمه الله، وما كان علماء المسلمين وحكّامهم ليقفوا مكتوفي الأيدي حيال هذا الفعل إن كان قد حدث
.
سادسا
:

وهو الأخير في الردّ على هذه الرواية أن طارق بن زياد كان لا يملك كل السفن التي كانت تحت يديه؛ فبعضها كان قد أعطاها له "يُليان" صاحب "سَبْتَة" بأجرةٍ ليعبر عليها ثم يعيدها إليه بعد ذلك فيعبر بها هو "يُليان" إلى إسبانيا كما وضحنا سابقًا، ومن ثَمّ فلم يكن من حق طارق بن زياد إحراق هذه السفن
.
لكل هذه الأمور نقول: إن قصة حرق السفن هذه قصة مخْتَلَقة، وما أُشيعت إلا لتُهَوّن من فتح الأندلس وانتصار المسلمين
.
طارق بن زياد بعد وادي بَرْبَاط

بعد النصر الكبير الذي أحرزه المسلمون في وادي بَرْبَاط ورغم فقدهم ثلاثة آلاف شهيد، وجد طارق بن زياد أن هذا الوقت هو أفضل الفرص لاستكمال الفتح وإمكان تحقيقه بأقل الخسائر؛ وذلك لما كان يراه من الأسباب الآتية:
1-
النتيجة الحتمية لانتصار اثني عشر ألفًا على مائة ألف، وهي الروح المعنوية العالية لدى جيش المسلمين.
2-
وفي مقابل ذلك ما كان من أثر الهزيمة القاسية على القوط النصاري، والتي جسّدت انعدام تلك الروح وفقدانها تمامًا.
3-
وإضافة إلى انعدام الروح المعنوية فقد قُتِل من القوط النصارى وتفرّق منهم الكثير؛ فأصبحت قوتهم من الضعف والهوان بمكان...
4-
وجد طارق بن زياد أن كون لُذريق المستبدّ بعيدًا عن الناس وعن التأثير فيهم؛ وذلك أنه قُتل أو فرّ، وكون الناس كارهين له - وجد أن في هذا فرصة كبيرة لأن يُعلّم الناسَ دين الله سبحانه وتعالى، ومن ثَمّ فهم أقرب إلى قبلوه والدخول فيه.
5-
لم يضمن طارق بن زياد أن يظل "يُليان" صاحب "سَبْتَة" على عهده معه مستقبلًا؛ ومن ثَمّ فعليه أن يستفيد من هذه الفرصة ويدخل بلاد الأندلس مستكملًا الفتح.
لهذه الأسباب أخذ طارق بن زياد جيشه بعد انتهاء المعركة مباشرة واتّجه شمالًا لفتح بقيّة بلاد الأندلس، فاتجه إلى إشبيلية وكانت أعظم مدن الجنوب على الإطلاق، وكانت تتميّز بحصانتها وارتفاع أسوارها وقوّة حاميتها، لكن رغم كل هذا تحقق فيها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه البخاري عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً
.
ففتحت المدينة أبوابها للمسلمين دون قتال، وصالحت على الجزية، ولا بدّ هنا - قبل استكمال مسيرة الفتح - من وقفة مع مصطلح الجزية لبيان كُنْهه وحقيقته
...
الجزية في الإسلام

لم يكن المسلمون بدعًا بين الأمم حين أخذوا الجزية من البلاد التي فتحوها ودخلت تحت ولايتهم، فإن أخذ الأمم الغالبة للجزية من الأمم المغلوبة أمر حدث كثيرًا ويشهد به التاريخ، ورغم ذلك فقد كثر الكلام حول أمر الجزية في الإسلام، وحول دعوة القرآن لأخذها من أهل الكتاب، حتى رأى البعض أن الجزية هذه ما هي إلا صورة من صور الظلم والقهر، والإذلال للشعوب التي دخلت تحت ولاية المسلمين، وفي هذا إجحاف كبير ومغايرة للحقيقة، نحن بصدد الكشف عنه وبيانه فيما يلي:
أولا: تعريف الجزية

الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي) بمعنى جَزاهُ بما صنع، تقول العرب: جزى يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه، والجزية مشتق من المجازاة على وزن فِعلة، بمعنى أنهم أعطوها جزاءَ ما مُنحوا من الأمن.
وهي في الاصطلاح تعني: ضريبة يدفعها أهل الكتاب بصفة عامة، ويدفعها المجوس والمشركون في آراء بعض الفقهاء الغالبة، نظير أن يدافع عنهم المسلمون، وإن فشل المسلمون في الدفاع عنهم تُردّ إليهم جزيتُهم وقد تكرّر هذا في التاريخ الإسلامي كثيرًا
.
ثانيا: على من تُفرَضُ الجزيةُ
:

من رحمة الإسلام وعدله أن خصّ بالجزية طائفةً ومنع أخذها من آخرين، فهي
:
-
تؤخذ من الرجال ولا تؤخذ من النساء.
-
تؤخذ من الكبار البالغين ولا تؤخذ على الأطفال.
-
تؤخذ من الأصحاء ولا تؤخذ من المرضى وأصحاب العاهات الغير قادرين على القتال.
-
تؤخذ من الغني ولا تؤخذ من الفقير، بل إن الفقير من أهل الكتاب (النصارى واليهود) والمجوس والمشركين قد يأخذون من بيت مال المسلمين إن كانوا في بلد يُحكم فيها بالإسلام.
فهي تؤخذ من القادرين الذين يستطيعون القتال فقط، ولا تؤخذ من القادرين الذين تفرّغوا للعبادة
.
ثالثا: قيمة الجزية

لا حَظَّ - إذن - لمن طعن في أمر الجزية وقال بأنها من صور الظلم والقهر والإذلال للشعوب، خاصّة حين يعلم أنها تُدفع في مقابل الزكاة التي يدفعها المسلمون، بل ما الخطب إذا علم أن قيمة الجزية هذه أقل بكثير من قيمة ما يدفعه المسلمون في الزكاة؟
في هذا الوقت الذي دخل فيه المسلمون الأندلس كان قيمة ما يدفعه الفرد (ممن تنطبق عليه الشروط السابقة) من الجزية للمسلمين هو دينارًا واحدًا في السنة، بينما كان المسلم يدفع 5ر2% من إجمالي ماله إن كان قد بلغ النصاب وحال عليه الحول، و في حالة إسلام الذمي تسقط عنه الجزية، وإذا شارك مع المسلمين في القتال دفعوا له أجره، فالمبالغ التي كان يدفعها المسلمون في الزكاة كانت أضعاف ما كان يدفعه أهل الكتاب وغيرهم في الجزية، تلك الزكاة التي هي نفسها أقل من أي ضريبة في العالم؛ فهناك من يدفع 10 و20% ضرائب، بل هناك من يدفع 50 وأحيانا 70% ضرائب على ماله، بينما في الإسلام لا تتعدى الزكاة 5ر2%، فالجزية كانت أقل من الزكاة المفروضة على المسلمين، وهي بهذا تُعدّ أقل ضريبةٍ في العالم، بل كانت أقل بكثير مما كان يفرضه أصحاب الحكم أنفسُهم على شعوبهم وأبناء جلدتهم.
وفوق ذلك فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يُكلّف أهل الكتاب فوق طاقاتهم، بل توعّد صلى الله عليه وسلم من يظلمهم أو يُؤذيهم فقال في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود والبيهقي في سننهما: "أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أي أنا الذي أخاصمه وأحاجّه يوم القيامة. والحديث أورده الألباني في السلسلة الصحيحة
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الإثنين أغسطس 30, 2010 10:49 am


عهد الولاة ماذا نقصد بعهد الولاة؟ يعني أن يحكم الأندلس ولاة يتبعون الخليفة الأموي في دمشق. وينقسم إلى فترتين: فترة ازدهار وتقدم وهي الفترة الأولى، وفترة ضعف واضمحلال وهي الفترة الثانية.
الفترة الأولى من عهد الولاة من سنة 95 هـ/ 714م حتى سنة 123 هـ/ 741م
لماذا كانت فترة تقدم وازدهار؟ وذلك يرجع إلى الاهتمام بنشر الدين الإسلامي، وإلغاء الطبقية، ونشر الحرية العقائدية، والاهتمام بالحضارة المادية، واتخاذ قرطبة عاصمة للمسلمين، ونشأة جيل المولدين الذي أدى لامتزاج العرب بالأندلسيين، وتقليد الأسبان للمسلمين في كل شيء.
ويُعدّ الجهاد في فرنسا من أهم عوامل ازدهار هذه الفترة؛ لأنه إذا اهتمت الدول بالجهاد ونشر تعاليم الإسلام، يكون ذلك سببًا في تقدمها، أما إذا تركت ذلك فسيكون هلاكُها.
وكان هناك ولاة لهم دور في الجهاد مثل: السمح بن مالك الخولاني (ت 107هـ/ 725م) الذي فتح كل منطقة الجنوب الغربي لفرنسا. و بسبب انشغال المسلمين بالغنائم، فكانت هزيمة المسلمين. وبعد موقعة بلاط الشهداء تولى عقبة بن الحجّاج السلولي، وقد قام بأكثر من سبع حملات داخل فرنسا، ولقد استشهد سنة 123هـ/ 741م.عَنْبَسَة بن سُحَيْم (ت 107هـ/ 725م) الذي وصل في جهاده إلى مدينة سانس. ولا ننسى عَبْد الرّحْمَن الغَافِقِيّ (ت 114هـ/ 732م) الذي يعدّ من أشهر ولاة الأندلس؛ إذ إنه وحّد صفوف المسلمين، وفتح مدنًا كثيرة إلا أنه هزم في بلاط الشهداء؛
وأثناء انشغال المسلمين بهذه الفتوحات لم تحدث أي ثورة من قبل أهل الأندلس، ولعل السبب في ذلك أن أهل الأندلس كانوا يعيشون قبل الإسلام في ظلم وجهل، وجاء الإسلام وأخرجهم من هذا الظلم، فلماذا يقومون بثورات إذن؟!
الفترة الثانية من عهد الولاة: من سنة 123هـ/ 741م حتى سنة 138هـ/ 755م
وهي فترة الضعف والانهيار، ويرجع السبب في ذلك إلى حب الدنيا والسعي إليها، وتفاقم العنصرية والقبلية، وظلم الولاة وترك الجهاد، وكنتيجة طبيعية لذلك فُقدت كل الأراضي الإسلامية في فرنسا باستثناء مقاطعة "سبتمانيا"، وظهرت مملكة نصرانية تسمى مملكة ليون، وانقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة.
ومن ثَمَّ نجد تشابهًا كبيرًا بين الأمس واليوم، فالنزاعات بيننا على أشدها، وترك الجهاد، والانقسام إلى فرق وطوائف، وحب الدنيا؛ ولذلك كان لا بد من قراءة التاريخ للاستفادة منه.




بعد انتهاء عهد الفتح السابق يبدأ عهد جديد في تاريخ الأندلس يسمى في التاريخ عهد الولاة، وهو يبدأ من سنة 95 هـ= 714 م ويستمر مدة اثنين وأربعين عامًا حيث ينتهي سنة 138 هـ= 755 م.
وعهد الولاة يعني أن حُكم الأندلس في هذه الفترة كان يتولّاه رجل يتبع الحاكم العام للمسلمين، وهو الخليفة الأموي الموجود في بلاد الشام في دمشق.
كان أول الولاة على الأندلس هو عبد العزيز بن موسى بن نصير ( ت 97 هـ= 716 م ) وذلك بأمر من سليمان بن عبد الملك رحمه الله، وكان كأبيه في جهاده وتقواه وورعه، كان يقول عنه أبوه موسى بن نصير: عرفته صوّاما قوّاما...
وقال عنه الزركلي في الأعلام: أمير فاتح. ولاه أبوه إمارة الأندلس، عند عودته إلى الشام سنة 95 هـ= 714 م فضبطها وسدد أمورها وحمى ثغورها، وافتتح مدائن، وكان شجاعا حازما، فاضلا في أخلاقه وسيرته...
وقد حكم عبد العزيز بن موسى بن نصير الأندلس ووطّد فيها الأركان بشدة، وتوالى من بعده الولاة.
وإذا نظرنا إلى عهد الولاة الذي استمر اثنين وأربعين عامًا نرى أنه قد تعاقب فيها على حكم الأندلس اثنان وعشرون واليًا.. أو عشرون واليًا تولى اثنان منهم مرتين.. فيصبح مجموع فترات حكم الأندلس اثنين وعشرين فترة خلال اثنتين وأربعين سنة، أي أن كل والٍ حكم سنتين أو ثلاث سنوات فقط.
ولا شكّ أن هذا التغيير المتتالي للحكام قد أثّر تأثيرًا سلبيًا على بلاد الأندلس، إلا أن هذا التغيير في الواقع كان له ما يبررّه؛ حيث كان هناك في بادئ الأمر كثير من الولاة الذين يستشهدون أثناء جهادهم في بلاد فرنسا، وبعد مرحلة ما كان هناك أيضا كثير من الولاة الذين يُغيَّرون عن طريق المكائد والانقلابات والمؤامرات وما إلى ذلك.
أي أن هناك فترتين من عهد الولاة، الفترة الأولى تختلف بالكلية عن الفترة الثانية، ومن هنا نستطيع أن نقسّم عهد الولاة بحسب طريقة الإدارة وطريقة الحكم إلى فترتين رئيسيتين، الفترة الأولى وهي فترة جهاد وفتوح وعظمة للإسلام والمسلمين، وتمتد من بداية عهد الولاة من سنة 95 هـ= 714 م وحتى سنة 123 هـ= 741 م أي سبع وعشرين سنة.
أما الفترة الثانية فهي فترة ضعف ومؤامرات ومكائد وما إلى ذلك، وتستمر من سنة 123 هـ= 741 م وحتى سنة 138 هـ 755 م أي مدة خمس عشرة سنة، وفي تناولنا لفترتي عهد الولاة هاتين لن ندخل في ذكر تفاصيل كل منهم، وإنما سنقتصر فقط على بعض الولاة لما لهم من الأهمية في دراستنا هذه.



الفترة الأولى من عهد الولاة


بصفة عامة تميزت الفترة الأولى من عهد الولاة بعدة أمور، كان من أهمها:
1- نشر الإسلام في بلاد الأندلس
وذلك أن المسلمين بعد أن تمكنوا من توطيد أركان الدولة الإسلامية في هذه البلاد بدءوا يُعلّمون الناس الإسلام، ولأن الإسلام دين الفطرة فقد أقبل عليه أصحاب الفِطَر السوية من الناس عندما عرفوه، واختاروه بلا تردد...
وجد الأسبان في الإسلام دينًا متكاملًا شاملًا ينتظم كل أمور الحياة، وجدوا فيه عقيدة واضحة وعبادات منتظمة، وجدوا فيه تشريعات في السياسة والحكم والتجارة والزراعة والمعاملات، وجدوا فيه تواضعًا كبيًرا جدًا للقادة، ووجدوا فيه كيفية التعامل والتعايش مع الأخ والأب والأم والزوجة والأبناء والجيران والأقرباء والأصدقاء، وجدوا فيه كيفية التعامل مع العدو والأسير، ومع كل الناس...
لقد تعوّد الأسبان في حياتهم قبل ذلك فصلًا كاملًا بين الدين والدولة، فالدين عندهم لا يعدو أن يكون مجرد مفاهيم لاهوتيه غير مفهومه، يتعاطونها ولكن لا يستطيعون تطبيقها، وفي التشريعات والحكم يشّرع لهم من يحكمهم وفق هواه وحسبما يحقق مصالحه الشخصية، أما في الإسلام فقد وجدوا أن الأمر يختلف عن ذلك كثيرًا؛ فلم يستطيعوا أن يتخلّفوا عن الارتباط به والانتساب إليه فدخلوا فيه أفواجًا...
وفي مدةٍ قليلة أصبح عموم أهل الأندلس (السكان الأصليين) يدينون بالإسلام، وأصبح المسلمون من العرب والبربر قلّة بينهم، وأصبح أهل الأندلس هم جند الإسلام وأعوان هذا الدين، وهم الذين اتّجَهُوا بعد ذلك إلى فتوحات بلاد فرنسا.
2- نشأة جيل المولّدين
كان من جرّاء انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين أن نشأ جيل جديد عُرف باسم "جيل المولَّدين"، فقد كان الأب عربي أو بربري والأم أندلسية.
3- إلغاء الطبقية ونشر الحرية العقائدية
ألغى المسلمون الطبقية التي كانت سائدة قبل ذلك؛ حيث جاء الإسلام وساوى بين الناس جميعًا حتى كان الحاكم والمحكوم يقفان سويًا أمام القضاء للتحاكم في المظالم، وعمل المسلمون في هذه الفترة على إتاحة الحريّة العقائدية للناس، فتركوا للنصارى كنائسهم، وما هدموها أبدًا، وما كانوا يحوّلونها إلى مساجد إلا إذا وافق النصارى على بيعها لهم، وكان بيع الكنائس للمسلمين يقدّر بأثمان باهظة، أما إن رفضوا بيعها تركها المسلمون لهم.
وهذه المواقف العظيمة إنما كانت تحدث والنصارى محكومون من قِبَل المسلمين، وعلينا أن نَعِي هذا الأمر جيدًا ونقارن صنيع المسلمين هذا بما فعله النصارى بعد انتهاء الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس فيما عُرف باسم محاكم التفتيش الأسبانية.
4- الاهتمام بالحضارة المادية
اهتمّ المسلمون في هذه الفترة كذلك بتأسيس الحضارة المادية أو المدنية، فأسسوا الإدارة وأقاموا العمران وأنشأوا القناطر والكباري، ومما يدل على براعتهم في هذا الأمر تلك القنطرة العجيبة التي تسمى قنطرة قُرْطُبَة، وهي من أعجب القناطر الموجودة في أوروبا في ذلك الزمن، كذلك أنشأ المسلمون ديارًا كبرى للأسلحة وصناعة السفن، وبدأت الجيوش الإسلامية تقوى وتتعاظم في هذه المنطقة.
5- تقليد الأسبان للمسلمين في كل شيء
كان من السمات المميّزة أيضا في هذه الفترة الأولى من عهد الولاة أن الأسبان بدءوا يقلدون المسلمين في كل شيء، حتى أصبحوا يتعلمون اللغة العربية التي يتكلمها الفاتحون، بل كان الأسبان النصارى واليهود يفتخرون بتعليم اللغة العربية في مدارسهم.
6- اتخاذ المسلمين قُرْطُبَة عاصمة لهم
كذلك كان من بين السمات المميزة لهذه الفترة أيضًا أن اتخذ المسلمون "قُرْطُبَة" عاصمةً لهم؛ وقد كانت "طُلَيْطِلَة" في الشمال قبل ذلك هي عاصمة الأندلس، ولكن وجد المسلمون أنها قريبة من فرنسا وقريبة من منطقة الصخرة وهما من مصادر الخطر عليهم، فرأوا أن "طُلَيْطِلَة" بذلك مدينة غير آمنة ومن ثَمّ فلا يمكن أن تكون هي العاصمة، فكان أن اختاروا مدينة قُرْطُبَة في اتجاه الجنوب لانتفاء الأسباب السابقة، وأيضا حتى تكون قريبة من المدد الإسلامي في بلاد المغرب.
7- الجهاد في فرنسا
الجهاد في فرنسا كان من أهم السمات المميزة جدًا لهذه الفترة الأولى من عهد الولاة، وقد كانت له خطوات كبيرة في هذه الفترة، ونذكر هنا بعض الولاة الذين كان لهم سبق وظهور حاضر في عملية الجهاد في بلاد فرنسا، فكان منهم على سبيل المثال: السمح بن مالك الخولاني، وعنبسة بن سحيم، وعبد الرحمن الغافقي.
السمح بن مالك الخولاني (ت 102هـ/ 721م)


من حسنات الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ( 61 - 101 هـ=781 - 720 م ) ولاية السَّمْحُ بن مالِك الخوْلاني رحمه الله على الأندلس، فقد حكم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه المسلمين سنتين ونصف على الأكثر، من سنة 99 هـ= 718 م إلى سنة 101 هـ= 720 م وفي هذه الفترة الوجيزة عمّ الأمن والرخاء والعدل كل بلاد المسلمين...
اختار عمر بن عبد العزيز رحمه الله السمحَ بن مالك الخولاني، ذلك القائد الربّاني المشهور في التاريخ الإسلامي، وهو القائد الذي انطلق إلى بلاد فرنسا مجاهدًا، وكان بفرنسا مدينة إسلامية واحدة هي مدينة "أربونة"، تلك التي فتحها موسى بن نصير رحمه الله بسرية من السرايا، لكن السمح بن مالك الخولاني فتح كل منطقة الجنوب الغربي لفرنسا، ثم أسّس مقاطعة ضخمة جدًا وهي مقاطعة "سبتمانيا"، وتسمى الآن بساحل "الريفييرا"، وتعدّ من أشهر المنتجعات السياحية في العالم.
أخذ السمح الخولاني في استكمال الفتوح في جنوب غرب فرنسا، وفي ذات الوقت أرسل يعلم الناس الإسلام، سواء في فرنسا أو في الأندلس إلى أن لقي ربه شهيدًا يوم عرفة سنة 102 هـ= 9 من يونية 721 م
عنبسة بن سحيم (ت 107هـ/ 725م)


تولى بعد السمح الخولاني بعض الولاة نتجاوزهم حتى نصل إلى عَنْبَسَةُ بْن ُسُحَيْم رحمه الله، وكان قائدًا تقيًا ورعًا، وهو الإداري العسكري المشهور، كان مجاهدًا حق الجهاد، وقد حكم بلاد الأندلس من سنة 103 هـ= 721 م إلى سنة 107 هـ= 725 م، وقد وصل في جهاده إلى مدينة "سانس"، وهي تبعد عن العاصمة "باريس" بنحو ثلاثين كيلو مترًا، و"باريس" هذه ليست في وسط فرنسا وإنما تقع في أقصى الشمال منها، وهذا يعني أن عَنْبَسَةُ بْن ُسُحَيْم رحمه الله قد وصل إلى ما يقرب من70 % من أراضي فرنسا، ويعني هذا أيضا أن 70 % من أراضي فرنسا كانت بلادًا إسلامية، * فقد أوغل عنبسة بن سحيم رحمه الله - كما يذكر صاحب الأعلام - في غزو الفرنج، ويرى " إيزيدور " أسقف باجة في ذلك العصر، أن فتوحات عنبسة كانت فتوحات حذق ومهارة أكثر منها فتوحات بطش وقوة، وقال المتشرق رينو لذلك تضاعف في أيامه خراج بلاد الغال - فرنسا - وافتتح قرقشونة صلحًا بعد أن حاصرها مدة. وأوغل في بلاد فرنسا فعبر نهر " الرون " إلى الشرق، وأصيب بجراحات في بعض الوقائع، فاستشهد عَنْبَسَةُ بْن ُسُحَيْم رحمه الله وهو في طريق عودته.



عبد الرحمن الغافقي (ت 114هـ/ 732م)


بعد استشهاد عَنْبَسَةُ بْن ُسُحَيْم رحمه الله بدأت الأمور في التغيّر؛ فقد تولّى حكم الأندلس من بعده مجموعة من الولاة على غير عادة السابقين، كان آخرهم رجل يدعى الهيثم الكلابي، وكان عربيًا متعصبًا لقومه وقبيلته.
ومن هنا بدأت الخلافات تدبُّ بين المسلمين، فالمسلمون العرب من جهة والمسلمون البربر من جهة أخرى، خلافات بحسب العرق وبحسب العنصر، وهو أمر لم يحدث في تاريخ المسلمين منذ فتح المسلمون هذه المناطق حتى هذه اللحظة.
لم تمرّ خلافات العصبيات هذه مرور الكرام، وإنما دارت معارك ومشاحنات بين المسلمين العرب وبين المسلمين البربر، حتى منّ الله على المسلمين بمن قضى عليها ووحّد الصفوف من جديد، و بدأ يبثّ في الناس روح الإسلام الأولى التي جمعت بين البربر وبين العرب، والتي لم تفرّق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، ذلك هو عَبْدُ الرّحْمَن الغَافِقِيُّ رحمه الله.
مَنْ هُو عَبْدُ الرَّحْمَن الغَافِقِيّ؟
هو عبد الرحمن بن عبد الله بن بشر بن الصارم الغافقي العكي، ينتسب إلى قبيلة (غافق) وهي فرع من قبيلة (عك) باليمن، ويكنى أبو سعيد، أمير الأندلس، من كبار القادة الغزاة الشجعان، وهو أحد التابعين رحمه الله..
مولده:
ربما يكون ولد في اليمن ورحل إلى إفريقية. ثم وفد على سليمان بن عبد الملك الأموي، في دمشق. وعاد الى المغرب، فاتصل بموسى بن نصير وولده عبد العزيز، أيام إقامتهما في الأندلس، وولي قيادة الشاطئ الشرقي من الأندلس...
فكر الغافقي العسكري:
يتميز القائد عبد الرحمن الغافقي من الناحية العسكرية بالحسم، وهو مبدأ في غاية الأهمية، ويحتاج إليه القائد حتى لا تتشتت الأمور ويبعد الهدف في ظل التراخي عن اتخاذ القرار وتأخير ذلك عن وقته..
أيضا تميز أسلوبه العسكري النابع من فكره الصائب بالتوازن بين ما يملك من قوى وما يريد من أهداف، إضافة إلى اعتماد مبدا الإعداد قبل التلاقي أي إعداد الجنود والشعب كله قبل المعركة إعدادً قويًا من كافة النواحي، والتأكد من توافر كل أنواع القوة، بداية من قوة الإيمان بالله، مرورًا بقوة التماسك والأخوة بين أفراد الجيش جميعًا، بل وأفراد الشعب، وانتهاءًا بقوة الساعد والسلاح، وهي القوة المادية وعدم الاستهانة أو التقليل من شأن أي نوع من أنواع هذه القوى، فإن أي قصور في أي نوع منها كفيل بجلب الهزيمة على الجيش كله...
الأخلاقيات "الإنسان"
كان التابعي الجليل والقائد العظيم عبد الرحمن الغافقي، من أحسن الناس خلقًا، وكانت إنسانيته هذه تنبع من تربيته الإسلامية الصحيحة على يد صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا عجب إذن إذا رأينا منه حسن السيرة في أخلاقه مع رعيته، لاعجب إذا رأينا العدل والورع والصبر على الرعية وإسداء المعروف للناس دون انتظار أي مقابل فهو ليس بحاجة إلى أحد من الناس فهو أمير وقائد ويمتلك مقومات كثيرة غير أنه ينتظر الأجر من الله سبحانه وتعالى...
قالوا عن عبد الرحمن الغافقي...
قال عنه ابن الأثير المؤرخ:
اشتهر عبد الرحمن الغافقي بورعه وتقواه وصلاحه وإيمانه القوي...
وقال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام:
عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي أمير الأندلس وعاملها لهشام بن عبد الملك. روى عن ابن عمر. وعنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عياض.
وذكره عبد الواحد المراكشي فيمن دخل الأندلس من التابعين قال:
ومنهم عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي يروي عن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وقال عنه الحميدي في كتابه "جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس":
وعبد الرحمن الغافقي هذا من التابعين يروى عن عبد الله، عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عياض، استشهد في قتال الروم بالأندلس سنة خمس عشرة ومائة، ذكر ذلك غير واحد، وكان رجلاً صالحاً جميل السيرة في ولايته، كثير الغزو للروم، عدل القسمة في الغنائم، وله في ذلك خبر مشهور؛ أخبرنا به في الإجازة لفظاً وكتابة أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر بالقسطاط بسنده قال: غزا عبد الرحمن يعنى ابن عبد الله العكى إفرنجه، وهم أقاصي عدو الأندلس، فغنم غنائم كثيرة، وظفر بهم، وكان فيما أصاب رجل من ذهب مفصصة بالدر والياقوت والزبرجد، فأمر بها فكسرت، ثم أخرج الخمس وقسم سائر ذلك في المسلمين الذين كانوا معه، فبلغ ذلك عبيدة يعنى بن عبد الرحمن القيسي الذي هو من قبله فغضب غضباً شديداً، وكتب إليه كتاباً يتواعده فيه، فكتب إليه عبد الرحمن: إن السموات والأرض لو كانتا رتقاً لجعل الرحمن للمتقين منها مخرجًا.
بعد أن وحّد عبد الرحمن الغافقي المسلمين وتيقن أن قوة الإيمان قد اكتملت، توجّه بهم ناحية فرنسا ليستكمل الفتح من جديد، ودخل مناطق لم يدخلها السابقون، فوصل إلى أقصى غرب فرنسا، وأخذ يفتح المدينة تلو المدينة، ففتح مدينة "آرل" ثم مدينة "بودو" (وهي موجودة الآن) ثم مدينة "طلوشة" ثم مدينة "تور" ثم وصل إلى "بواتيه"، وهي المدينة التي تسبق باريس مباشرة، والفارق بينها وبين باريس حوالي مائة كيلو متر تقريبًا إلى الغرب منها، وبينها وبين "قُرْطُبَة" حوالي ألف كيلو متر، أي أنه توغّل كثيرًا جدًا في بلاد فرنسا في اتجاه الشمال الغربي.
وفي مدينة "بواتيه" عسكر عبد الرحمن الغافقي في منطقة تسمى البلاط (البلاط في اللغه الأندلسية تعني القصر)، عند قصر قديم مهجور كان بها، ثم بدأ في تنظيم جيشه لملاقاة جيش النصارى، وكان عدد جيشه يصل إلى خمسين ألف مقاتل؛ ولذا تُعدّ حملة عَبْدُ الرّحْمَن الغَافِقِيُّ هي أكبر حملة تدخل إلى بلاد فرنسا.
الكثرة والغنيمة من عوامل الهزيمة:
رغم ضخامة حملة عَبْدُ الرّحْمَن الغَافِقِيُّ تلك إلا إنه كانت هناك مشكلة كبيرة تكاد تفتك بها، وهي أن هذه الحملة كانت قد فتحت مدنًا كثيرة حتى وصلت إلى بواتيه، ومن ثم فقد جمعت من الغنائم الكثير الذي زاد وثقل في أيدي المجاهدين، وهنا بدأ المجاهدون ينظرون إلى هذه الغنائم ويُفتنون بهذه الأموال الضخمة التي حصّلوها.
ونتيجة هذا فقد اشتهر بين الناس فكرة العودة إلى بلاد الأندلس لحفظ هذه الغنائم هناك حتى لا يحصل عليها الفرنسيون، لكن عَبْد الرّحْمَن الغَافِقِيّ رحمه الله جمع الناس وقال مخاطبا إياهم: ما جئنا من أجل هذه الغنائم، وما جئنا إلا لتعليم هؤلاء الناس هذا الدين، ولتعبيد العباد لرب العباد سبحانه وتعالى، وأخذ يحفزّهم على الجهاد والموت في سبيل الله، ثم انطلق بالجيش إلى "بواتيه" رغمًا عن أنف الجنود.
عندما وصل عَبْدُ الرّحْمَن الغَافِقِيُّ بالجيش إلى "بواتيه" ظهرت ثمة أمور أخرى جديدة؛ فقد تجددت العصبيات التي كانت قد اندحرت في بلاد الأندلس بين العرب والبربر من جديد؛ وذلك بسبب كثرة الغنائم، فقد اختلفوا في توزيعها رغم أنه أمر معروف ومتفق عليه، أخذ كلّ ينظر إلى ما بيد الآخر، وكلّ يريد الأكثر، يقول العرب أنهم أحق لأفضليتهم، ويقول البربر نحن الذين فتحنا البلاد، ونسي الجميع أن الفاتحين الأوائل ما فرقوا أبدًا بين عرب وبربر، بل ما فرّقوا بينهم وبين من دخل الإسلام من الأندلسيين بعد ذلك، وإضافة إلى العصبية وحب الغنائم والحرص عليها فقد اجتمع إلى جوارهما الزهو والاغترار بالكثرة والعدد الضخم، فخمسون ألفًا من المجاهدين عدد لم يسبق في تاريخ الأندلس، فأخذتهم العزة، وظنوا أنهم لن يغلبوا بسبب كثرتهم هذه، ومن بعيد تلوح في الأفق حُنينًا جديدة [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25} فالمسلمون لم ينتصروا أبدًا بعددهم ولا عتادهم، وإنما كانوا ينتصرون بطاعتهم لله ومعصية عدوهم له سبحانه وتعالى، وللأسف الشديد فرغم وجود هذا القائد الرباني التقيّ الورِع عَبْدُ الرّحْمَن الغَافِقِيُّ إلا أن عوامل الهزيمة داخل الجيش الإسلامي كانت أقوى منه.
يقول الدكتور/ عبد الحليم عويس في كتابه دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية القسم الأول: تحت عنوان من قصص سقوطنا في أوروبا
آخر خطواتنا في أوربا
قصة " الغنيمة " في تاريخنا غريبة، والدرس الذي تلقيه علينا - كذلك - أغرب!!
لقد بدأت أولى هزائمنا بسبب الغنيمة، ولقد وقفنا مرغمين - عند آخر مدى وصلت إليه فتوحاتن، بسبب الغنيمة - كذلك!!
فقصة الغنيمة.. هي قصة الهزيمة في تاريخن.
كان قائد المعركة الأولى هو الرسول عليه الصلاة والسلام.. وخالف الرماة أمره، وخافوا من أن تضيع فرصتهم في الغنيمة.. فكانت " أحد " وشهد الجبل العظيم استشهاد سبعين رجلا من خيرة المسلمين.. بسبب الغنيمة.. نعم بسبب الغنيمة!!
وكان قائد المعركة الأخيرة " عبدالرحمن الغافقي " آخر مسلم قاد جيشا إسلاميا منظما لاجتياز جبال البرانس، ولفتح فرنس، وللتوغل - بعد ذلك - في قلب أوروب.
وهزم الغافقي.. سقط شهيدا في ساحة " بلاط الشهداء " إحدى معارك التاريخ الخالدة الفاصلة.. وتداعت أحلام المسلمين في فتح أورب، وطووا صفحتهم في هذا الطريق.. وكان ذلك لنفس السبب الذي استفتحنا به دروس الهزيمة.. أعني بسبب الغنيمة.
ومنذ تم الاستقرار في المغرب العربي، وإسبانيا الإسلامية، وهم يطمحون إلى اجتياز جبال البرانس وفتح ما وراءه، هكذا أراد " موسى بن نصير " لكن الخليفة الوليد بن عبد الملك " خشي أن يغامر بالمسلمين في طريق مجهولة ثم فكر على نحو جدي " السمح بن مالك الخولاني " والي الأندلس ما بين عامي ( 100 - 102 هجرية )، وتقدم فاستولى على ولاية ( سبتماية ) إحدى المناطق الساحلية المطلة على البحر الأبيض المتوسط جنوب فرنس، وعبر - بذلك - " السمح " جبال البرانس، وتقدم فنزل في أرض فرنسا منعطفا نحو الغرب حيث مجرى نهر الجارون، مستوليا في طريقه على ما يقابله من البلدان، حتى وصل إلى - تولوز - في جنوب فرنسا - لكن لم يستطع أن يستقر فيه، وقتل السمح، وتراجعت فلول جيشه تحت قيادة أحد قواده ( عبد الرحمن الغافقي ) فكأن السمح لم ينجح إلا في الاستيلاء على سبتماية.



بلاط الشهداء أشرس معركة إسلامية على الإطلاق


ما رأيناه كان الحال الذي عليه جيش المسلمين، أما جيش النصارى فقد قَدِم من باريس بنحو أربعمائة ألف مقاتل، أي ما يقرب من ثمانية أضعاف الجيش الإسلامي، وكان على رأسهم رجل يسمى تشارل مارتل، ويطلقون عليه في العربية: قارلة، أما مارتل فهو لقبه ويعني المطرقة، وقد لقّبه به بابا إيطاليا؛ لأنه كان شديدًا على أعدائه، وكان من أقوى حكام فرنسا على الإطلاق، كانت ضخامة جيش الأعداء أمر قد اعتاد عليه المسلمون أو الفاتحون الأوائل، فلم تكن لتهزّهم مثل هذه الأرقام التي قدم بها النصارى من باريس، لكن جيش المسلمين كان فيه من عوامل الضعف الكثير، وفوق ذلك فهو يبعد عن أقرب مركز إمداد له وهو قُرْطُبَة بنحو ألف كيلو متر كما ذكرنا قبل قليل.
في منطقة "بواتيه"، وفي موقعة من أشرس المواقع الإسلامية على الإطلاق، التقى الجمعان ودارت رحى حرب عظيمة، جَمْع المسلمين بما فيه من العوامل التي ذكرناها سابقًا من جهة، وجَمْع النصارى الذي يفوق جيش المسلمين بنحو ثمانية أضعاف كاملة من جهة أخرى، وكانت البداية في شهر رمضان من سنة 114 هـ= نوفمبر 732 م واستمر القتال لمدة عشرة أيّام متصلة، ورغم عدم تكافؤ القوتين لصالح النصارى، إلا أن الغلبة في بداية المعركة كانت للمسلمين على قلّة عددهم، لكن النصارى في نهاية المعركة فَطِنوا إلى كمية الغنائم الضخمة التي كانت خلف الجيش الإسلامي، فالتفّوا حول الجيش وهاجموا الغنائم وبدءوا يسلبونها، ولأن حبّ الغنائم كان قد أخذ موقعًا في قلوب بعض المسلمين، فكان أن ارتَبَك المسلمون وأسرعوا لحماية الغنائم الكثيرة، فحدثت هزة في وحدة صفّ الجيش الإسلامي وحدث ارتباك شديد كانت نهايته هزيمة قاسية للجيش الإسلامي في هذه الموقعة، موقعة بواتيه، أو موقعة بلاط الشهداء (بلاط هو القصر الذي دارت عنده الحرب، والشهداء لكثرة شهداء المسلمين في هذه المعركة).
لم تذكر الروايات الإسلامية حصرًا دقيقًا لشهداء المسلمين في بلاط الشهداء، إلا أن بعض الروايات الأوروبية بالغت كثيرًا في أعداد قتلى المسلمين فيها، فتذكر بعضها أن قتلى المسلمين في بلاط الشهداء بلغ خمسة وسبعين وثلاثمائة ألف مسلم، وهو بلا شك رقم مبالغ فيه جدًا؛ لأن جيش المسلمين في الأساس لم يتعد حاجز الخمسين ألفًا.
وفي رواياتهم يقول الأوروبيون متخوّفين أنه لو انتصر المسلمون في بلاط الشهداء على الفرنسيين لفتحت أوروبا كلها، ولدُرِّس القرآن في جامعات أوكسفورد وغيرها من الجامعات الأوروبية، ووالله إنها لتعاسة لهم وخسران أن المسلمين لم ينتصروا في هذه المعركة، ولو انتصروا لانتشر الخير في هذه البلاد، لكنهم ظلّوا في ضلالاتهم وظلوا في غيّهم يعمهون ويعبدون غير الله سبحانه وتعالى ويشركون به.
بعد هذه المعركة انسحب المسلمون إلى الداخل، ومع أنهم هُزموا وانسحبوا إلا أنها لم تكن هزيمة ساحقة كما صورها الأوربيون، ومما يدل على ذلك أن جيش النصارى لم يتبع جيش المسلمين حين انسحبوا، وكان من عادة الجيوش أنها تتتبع الجيش الفارّ، ولكنهم اكتفوا بما أخذوه من الغنائم وما أصابوه من القتلى...
انتصار الفرنجة هو سبب تخلّفهم عن ركب الحضارة:
ربما يبدو هذا العنوان غريبًا على البعض لكنه في الحقيقة كان ما أثبته الواقع وشهد به التاريخ، ولقد فطن إلى هذا المعنى بعض المنصفين من مؤرخي أوربا، قال أناتول فرانس:
إن أهم تاريخ في حياة فرنسا هو معركة بواتييه - بلاط الشهداء - حين هزم شارل مارتل الفرسان العرب - المسلمين - في بواتييه سنة 732 م، ففي ذلك التاريخ بدأ تراجع الحضارة العربية أمام الهمجية والبربرية الأوربية... شوقي أبو خليل - بلاط الشهداء ص 44



وقفة مع معركة بلاط الشهداء


يقول الله تعالى في كتابه الكريم: [يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الغَرُورُ] {فاطر:5}. فالملاحظ أن المسلمين قد اغتروا بهذه الدنيا التي فتحت عليهم فتنافسوها، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ.
فسنّة لله تعالى في خلقه أنه إن فُتحت الدنيا على المسلمين وتنافسوها كما تنافسها من كان قبلهم من الأمم السابقة، فإنها ستهلكهم لا محالة كما أهلكت تلك الأمم السابقة [فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا] {فاطر:43}.
أمر آخر كان في جيش المسلمين وكان من عوامل الهزيمة وهو العنصرية والعصبيّة القبليّة التي كانت بين العرب والبربر في هذه الموقعة، ولقد شاهد الفرنسيون أثر هذا الذي نشأ بين العرب وبين البربر، ووعت الكتب الفرنسية هذا الأمر جيدًا، وظل في ذاكرتها على مدار التاريخ حتى مرت الأيام والسنوات ودخلت فرنسا بلاد الجزائر واحتلتها من سنة 1830 م حتى سنة 1960 وقامت الحركات الاستقلاليّة منذ سنة 1920 م وما بعدها وفكرت فرنسا في القضاء على هذه الحركات الاستقلالية الناشئة ولم تجد أمامها إلا إشاعة الفتنة بين العرب والبربر وضرب بعضهم ببعض، فكانت تشيع داخل البربر أنهم قريبون من العنصر الآري (وهو العنصر الأوروبي)، وبعيدون عن العنصر السامي (وهم العرب)، أي أنتم منا ونحن منكم والعرب بيننا غرباء؛ وذلك للتشابه الكبير بين البربر والأوروبيين في الشكل الخارجي الأمر الذي لا يعترف به الإسلام ولا يقرّه على الإطلاق فمعيار التفاضل في الإسلام هو التقوى.
ولم تكتف فرنسا بذلك، بل قامت بتكثيف تعليم اللغة الفرنسية في مناطق البربر، في حين منعت تعليم اللغة العربية في هذه المناطق؛ وذلك حتى يتم فصل البربر عن العرب تمامًا في منطقة الجزائر، وهي وإن كانت قد نجحت في أمر اللغة بعض الشيء إلا إنها لم تفلح على الإطلاق في تحويل ديانة البربر الإسلامية إلى النصرانية، فظل البربر على إسلامهم وإن كانت لغتهم قد تغيّرت، في بادئ الأمر كان البربر الذين يعيشون في منطقة الجزائر تسمى قبائل الأمازيغ، وكانوا يمثّلون 15 % من شعب الجزائر، ورغم أن لهم لغة خاصة بهم وهي الأمازيغية إلا أنهم كانوا يتمسكون بالعربية، لكن حين قامت فرنسا بهذا الأمر بدأت تُذْكي الروح البربريّة في اللغة المنفردة لهذه القبائل؛ فبدأت تعلم اللغة الأمازيغية، حتى إنها أنشأت في فرنسا عام 1967 م أكاديمية خاصة لتعليم اللغة الأمازيغية، وبدأت تكتب اللغة الأمازيغية بحروف لاتينية رغم أنها كانت لغة منطوقة وليست مكتوبة، قامت فرنسا كذلك بحذف الكلمات العربية التي كانت قد دخلت هذه اللغة وأبدلتها بأخرى أصيلة في اللغة البربرية، وبدأت بالفعل في اجتذاب الشباب من البربر لتعليمهم اللغة الأمازيغية في فرنسا، حتى إنه في عام 1998 م أنشأت ما يُسَمّى بالأكاديمية العالمية للبربر، فبدأت تجمع البربر من مناطق المغرب العربي وغرب إفريقيا وتعلمهم اللغة الخاصة بهم، وكل ذلك لفصل العرب عن البربر، تلك الجموع التي ما هي إلا جموع إسلامية ارتبطت برباط العقيدة والدين، لكنها رأت آثار ذلك في وادي برباط وما تلاها فلم تتوان، وفي ذات الوقت الذي تعمل فيه فرنسا جاهدة على إقامة لغة غير العربية في بلد عربي، كانت هي نفسها التي رفضت المشروع الذي تقدم به "جوسبان" رئيس وزرائها إلى شيراك سنة 1999 م بإقرار بعض اللغات المحلية داخل فرنسا، والذي ردّ عليه شيراك بقوله: إنك بهذا تريد بلقنة فرنسا، أي جعلها كدول البلقان، بلاد متفرقة بحسب العرق وبحسب العنصر، فهذا الأمر حلال على الجزائر حرام على فرنسا!!



بعض الأسئلة والرد عليها


بعد استشهاد عَبْد الرّحْمَن الغَافِقِيّ رحمه الله في موقعة بلاط الشهداء في منطقة "بواتيه" وبعد هزيمة المسلمين فيها انسحب المسلمون وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه المنطقة. وقبل استكمال الطريق والخوض في تفاصيل ما حدث بعد بلاط الشهداء هناك بعض الأسئلة المهمّة، والتي نودّ الإجابة عليها وهي:
السؤال الأول:
لماذا لم يقم أهل الأندلس بالثورات في عهد الفتح وأوائل عهد الولاة رغم ضآلة الحاميات الإسلامية عليهم؟
كان قوام الجيش الإسلامي في بلاد الأندلس أربعة وعشرين ألف مقاتل، كان مع طارق بن زياد اثنا عشر ألفًا، وقد استشهد منهم في وادي برباط ثلاثة آلاف، واستشهد مثلهم في الطريق من وادي برباط إلى طليطلة، فوصل طارق بن زياد إلى "طليطلة" بستة آلاف فقط من الرجال، ثم عبر موسى بن نصير بثمانية عشر ألفًا، فأصبح قوام الجيش الإسلامي أربعة وعشرين ألف مقاتل تم توزيعهم على كل مناطق الأندلس الواسعة وبعض جنوب فرنسا، كحاميات إسلامية وفاتحين لمناطق أخرى لم تفتح...
فكان التعجب لماذا لم يقم أهل هذه البلاد- على سعتها- بالثورة على المسلمين أو على الحاميات الإسلامية الموجودة عليهم رغم قلتها الملحوظة التي لا تقارن بعدد السكان على الإطلاق؟!
ومثل هذا السؤال هو العجب كل العجب، فالسؤال الذي يجب أن يُسأل هو لماذا يثور أهل الأندلس؟ وليس لماذا لم يثوروا؟ كان أهل الأندلس قبل دخول الإسلام يعيشون ظلمًا مريرًا وضنكًا شديدًا، تُنهب أموالهم وتنتهك أعراضهم فلا يعترضون، حكامهم في الثروات والقصور يتنعمون، وهم لا يجدون ما يسد الرمق، يزرعون الأرض وغيرهم يأكل ثمارها، بل إنهم يُباعون ويُشترون مع تلك الأرض التي يزرعونها.
فلماذا إذن يثور أهل الأندلس؟! أيثورون من أجل هذا الذي أذاقهم العذاب ألوانًا؟! أم يثورون من أجل ظهور لوذريق أو غيطشة جديد؟! أم يثورون من أجل ذكريات أليمة مليئة بالجوع والعطش والنهب والسرقة والظلم والتعذيب والتنكيل، والفساد والرشوة والجبروت؟!
ثم ماذا كان البديل المطروح؟ إنه الإسلام الذي حملته أرواح المسلمين الفاتحين، إنه الإسلام الذي حرّم كل ما سبق وجاء ليقول لهم: تعالوا أعطكم بدلا من الظلم عدلًا ليس هبة مني، لكنه حق لكم ولقومكم وأولادكم ولذريتكم من بعدكم، إنه الإسلام الذي لم يفرق بين حاكم ولا محكوم، فإن حدث لأي منكم مظلمة قام القاضي لا يفرق بين مسلم ولا يهودي ولا نصراني أيًا كان شكله أو لونه أو جنسه.
إنه الإسلام الذي لا يرفع من قيمة الأشخاص بقدر أموالهم أو صورهم أو أجسامهم، إنما بقدر أعمالهم، والأعمال مفتوحة لكم جميعًا، الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، إنه الإسلام الذي يقول الحاكم فيه لك: قد رفعنا عنك كل الضرائب إن كنت من المسلمين وكنت غنيًا فلن تدفع إلا ( 2.5 % )زكاة لأموالك إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول، وإن كنت فقيرًا فلن تدفع شيئا، بل ستأخذ من بيت مال المسلمين إلى أن تغتني.
أما إن كنت من غير المسلمين وكنت غنيًا وقادرًا على القتال- وليس غير ذلك- فستدفع جزية هي أقل بكثير من زكاة المسلمين، نظير أن يدافعوا عنك، وإن هم فشلوا في الدفاع عنك فسترد إليك أموالك.
إنه الإسلام، خلاص الشعوب؛ حين عرفه أهل الأندلس تمسّكوا به واعتنقوه اعتناقًا ولم يرضوا عنه بديلًا، فكيف يحاربونه ويضحّون بهذا النعيم المقيم في الدنيا والآخرة من أجل حياة المرارة والعذاب والذل والحرمان؟!
السؤال الثاني
هل من المعقول أن كل أهل الأندلس أُعجبوا بهذا الدين ولم يكن هناك ولو رجل واحد يثور ويعترض حبًا في سلطان أو مصلحة كانت قد ضيّعت عليه؟!
والإجابة عن هذا السؤال هي: نعم؛ كان هناك كثير من الناس من أصحاب المصالح الذين كان لهم أعوان كثيرون أرادوا أن يثوروا على حكم الإسلام؛ ليسترجعوا مجدهم ويحققوا مصالح كانت لهم، أمّا لماذا لم يثوروا؟ فالجواب عنده سبحانه وتعالى في قوله: [لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ] {الحشر:13}.
فالمؤمن في الفتوحات الإسلامية كانت له رهبة في قلوب النصارى واليهود، وفي قلوب المشركين بصفة عامة، فالله سبحانه وتعالى يلقي على المؤمن جلالاً ومهابةً فيخافه القريب والبعيد، يقول صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي رواه البخاري: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. ويقول سبحانه وتعالى: [فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ] {الحشر:2}.
والعجب أن هذا الرعب لم يكن متولدًا عن بشاعة في الحرب، أو عن إجرام منقطع النظير، إنما هي هبة ربانية لجنده ولأوليائه ولحزبه سبحانه وتعالى، بل على عكس ذلك تمامًا كانت حرب الإسلام رحمةً للناس كل الناس، فها هو صلى الله عليه و سلم كما جاء في صحيح مسلم عن بُريدة رضي الله عنه حين كان يودع الجيوش فكان يخاطبهم قائلا: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا. وفي رواية: وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا وَلَا امْرَأَةً.
فأين هذا من حروب غير المسلمين مع المسلمين؟! أين هذا من قتل مائتي ألف مسلم من المدنيين في البوسنة والهرسك وكوسوفو؟! أين هذا من فعل الروس في الشيشان، وفعل الهنود في كشمير، وفعل اليهود في فلسطين، وفعل أمريكا في العراق؟!
فرغم أن الرهبة والرعب أُلقيت في قلوب الأعداء إلا أن حروب المسلمين كانت رحمة على العالمين، حتى لقد سعد الذين لم يدخلوا في الإسلام من اليهود والنصارى في ظل حكم الإسلام أيما سعادة [لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ] []{الممتحنة:8}[/فقد تُركَتْ لهم كنائسُهم، وكان لهم قضاء خاص بهم، ولم يفرّق بين مسلم ونصراني ويهودي في مظلمة، فكان العجب حقًا أن يثوروا، العجب كل العجب أن ينقلبوا على الإسلام، والعجب كل العجب أن يرفضوا حكم الإسلام وقد جاء من عند حكيم خبير، يعلم ما يصلح كونه وأرضه وعبيده [يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ] []{غافر:19}[/السؤال الثالث:
وهو خاص بعوامل الهزيمة في بلاط الشهداء، إذ كيف تتعلق قلوب هذا الجيل القريب من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته - وهو جيل التابعين أو تابعي التابعين - بالغنائم وحب الدنيا، وكيف تظهر فيهم هذه العنصرية القبلية؟!
وللإجابة على الشق الأول من هذا السؤال، نقول: إذا كانت هذ العوامل قد حدثت في سنة 114 هـ= 732 م فإنها قد حدثت مع الصحابة رضوان الله عليهم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم سنة 3 هـ= 625 م وذلك في غزوة أُحد، والتي نزل فيها قوله تعالى مخاطبًا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] []{آل عمران:152}[/وكأن غزوة أُحدٍ تعيد نفسَها من جديد في "بلاط الشهداء".
فقد نزلت هذه الآية في الصحابة رضوان الله عليهم حين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل الرماة وتركوا مواقعهم بعد أن تيقنوا بالنصر، وذلك طلبًا للغنيمة، فكانت الهزيمة بعد النصر، حتى إن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أحسب أن منا من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] []{آل عمران:152}[/].
وهكذا في بلاط الشهداء، كانت الغلبة للمسلمين في أول المعركة في أول يومين أو أول ثلاثة أيام، ثم لما التفّ النصارى حول الغنائم يأخذونها، وكان قد وقع حبها في قلوب المسلمين، حدث الانكسار في الجيش ثم هُزموا.
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ] {آل عمران:152}. يقول: لقد عفا عنكم أي لم يستأصلكم في هذه الموقعة، وأعطاكم الفرصة للقيام من جديد.
وهكذا أيضا في بلاط الشهداء، لم يُستأصل الجيش الإسلامي، لكنه عاد وانسحب ليقوم من جديد.
وإذا جئنا إلى ما قبل أُحد وإلى الرعيل الأول من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في[غزوة_بدر] غزوة بدر وجدنا أيضًا صورةً من صور بلاط الشهداء، وذلك حين انتصر المسلمون ثم اختلفوا على الغنائم، حتى إن سورة الأنفال التي نزلت بعد ذلك تعظّم من هذا النصر المجيد قد بدأت بقوله تعالى: [يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {الأنفال:1}. كلام له وقع السهام على الصحابة، لكنه أمر قد حدث وهو أصيل في النفس البشرية.
ومن هنا فما حدث في بلاط الشهداء ليس بجديد؛ لأنه من عيوب النفس، وقد حدث مثله في بدر وفي أحد، لكن كان هناك اختلافًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد [/غزوة_أحد]غزوة أحد تدارك الأمر بسرعة؛ فحمّس المسلمين على الجهاد وذكّرهم بالآخرة حتى قاموا في حمراء الأسد فكانت الغلبة وردّ الاعتبار، أما في بلاط الشهداء فإن كان قد قام من جديد رجل من المسلمين وهو عقبة بن الحجاج رحمه الله يحمّس المسلمين ولكن بعد العودة إلى الأندلس، إلا إنه لم تحدث موقعة بعد بلاط الشهداء كما حدثت حمراء الأسد مباشرة بعد أحد.
كذلك كان الاختلاف في أن غالب جيش المسلمين في بلاط الشهداء باستثناء عبد الرحمن الغافقي رحمه الله الذي استشهد لم يزل حب الدنيا وحبّ الغنائم رابضًا في قلبه، فهم يريدون الدنيا، أما في أُحد فقد قال عنهم سبحانه وتعالى: [مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ] {آل عمران:152}. ولذلك لم يعد المسلمون بعد بلاط الشهداء مباشرة كما عادوا بعد أحد.
ومن أوجه الشبه الكبير أيضا بين "أحد" "وبلاط الشهداء" أنه عندما أُشيع خبر [/موت-رسول-الله-وأثر-ذلك-على-الصحابة]وفاة الرسول[صلى الله عليه وسلم في أحد حدث الانكسار وحدث الفرار والهزيمة المرّة، وكذلك بالنسبة إلى بلاط الشهداء، فحين قتل عبد الرحمن الغافقي رحمه الله انسحب المسلمون، وانكمشوا على أنفسهم إلى الداخل، وهنا تكمن العبرة والعظة من أحداث المسلمين المتكررة والشديدة الشبه.



مسألة القومية والعنصرية


وهي الشق الثاني من السؤال، وكسابقتها فإن مسألة القومية والعنصرية كانت قد ظهرت أيضا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يعد قدحًا في هذا العهد أو في هؤلاء الصحابة بقدر ما هو بيان لأمور فُطرت وجُبلت عليها النفس الآدمية، لكن فرق بين أن تعود هذه النفس إلى طريق بارئها وبين أن تتمادى في غيّها.
ولعلنا نذكر هنا تلك الحادثة المشهورة التي حدثت بين أبي ذر وبين بلال رضي الله عنهما، حين عيّره أبو ذر بأمه في خلاف بينهما قائلا لبلال: يا ابن السوداء، فذهب بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مغاضبًا يحكى له ما حدث، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن غضب غضبًا شديدًا وقال لأبي ذر: طَفُّ الصَّاعِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلْ وَلْيُلْبِسهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ. وفي رواية أَنه صلى الله عليه وسلم قال: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَحْلِفَ مَا لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٍ إِلَّا بِعَمَلٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا كَطَفِّ الصَّاعِ.
والعبرة هنا بردّ فعل أبي ذر رضي الله عنه حيال هذا الغضب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيال هذا الذنب الذي اقترفه، فما كان من أبي ذر إلا أن وضع رأسه على التراب مُصرًا على أن يطأ وجهه بلال رضي الله عنه بقدمه حتى يكفّر عن خطيئته تلك، وكان ردّ فعل بلال رضي الله عنه أن غفر لأبي ذر ورفض أن يطأ وجهه، وقد حدث مثل هذا أيضًا بين الأوس والخزرج حين فَتَنَ بينهم شاسُ بنُ قيس، فقال الأوس: يا للأوس، وقال الخزرج: يا للخزرج، وحينها أيضًا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: اللَّهَ اللَّهَ! أَبْدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرْكُمْ، دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ. والحديث في البخاري ومسلم
وليس أدل على تلك القبلية مما حدث بمجرد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم من فتنة بني حنيفة، واجتماع الناس حول مسيلمة الكذاب، حتى سُئل رجل من أتباع مسيلمة: أتعلم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم صادق ومسيلمة كاذب؟ فأجاب قائلا: والله أعلم أن محمدًا صادق، وأن مسيلمةَ كاذب، ولكن كاذب بني ربيعة، أحب إليّ من صادق مضر. هكذا كانت النظرة قَبَلِيّة تمامًا في نظر هذا الرجل، ولو لَمَسَ الإيمانُ قلبه ما قال مثل قولته هذه.
إذن فقد ظهرت العنصرية والقبلية منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتدارك هذا الأمر بسرعة، ويحفّز الناس بالإيمان ويقرّبهم إلى ربهم، ويذكّرهم بالآخرة [وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ] {الذاريات:55}. فسرعان ما يتج
يتجاوزن ما حدث ولا يعودون، روى البيهقي [b][color=#663300]عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يتبع


عدل سابقا من قبل المعتمد بن عباد في الثلاثاء أغسطس 31, 2010 3:20 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 3:18 pm


إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَمَرَ اللَّهُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنِّي جَعَلْتُ نَسَبًا وَجَعَلْتُمْ نَسَبًا، فَجَعَلْتُ أَكْرَمَكُمْ أَتْقَاكُمْ، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ خَيْرٌ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْفَعَ نَسَبِي وَأَضَعُ نَسَبَكُمْ. ويقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ] {المؤمنون:101،102،103}.



الأحداث بعد بلاط الشهداء وعودة المسلمين إلى الأندلس



بعد عودة المسلمين إلى الأندلس، قام فيهم عقبة بن الحجّاج السلولي رحمه الله وتولّى الولاية من سنة 116 هـ= 734 م إلى سنة 123 هـ= 741 م ويُعدّ آخر المجاهدين بحقٍّ في فترة عهد الولاة الأُول.
وقد خُيّر هذا الرجل بين إمارة إفريقيا بكاملها ( كل الشمال الأفريقي ) وبين إمارة الأندلس ففضل إمارة الأندلس؛ لأنّها أرض جهاد حيث ملاصقتها لبلاد النصارى، فأقام مجاهدًا فاتحًا حتى بلغ أربونة وفتح معها جليقية وبنبلونة وكان إذا أسر الاسير لم يقتله حتى يعرض عليه الإسلام، ويقبح له عبادة الأصنام الأعلام للزركلي جـ 4 ص 220
قال صاحب البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب: (جـ 1 / ص 151)
وأقام عقبة بالأندلس بأحسن سيرة وأجملها، وأعظم طريقة وأعدلها...
وقال المقرّي في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب - (جـ 1 / ص 236)
وولي عقبة بن الحجاج السّلولي من قبل عبيد الله بن الحبحاب، فأقام خمس سنين محمود السيرة مجاهداً مظفّراً...
وقد قام رحمه الله خلال سنوات إمارته السبع بأكثر من سبع حملات داخل فرنسا، وكان ينزل إلى الأسرى بنفسه يعلّمهم الإسلام، حتى إنه أسلم على يديه ألفان من الأسرى، لَأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ، فكيف بألفين!
ولقد استشهد عقبة بن الحجّاج رحمه الله سنة 123 هـ= 741 م وباستشهاده يكون قد انتهى عهد الولاة الأُول أو الفترة الأولى من عهد الولاة.



الفترة الثانية من عهد الولاة وأهم سماتها


تبدأ هذه الفترة من انتهاء العهد الأول من عهد الولاة سنة 123 هـ= 741 م وحتى سنة 138 هـ= 755 م وترجع بذور هذا العهد إلى موقعة "بلاط الشهداء"، حيث حبّ الغنائم والنزعة العنصرية والقبلية...
أهم سمات هذه الفترة:
1- حب الدنيا:
في أول هذا العهد كانت الأموال كثيرة والغنائم ضخمة، وفتحت الدنيا عليهم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِمَّا أَخَاُف عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا. وهكذا فُتحت الدنيا على المسلمين وانخرطوا فيها؛ فتأثّر بذلك إيمانُهم.
2- تفاقم العنصرية والقبلية:
وتبعًا لتأثّر الإيمان ظهرت العنصرية بصورة كبيرة، وحدثت انقسامات كثيرة في صفوف المسلمين داخل الأندلس، حدثت انقسامات بين العرب والبربر، وكانت جذور هذه الانقسامات منذ بلاط الشهداء، ثم حدثت انقسامات بين العرب أنفسِهم، بين المضريين والحجازيين، وبين العدنانيين (أهل الحجاز) والقحطانيين (أهل اليمن)، حتى إنه كان هناك خلافات وحروب كثيرة بين أهل اليمن وأهل الحجاز.
ولقد وصل الأمر إلى أن حدثت انقسامات بين أهل الحجاز أنفسِهم، بين الفهريين وبين الأمويين، بين بني قيس وبني ساعدة، وهكذا انقسم أهل الحجاز بعضهم على بعض.
3- ظلم الولاة:
وإضافة إلى حبّ الغنائم وتفاقم القبلية والنزعة العنصرية، وكخطوة لاحقة لهذا ظهر ما يمكن أن نسميه ظلم الولاة، فقد تولّى أمر المسلمين في الأندلس ولاة ظلموا الناس وألهبوا ظهورهم بالسياط، كان منهم - على سبيل المثال - عبد الملك بن قَطَن، ملأ هذا الوالي الأرض ظلمًا وجورًا، قسم الناس بحسب العنصرية وبحسب القبلية، أعطى المضريين وحدهم من الغنائم ومنع البربر وغيرهم، فانقسم الناس عليه وانقلبوا.
وعلى دربه سار يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي تولى من سنة 130 هـ= 748 م وحتى آخر هذه الفترة وآخر عهد الولاة كلية سنة 138 هـ= 755 م فقد انفصل هذا الوالي بالحكم كليّة عن الخلافة الأموية، وادعى أن إمارة الأندلس إمارة مستقلة، بالإضافة إلى إذاقة الناس من العذاب ألوانًا، فحدثت انكسارات جديدة وثورات عديدة بلغت أكثر من ثلاثين ثورة داخل بلاد الأندلس.
4- ترك الجهاد:
منذ قليل كنا نتحدث عن الانتصارات الإسلامية والتاريخ المجيد، وفتح الأندلس وفتح فرنسا، ثم ها هي الدنيا إذا تمكنت من القلوب، وها هي العنصرية، وها هو ظلم الولاة يسلم الناس إلى هذه الثورات، وكرد فعل طبيعي جدا لكلِّ هذا، ترك الناس الجهاد، وتوقفت الفتوحات في فرنسا، وتوقفت الحروب ضد النصارى في الشمال الغربي في منطقة الصخرة، والتي كان يتمركز بها مجموعة لا بأس بها من النصارى منذ الفتح الأول لبلاد الأندلس، وكقاعدة ربانية وسنة إلهية فما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، يروي أبو داود عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ (نوع من الربا) وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ. وهكذا كان حين ترك المسلمون الجهاد في فرنسا وأرض الأندلس، فسلط الله عليهم الذلّ، وانقسموا على أنفسهم، وانشغلوا بدنياهم.



أهم أحداث الفترة الثانية من عهد الولاة


نظرًا لتفاعل الأمور السابقة بعضها مع بعض نستطيع بإيجاز شديد أن نلّخص أهمّ الأحداث التي تمخّضت عنها الفترة الثانية والأخيرة من عهد الولاة فيما يلي:
أولا:
فُقدت كل الأراضي الإسلامية في فرنسا باستثناء مقاطعة "سبتمانيا"، والتي كانت قد فُتحت بسرية من سرايا موسى بن نصير، كما ذكرنا قبل ذلك.
ثانيا:
ظهرت مملكة نصرانية في المنطقة الشمالية الغربية عند منطقة الصخرة تسمى مملكة ليون.
ثالثا:
انفصل إقليم الأندلس عن الخلافة الإسلامية - الأموية في ذلك الوقت - وذلك على يد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، كما ذكرنا قبل قليل.
رابعا:
انقسمت الأندلس إلى فرق عديدة متناحرة، وثورات لا نهائية، كلٌّ يريد التملك والتقسيم وفق عنصره وقبيلته.
خامسا:
أمر خطير جدًا وهو ظهور فكر الخوارج الذين جاءوا من الشام واعتناق البربر له، وذلك أن البربر كانوا يعانون ظلمًا شديدًا وعنصرية بغيضة من قِبل يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ فاضطروا إلى قبول هذا الفكر الخارج عن المنهج الإسلامي الصحيح واعتناقه؛ خلاصًا مما يحدث لهم ممن ليسوا على فكر الخوارج.
سادسا:
زاد من خطورة هذا الموقف ذلك الحدث الجسيم الذي صدع الأمة الإسلامية في سنة 132 هـ= 750 م وهو سقوط الخلافة الأموية وقيام الخلافة العباسية، والذي كان قيامًا دمويًا رهيبًا، انشغل فيه العباسيون بالقضاء على الأمويين، ومن ثَمّ فقد ضاعت قضية الأندلس وغابت تمامًا عن الأذهان.


عبد الرحمن الداخل (صقر قريش

انتهى عهد الولاة والأندلس في حالة من الفوضى والدمار، وتحديدًا في الفترة الثانية من عهد الولاة، وظن البعض أن الإسلام انتهى من الأندلس، ولكنَّ رحمة الله ظهرت بظهور رجلٍ أعاد للإسلام مكانته مرة ثانية، وذلك الرجل هو عبد الرحمن الداخل. ولكن من هو عبد الرحمن الداخل؟ ولماذا كان له كل هذه الشهرة؟

كان عبد الرحمن الداخل من الأمويين الذين فروا من بطش العباسيين، وقرر أن يذهب إلى الأندلس ليبدأ في تأسيس دولته، فراسل كل الأمويين ومحبي الدولة الأموية في كل مكان يعرض عليهم فكرته، وبدأ يستعد لدخول الأندلس، ولقد واجهت عبد الرحمن الداخل صعوبات في تأسيس دولته كأي دولة ناشئة، فتعرضت الدولة الأموية في الأندلس في عهد عبد الرحمن الداخل لعدد كبير منالثورات، تزيد على خمس وعشرين ثورة تغلّب عليها جميعها.

وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يجوز لعبد الرحمن الدَّاخِل أن يقاتل الثائرين، وإن كانوا من المسلمين؟!

وحقيقة الأمر أن موقفه هذا في قتال الثائرين داخل أرض الأندلس لا غبار عليه؛ لأن الجميع كانوا قد اتفقوا عليه أميرًا للبلاد، وقد جاءفي صحيح مسلم عن عَرْفَجَةَ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ -أي مجتمع -عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ".

ومن الثورات التي واجهت عبد الرحمن الداخل ثورة العلاء بن مغيث الحضرمي الذي أرسله الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور كي يقتل عبد الرحمن بن معاوية، لكن عبد الرحمن الداخل انتصر عليه، ومن هنا سماه الخليفة العباسي صقر قريش، وكانت هذه الحروب بين العباسيين والأمويين بسبب قيام العباسيين بقتل الأمويين في بداية تأسيس الخلافة العباسية، وكان من المفترض أن يقوم العباسيون بالاستفادة من الأمويين في خدمة الإسلام بدلاً من القيام بقتلهم، وإحداث الفرقة بين صفوف المسلمين.

ولكن ما سبب نجاح عبد الرحمن الداخل في بناء دولته؟ يرجع السبب في ذلك إلى الاهتمام بإنشاء جيش قوي لكي يكون قادرًا على الجهاد، والاهتمام بالعلم والعلماء، والاهتمام بالحضارة المادية، وفكره العسكري الذي تعلمه، إضافة إلى أخلاقه العالية؛ ولذلك قال عنه المؤرخون: "لولا عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية". وقد عاش حياته كلها مجاهدًا، وتُوُفِّي بقرطبة، ودفن بها في جمادى الأولىسنة 172هـ/ أكتوبر 788م.



أصبح أمر الأندلس يحتاج في إصلاحه إلى معجزة إلهية، وبالفعل حدثت المعجزة بفضل من الله ومَنٍّ وكرمٍ منه على المسلمين، وذلك بدخول رجل يدعى عبد الرحمن بن معاوية بن [/خلافة-هشام-بن-عبد-الملك]هشام بن عبد الملك الأموي إلى أرض الأندلس، وذلك في شهر ذي الحجة من سنة 138 هـ= مايو 756 م.



قصة عبد الرحمن الداخل (113- 172هـ)


لكي نفهم قصة دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك إلى أرض الأندلس، نعود إلى الوراء قليلًا حتى سنة 132 هـ= 750م وهو زمن سقوط بني أمية، فقد أعمل العباسيون السيوف قتلًا وتنكيلًا لكل من كان مؤهلًا من الأمويين لتولّي الخلافة، فقتلوا الأمراء وأبناء الأمراء وأبناء أبناء الأمراء (الأحفاد) إلا قلّة ممن لم تصل إليهم سيوفُهم.
كان عبد الرحمن بن معاوية حفيدَ هشام بن عبد الملك الذي حكم من سنة 105 هـ= 723م إلى سنة 125 هـ= 743 م
نشأ عبد الرحمن في بيت الخلافة الأموي، وكان الفاتح الكبير مسلمة بن عبد الملك عم أبيه يرى فيه أهلا للولاية والحكم وموضعًا للنجابة والذكاء، وسمع عبد الرحمن ذلك منه مشافهة، مما أثّر في نفسه أثرًا إيجابياً، ظهرت ثماره فيما بعد، حتى إذا أقبل ريعان شبابه انقلب العباسيون على الأمويين، وأعملوا فيهم السيف، وقتلوا الأمراء وأبناء الأمراء بل وأحفادهم، وكل من توقعوا أن يكون أهلا للإمارة حتى لا يفكر فيها أحد، ولا يسلبها منهم أحد، فكانوا يقتلون كل من بلغ من البيت الأموي، ولا يقتلون النساء والأطفال، وكان هذا في سنة 132 هـ، وفي العراق كان عبد الرحمن بن معاوية يجلس في بيته إذ دخل عليه ابنه ابن الأربع سنين يبكي فزعًا، وكان عبد الرحمن بن معاوية مريضا معتزلًا في الظلام في ركن من البيت من أثر رمد في عينه، فأخذ يسكّن الطفل بما يسكن به الأطفال إلا أن الطفل ظلّ فزعًا مرعوبًا لم يسكن، فقام معه عبد الرحمن بن معاوية فوجد الرايات السود خارج البيت (رايات الدولة العباسية)، وكانت تعمّ القرية جميعها، فعلم أنّه مطلوب، رجع عبد الرحمن بن معاوية وأخذ أخاه الوليد بن معاوية وما معه من نقود، وترك النساء والأطفال وكل شيء؛ لأن العباسيين لم يكونوا يقتلون النساء ولا الأطفال، ولكنهم كانوا يقتلون كل من بلغ وكان مؤهلًا للخلافة، ثم خرج عبد الرحمن هاربًا نحو الفرات، وعند الفرات وجد عبد الرحمن بن معاوية وأخوه القوات العباسية تحاصر النهر، فألقيا بأنفسهما فيه وأخذا يسبحان، ومن بعيد ناداهما العباسيون أن ارجعا ولكما الأمان، حينها كان الوليد بن معاوية أخو عبد الرحمن بن معاوية قد أُجهد من السباحة، فأراد أن يعود، فناداه أخوه الأكبر أن لا تعد يا أخي وإلا فإنهم سوف يقتلونك، فردّ عليه إنهم قد أعطونا الأمان، ثم عاد راجعًا إليهم، فما أن أمسك به العباسيون حتى أن قتلوه أمام عين أخيه، عَبَر عبد الرحمن بن معاوية النهر وهو لا يستطيع أن يتكلم أو يفكر من شدة الحزن على أخيه ابن الثالثة عشرة، ثم يَمّم جهة بلاد المغرب لأن أمّه كانت من قبيلة من قبائل البربر، فهرب إلى أخواله هناك، في قصة هروب طويلة جدًا وعجيبة أيضًا عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان...
وصل عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان وعمره تسع عشرة سنة فقط، وهناك وجد ثورة كبيرة للخوارج في الشمال الأفريقي كلّه وعلى رأسها عبد الرحمن بن حبيب، وكان قد استقلّ بالشمال الإفريقي عن الدولة العباسية، ولأنه كانت هناك كراهية شديدة جدًا بين الخوارج والأمويين (حيث إن الخوارج لم يرضوا ارتضاء سيدنا علي رضي الله عنه بتحكيم كتاب الله بينه وبين معاوية بن أبي سفيان الأموي رضي الله عنه في موقعة صفين، ومن ثَمّ فقد خرجوا عليه وسُمُّوا من بعدها بالخوارج، ومن حينها وهم يبغضون الأمويين) فقد كان عبد الرحمن بن حبيب يسعى هو الآخر للقضاء على عبد الرحمن بن معاوية حين علم بأمره، فحين قدم عبد الرحمن بن معاوية إلى القيروان اجتمع عليه الخوارج وكادوا أن يقتلوه، فهرب من جديد إلى برقه (في ليبيا)، وظل مختبئًا فيها عند بعض أخواله هناك طيلة أربع سنوات كاملة، حتى سنة 136 هـ= 754 م وكان قد بلغ من العمر ثلاث وعشرين سنة، وظل عبد الرحمن بن معاوية يفكر في أمره، أيظهر فيُقتل أم يظل مختبئا طوال العمر؟! ففي أي قطر من بلاد المسلمين هو مطلوب الرأس، ففي الشام في بلاد المشرق الإسلامي مطلوب من العباسيين، وفي الشمال الإفريقي في بلاد المغرب الإسلامي مطلوب من الخوارج، فهل يظل مختبئًا طوال حياته وهو سليل الأمراء والخلفاء؟! أو هل يظل مختبئًا في مكانه والأمويون في كل مكان يُقتلون ويُذَبحون؟! أم يحاول أن يقيم للأمويين مجدًا من جديد؟!
وهنا جال بخاطره أن يذهب إلى الأندلس، وقد كانت الأندلس أصلح البلدان لاستقباله وذلك لأنها أولًا: أبعد الأماكن عن العباسيين والخوارج، ثانيًا: لأن الوضع في الأندلس ملتهب جدًا، وذلك على نحو ما ذكرنا في عهد يوسف بن عبد الرحمن الفهري وفي نهاية الفترة الثانية من عهد الولاة؛ ففي هذا الجوّ يستطيع عبد الرحمن بن معاوية أن يدخل هذه البلاد؛ ولو كانت تابعة للخلافة العباسية ما استطاع أن يدخلها، كما أنها لو كانت على فكر الخوارج ما استطاع أيضا أن يدخلها؛ فكانت الأندلس أنسب البلاد له على وعورتها واحتدام الثورات فيها.



عبد الرحمن بن معاوية ودخول الأندلس

في سنة سنة 136 هـ= 753 م بدأ عبد الرحمن بن معاوية يعدّ العدة لدخول الأندلس، فعمل على الآتي:
أولًا: أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف، ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم فيها.

ثانيًا: راسل كل محبي الدولة الأموية في أرض الأندلس بعد أن علِمَهم من مولاه بدر، والحق أن كثيرًا من الناس في عهد الدولة الأموية وفي غيرها كانوا يحبون الأمويين كثيرًا، فمنذ ولاية معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه على الشام في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي خلافة /عثمان_بن_عفان]عثمان بن عفان رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، والمسلمون في أقطار الدولة الإسلامية يحبون بني أمية حبًا شديدًا، فقد اشتهر بنو أمية على مرّ العصور بالسخاء الشديد والسياسة والحكمة، واكتساب ثقة الناس وحسن معاملتهم، والجهاد في سبيل الله ونشر الدين وفتح البلاد، فكان لبني أمية داخل بلاد الأندلس الكثير من المريدين والكثير من المحبين حتى من غير بني أمية من القبائل الأخرى المختلفة.
ثالثًا: في ذكاءٍ شديد وحرصٍ أشدّ راسل عبد الرحمن بن معاوية البربر، يطلب معونتهم ومساعدتهم، وكانوا في ذلك الوقت على خلاف شديدٍِ جدًا مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ لأنه فرّق بينهم وبين العرب، فهم يريدون أن يتخلّصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية.رابعًا: راسل كل الأمويين في كل الأماكن التي هربوا إليها يعرض عليهم فكرته، وأنه يعزم على دخول الأندلس ويطلب معونتهم ومددهم.

وبالفعل بدأ في تجميع الأعوان، واستغرق ذلك عامين حتى قدم عليه رسول من عند مولاه بدر سنة 138هـ= 755 م يقول له إن الوضع قد تجهّز لاستقبالك هناك، وحينما سأله عن اسمه فقال: غالب التميمي، فردّ مؤملا مستبشرًا بهذا الاسم: الحمد لله، غلبنا وتم أمرنا. وبدأ يعدّ العدّة ويجهّز السفينة التي أخذته منفردًا إلى بلاد الأندلس.
عبد الرحمن الداخل في الأندلس


نزل عبد الرحمن بن معاوية رحمه الله على ساحل الأندلس بمفرده، واستقبله هناك مولاه بدر، ثم انطلق معه إلى "قرطبة"، كان يحكم الأندلس في ذلك الوقت يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكالعادة كان في الشمال يقمع ثورة من الثورات، ذلك الوقت الذي قال عنه المؤرخون - كما ذكرنا -: كاد الإسلام أن ينتهي من بلاد الأندلس في عام ثمانية وثلاثين ومائة.
ويدخل عبد الرحمن بن معاوية الأندلس ويبدأ في تجميع الناس من حوله، محبّي الدولة الأموية، والبربر، وبعض القبائل المعارضة ليوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد جاء بعض الأمويين من بقاع الأرض المختلفة، ومع ذلك لم يجد العدد كافيًا والذي يستطيع به أن يغيّر من الأوضاع.
فكّر عبد الرحمن بن معاوية في اليمنيين الذين كانوا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري الحجازي رغم كونه أيضًا من الحجاز، لكنهم رأوا أنهم ليس لهم طاقة بيوسف بن عبد الرحمن الفهري، فقبلوا أن يتّحدوا مع عبد الرحمن بن معاوية.
كان على رأس اليمنيين في ذلك الوقت أبو الصباح اليحصبي، وكان المقرّ الرئيسي لهم أشبيلية، وهي المدينة الكبيرة التي تعدّ حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى إشبيلية واجتمع طويلًا مع أبي الصباح اليحصبي، واتفقا على أن يقاتلا سويًا ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري.
قبل القتال كان عبد الرحمن بن معاوية قد أرسل عدة رسائل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري يطلب ودّه وأن يسلم له الإمارة ويكون الفهري رجلًا من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه (عبد الرحمن) حفيد هشام بن عبد الملك من رموز الخلافة الأموية، لكن يوسف الفهري رفض كل ذلك، وجهز جيشًا وجاء ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومن معه.



موقعة المسَارة


من المؤسف حقًا أن يلتقي المسلمون بسيوفهم، لكن كثرة الثورات وكثرة الفتن والانقلابات جعلت الحلّ العسكري هو الحلّ الحتمي في ذلك الوقت.
ففي ذي الحجّة سنة 138 هـ= مايو 756 م وفي موقعة كبيرة عُرفت في التاريخ باسم موقعة المسارة أو المصارة، دار قتال شرس بين يوسف بن عبد الرحمن الفهري من جهة وعبد الرحمن بن معاوية الذي يعتمد بالأساس على اليمنيين من جهة أخرى.
وقبل القتال كان أبو الصباح اليحصبي (رئيس اليمنيين) قد سمع بعض المقولات من اليمنيين تقول: إن عبد الرحمن بن معاوية غريب عن البلاد، ثم إن معه فرس عظيم أشهب، فإن حدثت هزيمة فسيهرب من ساحة القتال ويتركنا وحدنا للفهريين.
وصلت عبد الرحمن بن معاوية تلك المقولة، فقام وفي ذكاءٍ شديد يفوق سن الخامسة والعشرين وذهب بنفسه إلى أبي الصباح اليحصبي وقال له: إن جوادي هذا سريع الحركة ولا يمكّنني من الرمي، فإن أردت أن تأخذه وتعطيَني بغلتك فعلت، فأعطاه الجواد السريع وأخذ منه البغلة يقاتل عليها، حينئذ قال اليمنيون: إن هذا ليس بمسلك رجل يريد الهرب، إنما هو مسلك من يريد الموت في ساحة المعركة، فبقوا معه وقاتلوا قتالًا شديدًا، ودارت معركة قوية جدًا، انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية، وفَرّ يوسف الفهري.
عبد الرحمن الداخل وأمارات نجابة وعلم وذكاء
كان عادة المحاربين في ذلك الزمن أن يتبع الجيشُ المنتصرُ فلول المنهزمين والفارّين، ليقتلوهم ويقضوا عليهم، ومن ثَمّ على ثورتهم، وحين بدأ اليمنيون يجهّزون أنفسَهم ليتتبعوا جيش يوسف الفهري منعهم عبد الرحمن بن معاوية وقال لهم قولةً ظلّت تتردد في أصداء التاريخ، أمارةً على علم ونبوغ، وفهم صحيح وفكر صائب في تقدير الأمور، قال لهم:
لا تتّبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم.
يريد رحمه الله أن هؤلاء الذين يقاتلوننا اليوم سيصبحون غدًا من جنودنا، ومن ثَمّ عونًا على أعدائنا من النصارى وغيرهم في ليون وفرنسا وغيرها. فهكذا رحمه الله كان ذو نظرة واسعة جدًا تشمل كل بلاد الأندلس، بل تشمل كل أوروبا، بل إني أراه بذلك التفكير يستطيع أن يعيد ملك الشام بعد ذلك أيضًا إلى أملاك الأمويين، وذلك لما يلي:
أولًا: ليس في قلبه غلّ ولا حقد على من كان حريصًا على قتله منذ ساعاتٍ قليلة.
ثانيا: الفهم العميق للعدو الحقيقي وهو النصارى في الشمال.
ثالثا: رغم كونه لم يتجاوز الخامسة والعشرين إلا إنه كان يمتلك فهمًا واعيًا وإدراكًا صحيحًا، وفقهًا وعلمًا وسعة اطلاع، علم به أنه إن جاز له شرعًا أن يقاتلهم لتجميع المسلمين حول راية واحدة، فهو في ذات الوقت لا يجوز له شرعًا أن يتتبعهم، أو أن يقتل الفارّين منهم، ولا أن يُجْهِزَ على جريحهم، ولا أن يقتل أسيرهم، لأن حكمهم حكم الباغين في الإسلام وليس حكم المشركين، وحكم الباغي في الإسلام أنه لا يتتبع الفارّ منهم، ولا يُقتل أسيره، ولا يجهز على جريحه، بل ولا تؤخذ منه الغنائم.
بين عبد الرحمن الداخل وأبي الصباح اليحصبي
بعد انتهاء موقعة المسارة قام أبو الصباح اليحصبي في اليمنيين وقال لهم: لقد انتصرنا على عبد الرحمن الفهري وجاء وقت النصر على غيره، يُعرّض بعبد الرحمن بن معاوية، هذا الذي كان يقاتل معه منذ ساعات، ويرى أنه إن انتصر عليه وقتله (عبد الرحمن الداخل)دانت لهم بلاد الأندلس كلها.
لكن اليمنيين لم يوافقوه على ذلك؛ ليس حبًا في عبد الرحمن الداخل وإنما خوفًا منه، فقالوا له: إن هذا الرجل ليس بالسهل. وتصل هذه الأنباء إلى عبد الرحمن بن معاوية، فما كان منه إلا أن أسرّها في نفسه، ولم يُبْدها لهم، ولم يُعلمهم أنه يعلم بما يضمرونه له، لكنه أصبح على حذرٍ شديدٍ من أبي الصباح اليحصبي.
لم يرد عبد الرحمن بن معاوية أن يحدث خللًا في الصفّ المسلم في هذه الأوقات، لم يرد أن يحدث خللًا بين الأمويين ومحبي الدولة الأموية وبين اليمنيين في ذلك الوقت المليء بالثورات والمعارك الداخلية، إنما كان كل همّه هو تجميع الناس ثم حرب النصارى بعد ذلك، وبالفعل وهناك وبعد إحدى عشرة سنة من هذه الأحداث عزل أبا الصباح اليحصبي عن مكانه، واستطاع أن يتملك زمام الأمور كلها في الأندلس.



عبد الرحمن الداخل وبداية فترة الإمارة الأموية


بعد موقعة المسارة والسيطرة على منطقة قرطبة والجنوب الأندلسي لُقّب عبد الرحمن بن معاوية بعبد الرحمن الداخل؛ لأنه أول من دخل من بني أمية قرطبة حاكمًا، كما كان له كثير من الأيادي البيضاء على الإسلام في بلاد الأندلس كما سنرى.
ومنذ أن تولّى عبد الرحمن الداخل الأمور في بلاد الأندلس عُرفت هذه الفترة بفترة الإمارة الأموية، وتبدأ من سنة 138هـ= 755 م وتنتهي سنة 316 هـ 928 م وسميت "إمارة" لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء كانت في عصر الخلافة العباسية أو ما تلاها بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس.
بدأ عبد الرحمن الداخل ينظّم الأمور في بلاد الأندلس، كانت هناك ثورات كثيرة جدًا في كل مكان من أرض الأندلس، وبصبر شديد وأناة عجيبة أخذ عبد الرحمن الداخل يروّض هذه الثورات الواحدة تلو الأخرى، وبحسب ما يتوافق معها أخذ يستميل بعضها ويحارب الأخرى.
وفي فترة حكمه التي امتدت أربعة وثلاثين عامًا متصلة، من سنة 138هـ= 755 م وحتى سنة 172 هـ= 788 م كانت قد قامت عليه أكثر من خمس وعشرين ثورة، وهو يقمعها بنجاح عجيبٍ الواحدة تلو الأخرى، ثم تركها وهي في فترة من أقوى فترات الأندلس في التاريخ بصفة عامة.



مجمل الثورات التي كانت ضد عبد الرحمن الداخل


تعرضت الدولة الأموية في الأندلس في عهد عبد الرحمن الداخل لعدد كبير من الثورات، تزيد على خمس وعشرين ثورة تغلّب عليها جميعها، ومن هذه الثورات:
ثورة القاسم بن يوسف بن عبد الرحمن الفهري ورزق بن النعمان الغساني
سنة 143 هـ 760 م
يوسف بن عبد الرحمن الفهري سنة 143 هـ 760 م
ثورة هشام بن عروة الفهري سنة 144 هـ 761 م
ثورات تتابعت عليه من سنة 144 هـ حتى 146هـ
ثورة العلاء بن مغيث اليحصبي سنة 146 هـ 763 م
ثورة سعيد اليحصبي اليماني سنة 149 هـ 766 م
ثورة أبي الصباح حيّ بن يحيى اليحصبي سنة 149 هـ 766 م
ثورة البربر في الأندلس بزعامة شقيا بن عبد الواحد المكناسي
سنة 151 هـ 768 م
ثورة اليمانية في إشبيلية بزعامة عبد الغافر اليحصبي وحيوة بن ملامس الحضرمي
سنة 156 هـ 773 م
ثورة سليمان بن يقظان في برشلونة سنة 157 هـ 774 م
ثورة عبد الرحمن بن حبيب الفهري سنة 161 هـ 777 م
ثورة الحسين بن يحيى الأنصاري سنة 166 هـ 782 م
ثورة محمد بن يوسف الفهري سنة 168 هـ 784 م
ثورة بربر نفزة سنة 170 هـ 786 م
وثورات أخرى كثيرة قامت ضده، لكنه ما لبث أن أخمدها كلها وقضى عليها...




صقر قريش وثورة العباسيين


كانت هناك واحدة فقط من هذه الثورات الخمس والعشرين هي التي سنقف عندها؛ وذلك لأهميتها الشديدة في فهم هذا الانفصال الذي حدث للأندلس عن الخلافة العباسية، وهذه الثورة حدثت في سنة 146 هـ= 763 م، أي بعد حوالي ثمان سنوات من تولي عبد الرحمن الداخل حكم الأندلس، وقام بها رجل يُدعى العلاء بن مغيث الحضرمي.
كان الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور (وهو الخليفة العباسي الثاني أو المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية بعد أبي العباس السفاح) قد راسل العلاء بن مغيث الحضرمي كي يقتل عبد الرحمن بن معاوية، ومن ثم يضم الأندلس إلى أملاك الخلافة العباسية.
وبالنسبة لأبي جعفر المنصور فهذا يعدّ أمرًا طبيعيًا بالنسبة له؛ إذ يريد ضم بلاد الأندلس - وهي البلد الوحيد المنشق من بلاد المسلمين - إلى حظيرة الخلافة العباسية الكبيرة، فجاء العلاء بن مغيث الحضرمي من بلاد المغرب العربي وعبر بلاد الأندلس، ثم قام بثورة ينادي فيها بدعوة العباسيين، ويرفع الراية السوداء التي أرسلها له الخليفة أبو جعفر المنصور.
لم يتوان عبد الرحمن الداخل، فقامت لذلك حرب كبيرة جدًا بين العلاء بن مغيث الحضرمي وعبد الرحمن بن معاوية، وكعادته في قمع الثورات انتصر عليه عبد الرحمن بن معاوية، ووصلت الأنباء إلى أبي جعفر المنصور، وكان في الحج بأن عبد الرحمن الداخل قد هزم جيش العلاء الحضرمي هزيمة منكرة، وأن العلاء بن مغيث الحضرمي قد قُتل.
وهنا قال أبو جعفر المنصور: قَتْلَنَا هذا البائس - يعني العلاء بن مغيث الحضرمي - يريد أنه قتله بتكليفه إياه بحرب عبد الرحمن بن معاوية، ثم قال: ما لنا في هذا الفتى من مطمع (يعني عبد الرحمن بن معاوية)، الحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر.
ومنذ هذه اللحظة والدولة العباسية لم تفكر لحظةً واحدة في استعادة بلاد الأندلس، بل إن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي هو الذي سمّى عبد الرحمن بن معاوية بصقر قريش وهو اللقب الذي اشتهر به بعد ذلك، فقد كان أبو جعفر المنصور جالسًا مع أصحابه فسألهم: أتدرون من هو صقر قريش؟
فقالوا له كعادة البطانة السوء: بالتأكيد هو أنت...
فقال لهم: لا.
فعدّدوا له أسماء حتى ذكروا له معاوية وعبد الملك بن مروان من بني أمية
فقال أيضا: لا. ثم أجابهم قائلا: بل هو عبد الرحمن بن معاوية، دخل الأندلس منفردًا بنفسه، مؤيّدًا برأيه، مستصحبًا لعزمه، يعبر القفر ويركب البحر حتى دخل بلدًا أعجميًا فمصّر الأمصار وجنّد الأجناد، وأقام ملكًا بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة عزمه. وهكذا كان أبو جعفر المنصور العباسي معجبًا جدًا بعبد الرحمن بن معاوية، وهو ما يمكن أن نسميه إعجاب اضطرار، أو هو إعجاب فرض نفسه عليه.
عبد الرحمن بن معاوية والخلافة العباسية
قضية الانفصال الطويل الذي دام بين دولة الأندلس وبين الخلافة العباسية على مرّ العصور تثير في نفوسنا وفي نفوس جميع المسلمين تساؤلات عدّة، لماذا يحاول عبد الرحمن بن معاوية الرجل الورع التقي الذي أقام دولة قوية جدًا في بلاد الأندلس، لماذا ينفصل بالكلية عن الخلافة العباسية؟!
ووقفة عادلة مع هذا الحدث وتحليله واستجلاء غوامضه نستطيع القول بأن الدولة العباسية قد أخطأت خطأ فاحشًا بحق الأمويين، وذلك بقتلهم وتتبعهم في البلاد بهذه الصورة الوحشية، فإذا كان الأمويين في آخر عهدهم قد فسدوا واستحقّوا الاستبدال فليكن تغييرهم، وليكن هذا الاستبدال، ولكن على نهج رسول الله صلى الله عليه و سلم.
كان من المفترض على الدولة العباسية القائمة على أنقاض الأمويين أن تحتوي هذه الطاقات الأموية، وتعمل على توظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين، بدلًا من إجبارهم على خلق جيب من الجيوب في صقع بعيد من أصقاع البلاد الإسلامية في الأندلس أو في غيرها من بلاد المسلمين.
كان من المفترض ألا تُفْرِط الدولة العباسية في قتل المسلمين من بني أمية وهي تعلم حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِءٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ. كما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ما المانع من أن تقيم الحدّ على من يستحق أن يُقتل من بني أمية ثم تترك وتستوعب الآخرين؟!
وما المانع من أن تعطي الدولة العباسية بني أمية بعضًا من الملك، مثل إمارة مدينة أو إمارة ولاية، وهؤلاء كانوا خلفاء وأبناء خلفاء؛ حتى تستوعبوهم في داخل الصف؟!
فهذا عبد الرحمن الداخل الذي نتحدث عنه يصيح في اليمنيين بعد موقعة المسارة ويقول لهم حين أرادوا أن يتتبعوا الفارين من جيش يوسف بن عبد الرحمن الفهري: اتركوهم لا تتبعوهم، ليضمهم إلى جيشه بعد ذلك، فهكذا كان يجب على العباسيين أن يفعلوا، ويتركوا الأمويين يدخلون تحت عباءتهم حتى يستطيعوا أن يكونوا لهم جندًا وعونًا لا نِدّا ومنافسًا، كما رأينا النتيجة بأعيننا.
وهذا أيضا المثل الأعلى والقدوة الحسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ماذا فعل بعد أن دخل مكة وكان أهلها قد آذوه هو وأصحابه وطردوهم منها، وماذا قال عن أبي سفيان وهو من هو قبل ذلك؟ ما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن دخل متواضعًا وقال: من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن. أليس أبو سفيان هذا كان زعيم الكفر وزعيم المشركين في أحد والأحزاب؟! فلماذا إذن يقول عنه صلى الله عليه وسلم مثل هذا؟! إنما كان يريد صلى الله عليه وسلم أن يخطب وده ويضمه إلى صفه، وبالمثل فعل صلى الله عليه وسلم مع رءوس الكفر في مكه حين قال لهم: ما تظنون أني فاعل بكم؟" فقالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم. فرد عليهم صلى الله عليه وسلم بمقولته التي وعاها التاريخ: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
وليس هذا فقط من كرم الأخلاق فحسب، لكنه أيضًا من فنّ معاملة الأعداء، وحسن السياسة والإدارة، فلنتخيل ماذا سيكون الموقف لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام الحد وقطع رؤءس هؤلاء الذين حاربوا دين الله سنوات وسنوات؟! بلا شك كان سيُحدث جيبًا من الجيوب داخل مكه، وكان أهل مكه سينتهزون الفرصة تلو الفرصة للانقلاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وللانفصال من الخلافة الإسلامية.
لكن العجب العجاب كان في نتيجة ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فقد ارتدّت جزيرة العرب جميعها، ولم يبق على الإسلام منها إلا المدينة المنورة ومكة المكرمة والطائف، وقرية صغيرة تسمى هجر، فقط ثلاث مدن وقرية واحدة، أي أن مكة التي لم تدخل في الإسلام إلا منذ أقل من ثلاث سنوات فقط قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم كانت في تعداد هذه المدن القليلة جدًا التي ثبتت على الإسلام ولم ترتدّ، وبلا شك فهو أثر فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم ينسوه، فكان أن استُوعبوا في داخل الدولة الإسلامية، وثبتوا وقت الزيغ.
هكذا لو فعل العباسيون واستوعبوا الأمويين في داخل الدولة العباسية. ولأنهم لم يفعلوا فكان أن اضطر من نجا من الأمويين اضطرارًا إلى الذهاب إلى هذه البلاد والانشقاق بها عن دولة المسلمين.
وواقع الأمر يقول أنه لو كان عبد الرحمن بن معاوية يضمن أن العلاء بن مغيث الحضرمي سوف يعفى عنه ويعطيه إمارة الأندلس، أو أي إمارة أخرى من إمارات الدولة العباسية إذا سلّم الأمر إليه لفعل، لكنه كان يعلم أنه لو قبض عليه لقتله في الحال هو ومن معه من الأمويين إن كانوا مرشحين للخلافة، وهذا بالطبع ما دفعه لأن يحاول مرة ومرتين وثالثة لأن يبقى على عهده من الجهاد ضد الدولة العباسية، وهو أمر مؤلم جدًا وحلقة مفرغة دخل فيها المسلمون نتيجة العنف الشديد من قبل الدولة العباسية في بدء عهدها، ولا شك أن الدولة العباسية قد غيّرت كثيرًا من نهجها الذي اتبعته أولًا، وتولّى بعد ذلك رجال كثيرون حافظوا على النهج الإسلامي، بل إن أبا جعفر المنصور نفسه في آخر عهده كان قد غيّر ما بدأه بالمرة، لكن كانت هناك قسوة شديدة بهدف أن يستتبَّ لهم الأمر في البلاد، فمن يحاول أن يتذاكى على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم فستكون العاقبة دائما هي الخسران، وهكذا كان فقْدُ المسلمين لأرواحٍ طاهرةٍ ودماءٍ كثيرةٍ غزيرة وطاقاتٍ متعددةٍ، بل فقدوا الأندلس فلم تعد مددًا للمسلمين طيلة عهدها، فالعنف في غير محله لا يورث إلا عنفًا، وطريق الدماء لا يورث إلا الدماء، والسبل كثيرة، ولكن ليس إلا من سبيل واحد فقط، إنه الطريق المستقيم طريق الله عز وجل [وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {الأنعام:153}.



عبد الرحمن الداخل وقضاؤه على الثائرين


ذكرنا فيما سبق أنه في خلال الأربع والثلاثين سنة الممتدة من بداية حكم عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل وحتى نهايته كان هناك أكثر من خمس وعشرين ثورة في كل أنحاء الأندلس، وذكرنا أيضًا كيف روّض بعضها وقمع غيرها بنجاح الواحدة تلو الأخرى، والتي كان من أهمّها ثورة العباسيين التي قام بها العلاء بن مغيث الحضرمي، وكيف تَمّ القضاء عليها.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل يجوز لعَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل أن يقاتل الثائرين وإن كانوا من المسلمين؟!
وحقيقة الأمر أن موقفه هذا في قتال الثائرين داخل أرض الأندلس لا غبار عليه؛ لأن الجميع كانوا قد اتفقوا عليه أميرًا للبلاد، وقد جاء في صحيح مسلم عن عرفجة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ - أي مجتمع - عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فَأَرَادَ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
ومن هنا فقد كان موقف عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل صارمًا مع الثوار؛ وذلك لقمع الانقلابات المتكررة والتي تُضعف من جانب الأمن والاستقرار في البلاد.
إلا إنه من الإنصاف أن نذكر أنه - رحمه الله - كان دائمًا ما يبدأ بالاستمالة والسلم وعرض المصالحة، ويكره الحرب إلا إذا كان مضطرًا.
وبلا شك فإن ثمن هذه الثورات كان غاليًا جدًا، ففي السنوات الأربع من بداية دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس، من سنة 138هـ= 755 م وحتى سنة 142هـ= 759 م سقطت كل مدن المسلمين التي كانت في فرنسا، وذلك بعد أن حكمها الإسلام طيلة سبع وأربعين سنة متصلة، منذ أيام موسى بن نصير - رحمه الله - وحتى زمن سقوطها هذا، وهكذا سنن الله الثوابت، ما إن شُغل المسلمون بأنفسهم إلا وكان التقلّص والهزيمة أمرًا حتميًا...



عبد الرحمن الداخل وبناء دولته الجديدة


حين استتبّ الأمر لعَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل في أرض الأندلس، وبعد أن انتهى نسبيًا من أمر الثورات بدأ يفكر فيما بعد ذلك، فكان أن اهتم بالأمور الداخلية للبلاد اهتمامًا كبيرًا، فعمل على ما يلي:
أولًا: بدأ بإنشاء جيش قوي
وفي بنائه لجيشه الجديد عمل على ما يلي:
1) اعتمد في تكوين جيشه على العناصر التالية:
أ - اعتمد في الأساس على عنصر المولّدين، وهم الذين نشأوا - كما ذكرنا - نتيجة انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين من أهل الأندلس، وكانوا يمثّلون غالبية بلاد الأندلس.
ب - اعتمد كذلك على كل الفصائل والقبائل الموجودة في بلاد الأندلس، فضمّ إليه كل الفصائل المضرية سواء أكانت من بني أمية أو من غير بني أمية، وضمّ إليه كل فصائل البربر، كما كان يضمّ إليه رءوس القوم ويتألّفهم فيكونون عوامل مؤثّرة في أقوامهم، بل إنه ضم إليه اليمنيين مع علمه بأن أبا الصباح اليحصبي كان قد أضمر له مكيدة، الأمر الذي جعله يصبر عليه حتى تمكن من الأمور تمامًا ثم عزله - كما ذكرنا - بعد إحدى عشرة سنة من تولّيه الحكم في البلاد.
ج - كذلك اعتمد على عنصر الصقالبة، وهم أطفال نصارى كان قد اشتراهم عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل من أوروبا، ثم قام بتربيتهم وتنشئتهم تنشئة إسلامية عسكرية صحيحة.
وبرغم قدوم عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل إلى الأندلس وحيدًا، فقد وصل تعداد الجيش الإسلامي في عهده إلى مائة ألف فارس غير الرجّالة، مشكّل من كل هذه العناصر السابقة، والتي ظلّت عماد الجيش الإسلامي في الأندلس لدى أتباع وخلفاء وأمراء بني أمية من بعده.
2) أنشأ - رحمه الله - دُورًا للأسلحة، فأنشأ مصانع السيوف ومصانع المنجنيق، وكان من أشهر هذه المصانع مصانع طليطلة ومصانع برديل.
3) نشأ أيضًا أسطولًا بحريًا قويًا، بالإضافة إلى إنشاء أكثر من ميناء كان منها ميناء طرطوشة وألمرية وإشبيليّة وبرشلونة وغيرها من الموانئ.
4) كان - رحمه الله - يقسّم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفقه بكامله على الجيش، والقسم الثاني لأمور الدولة العامة من مؤنٍ ومعمارٍ ومرتباتٍ ومشاريعَ وغير ذلك، والقسم الثالث كان يدّخره لنوائب الزمان غير المتوقعة.
ثانيا: أَوْلَى العلمَ والجانبَ الدينيَ اهتمامًا بالغًا:
أعطى عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل العلم والجانب الديني المكانة اللائقة بهما، فعمل على الآتي:
- نشْر العلم وتوقير العلماء.
- اهتمّ بالقضاء وبالحسبة.
- اهتمّ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- كان من أعظم أعماله في الناحية الدينية بناء مسجد قرطبة الكبير، والذي أنفق على بنائه ثمانين ألفًا من الدنانير الذهبية، وقد تنافس الخلفاء من بعده على زيادة حجمه حتى تعاقب على اكتماله في شكله الأخير ثمانية من خلفاء بني أميّة.
ثالثا: العناية الكبيرة بالجانب الحضاري (المادي):
ويبرز ذلك في الجوانب التالية:
- اهتمامه الكبير بالإنشاء والتعمير، وتشييد الحصون والقلاع والقناطر، وربطه أول الأندلس بآخرها.
- إنشائه أول دار لسك النقود الإسلامية في الأندلس.
- إنشائه الرصافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وقد أنشأها على غرار الرصافة التي كانت بالشام، والتي أسسها جده هشام بن عبد الملك - رحمه الله - وقد أتى لها بالنباتات العجيبة من كل بلاد العالم، والتي إن كانت تنجح زراعتها فإنها ما تلبث أن تنتشر في كل بلاد الأندلس.
رابعا: حماية حدود دولته من أطماع الأعداء:
بالإضافة إلى إعداده جيشًا قويًا- كما وضحنا سابقا- وتأمينًا لحدود دولته الجديدة قام عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل بخوض مرحلتين مهمتين:
المرحلة الأولى: كان عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل يعلم أن الخطر الحقيقي إنما يكمن في دولتي "ليون" في الشمال الغربي، و"فرنسا" في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، فقام بتنظيم الثغور في الشمال، ووضع جيوشا ثابتة على هذه الثغور المقابلة لهذه البلاد النصرانية، وأنشأ مجموعة من الثغور كما يلي: *
- الثغر الأعلى، وهو ثغر "سَرَقُسْطَةَ" في الشمال الشرقي في مواجهة لفرنسا.
- الثغر الأوسط، ويبدأ من مدينة سالم ويمتد حتى طُليْطُلَةَ.
- الثغر الأدنى، وهو في الشمال الغربي في مواجهة مملكة "ليون" النصرانية.
المرحلة الثانية: كان - رحمه الله - قد تعلم من آبائه وأجداده عادة عظيمة، وهي عادة الجهاد المستمر وبصورة منتظمه كل عام، فقد اشتهرت الصوائف في عهده، حيث كان المسلمون يخرجون للجهاد في الصيف، وبصورة منتظمة وذلك حين يذوب الجليد، وكان يتناوب عليهم فيها كبار قوّاد الجيش، وأيضا كان يُخرّج الجيوش الإسلامية إلى الشمال كل عام بهدف الإرباك الدائم للعدو، وهو ما يسمونه الآن في العلوم العسكريه بالهجوم الإجهاضي المسبق.



عبد الرحمن الداخل .. الأمير الفذ




لولا عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية، هكذا قال المؤرّخون عن عبد الرحمن بن معاوية، وإنا لتعلونا الدهشة ويتملّكنا العجب حين نعلم أن عمره حينذاك لم يتجاوز الخامسة والعشرين عامًا، أي في سنّ خريج الجامعة في العصر الحديث.

ملَك من السماء، أم ماذا هو؟! لن نذهب بعيدًا، وسنترك الحديث عنه إلى ابن حيّان الأندلسي، ولنعي ما يقوله عنه، يقول ابن حيان مستعرضًا بعضًا من صفات عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل:

كان عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل راجح العقل، راسخ الحلم، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئًا من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، بعيد الغور، شديد الحدّة، قليل الطمأنينة، بليغًا مفوّهًا، شاعرًا محسنًا، سمحًا سخيًا، طلق اللسان، وكان قد أعطي هيبة من وليّه وعدوّه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويصلي بالناس الجمع والأعياد إذا كان حاضرًا، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى. انتهى كلامه - رحمه الله -.

شخصية تُشخِص الأبصار وتبهر العقول، فمع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه - رحمه الله -، ومع شدته وحزمه وجهاده وقوته كان - رحمه الله - شاعرًا محسنًا رقيقًا مرهف المشاعر.

ومع هيبته عند أعدائه وأوليائه إلا أنه كان يتبسط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويصلي بهم ومعهم، ومع كونه شديد الحذر قليل الطمأنينه، فلم يمنعه ذلك من معاملة الناس والاختلاط بهم ودون حرّاس، حتى خاطبه المقربون في ذلك وأشاروا عليه ألا يخرج في أوساط الناس حتى لا يتبسطوا معه، ولكن كيف يمتنع عن شعبه وهو المحبوب بينهم والمقرّب إلى قلوبهم؟! ولقد صدق من قال: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

فكان له حقًا أن يأتي إلى هذه البلاد وحيدًا مطاردًا مطلوب الرأس، تجري وراءه قوى الأرض جميعا، فعباسيون في المشرق، وخوارج في المغرب، ومن بعدهم نصارى في الشمال، وثورات في الداخل، ثم يقوم وسط هذه الأجواء بتأسيس هذا البنيان القوي، وهذه الدولة الإسلامية ذات المجد التليد.

ونستطيع أن نفهم شخصيته بصورة أوضح حين نعلم كيف كان في معاملته للناس، فقد جاء أن أحد الناس طلب منه حاجة أمام أعين الحاضرين، فقضاها له ثم قال له: إذا ألمّ بك خطب أو حَزَبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك؛ كي نستر عليك، وذلك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا - عز وجهه - بإخلاص الدعاء وصدق النيّة.

إنها لتربية ربّانية لشعبه، فهو يريد - رحمه الله - أن يربط الناس بخالقهم، يريد أن يعلمهم أن يرفعوا حاجتهم إليه أولًا سبحانه وتعالى، يريد أن يعلّمهم أنه سبحانه وتعالى يملكه ويملكهم جميعًا، ثم مراعاةً لعواصف النفس الداخلية، وحفظًا لماء وجه الرعية عند السؤال قال له: فارفع إلينا حاجتك في رقعة كي نستر عليك ولا يشمت أحد فيك.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 3:28 pm

وها هو - رحمه الله - يدخل عليه أحد الجنود ذات يوم كان قد انتصر فيه على النصارى، فتحدّث معه الجندي بأسلوب فيه رفع صوت وإساءة أدب، فما كان منه - رحمه الله - إلا أن أخذ يعلمه خطأه ويقول له: يا هذا، إني أعلمك من جهل، إنه يشفع لك في هذا الموقف هذا النصر الذي نحن فيه؛ فعليك بالسكينة والوقار؛ فإني أخاف أن تسيء الأدب في يوم ليس فيه نصر فأغضب عليك. فإذا بالجندي وقد وعى أمره يرد عليه ردا لبيبًا ويقول له: أيها الأمير، عسى الله أن يجعل عند كل زلةٍ لي نصرًا لك فتغفر لي زلاتي. وهنا علم عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل أن هذا ليس اعتذار جاهل؛ فأزاح الضغينة من قلبه وقرّبه إليه ورفع من شأنه.
عبد الرحمن الداخل .. الإنسان
مع المدة الكبيرة التي حكمها القائد عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل، ومع امتداد عمره، وموقعه القيادي في أي مكان ينزل فيه، مع هذا كله؛لم يؤثر عنه أي خلق ذميم أو فاحش، بل مدحه العلماء بالعلم والفضل وحسن الخلق، مما يدل على إنسانيته السامية، ومعدنه النفيس، وأخلاق الإنسان الحقيقية لا تظهر بوضوح إلا في مواقف الشدة، وحياة "عبد الرحمن" كلها شدة وحروب وثورات، مما يظهر أخلاقه بوضوح أمام أي باحث في التاريخ، ويحدد ما إذا كانت حسنة أو سيئة...
وكان عبد الرحمن الدَّاخِل خطيبًا مفوها يرتقي المنابر ويعظ الناس، فهو كما نعرف نشأ في بيت الإمارة، وهكذا الأمراء في ذلك العصر، كما كان شاعرًا مرهف الحس، قال سعيد بن عثمان اللغوي الذي توفي سنة أربعمائة: كان بقرطبة جنة اتخذها عبد الرحمن بن معاوية، وكان فيها نخلة أدركتُها، ومنها تولدت كل نخلة بالأندلس.
قال: وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن معاوية:
يا نخل أنت غريبة مـثـلـي في الغرب نائية عن الأصل
فابكي، وهل تبكي مـكـيسة عجماء، لم تطبع على خيل؟
لو أنها تبكي، إذاً لـبـكـت ماء الفرات ومنبت النـخـل
لكنها ذهلـت وأذهـلـنـي بغضي بني العباس عن أهلي
ومن شعره أيضاً:
أيها الراكب الميمـم أرضـي أقر من بعضي السلام لبعضي
إن جسمي كما علمت بـأرض وفؤآدي ومالـكـيه بـأرض
قدر البين بيننا فافـتـرقـنـا فعسى باجتماعنا الله يقضـي
عبد الرحمن الداخل وفكره العسكري
تمتع عبد الرحمن بن معاوية بفكر عسكري في غاية الدقة والعجب، فحياته كلها تقريبًا، حروب ومناوشات منذ سقوط خلافة بني أمية وحتى وفاته، مرورًا بفراره عبر البلاد والصحاري والقفار والبحار، ومعاركه، وانتهاءً بالثورات الكثيرة التي تغلّب عليها بلا اسنثناء ليوطد ملكه في بلاد الأندلس دون منازع....
ولولا ذكاؤه العسكري الخارق ما تغلّب على كل هذه الثورات، التي يحار العقل فعلًا من كثرتها، وكيف قضى عليها جميعًا، ونعرض هنا لبعض ملامح فكره العسكري من خلال مواقفه في معاركه وبطولاته التي طُبعت بطول حياته وعرضها، من هذه الملامح:
مبدأ المباغته والحرص على المبادأة:
فهو يخطط بدقة من أجل الوصول إلى أهدافه، ثم هو لا يترك لخصومه الفرصة، بل يسرع ليباغتهم وهم في بداية أعمالهم القتالية المضادة له، والتاريخ يؤكد أن أفضل وسيلة للقضاء على أعمال التمرد، هو تطويقها منذ بداياتها الأولى، وعدم السماح لها بالتطور، والعمل على خنقها وهي لا تزال في مهدها، ويظهر هذا المبدأ واضحًا في معركة المصارة، فقد بات ليلته يستعد للحرب بينما كان خصمه يحاول خداعه، بحجة تأجيل القتال، وكانت المباغتة كاملة، بحيث لم تتمكن القوات المضادة من الصمود، على الرغم مما أظهرته في البداية من ضروب الشجاعة، والأمر مماثل بالنسبة لبقية حروب الأمير عبد الرحمن ومعاركه، حيث كان للمباغته دور كبير وحاسم في تقرير نتائج القتال من قبل أن تبدا المعركة.
ولم يكن حرص صقر قريش على الاحتفاظ بالمبادأة أقل من حرصه على المباغتة، فهو يحاول باستمرار وضع خصومه أمام مواقف تحرمهم من حرية العمل، ويفرض عليهم زمن المعركة وزمانها، وكان في معاركه كلها يجابه قادة على درجة عالية من الكفاءة فكان لا بد من البحث عن الوسيلة التي تحرمهم من استخدام قدراتهم وإمكاناتهم.
ومن ملامح فكره العسكري أيضًا
الاقتصاد بالقوى والمحافظة على الهدف:
وتظهر أهمية هذين المبدأين عند مطالعة سيرته، فقد كانت حياته سلسلة متصلة الحلقات من الوقائع والمعار، وكان لا بد من الموازنة المستمرة بين الأهداف المتتالية للحرب، وبين القوى والوسائط اللازمة للتعامل معها، مع إعطاء الأفضلية للأهداف الأكثر أهمية وخطورة عندما يظهرأن هناك أكثر من هدف يجب التعامل معه في وقت واحد، وهذا ما كان يحدث في معظم الأحيان، وأمام هذه المواقف بمجموعها كان لا بد من إجراء حساب دقيق لموازين القوى، بحيث يمكن استخدامها على أفضل صورة وفي أحسن وجه، وهذا ما أكدته مجموعة الأعمال القتالية لصقر قريش.
حياة صقر قريش في سطور
لقد كانت حياة القائد العظيم "عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل" وقفًا على الجهاد، وعلى إقامة الدولة الإسلامية، وتثبيت بنيانها وإرساء دعائمها ورد الطامعين فيها، فكانت الأيام التي عاشها صقر قريش في طمأنينة وراحة لا تزيد على أيام قليلة، وكانت حياته حركة مستمرة في تنظيم الجيوش، وعقد الرايات، وتوجيه القوات، وتحصين الثغور، والقضاء على الفتن والثورات، ووضع أسس البنيان الحضاري...
وفاته
عاش "عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل" تسعة وخمسين سنة، منها تسعة عشر سنة في دمشق والعراق قبل سقوط دولة الأمويين، وست سنوات فرارًا من بني العباس وتخطيطًا لدخول الأندلس، و34 عامًا في الملك ببلاد الأندلس، وتوفي بقرطبة ودفن بها في جمادى الأولى سنة 172 ه،أكتوبر 788م.
الإمارة الأموية
من الذي خلف عبد الرحمن بن معاوية في الحكم في الفترة الأولى من الإمارة الأموية التي تمتد من سنة 138هـ/ 755م حتى سنة 238هـ/ 852م؟ ولماذا كانت هذه الفترة مزدهرة؟
خلفه في الحكم هشام بن عبد الرحمن الداخل، وكان مهتمًّا بالعلم والعلماء والجهاد في سبيل الله، ولقد شبهه الناس بعمر بن عبد العزيز. ثم عهد الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل، وكان قاسيًا جدًّا؛ فقد فرض الكثير من الضرائب، وعلى الرغم من ذلك لم يوقف حركة الجهاد، وتاب عن أفعاله في آخر عهده. ثم عبد الرحمن الأوسط الذي استأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال، وألحق بهم هزائم عدّة، وأهم ما ميَّز عصره ازدهار الحضارة العلمية والمادية، ووقف غزوات النورمان. ومن هنا ازدهرت هذه الفترة من الإمارة الأموية؛ بسبب الاهتمام بنشر العلم والجهاد في سبيل الله.
ولكن كيف تحولت هذه الدولة من القوة إلى الضعف في الفترة الثانية من عهد الإمارة التي تمتد من سنة 238هـ/ 852 م حتى سنة 300 هـ/ 913م؟
كان ضعف هذه الفترة بسبب الانشغال عن أمور الآخرة، والاهتمام بأمور الدنيا، وكثرة الأموال والاتجاه إلى الموسيقى والغناء اللتين دخلتا الأندلس عن طريق زرياب، وترك الجهاد الذي ترتب عليه ظهور الكثير من الثورات مثل ثورة عمر بن حفصون الذي قام بثورات واستولى على جنوب الأندلس.
نظرة تحليلية على الوضع في الأندلس أواخر عهد الضعف: بعد سنة 300هـ/ 913م
ما سبب ضعف الإمارة الأموية في هذه الفترة؟ السبب يرجع إلى كثرة الثورات داخل الأندلس، وظهور مملكة نافار النصرانية التي أحذت تهاجم أملاك المسلمين في بلاد الأندلس، وقتل ولي العهد، وكان يسمى محمد بن عبد الله، وظهور نجم الشيعة، وتفشي السلبية بين المسلمين، وتوقف التفكير في الجهاد؛ مما أدى إلى ضياع الكثير من أملاك المسلمين. وإن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، ولكن الله أنعم على البلاد برجلٍ وحَّد الصفوف مرة أخرى، وهو عبد الرحمن الناصر.
ويجب على المسلمين الاستفادة من أخطاء الأمويين في الفترة الأخيرة، وتجنب الوقوع فيها، كما يجب علينا الاستفادة مما وصلوا إليه في الفترة الأولى حتى نطوِّر العالم الإسلامي.
ظل عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل يحكم الأندلس منذ سنة 138هـ= 755 م وحتى سنة 172 هـ= 788 م أي قرابة أربعة وثلاثين عامًا - كما ذكرنا - وكانت هذه هي بداية تأسيس عهد الإمارة الأموية، والتي استمرّت من سنة 138هـ= 755 م وحتى سنة 316 هـ 928 م.
الفترات الثلاث للإمارة الأموية:
حتى نستطيع أن نفهم عهد الإمارة الأموية يمكننا تقسيمه إلى فترات ثلاث كما يلي:
الفترة الأولى: واستمرّت مائة عام كاملة، من سنة 138هـ= 755 م وحتى سنة 238 هـ= 852 م وتعتبر هذه الفترة هي فترة القوّة والمجد والحضارة، وكان فيها الهيمنة للدولة الإسلامية على ما حولها من مناطق.
الفترة الثانية: وتعدّ فترة ضعف، وقد استمرّت اثنين وستين عامًا، من سنة 238 هـ= 852 م وحتى سنة 300 هـ= 913 م
الفترة الثالثة والأخيرة: وهي ما بعد سنة 300 هـ= 913 م.
الفترة الأولى من الإمارة الأموية فترة القوة
تمثّل هذه الفترة عهد القوة في فترة الإمارة الأموية، كانت البداية فيها -كما ذكرنا - لعَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل - رحمه الله - ثم خلفه من بعده ثلاثة من الأمراء، كان أوّلهم هشام بن عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل، وقد حكم من سنة 172 هـ= 788 م حتى سنة 180 هـ= 796 م.
عهد هِشَام بن عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل
بعد فترة طويلة من الاختبارات والمشاورات كان عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل قد استقرّ أمره على ابنه هشام خليفة له، فولاّه العهد مع كونه أصغر من أخيه سليمان، وقد صدق حدسه فيه؛ حيث كان الناس يشبهونه بعد ذلك بعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في علمه وعمله وورعه وتقواه.
وقد بُويع له بعد ستة أيّام من وفاة أبيه سنة 172 هـ= 788 م
وقد كان هِشَام بن عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل عالِمًا محبًّا للعلم، قد أحاط نفسه - رحمه الله - بالفقهاء، وكان له أثر عظيم في بلاد الأندلس بنشره اللغة العربية فيها، وقد أخذ ذلك منه مجهودًا وافرًا وعظيمًا، حتى لقد أصبحت اللغة العربية تُدرّس في معاهد اليهود والنصارى في داخل أرض الأندلس، ثم قام أيضا بنشر المذهب المالكي بدلًا من المذهب الأوزاعي، هذا فضلًا عن صولاته وجولاته الكثيرة في الشمال مع الممالك النصرانية.
وتوفي هِشَام بن عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل في صفر سنة 180 هـ= أبريل 796 م فكانت خلافته سبع سنين وتسعة أشهر، وتوفي - رحمه الله - تعالى وهو ابن تسع وثلاثين سنة وأربعة أشهر وأربعة أيام، ودفن في القصر وصلى عليه ابنه الحكم...
عهد الحَكَم بن هِشَام بن عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل
تولى بعد هشام بن عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل ابنه الحكم، وذلك من سنة 180 هـ= 796 م وحتى سنة 206 هـ= 821 م لكن "الحكم" هذا لم يكن على شاكلة أبيه ولا على شاكلة جدّه، فكان قاسيًا جدًا، فرض الكثير من الضرائب، واهتمّ بالشعر والصيد، وقاوم الثورات بأسلوب غير مسبوق في بلاد الأندلس في عهد الإمارة الأموية، حيث كان يحرق بيوت الثائرين، وكان يطردهم خارج البلاد.
ومن أشهر الثورات التي قمعها الحكم بن هشام ثورة الربض ( 202 هـ= 808 م ) وهم قوم كانوا يعيشون في منطقة جوار قرطبة، وقد ثار أهلها ثورة كبيرة جدًا عليه، فأحرق ديارهم وطردهم خارج البلاد، ورغم ما في هذا الأمر من القسوة وغيرها فإنه حين طرد الربضيين خارج البلاد فقد انتقلوا إلى جزيرة كريت في عرض البحر الأبيض المتوسط، وأسسوا بها دويلة ( 212 هـ= 728 م ) ظلّت قائمة مائة عام متصلة.
ورغم أفعاله تلك إلا أن الحكم بن هشام لم يوقف حركة الجهاد؛ وذلك لأن الجهاد كان عادة في الإمارة الأموية سواء في بلاد الشام أو في بلاد الأندلس، لكن كانت له انتصارات وهزائم في نفس الوقت، وكنتيجه طبيعية لهذا الظلم الذي اتّصف به، وهذه العلاقة التي ساءت بين الحاكم والمحكوم سقطت بعض البلاد الإسلامية في يد النصارى، فسقطت "برشلونة" وأصبحت تُمثّل إمارة نصرانية صغيرة في الشمال الشرقي عرفت في التاريخ باسم إمارة أراجون، وكانت متاخمة لحدود فرنسا بجوار جبال البيرينيه في الشمال الشرقي للبلاد.
لكن الحكم بن هشام بفضل من الله ومنٍ عليه تاب عن أفعاله في آخر عهده، ورجع عن ظلمه، واستغفر واعتذر للناس عن ذنوبه، ثم اختار من أبنائه أصلحهم وإن لم يكن الأكبر ليكون وليًا لعهده، وكان من حسن خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهذه التوبة وهو في كامل قوته وبأسه، وذلك قبل موته بعامين.
عَهْدُ عَبْد الرّحْمَن الأَوْسَط
بعد الحكم بن هشام تولى ابنه عبد الرحمن الثاني، وهو المعروف في التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط (فهو الأوسط بين عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل وعبد الرحمن الناصر كما سيأتي)، وقد حكم من سنة 206 هـ= 821 م وحتى آخر الفترة الأولى (عهد القوة) من عهد الإمارة الأموية، وذلك سنة 238 هـ= 852 م وتعد فترة حكمه هذه من أفضل فترات تاريخ الأندلس، فاستأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال وألحق بهم هزائم عدّة، وكان حسن السيرة، هادئ الطباع، محبًا للعلم محبًا للناس.
قال عنه الصفدي: كان عادلاً في الرعية بخلاف أبيه، جواداً فاضلاً له نظر في العلوم العقلية، وهو أول من أقام رسوم الإمرة وامتنع عن التبذّل للعامة، وهو أول من ضرب الدراهم بالأندلس، وبنى سور إشبيلية، وأمر بالزيادة في جامع قرطبة، وكان يشبه بالوليد بن عبد الملك، وكان محباً للعلماء مقرباً لهم، وكان يقيم الصلوات بنفسه، ويصلي إماماً بهم في أكثر الأوقات... وهو أول من أدخل كتب الأوائل إلى الأندلس، وعرف أهلها بها. وكان حسن الصورة ذا هيئة، وكان يكثر تلاوة القرآن ويحفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقال لأيامه أيام العروس، وافتتح دولته بهدم فندق الخمر وإظهار البر، وتملا الناس بأيامه وطال عمره، وكان حسن التدبير في تحصيل الأموال وعمارة البلاد بالعدل حتى انتهى ارتفاع بلاده في كل سنة ألف ألف دينار.
ومن أهم ما تميّز عهد عبد الرحمن الأوسط:
أولًا: ازدهار الحضارة العلمية:
كان عبد الرحمن الأوسط لتقديره العلم يستقدم العلماء من بغداد ومن كل بلاد العالم الإسلامي، فجاءوا إلى بلاد الأندلس وعظّمهم وأكرمهم ورفع من شأنهم، وأسّسَ نواة مكتبة قرطبة العظيمة، وأشاع التعليم في كل بلاد الأندلس.
وقد اشتهر العلماء في هذه الفترة في كل مجالات العلوم، وكان من أشهرهم في ذلك الوقت عباس بن فرناس - رحمه الله -، وهو أول من قام بمحاولة طيران في العالم، وقد راح ضحية هذه المحاولة البكر، وفضلًا عن هذا فقد كانت له اختراعات كثيرة في شتى المجالات، فاخترع آله لتحديد الوقت، واخترع آله تشبه قلم الحبر، وقد كان لهذا الاختراع أهميّة كبيرة في ذلك الزمن الذي انتشر فيه العلم والتعليم، ويعد أيضًا أول من اخترع الزجاج من الحجارة.
ثانيًا: ازدهار الحضارة المادية:
اهتمّ عبد الرحمن الأوسط بالحضارة المادية (العمرانية والاقتصادية وغيرها) اهتمامًا كبيرًا، فازدهرت حركة التجارة في عهده، ومن ثَمّ كثرت الأموال؛ الأمر الذي أجمع فيه المؤرّخون أنه لم يكن هناك في الأندلس ما نسميه بـ "عادة التسّول"، فقد كانت هذه العادة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى لكنها لم تُعرف أصلًا في بلاد الأندلس.
كذلك تقدّمت وسائل الريّ في عهده بشكل رائع، وتم رصف الشوارع وإنارتها ليلًا في هذا العمق القديم جدًا في التاريخ، الوقت الذي كانت أوروبا تعيش فيه في جهل وظلام دامس، كما أقام القصور المختلفة والحدائق الغنّاء، وتوسع جدًا في ناحية المعمار حتى كانت المباني الأندلسية آية في المعمار في عهده - رحمه الله -.
ثالثا: وقف غزوات النورمان:
النورمان هم أهل إسكندنافيا، وهي بلاد تضم الدانمارك والنرويج وفنلندا والسويد، وقد كانت هذه البلاد تعيش في همجية مطلقة، فكانوا يعيشون على ما يسمى بحرب العصابات، فقاموا بغزوات عرفت باسم "غزوات الفايكنج"، وهي غزوات إغارة على أماكن متفرقة من بلاد العالم، ليس من همٍ لها إلا جمع المال وهدْم الديار.
في عهد عبد الرحمن الأوسط وفي سنة 230هـ= 845 م هجمت هذه القبائل على إشبيلية من طريق البحر في أربع وخمسين سفينة، دخلوا فأفسدوا فسادًا كبيرًا، فدمّروا إشبيلية تمامًا، ونهبوا ثرواتها، وهتكوا أعراض نسائها، ثم تركوها إلى شذونة وألمرية ومرسية وغيرها من البلاد فأشاعوا الرعب وعمّ الفزع، وهذه هي طبيعة الحروب المادية بصفة عامة، وشتّان بين المسلمين في فتحهم للبلاد وبين غيرهم في معاركهم.
ما كان من عبد الرحمن الأوسط - رحمه الله - إلا أن جهّز جيشه وأعدّ عدته، وخلال أكثر من مائة يوم كاملة دارت بينه وبينهم معارك ضارية، أغرقت خلالها خمس وثلاثين سفينة للفايكنج، ومنّ الله على المسلمين بالنصر، وعاد النورمان إلى بلادهم خاسئين خاسرين.
لم يجنح عبد الرحمن الأوسط - رحمه الله - بعدها إلى الدّعة أو الخمول، وإنما عمل على تفادي تلك الأخطاء التي كانت سببًا في دخول الفايكنج إلى بلاده فقام بما يلي:
أولا:
رأى أن إشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير الذي يصبّ في المحيط الأطلنطي، ومن السهولة جدًا أن تدخل سفن الفايكنج أو غيرها من المحيط الأطلنطي إلى إشبيلية، فقام بإنشاء سور ضخم حول إشبيلية، وحصّنها تحصينًا منيعًا ظلّت بعده من أحصن حصون الأندلس بصفة عامة.
ثانيا:
لم يكتف بذلك بل قام أيضًا بإنشاء أسطولين قويين جدًا، أحدهما في الأطلسي والآخر في البحر الأبيض المتوسط، وذلك حتى يدافع عن كل سواحل الأندلس، فكانت هذه الأساطيل تجوب البحار وتصل إلى أعلى حدود الأندلس في الشمال عند مملكة ليون، وتصل في البحر الأبيض المتوسط حتى إيطاليا.
وكان من نتيجة ذلك أنه فتح جزر البليار للمرة الثانية، (كنا قد ذكرنا أن الذي فتحها للمرة الأولى كان موسى بن نصير - رحمه الله - وذلك قبل فتح الأندلس سنة 91 هـ= 710 م ثم سقطت في أيدي النصارى في عهد الولاة الثاني حين انحدر حال المسلمين آنذاك، وهنا وفي سنة 234 هـ= 849 تم فتحها ثانية).
كذلك كان من نتيجة هزيمة الفايكنج في هذه الموقعة قدوم سفارة من الدانمارك محمّلة بالهدايا تطلب ودّ المسلمين، وتطلب المعاهدة معهم، وهكذا فالبعض من البشر لا تردعه إلا القوة ولا تصده إلا لغة الأقوياء.
الفترة الثانية من الإمارة الأموية فترة الضعف

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 3:31 pm

بوفاة عبد الرحمن الأوسط - رحمه الله - يبدأ عهد جديد في بلاد الأندلس، وهو فترة الضعف في الإمارة الأموية، ويبدأ من سنة 238 هـ= 852 م وحتى سنة 300 هـ= 913 م أي حوالي اثنتين وستين سنة.
تولّى بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن الأوسط ثم اثنين من أولاده هما المنذر وعبد الله، وحقيقة الأمر أن الإنسان ليتعجب: كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والسيطرة على بلاد الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار؟!
فمن سنن الله سبحانه وتعالى أن الأمم لا تسقط فجأة، بل إن الأمر يكون متدرجًا وعلى فترات طويلة، فهذا عهد الولاة الثاني - كما ذكرنا - كان السبب في ضعفه
أولًا: انفتاح الدنيا وحبّ الغنائم.
ثانيًا: القَبَلِيّة والقومية.
ثالثًا: ظلم الولاة.
رابعًا: ترك الجهاد.
وكل هذه الأسباب لم تنشأ فجأة، وإنما كانت بذورها قد نشأت منذ أواخر عهد القوّة من عهد الولاة أثناء وبعد موقعة بلاط الشهداء.
إذن لكي نفهم سبب ضعف الإمارة الأموية علينا أن نرجع قليلًا، وندرس الفترة الأخيرة من عهد القوة، ونبحث فيها عن بذور الضعف والأمراض التي أدّت إلى هلكة أو ضعف الإمارة الأموية في هذا العهد الثاني.
عوامل وأسباب ضعف الإمارة الأموية
كان من أهمّ أسباب ضعف الإمارة الأموية ما يلي:
أولًا: كثرة الأموال وانفتاح الدنيا على المسلمين من جديد:
من جديد كانت الدنيا قد انفتحت على المسلمين، وكثرت الأموال في أيديهم، وقد زاد هذا بشدّة في أواخر عهد القوة من الإمارة الأموية، فقد ازدهرت التجارة كثيرًا، ولم يوجد هناك في البلاد فقير، وفُتن الناسُ بالمال، وتكرّر ثانية حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ. وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ أُمّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الدنيا مرارًا وتكرارًا وقلّل من قيمتها، فكان يقول: "مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ".
ثانيًا: زرياب
اسم ليس بغريب لكنه كان كدابّة الأرض التي أكلت منسأة سليمان عليه السلام فسقط جسده على الأرض، "زرياب" هذا كان من مطربي بغداد، تربى هناك في بيوت الخلفاء والأمراء حيث كان يغني لهم ويطربهم، وكان معلّمه هو إبراهيم الموصلي كبير مطربي بغداد في ذلك الوقت.
مع كرّ الأيام ومرّ السنين لمع نجم زرياب في بغداد فغار منه إبراهيم الموصلي، فدبّر له مكيدة فطُرد من البلاد، كانت مشارق الأرض الإسلامية ومغاربها متسعة جدًا في ذلك الوقت، وبعد حيرة وجد "زرياب" ضالته في الأندلس؛ حيث الأموال الكثيرة والحدائق والقصور، وهي صفات كثيرًا ما يعشقها أمثال هؤلاء، وبالمقابل فمثلها أيضًا تكون أرضًا خصبة لاستقبال وإيواء أمثالهم.
الأندلس إلى هذه الفترة لم تكن تعرف الغناء، إلا أن "زرياب" ذهب إلى هناك فاستقبلوه وعظّموه وأحسنوا وفادته، حتى دخل على الخلفاء، ودخل بيوت العامه ونواديهم، فأخذ يغنّي للناس ويعلمهم ما قد تعلمه في بغداد، ولم يكتف "زرياب" بتعليمهم الغناء وتكوين ما يسمى بـ الموشحات الأندلسية، لكنه بدأ يعلمهم فنون (الموضة) وملابس الشتاء والصيف والربيع والخريف، وأن هناك ملابس خاصة بكل مناسبة من المناسبات العامة والخاصة.
ولم يكن الناس في الأندلس على هذه الشاكلة، إلا أنهم أخذوا يسمعون من "زرياب" ويتعلمون، خاصة وأنه قد بدأ يعلمهم أيضًا فنون الطعام كما علمهم ملابس الموضة تمامًا، وأخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء والأساطير والروايات وما إلى ذلك حتى تعلّق الناس به بشدّة، وتعلّق الناس بالغناء وكثر المطربون في بلاد الأندلس، ثم بعد ذلك انتشر الرقص، وكان في البداية بين الرجال ثم انتقل إلى غيرهم وهكذا.
الغريب أن دخول "زرياب" إلى أرض الأندلس كان في عهد عبد الرحمن الأوسط - رحمه الله - ذلك الرجل الذي اهتمّ بالعلم والحضارة والعمران والاقتصاد وما إلى ذلك، لكنه - وللأسف - ترك "زرياب" يفعل كل هذه الأمور وينخر في جسد الأمة من دون أن يدري أحد.
ففي الوقت الدي انتعشت فيه النهضة العلمية وكثر العلماء، إلا أن كلام زرياب المنمق وإيقاعه الرنان صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماعه هو، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن سماع قصص السلف الصالح إلى سماع حكاياته العجيبة وأساطيره الغريبة، بل والله لقد صُرف الناس عن سماع القرآن الكريم إلى سماع أغانيه والتعلّق بلهوه ومجونه.
وليس هذا بعجيب أو جديد؛ ففي بداية دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، وحين رآه النضر بن الحارث وكان من رءوس الكفر يخاطب الناس بالقرآن فيتأثّرون ويؤمنون بهذا الدين، ما كان منه إلا أن قطع أميالًا طويلة وذهب إلى بلاد فارس، وقضى هناك فترات كثيرة يتعلم حكايات رستم واسفنديار، ويتعلم الأساطير الفارسية، ثم اشترى غانيتين وعاد إلى مكة، وفي مكة كان النضر بن الحارث يقوم بحرب مضادة للدعوة الإسلامية، فكان إذا وجد في قلب رجل ميلًا إلى الإسلام أرسل له الغانيتين تغنيانه ما كان في بلاد فارس من حكايات رستم واسفنديار حتى يلهياه عن هذا الدين، وظلّ على هذا النحو وأنزل الله - سبحانه وتعالى - فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة: [وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ] {لقمان:6}. وقد أقسم عبد الله بن مسعود - رحمه الله - أنها ما نزلت إلا في الغناء.
وهكذا؛ فلا يهدأ الشيطان ولا ينام حتى في وجود هذه النهضة العلمية، [ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ] {الأعراف:17}. وكلما زاد الاهتمام بالدين وارتقى مستوى الإيمان عند الناس وتعلّقت قلوبهم بالمساجد، كلما نشط الشيطان وزادت حركته عبر طريق "زرياب" ومن سار على نهجه.
وللأسف فإنه بالرغم من مرور أكثر من ألف ومائتى عام على وفاة زرياب هذا، إلا أن له شهرة واسعة في كل بلاد المغرب العربي، فلم يسمع الكثير من الناس عن السمح بن مالك الخولاني وعنبسة بن سحيم رحمهم الله ولم يسمعوا عن عقبة بن الحجاج أو سيرة عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل أو عبد الرحمن الأوسط، ولم يسمعوا عن كثير من قواد المسلمين في فارس والروم وفي بلاد أفريقيا والأندلس لكنهم سمعوا عن زرياب، ويعرفون سيرته وتفاصيل حياته، بل إن موشحاته الأندلسية ما زالت إلى يومنا هذا تغنى في تونس والمغرب والجزائر، ومازالت تُدرّس سيرته الذاتيه هناك على أنه رجلا من قواد التنوير والنهضة، يمجَّد في حربه ضد الجمود وكفاحه من أجل الفن، ولا يعلم الناس أن زرياب هذا ومن سار على طريقه كان سببًا رئيسيًا في سقوط بلاد الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثًا: من أسباب ضعف الإمارة الأموية أيضًا "عمر بن حفصون"
عمر بن حفصون هذا ( 240 - 306 هـ= 855 - 919 م ) هو "جون جارنج السوداني" باصطلاح العصر الحديث، وهو مسلم من المولدين، أي من أهل الأندلس الأصليين، كان عمر بن حفصون قاطعًا للطريق وكان يتزعم عصابة من أربعين رجلا، حين بدأ الناس يركنون إلى الدنيا ويتركون الجهاد في سبيل الله زاد حجمه، واشتد خطره، وبدأ يثور في منطقة الجنوب حتى أرهب الناس في هذه المنطقة، وأخذ يجمع حوله الأنصار إلى أن زاد حجمه كثيراً، فسيطر على كل الجنوب الأندلسي.
في سنة 286 هـ= 899 م قام عمر بن حفصون بعمل لم يتكرر كثيرًا في التاريخ الإسلامي بصفة عامة وتاريخ الأندلس بصفة خاصة، فلكي يعضد من قوته في آخر عهده، وبعد اثنين وعشرين عاما من ثورته انقلب على عقبيه وتحول من الإسلام إلى النصرانية، وسمّى نفسه صمويل، وذلك بهدف كسب وتأييد مملكة ليون النصرانية في الشمال، وهو وإن كان قد تركه بعض المسلمين الذين كانوا معه إلا إنه نال بالفعل تأييد مملكة ليون، الوقت الذي تزامن مع توقف الجهاد في ممالك النصارى.
بدأت "مملكة ليون" تتجرّأ على حدود الدولة الإسلامية، فبدأت تهاجمها من الشمال وعمر بن حفصون أو صمويل من جهة الجنوب، تمامًا كما كانت تفعل أمريكا واليهود مع جون جرنج المتمرد في جنوب السودان، والهدف لا يخفى على الجميع، فحين يمدونه بالسلاح والخطط والخرائط، والأغذية والأموال وغير ذلك، تضعف السودان وتضرب من الداخل، وتشغل بنفسها، ومن ثم يتوقف المدّ الإسلامي من السودان إلى بلاد وسط وجنوب إفريقيا.
وهذا بالضبط ما حدث في الأندلس مع عمر بن حفصون، وحدث قبل ذلك بكثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين راسلت قريش عبد الله بن أبي بن سلول في المدينة المنورة، وشجعته كثيرًا على محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطرده من بلاده.
نظرة تحليلية على الوضع في الأندلس أواخر عهد الضعف
بعد اثنين وستين عامًا من الضعف الشديد وبعد تفاعلت عوامل السقوط مع بعضها البعض، نلقي الآن نظرة عامة على طبيعة الوضع في بلاد الأندلس أواخر عهد الضعف في الإمارة الأموية، أي سنة 300 هـ= 913 م، وإيضاح أهمّ الملامح التي سادت هذا العصر والتي كانت من فعل ونتاج عوامل الضعف، فكان ما يلي:
أولًا: تصاعد وكثرة الثورات داخل الأندلس:
كان هناك ثوارت لا حصر لها داخل الأندلس، بل واستقلالات في كثير من المناطق، والتي كان من أشهرها استقلال صمويل أو عمر بن حفصون، حيث استقلّ بالجنوب وكوّن ما يشبه الدويلة، فضم إليه الكثير من الحصون، حتى ضمّ كل حصون أستجّة وجيّان، والتي كانت عند فتح الأندلس من أحصن المناطق الأندلسية على الإطلاق، وكذلك كانت غرناطة إحدى المدن التي في حوزته، والتي اتخذ لها عاصمة سمّاها (بابشتر) وتقع في الجنوب بجوار ألمريّة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
كان من هذه الثورات الكبيرة أيضا ثورة ابن حجاج في إشبيليّة، وكانت هذه الثورة تمد وتساعد عمر بن حفصون أو صمويل في ثورته ضد قرطبة.
ومثلها كانت ثورة ثالثة في شرق الأندلس في منطقة بلنسية، ورابعة في منطقة سرقسطة في الشمال الشرقي، حيث استقلت إمارة سرقسطة أيضا عن الإمارة الأموية في قرطبة، وخامسة في غرب الأندلس يقودها عبد الرحمن الجلّيقي، وسادسة في طليطلة، وهكذا ثورات وثورات أدت في نهاية الأمر إلى أن الحكومه المركزية للإمارة الأموية في قرطبة لم تعد تسيطر في كل بلاد الأندلس إلا على مدينة قرطبة وحدها، إضافة إلى بعض القرى التي حولها.
ومن ثم فقد انفرط العقد تمامًا في سنة سنة 300 هـ= 913 م، وتوزّعت الأندلس بين كثير من القوّاد، كُلّ يحارب الآخر وكُلّ يبغي ملكًا ومالًا.
ثانيا: تكوّن مملكة نصرانية ثالثة
ذكرنا سابقا أنه كان هناك مملكتان نصرانيتان، هما مملكة "ليون" في الشمال الغربي ومملكة "أراجون" في الشمال الشرقي وعاصمتها برشلونة، واللتان تكونتا زمن ضعف المسلمين في عهد الولاة الثاني، وهنا وفي الفترة الثانية من فترتي الإمارة الأموية تكوّنت في الشمال أيضًا مملكة نصرانية ثالثة كانت قد انفصلت عن مملكة "ليون"، وهي مملكة أو إمارة "نافار" وتكتب في بعض الكتب العربية "ناباره"، وتعرف الآن في أسبانيا بإقليم الباسك، ذلك الإقليم الذي يحاول الانشقاق عن أسباني.
هذه الممالك النصرانيّة الثلاث بعد أن كانت تخاف المسلمين في عهد الإمارة الأموية الأول تجرّأت كثيرًا على البلاد الإسلامية، فهاجمت شمال الأندلس وبدأت تقتل المسلمين المدنيين في مدن الأندلس الشمالية.
ثالثًا: قتل ولي العهد
أمر خطير آخر قد ظهر، وهو يعبر عن مدى المأساة والفتنة في ذلك الوقت، وهو أن ولي العهد للأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت قتله أخوه المطرف بن عبد الله، وكان ولي العهد هذا يسمى محمد بن عبد الله، فأصبح الوضع من الخطورة بمكان.
وهكذا يكون الحال حين يختلف المسلمون ويفترقوا، وحين ينشغلوا بدنياهم وبزريابهم وبأنفسهم، حكومات نصرانية في الشمال تهاجم المسلمين، ثورات واستقلالات في الداخل، قتل لولي العهد القادم، بلاد إسلامية واسعة بدون ولي عهد في هذه المرحلة الحرجة...
رابعًا: ظهور نجم دولة شيعية في بلاد المغرب كانت من أخطر الدول على بلاد الأندلس
زاد الأمور سوءًا في بلاد الأندلس ظهور دولة جديدة في بلاد المغرب كانت من أشدّ الدول خطورة على بلاد الأندلس، وهي الدولة المسمّاة بالفاطميّة، واسمها الصحيح الدولة العبيدية.
ظهرت الدولة العبيدية في بلاد المغرب العربي سنة 296 هـ= 909 م أي قبل سنة 300 هـ= 913 م (نهاية الفترة الثانية من الإمارة الأموية) بأربع سنوات فقط، وكانت دولة شيعية خبيثة همها الأول قتل علماء السنّة في بلاد المغرب العربي، ومحاولة نشر نفوذها في هذه المنطقة، فانتشرت بصورة سريعة من بلاد المغرب إلى الجزائر إلى تونس، ثم إلى مصر والشام والحجاز وغيرها.
ويكمن خطرها على بلاد الأندلس في أنها ساعدت عمر بن حفصون وأمدته بالسلاح والمؤن والغذاء عن طريق مضيق جبل طارق من الجنوب؛ وذلك لأن عمر بن حفصون أو صمويل كان يعادي ويحارب الخلافة الأموية السنية الموجودة في قرطبة.
خامسًا: تفشي السلبية وتوقف التفكير في الجهاد
كان حال الشعب في هذه الفترة قد تغير بالمرة؛ فلم يعد يفكر في الجهاد، وانتشرت الروح السلبيّة بين الناس، واعتقدوا أنّه لا فائدة وليس هناك طائل من محاولة التغيير، ورأوا أن الأمر قد ضاع، وفُقد من أيديهم بالكلية ولا أمل في الإصلاح.
سادسًا: تَردّي الأوضاع في بقية أقطار العالم الإسلامي
إذا تخطينا بلاد الأندلس وألقينا نظرة على مجمل أقطار العالم الإسلامي في الشرق والغرب وجدنا ما يلي:
مصر والشام يحكمها الإخشيديون، الموصل يحكمها ابن حمدان، البحرين واليمامة يحكمها القرامطة، أصبهان يحكمها بنو بويه، خراسان يحكمها نصر الساماني، طبرستان يحكمها الديلم، الأهواز يحكمها البُريديون، كرمان يحكمها محمد بن إلياس، الدولة العباسية أو الخلافة العباسية لا تحكم إلا بغداد فقط، ولا تبسط سيطرتها حتى على أطراف العراق.
هكذا كان الوضع في أقطار العالم الإسلامي، لم يكن هناك أي أمل في أي مدد منه إلى بلاد الأندلس؛ حيث كانت كلها مشتته ومفرقة، ولا حول و لاقوة إلاّ بالله.
وإن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت ليرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها، ولن تُنقذ إلا بمعجزة جديدة مثل معجزة عَبْد الرَّحْمَن الدَّاخِل - رحمه الله -.
وبالفعل فإن الله سبحانه وتعالى بمنّه وجوده أنعم على المسلمين بتلك المعجزة للمرة الثانية، فمنّ عليهم بأمير جديد، وحّد الصفوف وقوّى الأركان، وأعلى من شأن بلاد الأندلس حتى أصبحت في عهده أقوى ممالك العالم على الإطلاق، وأصبح هو أعظم ملوك أوروبا في زمانه بلا منازع، إنه عبد الرحمن الناصر - رحمه الله -.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 5:13 pm


[size=16]
الخلافة الأموية


من[//عبد_الرحمن_بن_محمد_الناصر_لدين_الله عبد الرحمن الناصر[/]؟ وما نشأته؟ هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المرواني، وقد نشأ يتيمًا، وتولى جده عبد الله تربيته، فنشأ على التقوى والورع، وكانت النتيجة هي ظهور قائد مثل عبد الرحمن الناصر. لماذا يُعدّ عبد الرحمن الناصر مثلاً يُحتذى به؟ يعدّ عبد الرحمن الناصر قدوة ومثلاً لكل المسلمين؛ لأن هذا الرجل تولى حكم الأندلس وهي في حالة من الفوضى والدمار، وتصير هذه الدولة في عهده من أقوى الدول على الإطلاق، ويصبح عبد الرحمن الناصر أعظم ملوك أوربا؛ لأنه عندما تولى الحكم قام ببناء الدولة من جديد، وقضى على الفتن والثورات، وعمل عبد الرحمن الناصر أيضًا على توحيد الأندلس تحت راية واحدة. ولم يكتفِ عبد الرحمن الناصر بذلك، بل حمل راية الجهاد ضد النصارى، الأمر الذي جعل شعوب المسلمين تتجه إليه؛ لأنه هو من يدافع عن الإسلام، ثم أعلن قيام الخلافة الأموية، وأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين. إضافةً إلى ذلك فقد اهتم عبد الرحمن الناصر بالحضارة، فنمَى الجانب المعماري، وانتشرت الكثير من المدن. هذا إلى جانب انتشار الرخاء الاقتصادي، ونمو الكثير من الصناعات. ومن أهم الأمور التي يجب أن يشار إليها في عهد عبد الرحمن الناصر هي ازدهار الحركة العلمية. الحكم بن عبد الرحمن الناصر 302 - 366هـ بعد وفاة عبد الرحمن الناصر خلفه على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وتولّى من سنة 350هـ/ 961م إلى سنة 366هـ/ 976م. وفي عهده حدثت نهضة علمية غير مسبوقة، ولُقّب بعاشق الكتب، وأنشأ الحكم بن عبد الرحمن المكتبة الأمويّة، وقد اشتهرت مدينة قرطبة في عهده، وهي تقع في وسط الأندلس، وأشهر ما بالمدينة كان مسجد قرطبة، بالإضافة إلى وجود القنطرة. وظنت الممالك النصرانية أن اهتمام الحكم بن عبد الرحمن الناصر بالعلم سيجعله يترك الجهاد، وخرجت لتهاجم أملاك المسلمين، فما كان من "الحكم" إلا أن ردَّهم وهاجمهم، وجعلهم يدفعون الجزية. ولقد ظلّ الحكم بن عبد الرحمن الناصر - رحمه الله - يحكم من سنة 350هـ/ 961م إلى سنة366هـ/ 976م، في فترة تُعدّ هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق، وأعظم عهودها.


عبد الرحمن الناصر ( 277 - 350 هـ= 891 - 961 م ) وتولي الحكم
رأينا سابقًا كيف كان الوضع أواخر عهد الضعف من الإمارة الأموية، وما هي السمات والملامح التي سادت ذلك العهد، ورأينا أيضًا كيف أن الناظر إلى بلاد الأندلس في ذلك الوقت يرى أنه لا محالة من انتهاء الإسلام فيها، وأنه ما هي إلا بضعة شهور أو سنوات قلائل حتى يدخل النصارى إلى الأندلس ويحكموا قبضتهم عليها.


من هو عبد الرحمن الناصر


هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المرواني الناصر لدين الله أبو المطرف صاحب الأندلس الملقب أمير المؤمنين، وأمه أم ولد تسمى "ماريا" أو "مرته أومزنة"، وجده السادس هو عبد الرحمن بن معاوية الأموي - صقر قريش - ولد في قرطبة وعاش بها...


نشأ عبد الرحمن بن محمد يتيمًا، فعندما كان عمره عشرين يومًا قتل عمُّه أباه، لأنه كان مؤهلا للإمارة بعد أبيهما عبد الله الأمير السابع من أمراء الأمويين بالأندلس، وفتح الصبي عينه على الدنيا ليجد الحياة قاتمة أمامه، ولم يكن البلاط الأموي المشغول بكثير من الأحداث، من ثورات داخلية ومطامع خارجية ليشغل نفسه بطفل صغير كهذ، غير أن جدّه الأمير عبد الله والذي اتصف بالورع والتقوى والتقشف وحب الناس، وكان على درجة عالية من الإيمان - هذا الجد تولى هو تربيته، ونال الصبي الصغير نصيبًا كبيرًا من رعايته، فقد رباه جده الأمير ليفعل ما لم يستطع أن يفعله هو، رباه على سعة العلم وقوة القيادة وحسن الإدارة وسرعة الحسم وقوة العزم، رباه على التقوى والصلاح والورع وحب الناس، رباه على الصبر والحلم رباه على العزة والكرامة، رباه على العدل مع القريب والبعيد، وعلى الانتصار للمظلوم، وكانت النتيجة الطبيعية لهذه التربية، والثمرة المتوقعة لها؛ أن وُجد عبد الرحمن الناصر، وكان جزاء عمه القتل، فقد قتله أبوه عبد الله، بعد أن تأكد من براءة أخيه مما عزاه إليه، واهتم الأمير عبدالله بحفيده اهتمامًا كبيرا وأولاه عناية خاصة، ولعل ذلك عطفًَا وشفقةً عليه بعد مقتل أبيه، ونشأ عبد الرحمن في هذا الجو المليئ بالأحداث المتتابعة، وعلم ما حدث لأبيه على يد عمّه، كما علم أيضًا أن جده عبد الرحمن الملقب بصقر قريش مؤسس الدولة الأموية في الأندلس علم أنه كان رجلا عظيمًا، تحمّل الكثير من أجل تأسيس هذه الدولة، وقاسى الصعاب والمشقات حتى تقام هذه الدولة، بل وواجه ثورات كثيرة ومطامع كبيرة أحاطت به من كل جانب، وبالفعل نجح في تأسيس هذه الدولة؛ والتي يتناوشها الأعداء ويكدر صفوها الثورات الداخلية والمطامع الكثيرة، بين أبناء البيت الأموي، ولكن هذه المشكلات كلها مجتمعة لا تكاد تصل إلى ما تحمّله الجد المؤسس صقر قريش من صعاب ومشقات، وبدأ الفتى الصغير يفكر كيف يتخلص من كل هذه المشكلات والأمور ليست بيده، بل بيد كبار بني أمية من أعمامه، وأقربائه، والذين يتبوأ كل منهم مكانة عالية ومنصبًا رفيعًا في هذا البلاط الملكي...


إنه أبدًا لم ولن يفقد الأمل فقد رباه جده على الصبر وقوة العزيمة وحسن الثقة بالله، واليقين بنصر الله...


إنه ينتظر الفرصة ليحقق المجد لأمته ويرفع عنها العناء...


وفي ظلّ هذا الجوّ المليء بالفتن، وهذه التركة المثقلة بالهموم، نفاجأ بأمر جلل، لكنه كان متوقعًا، فقد زهد جميع أبناء عبد الله بن محمد المرشحون للخلافة في الحكم، وذلك لِما رأوا من عبء هذه التركة المثقلة بالهموم، ولعدم توقع أحد منهم قدرته على التمكّن من الإصلاح...


الحكم بن عبد الرحمن الناصر 302 - 366 هـ


استخلف عبد الرحمن الناصر على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، والذي تولّى من سنة 350 هـ= 961 م إلى سنة 366 هـ= 976 م وفي عهده حدثت في بلاد الأندلس نهضة علمية غير مسبوقة؛ ولا غرو فقد تولّى الحُكم وهو يبلغ من العمر سبعًا وأربعين سنة، وكان هو نفسه عالمًا من العلماء، ويكفي أنه لُقّب بعاشق الكتب.


أنشأ الحكم بن عبد الرحمن المكتبة الأمويّة، تلك التي تعد أعظم مكتبات العصور الوسطى على الإطلاق، وكانت تنافس مكتبة قرطبة ومكتبة بغداد، وقد دفع آلاف الدنانير لجلب أعظم الكتب إليها من كل مكان في العالم، وكان له عمّال وظيفتهم الوحيدة هي جمع الكتب من مشارق الأرض ومغاربها من بلاد المسلمين ومن غير بلاد المسلمين، فإذا جاءوا بكتاب في الفلك أو الطب أو الهندسة أو غيرها من أي بلد غير إسلامي تُرجم على الفور وضُمّ إلى المكتبة الأموية.


كان رحمه الله يشتري الكتب مهما بالغ الناس في أسعارها، وقد أحضر في مكتبته هذه النسخة الأولى من كتاب الأغاني للأصفهاني (كتاب في الأدب) وأصفهان هذه الآن من مدن إيران، فأين إيران من إسبانيا الآن فالرجل لم تكن تقف أمامه التخوم ولا الحدود!!


كثر النسخ في عصره وصار وظيفةً للنساء في البيوت، واشتهرت نساء الأندلس بحسن الخط وجماله؛ حيث كان الرجال مشغولون بالجهاد ونشر العلم والبناء والمعمار وغيره، وكانت قد ازدهرت كثيرًا في الأندلس صناعة الكتب والورق والتجليد والأحبار، الأمر الذي كان فيه باباوات إيطاليا يشترون الورق من الأندلس ليكتبوا عليه أناجيلهم، وكذلك كانت كل أوروبا تستورد الورق وغيره من بلاد الأندلس.


وسّع الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله في المكتبة كثيرًا، وجعل لها أروقة عظيمةً حتى تستوعب كثرة الحضور من المسلمين، وأنشأ أيضًا دارًا لتعليم الفقراء بالمجان، وخصّص المعونات والمكافآت لطلاب العلم، حتى انتشر التعليم بصورة ملفتة، واختفت الأمّية تمامًا في هذا العهد السحيق - منذ أكثر من ألف عام - وأصبح كل أهل الأندلس يعرفون القراءةَ والكتابةَ.


أنشأ أيضًا رحمه الله جامعة قرطبة، وقد كان العلماء قبل إنشائها يشتغلون بالتجارة أوالزراعة أوالصناعة أو غيرها من الحرف اليدوية، إضافة إلى كونهم يتعلمون ويُعلّمون، لكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر جعل وظيفة التدريس وظيفة خاصة قائمةً بنفسها، فكان يجعلهم يفرغون للتدريس والتعليم فقط؛ وذلك حتى يستطيعوا أن يبدعوا فيه.


قرطبة المدينة الإسلامية النموذجية
أصل التسمية:


قال ياقوت الحموي: قُرْطُبة: بضم أوله وسكون ثانيه وضم الطاء المهملة أيضاً والباء الموحدة كلمة فيما أحسب عجمية رومية ولها في العربية مجال يجوز أن يكون من القرطبة وهو العدو الشديد. قال بعضهم: إذا رآني قد أتيت قَرْطب... وجالَ في جحاشه وطرطبَا
وقال الزَّبيدي في تاج العروس قَرْطَبَهُ: إِذَا صَرَعَهُ يُقَالُ: طَعَنَهُ فَقَرْطَبَهُ وقَحْطَبَه وقولُ أَبي وَجْزَةَ السَّعْدِيّ: والضَّرْبُ قَرْطَبَةُ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ... تَرَكَ المَداوِسُ مَتْنَهُ مَصْقُولاَ قال الفَرّاءُ: قَرْطَبْتُهُ: إِذا صَرَعْتَهُ أو قَرْطَبَه: إِذا صَرَعَهُ على قَفَاهُ. وتَقَرْطَبَ على قَفَاهُ: انْصَرعَ.


ولا زالت مدينة قرطبة محتفظة باسمها إلى اليوم فهي بالاسبانية Crdoba، وبالإنجليزية Cordova أو Cordoba


قرطبة تدخل في الإسلام


كانت قرطبة من أوائل المدن التي دخلها الإسلام ففي العام 93 هـ= 711 م أرسل طارق بن زياد القائد مغيثًا الرومي ومعه سبعمائة رجل لفتح المدينة العظيمة وبعث مغيث الأدلاء كي يلقون من عنده خبر؛ فألقوا راعي غنم، فأتوا به إليه، وهو في الغيضة؛ فسأله عن قرطبة؛ فقال له: انتقل. عنها عظماء أهلها، ولم يبق فيها إلاَّ بطريقها في أربعمائة فارس من حماتهم مع ضعفاء أهلها.


ثم سأله عن حصانة سورها؛ فأخبره أنه حصين، إلا أن فيه ثغرة فوق باب الصورة، وهو باب القنطرة، ووصف لهم الثغرة.


فلما جنَّ الليل، تحرك مغيث بمن معه، وعبروا النهر، وقابلوا السور، وراموا التعلق به؛ فتعذر عليهم؛ فرجعوا إلى الراعي، وأتوا به معهم؛ فدلهم على الثغرة؛ فراموا التعلق بها؛ فصعب عليهم، حتى صعد رجل من المسلمين في دروتها، ونزع مغيثٌ عمامته، فناوله طرفها، وارتقوا بها حتى كثروا بالسور؛ ثم جاء مغيث إلى باب القنطرة، وهي يومئذ مهدومة، وأمر أصحابه بالحوم على أحراس السور، فكسروا الأقفال، ودخل مغيث بمن معه. البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب - ابن عذاري
لقد نجحوا في مهمتهم بعد أن دخلوا من الأسوار وفتحوا الأبواب وأُسر أمير المدينة الذي حاول الفرار ولكنه لم ينجح في ذلك...


موقع قرطبة:


قال "الإصطخري" في "المسالك والممالك": وأما الغربي من المغرب فهو الأندلس، والأندلس بلدان عريضة كثيرة المدن خصبة واسعة، ومدينتها العظمى تسمى "قرطبة"، وهي من الأندلس في وسطها...


وقال "ابن سعد المغربي" في كتابه "الجغرافيا": وطول "قرطبة"، قاعدة الأندلس في مدة بني أمية، عشر درجات، وعرضها ثمان وثلاثون درجة ونصف. وهي على غربي النهر الكبير الذي عليه إشبيلية.... هـ
وقرطبة اليوم مدينة وعاصمة مقاطعة في جنوب اسبانيا تحمل اسمها وتقع على نهر يسمى (جواداالكبير ) أو نهر الوادي الكبير...


قالوا عن قرطبة:


قال "الحِميري" صاحب "الروض المعطار في خبر الأقطار":


قُرْطُبة: قاعدة الأندلس وأم مدائنها ومستقر خلافة الأمويين بها وآثارهم بها ظاهرة، وفضائل قرطبة ومناقب خلفائها أشهر من أن تذكر، وهم أعلام البلاد وأعيان الناس، اشتهروا بصحة المذهب وطيب المكسب وحسن الزي وعلو الهمة وجميل الأخلاق، وكان فيها أعلام العلماء وسادات الفضلاء، وتجارها مياسير وأحوالهم واسعة، وهي في ذاتها مدن خمس يتلو بعضها بعضاً، وبين المدينة والمدينة سور حاجز، وفي كل مدينة ما يكفيها من الأسواق والفنادق والحمّامات وسائر الصناعات، وطولها من غربيها إلى شرقيها ثلاثة أميال، وعرضها من باب القنطرة إلى باب اليهود ميل واحد وهي في سفح جبل مطل عليها يسمى جبل العروس، ومدينتها الوسطى هي التي فيها باب القنطرة.


وقال عنها "ياقوت الحموي" في "معجم البلدان": مدينة عظيمة بالأندلس وسط بلادها وكانت سريراً لملكها وقصبتها وبها كانت ملوك بني أمية ومعدن الفضلاءِ ومنبع النبلاءِ من ذلك الصقع وبينها وبين البحر خمسة أيام. قال ابن حوقل التاجر الموصلي: وكان طَرَقَ تلك البلاد - في حدود سنة 350 هـ= 961 م - فقال: وأعظم مدينة بالأندلس قرطبة وليس لها في المغرب شبيه في كثرة الأهل وسعة الرقعة ويقال: إنها كأحد جانبي بغداد وإن لم تكن كذلك فهي قريبة منها وهي حصينة بسور من حجارة ولها بابان مشرعان في نفس السور إلى طريق الوادي من الرصافة والرصافة مساكن أعالي البلد متصلة بأسافله من ربضها وأبنيتها مشتبكة محيطة من شرقيها وشماليها وغربها وجنوبها فهو إلى واديها وعليه الرصيف المعروفُ بالأسواق والبيوع مساكن العامة بربضها وأهلها متمولون متخصصون وأكثر ركوبهم البغلات من خَوَرهم وجبنهم أجنادهم وعامتهم ويبلغ ثمن البغلة عندهم خمسمائة دينار وأما المائة والمائتان فكثير لحسن شكلها وألوانها وقدودها وعلوها وصحة قوائمها.


وقال "أبو الحسن بن بسام" رحمه الله في كتابه "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة":


وحضرة قرطبة، منذ استفتحت الجزيرة، هي كانت منتهى الغاية، ومركز الراية، وأم القرى، وقرارة أهل الفضل والتقى، ووطن أولي العلم والنهى، وقلب الإقليم، وينبوع متفجر العلوم، وقبة الإسلام، وحضرة الإمام، ودار صوب العقول، وبستان ثمرة الخواطر، وبحر درر القرائح؛ ومن أفقها طلعت نجوم الأرض وأعلام العصر، وفرسان النظم والنثر؛ وبها انتشأت التأليفات الرائقة، وصنفت التصنيفات الفائقة؛ والسبب في ذلك، وتبريز القوم قديماً وحديثاً هنالك على من سواهم، أن أفقهم القرطبي لم يشتمل قط إلا على أهل البحث والطلب، لأنواع العلم والأدب. وبالجملة فأكثر أهل بلاد هذا الأفق أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها؛ فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرقٍ كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر...


وقال عنها "ابن الوردي" في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب":


ومن أقاليم الأندلس إقليم الكنانية ومن مدنه المشهورة قرطبة وهي قاعدة بلاد الأندلس ودار الخلافة الإسلامية، وهي مدينة عظيمة وأهلها أعيان البلاد، وسراة الناس في حسن المآكل والملابس والمراكب وعلو الهمة، وبها أعلام العلماء وسادات الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب...


من علماء قرطبة:


قال ياقوت الحموي" في "معجم البلدان": وينسب إليها - أي إلى قرطبة - جماعة وافرة من أهل العلم منهم أبو بكر يحيى بن سعدون بن تمامٍ الأزدي القرطبي قرأ عليه كثير من شيوخنا وكان أديبا فاضلاً مقرئاً عارفاً بالنحو واللغة سمع كثيراً من كتب الأدب وورد الموصل فأقام بها يفيد أهلها ويقرؤون عليه فنون العلم إلى أن مات بها في سنة 567 هـ= 1172 م، وممن ينسب إليها أحمد بن محمد بن عبد البر أبو عبد الملك من موالي بني أمية سمع محمد بن أحمد بن الزرَّاد وابن لُبابة وأسلم بن عبد العزيز وغيرهم وله كتاب مؤلف في الفقهاءِ بقرطبه ومات في السجن لليلتين بقيتا من رمضان سنة 338 هـ= 950 م قال ابن الفرَضي: وأحمد بن محمد بن موسى بن بشير بن حَناذ بن لقيط الرازي الكناني من أنفسهم من أهل قرطبة يكنى أبا بكر وفد أبوه على الإمام محمد وكان أبوه من أهل اللسانة والخطابة وولد أحمد بالأندلس وسمع من أحمد بن خالد وقاسم بن أصبغ وغيرهما وكان كثير الرواية حافظاً للأخبار وله مؤلفات كثيرة في أخبار الأندلس وتواريخ دُول الملوك منها توفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة 344هـ= 955 م ومولده في عاشر ذي الحجة سنة 274 هـ= 25 - أبريل - 888 م قاله ابن الفَرَضي، وحباب بن عُبَادة الفَرَضي أبو غالب القرطبي له تآليف في الفرائض، وحسن بن الوليد بن نصر أبو بكر يعرف بابن الوليد وكان فقيهاً عالماً بالمسائل نحويا خرج إلى الشرق في سنة 362، وخالد بن سعد القرطبي أحد أئمة الأندلس كان المستنصر يقول إذا فاخرَنا أهل المشرق بيحيى بن مروان أتيناهم بخالد بن سعد وصنف كتاباً في رجال الأندلس ومات فجأة سنة 352 عن ابن الفرضي وقد نيف على الستين، وخلف بن القاسم بن سهل بن محمد بن يونس بن الأسود أبو القاسم المعروف بابن الدَباغ الأزدي القرطبي ذكره الحافظ في تاريخ دمشق وقد سمع بدمشق أبا الميمون بن راشد وأبا القاسم بن أبي العَقب وبمكة أبا بكر أحمد بن محمد بن سهل بن رزق الله المعروف ببكَير الحداد وأبا بكر بن أبي الموت وبمصر عبد الله بن محمد المفسر الدمشقي والحسن بن رشيق روى عنه أبو عمر يوسف بن حمد بن عبد البر الحافظ وأبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الفرضي وأبوعمرو الدانىِ كان حافظاً للحديث عالماً بطرقه ألَّف كُتباً حسانا في الزهد ومولده سنة 325 ومات سنة 393 في ربيع الآخر....


بعض مدن قرطبة:


قَنبَان: قرية من قرى قرطبة بالأندلس. ينسب إليها أبو عبد الله محمد بن عبد البر القنباني المعروف بالكشكيناني كان من الثقات في الرواية والمجودين في الفتاوى وله حظوة عند الحكم المستنصر أحد خلفاء بني أمية بالأندلس ودخل المشرق، وكتب عنه عبد الرحمن بن عمر بن النحاس عن عبد الله بن يحيى الليثي... معجم البلدان - ياقوت الحموي
الزهراء:


مدينة في غربي قرطبة بناها الناصر عبد الرحمن بن محمد، كذا قالوا، ولا أدري أهي الزاهرة المتقدمة الذكر، أو غيرها وبينها وبين قرطبة خمسة أميال.


وكانت قائمة الذات بأسوارها ورسوم قصورها، وكان فيها قوم سكان بأهاليهم وذراريهم، وكانت في ذاتها عظيمة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصوراً يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع... الروض المعطار في خبر الأقطار
[center]مسجد قرطبة:


مسجدقرطبة


قال صاحب الروض المعطار في وصف هذا المسجد العظيم: وبها الجامع المشهور أمره الشائع ذكره من أجل مساجد الدنيا كبرَ مساحة وإحكامَ صنعة وجمالَ هيئة وإتقان بنية تهمم به الخلفاء المروانيون فزادوا فيه زيادة بعد زيادة، وتتميماً إثر تتميم، حتى بلغ الغاية في الإتقان، فصار يحار فيه الطرف ويعجز عن حسنه الوصف وليس في مساجد المسلمين مثله تنميقاً وطولاً وعرضاً، طوله مائة باع وثمانون باعاً ونصفه مسقف، ونصفه صحن بلا سقف، وعدد قسي مسقَّفه أربع عشرة قوساً، وسواري مسقفه بين أعمدته وسواري قببه صغاراً وكباراً مع سواري القبلة الكبرى وما يليها ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقيد أكبر واحدة منها تحمل ألف مصباح، وأقلها تحمل اثني عشر مصباحاً، وجميع خشبه من عيدان الصنوبر الطرطوشي، ارتفاع الجائزة منه شبر في عرض شبر إلا ثلاثة أصابع، في طول كل جائزة سبعة وثلاثون شبراً وبين الجائزة والجائزة غلظ الجائزة، وفي سقفه من ضروب الصنائع والنقوش ما لا يشبه بعضها بعضاً، قد أحكم ترتيبها وأبدع تلوينها بأنواع الحمرة والبياض والزرقة والخضرة والتكحيل، فهي تروق العيون وتستميل النفوس بإتقان ترسيمها ومختلفات ألوانها وسعة كل بلاط من بلاط سقفه ثلاثة وثلاثون شبراً وبين العمود والعمود خمسة عشر شبراً ولكل عمود منها رأس رخام وقاعدة رخام.


ولهذا الجامع قبلة يعجز الواصفون عن وصفها وفيها إتقان يبهر العقول تنميقها،، وفيها من الفسيفساء المذهب والبلور مما بعث به صاحب القسطنطينية العظمى إلى عبد الرحمن الناصر لدين الله، وعلى وجه المحراب سبع قسيّ قائمة على عمد طول كل قوس أشف من قامة، وكل هذه القسي مزججة صنعة القوط، قد أعجزت المسلمين والروم بغريب أعمالها ودقيق وضعها، وعلى أعلى الكل كتابان منحوتان بين بحرين من الفسيفساء المذهب في أرض الزجاج اللازوردي، وعلى وجه المحراب أنواع كثيرة من التزيين والنقوش، وفي جهتي المحراب أربعة أعمدة: اثنان أخضران واثنان زرزوريان لا تقوم بمال، وعلى رأس المحراب خَصّة رخام قطعة واحدة مسبوكة منمقة بأبدع التنميق من الذهب واللازورد وسائر الألوان واستدارت على المحراب حظيرة خشب بها من أنواع النقش كل غريبة، ومع يمين المحراب المنبر الذي ليس بمعمور الأرض مثله صنعة، خشبه أبنوس وبقس وعود المجمر، يقال إنه صنع في سبع سنين، وكان صناعة ستة رجال غير من يخدمهم تصرفاً، وعن شمال المحراب بيت فيه عدد وطسوت ذهب وفضة وحسك، وكلها لوقيد الشمع في كل ليلة سبع وعشرين من رمضان، وفي هذا المخزن مصحف يرفعه رجلان لثقله فيه أربع أوراق من مصحف عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي خطه بيمينه، وفيه نقطة من دمه، ويخرج هذا المصحف في صبيحة كل يوم، يتولى إخراجه قوم من قَوَمة الجامع، وللمصحف غشاء بديع الصنعة منقوش بأغرب ما يكون من النقش، وله كرسي يوضع عليه، فيتولى الإمام قراءة نصف حزب فيه، ثم يرفع إلى موضعه.


بابمسجدقرطبةوعن يمين المحراب والمنبر باب يفضي إلى القصر، بين حائطي الجامع في ساباط متصل، وفي هذا الساباط ثمانية أبواب، منها أربعة تنغلق من جهة القصر وأربعة تنغلق من جهة الجامع. ولهذا الجامع عشرون باباً مصفحة بصفائح النحاس وكواكب النحاس، وفي كل باب منها حلقتان في غاية الإتقان، وعلى وجه كل باب منها في الحائط ضروب من الفصّ المتخذ من الآجر الأحمر المحكوك، أنواع شتى وأصناف مختلفة من الصناعات والتنميق.


وللجامع في الجهة الشمالية الصومعة الغريبة الصنعة، الجليلة الأعمال، الرائقة الشكل والمثال، ارتفاعها في الهواء مائة ذراع بالذراع الرشاشي، منها ثمانون ذراعاً إلى الموضع الذي يقف عليه المؤذن، ومن هناك إلى أعلاها عشرون ذراعاً، ويصعد إلى أعلى هذا المنار بدرجين: أحدهما من الجانب الغربي، والثاني من الشرقي، إذا افترق الصاعدان أسفل الصومعة لم يجتمعا إلا إذا وصلا الأعلى. ووجه هذه الصومعة مبطن بالكذّان منقوش من وجه الأرض إلى أعلى الصومعة، بصنعة تحتوي على أنواع من التزويق والكتابة.


وبالأوجه الأربعة الدائرة من الصومعة صفان من قسيّ دائرة على عقد الرخام، وبيت له أربعة أبواب مغلقة يبيت فيه في كل ليلة مؤذنان، وعلى أعلى الصومعة التي على البيت ثلاث تفاحات ذهباً واثنتان من فضة وأوراق سوسنية، تسع الكبيرة من هذه التفاحات ستين رطلاً من الزيت، ويخدم الجامع كله ستون رجلاً، وعليهم قائم ينظر في أمورهم فهذا ما حكاه محمد بن محمد بن إدريس.... هـ
ووصف "ابن الوردي" هذا المسجد في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" فقال:


وبها - أي بقرطبة - الجامع الذي ليس في معمور الأرض مثله، طوله ذراع في عرض ثمانين محرابمسجدقرطبةذراعاً وفيه من السواري الكبار ألف سارية، وفيه مائة وثلاث عشرة ثريا للوقود، أكبرها يحمل ألف مصباح، وفيه من النقوش والرقوم ما لا يقدر أحد على وصفه، وبقبلته صناعات تدهش العقول، وعلى فرجة المحراب سبع قسي قائمة على عمد طول كل قوس فوق القامة، تحير الروم والمسلمون في حسن وضعها. وفي عضادتي المحراب أربعة أعمدة، اثنان أخضران واثنان لازورديان، ليس لها قيمة. وبه منبر ليس على معمور الأرض مثله في حسن صنعته، وخشبه ساج وأبنوس وبقس وعود قاقلي. ويذكر في كتب تواريخ بني أمية أنه أحكم عمله ونقشه في سبع سنين، وكان يعمل فيه ثمانية صناع، لكل صانع في كل يوم نصف مثقال محمدي، وكان جملة ما صرف على المنبر أجرة لا غير عشرة آلاف مثقال وخمسي مثقال. وفي الجامع حاصل كبير ملآن من آنية الذهب والفضة لأجل وقوده. وبهذا الجامع مصحف فيه أربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه بخطه، أي بخط يده، وفيهن نقط من دمه. وله عشرون باباً مصفحات بالنحاس الأندلسي، مخرمات تخريماً يعجز البشر، وفي كل باب حلق، في نهاية الصنعة والحكمة. وبه الصومعة العجيبة التي ارتفاعها مائة ذراع بالملكي المعروف بالرشاشي، وفيها من أنواع الصنائع الدقيقة ما يعجز الواصف عن وصفه ونعته. وبهذا الجامع ثلاثة أعمدة حمر مكتوب على أحدها اسم محمد، وعلى الآخر صورة عصا موسى وأهل الكهف، وعلى الثالث صورة غراب نوح. والجميع خلقة ربانية.


وصف مسجد قرطبة في الوقت الحالي:


اعمدةجامعقرطبةالمسجد مستطيل الشكل يمتاز بصحنه الفسيح، ويضمّ العديد من الأروقة يعتبر الرواق الأوسط المؤدي إلى المحراب أوسعها، ويمتاز المسجد بمحرابه البديع الصنع حيث توجد فوقه سبعة أقواس قائمة على أعمدة، ويوجد فيه منبر نفيس مصنوع من خشب الساج النفيس وتعتبر منارة الجامع ( المسماة بمنارة عبد الرحمن الناصر ) من المنائر البديعة التي تحتوي على سلمين ولها (107درجات) وفي أعلاها ثلاث مظلات اثنتان من الذهب والثالثة من الفضة فوقها سوسنة من الذهب يوجد فوقها رمانة ذهبية صغيرة وقد حوّل الأسبـان هذه المنارة إلى برج للأجراس الكاتدرائية، ويبلغ طول باب المنارة النحاسي (8م) وارتفاعه (20م) وواجهة البناء من الرخام المنقوش بنقوش عربية بديعة. وفي الزاوية الجنوبية للمسجد توجد منارة أخرى مربعة الشكل طول ضلعها (12م) وارتفاعها (93م) وهي مكونة من خمسة طوابق في كلّ طابق عدد من الأجراس. وفي (19) باباً مصنوعاً من صفائح النحاس القوي وتقوم قبته على (365) عموداً من المرمر، وعدد قناديلـه نـحو (4700 قنديل وكان للجامع 1293 عموداً من الرخام بقي فيها (1093) عموداً...


ومما يحزن القلب ويدمع العين أن هذا المسجد العظيم المهيب قد تحوّل عقب سقوط الأندلس إلى كاتدرائية وأصبح تابعًا للكنيسة مع احتفاظه باسمه وهو من أشهر المواقع التاريخية في العالم كله وتستطيع دخوله مقابل دفع 6 يورو...


قنطرة قرطبة:


وصفها "ابن الوردي" في كتابه "خريدة العجائب وفريدة الغرائب" فقال:


وبمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسناً وإتقاناً، وعدد قسيها سبعة عشر قوساً، كل قوس منها خمسون شبراً وبين كل قوسين خمسون شبراً...


وقال "الإدريسي" في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق "


ولقرطبة القنطرة التي علت القناطر فخراً في بنائها وإتقانها وعدد قسيها سبع عشرة قوساً بين القوس والقوس خمسون شبراً وسعة القوس مثل ذلك خمسون شبراً وسعة ظهرها المعبور عليه ثلاثون شبراً ولها ستائر من كل جهة تستر القامة وارتفاع القنطرة من موضع المشي إلى وجه الماء في أيام جفوف الماء وقلته ثلاثون ذراعاً وإذا كان السيل بلغ الماء منها إلى نحو حلوقها وتحت القنطرة يعترض الوادي رصيف سد مصنوع من الأحجار القبطية والعمد الخاشنة من الرخام وعلى هذا السد ثلاث بيوت أرحاء في كل بيت منها أربع مطاحن...


جامعة قرطبة:


كان مسجد قرطبة هو أكبر جامعة إسلامية، وفيه كانت تلقي الدروس في مختلف العلوم، حتى تحوّل إلى أكبر مركز علمي في أوروبا، ومن خلاله انتقلت العلوم العربية إلى الدول الأوروبية، على مدى قرون، حتى سقوط مدينة "قرطبة" على يد فرناندو الثالث ملك قشتاله عام 633هـ=1236م، فتحول المسجد إلى كاتدرائية وأصبح تابعًا للكنيسة، ولا يزال الأسبان يطلقون عليه اسم (مثكيتا) Mezquita أي مسجد، وهو اليوم أبرز موقع تاريخي يميّز مدينة قرطبة...


وقد عَهِدَ الحكم بن عبد الرحمن الناصر أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس إلى أخيه المنذر بالإشراف على جامعة قرطبة...


التعليم والمكتبات في قرطبة:


امتاز عصر الحكم بن عبد الرحمن الناصر أحد خلفاء الدولة الأموية بالأندلس بازدهار العلوم والآداب وخاصة في قرطبة بصورة كبيرة، فقد كان أكثر خلفاء بني أمية حبًّا للكتب، وكان يبعث الرجال بالأموال الطائلة لاستجلاب نفائس الكتب إلى الأندلس، وأنشأ مكتبة قرطبة التي وصلت محتوياتها إلى أربعمائة ألف مجلد...


وقد شهد التعليم في عهد الحكم نهضة عظيمة، فانتشرت بين أفراد الشعب معرفة القراءة والكتابة، بينما كان لا يعرفها أرفع الناس في أوربا باستثناء رجال الدين، وقد بَنَى الحكم مدرسة لتعليم الفقراء مجانًا، كما أسّس جامعة قرطبة أشهر جامعات العالم آنئذٍ، وكان مركزها المسجد الجامع، وتدّرس في حلقاتها كل العلوم ويختار لها أعظم الأساتذة.


وقد احتلّت حلقات الدرس أكثر من نصف المسجد، وتم تحديد مرتبات للشيوخ ليتفرّغوا للدرس والتأليف، كما خصصت أموال للطلاب ومكافآت ومعونات للمحتاجين، ووصل الأمر بنفر من الأساتذة إلى ما يشبه منصب الأستاذية اليوم في مجالات علوم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والنحو وغير ذلك من العلوم، وقد عهد الحكم بمهمة الإشراف على المكتبة الأموية إلى أخيه عبد العزيز...


أسواق قرطبة:


كانت قرطبة تتميّز بأسواقها الممتلئة بكافة السلع وكان لكل مدينة سوقًا خاصأ بها كما يذكر ذلك ياقوت الحموي في معجم البلدان والإدريسي في نزهة المشتاق وغيرهما...


سكان قرطبة:


تميّز سكان قرطبة خاصة بأنهم أشراف الناس وعلمائهم وأرفعهم مكانةً قال أبو الحسن بن بسّام: وبالجملة فأكثر أهل بلاد هذا الأفق يعني قرطبة خاصة والأندلس عامة أشراف عرب المشرق افتتحوها، وسادات أجناد الشام والعراق نزلوها؛ فبقي النسل فيها بكل إقليم، على عرقٍ كريم، فلا يكاد بلد منها يخلو من كاتب ماهر، وشاعر قاهر...


ووصفهم ابن الوردي في خريدة العجائب وفريدة الغرائب بقوله: وأهلها أعيان البلاد، وسراة الناس في حسن المآكل والملابس والمراكب وعلو الهمة، وبها أعلام العلماء وسادات الفضلاء وأجلاء الغزاة وأمجاد الحروب....


وقال "الإدريسي" في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق": ولم تخل قرطبة قط من أعلام العلماء وسادات الفضلاء وتجارها مياسير لهم أموال كثيرة وأحوال واسعة ولهم مراكب سنية وهمم علية...


ويبلغ عدد سكان قرطبة حاليًا حوالي 310،000 نسمة.


جهاد الحكم بن الناصر وتوسعاته


وسط هذه الأجواء العلمية، وهذا الاهتمام الكبير من قِبَل عاشق الكتب بالعلم والتعليم، ظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يهتمّ بالعلم على حساب الجهاد، وعلى خلاف عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر قاموا بمهاجمة مناطق الشمال، فما كان من الحكم إلا أن ردّ كيدهم في نحورهم، وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه، وانتصر عليهم رحمه الله في مواقع عدّة، حتى رضوا بالجزية من جديد عن يدٍ وهم صاغرون.


ومن منطلق إسلامي بَحْت بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله في حرب الدولة الفاطمية في بلاد المغرب، كان الأندلسيون لا يملكون سوى مينائي "سبتة وطنجة" في عهد عبد الرحمن الناصر، وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر انضمت كل بلاد المغرب إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأمويّة.


ظلّ الحكم بن عبد الرحمن الناصر رحمه الله يحكم من سنة 350 هـ= 961 م، وحتى سنة 366 هـ= 976 م، في فترة هي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق وأعظم عهودها.


عبد الرحمن الناصر: بداية حياته وتوجهه نحو الإصلاح


إن دراسة كافة جوانب حياة عبد الرحمن الناصر لتحتاج إلى دراسة جادّة متأنّية، وعناية خاصّة تفوق هذه الأسطر، إلا أن هناك بعض الإشارات العامة رأينا أن نقف أمامها بعض الشيء، فهو رحمه الله حين تولّى الحكم كان يبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة هجرية، أي إحدى وعشرين سنة ميلادية، وبلغة أخرى فهو طالب بالفرقة الثالثة أو الرابعة بالجامعة، هذه واحدة.


أما الثانية فإنه يخطئ من يظن أن تاريخ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يبدأ منذ هذا السن أو منذ ولايته هذه على البلاد، فقد رُبّي عبد الرحمن الناصر منذ نعومة أظافره تربية قلما تتكرر في التاريخ.


لم يكد يرى عبد الرحمن الناصر نور الدنيا حتى قتل أبوه وهو بعد لم يبلغ من العمر إلا ثلاثة أسابيع فقط، ومن ثم قام على تربيته جدّه الأمير عبد الله بن محمد، فربّاه رحمه الله ليقوم بما لم يستطع هو القيام به، رباه على سعة العلم وقوة القيادة وحب الجهاد وحسن الإدارة، ربّاه على التقوى والورع، ربّاه على الصبر والحلم، على العزة والكرامة، ربّاه على العدل مع القريب والبعيد، ربّاه على الانتصار للمظلوم، ربّاه ليكون عبد الرحمن الناصر.


وهي رسالة إلى كل آباء المسلمين وأولي الأمر منهم: إن لم نكن نحن عبد الرحمن الناصر فليكن أبناؤنا عبد الرحمن الناصر، وإذا كان كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه فما بال تربية أبنائنا اليوم؟! هل نأمرهم بالصلاة عند سبع ونضربهم عليها عند عشر؟! هل نُحفّظ أبناءَنا القرآن، أم ندعهم يتعلمون فقط اللغات ويحفظون الأغاني وينشغلون بالكرتون؟! وتُرى ما هي قدوة أولادنا وبمن يتمثلون ويريدون أن يكونوا مثلهم؟! أعباء ضخمة ولكن: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.


والثالثة أنّ عبد الرحمن الناصر رحمه الله حين تولّى الحكم كان على ثقةٍ شديدةٍ بالله سبحانه وتعالى وفي ذات الوقت ثقةٍ شديدةٍ بنفسه وأنه قادر على أن يغيّر، فهو يعي قول الله تعالى: [إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ]{آل عمران:160}. فلم يدخل قلبه يومًا شكّ أو يأسٌ أو إحباطٌ من صعوبة التغيير أو استحالته، أو أنّه لا أمل في الإصلاح... فقام وهو ابن اثنين وعشرين عامًا وحمل على عاتقه مهمّة ناءت بها السموات والأرض والجبال، مهمّة هي من أثقل المهام في تاريخ الإسلام.


عبد الرحمن الناصر وتغيير التاريخ


يتولى عبد الرحمن الناصر الحكم ويقوم بأمر الإمارة، فإذا به - وسبحان الله - يحيل الضعف إلى قوة، والذل إلى عزة، والفُرقة إلى وحدة، ويبدد الظلام بنور ساطع يشرق في كل سماء الأندلس تحت مجدٍ وسيادةٍ وسلطان.


بعد تولي عبد الرحمن الناصر الحكم وبهذه المؤهلات السابقة، وبهذه التربية الشاملة لكل مقوّمات الشخصية الإسلامية السوّية، وبهذه الثقة الشديدة بالله وبنفسه، أقدم على تغيير التاريخ، فقام بما يلي:


أولا: إعادة توزيع المهام والمناصب، أو ما يمكن تسميته "تنظيف قرطبة":


حين تولّى الحكم لم يكن عبد الرحمن الناصر يملك من بلاد الأندلس سوى قرطبة وما حولها من القرى، ورغم أنها تعدّ أكبر بلاد الأندلس وتمثّل مركز ثقل كبير لكونها العاصمة، إلا أنها لم تكن لتمثّل أكثر من عشر مساحة الأندلس، بدأ عبد الرحمن الناصر من هذه المساحة الصغيرة يغيّر من التاريخ.


قام بتطهير المراكز المرموقة في قرطبة، من وزراء وقوّاد للجيش وغيرهم من رموز الفساد التي استولت عليها، واستبدلهم بمن يتصفون بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم، وهكذا في كل المراكز القيادية في قرطبة.


ثم أعلى من شأن العلماء، ورفع منزلتهم فوق منزلته نفسه، ورضخ لأوامرهم ونواهيهم، فطبّق ذلك على نفسه أولًا قبل أن يطبّقه على شعبه، ثم طبّق الشرع الإسلامي بكامله، ولم يتنازل ولو عن نقطة واحدة من أحكام الشرع الكريم، سواء أكان ذلك في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قدوةً في كل أفعاله وأعماله.


ورد أنه رحمه الله كان يحضر خطبة الجمعة، وكان يخطبها المنذر بن سعيد من أكبر علماء قرطبة وكان شديدًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى على عبد الرحمن الناصر رحمه الله الخليفة والأمير، وكان عبد الرحمن الناصر قد بنى لنفسه قصرًا كبيرًا، فأسرف المنذر في الكلام وأسرع في التقريع لعبد الرحمن الناصر لبنائه ذلك القصر.


وحين عاد عبد الرحمن الناصر إلى بيته قال: والله لقد تعمدني منذر بخطبته، وما عنى بها غيري، فأسرف عليّ، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي؛ فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني. وهنا أشار عليه رجل ممن كانوا حوله بعزله عن خطبة الجمعة، فردّ عليه عبد الرحمن الناصر قائلا: أمثل منذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل؟! يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير قصد؟! هذا والله لا يكون، وإني لأستحي من الله ألا أجعل بيني وبينه سبحانه وتعالى في صلاة الجمعة شفيع مثل منذر في ورعه وصدقه، وما عزله حتى مات.


وعلى مثل هذه المبادئ وهذه المعاني بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يربّي أهل قرطبة، وكان في انصياعه هو أفضل قدوة للناس جميعًا.


ثانيًا: الاتّجاه إلى الثورات ومحاولة ترويضها


بعد الانتهاء من الشأن الداخلي في قرطبة وتهيئته تمامًا بدأ عبد الرحمن الناصر رحمه الله يتجه إلى المحيط الخارجي، حيث الثورات المتعددة في كل أرض الأندلس، هداه تفكيره إلى أن يبدأ بعمر أو صمويل بن حفصون (240 - 306 هـ= 855 - 919 م )؛ وذلك لسببين:


الأول: أن هذا الرجل لا يختلف اثنان على أنه يستحق القتل؛ وذلك لأنه ارتدّ عن دين الله سبحانه وتعالى ومن ثَمّ فقد أصبح قتاله فرضًا على المسلمين. والسبب الثاني: أنه يستطيع بذلك أن يحفّزَ أهل قرطبة الذين كانوا قد ألفوا الثورات في هذه الآونة؛ حيث المعركة في منتهى الوضوح هي بين المسلمين والمرتدين.


في الطريق للقضاء على ثورة صمويل بن حفصون

بعد نحو شهرين فقط من توليه الحكم قاد عبد الرحمن الناصر أول حملة له لقتال المرتدين استردّ فيها مدينة أَسْتُجّه، وكانت من أحصن مدن الأندلس- كما علمنا عند بداية الفتوحات- ثم بعد ذلك بنحو شهرين أو ثلاثة أشهر قاد بن


عدل سابقا من قبل المعتمد بن عباد في الثلاثاء أغسطس 31, 2010 5:20 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 5:17 pm

هي شعبان ورمضان وشوال من سنة 300 هـ= 913 م من نفس العام الذي تولّى فيه رحمه الله فاسترد جَيّان، وهي أيضًا من المدن الحصينة في الأندلس، ويكفي لمعرفة هذا أنه استردّ فيها سبعين حصنًا من حصون صمويل بن حفصون.
ما زالت قوة صمويل بن حفصون كبيرة جدًا؛ فالمدد يأتيه من الشمال من دول النصارى، ويأتيه أيضًا من الجنوب من الدولة الفاطمية، هذا فضلًا عن إمدادات مدينة إشبيلية والتي كان عليها حاكم مسلم من أولاد ابن حجاج، لكنه كان متمردًا على سلطة قرطبة، وكان يملك جيشًا مسلمًا كبيرًا.
فكّر عبد الرحمن الناصر كثيًرا في كيفية قطع هذه الإمدادات على صمويل بن حفصون، اهتدى أخيرًا في أن يبدأ بالهجوم على مدينة إشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة؛ وذلك بمنطق النزعة الإسلامية التي غلبت عليه، حيث أمّل إن هو ذهب إلى إشبيلية واستطاع أن يُرغم حاكمها على الانضمام له أو الانصياع إليه بالقوة أن ينضم إليه جيش إشبيلية المسلم الكبير، وبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية، وتقوى شوكته.
وبالفعل وبعون من الله كان له ما أمّل، حيث ذهب إلى إشبيلية بعد أقل من عام واحد من ولايته في سنة 301 هـ= 914 م، واستطاع أن يضمّها إليه؛ فقويت بذلك شوكته وعظم جانبه، فعاد إلى صمويل بن حفصون بعد أن قطع عنه المدد الغربي الذي كان يأتيه من إشبيلية، واستردّ منه جبال رندة ثم شذونة ثم قرمونة، وهي جميعًا من مدن الجنوب.
تعمّق عبد الرحمن الناصر بعد ذلك ناحية الجنوب حتى وصل إلى مضيق جبل طارق فاستولى عليه، ويكون بذلك أيضا قد قطع الإمدادات والمساعدات التي كانت تأتيه من الجنوب من الدولة الفاطمية عن طريق مضيق جبل طارق، وسعى عبد الرحمن الناصر إلى أكثر من هذا حيث قطع أيضا طريق الإمدادات التي كانت تأتيه من الدول النصرانية في الشمال عن طريق المحيط الأطلسي، ثم مضيق جبل طارق، ثم البحر الأبيض المتوسط حتى تصله، وبذلك يكون عبد الرحمن الناصر قد قطع عن صمويل بن حفصون كل طرق الإمدادات والمساعدات التي كانت تمدّه وتقوّيه.
لم يجد صمويل بن حفصون بدًا من طلب الصلح والمعاهدة من عبد الرحمن الناصر على أن يعطيه اثنين وستين ومائة حصنًا من حصونه، ولأن البلاد كانت تشهد موجة من الثورات والانقسامات يريد عبد الرحمن الناصر أن يتفرغ لها، فضلًا عن أنه سيضمن في يده اثنين وستين ومائة حصنًا وسيأمن جانبه فقد قبل المعاهدة ووافق على الصلح من صمويل بن حفصون.
عبد الرحمن الناصر يفاجأ الجميع ويتجه نحو الشمال الغربي
أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر رحمه الله تضم قرطبة وإشبيلية وجيان وأستجّة، وهي جميعًا من مدن الجنوب، بالإضافة إلى حصون أخرى كثيرة - كما ذكرنا - وكل هذه المساحة كانت تمثّل تقريبا سدس مساحة الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت، هذه واحدة.
الأمر الثاني أن صمويل بن حفصون ما زال يملك حصونًا كثيرة ويسيطر سيطرة كاملة على الجنوب الشرقي من البلاد، لكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو إشبيلية.
والأمر الثالث أنه كان هناك تمرّد في طليطلة (تقع في شمال قرطبة)، ورابعًا: تمرّد في سرقسطة في الشمال الشرقي، وخامسًا: تمرّد في شرق الأندلس في بلنسية، وسادسًا: تمرّد في غرب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي.
أي أن الأندلس في عام 302 هـ= 915 م كانت مقسمة إلى ستة أقسام، قسم واحد فقط في يد عبد الرحمن الناصر، ويضم قرطبة وإشبيلية وما حولها بما يقارب سدس مساحة الأندلس كما ذكرنا، والخمسة الأخرى موزعة على خمس متمردين، والمتوقع - إذن - هو أن يحاول عبد الرحمن الناصر من جديد مقاومة إحدى مراكز التمرّد هذه إن لم تكن الأقرب إليه.
وإن المرء ليقف متعجبًا حين يعلم أن عبد الرحمن الناصر ترك كل هذه التمرّدات، واتّجه صوب الشمال الغربي صوب مملكة ليون النصرانية مباشرة. ترك عبد الرحمن الناصر كل شيء وأخذ جنده من قرطبة وإشبيلية وصعد في اتجاه الشمال الغربي ليقابل قوات النصارى هناك، والتي كانت تهاجم منطقة من مناطق المتمردين غرب الأندلس.
ظل عبد الرحمن الناصر في حرب مع قوات النصارى تلك في أرض المتمردين عامين كاملين، عاد بعدها منتصرا محملًا بالغنائم، تاركًا البلاد راجعًا إلى قرطبة وإشبيلية، وكأنه أراد أن يعلم الناس أمرًا ويرسل إليهم برسالة في منتهى الوضوح كانت قد خفيت عليهم، مفادها أن الأعداء الحقيقيين ليسو المسلمين في الداخل، إنما هم النصارى في الشمال، إنما هم في مملكة ليون، ومملكة نافار، ومملكة أراجون.
بهذا العمل استطاع عبد الرحمن الناصر رحمه الله إحراج المتمردين إحراجًا كبيرًا أمام شعوبهم، كما استطاع أن يحرك العاطفة في قلوب الشعوب نحوه، وكذلك تتحرك عواطف الشعوب نحو من يدافع عن قضاياها الخارجية، ونحو من يحارب أعداءها الحقيقيين.
وهي نصيحة إلى أولياء أمور المسلمين بألا يتهاونوا بعواطف الشعوب، وأن يقدّروها حق قدرها، وأن يستميلوها بالتوجه نحو الأعداء الحقيقيين بدلًا من الصراع مع الجار أو القطر المسلم، فإذا كانت القضية هي فلسطين، أو هي الشيشان، أو هي كشمير، أو هي غيرها من قضايا المسلمين كان التوحّد والتجمّع، وكان الانسجام وعدم الفُرقة.
نتائج توجه عبد الرحمن الناصر نحو الشمال الغربي
فقِه الدرس ووعاه جيدًا عبد الرحمن الناصر، وبعد عامين من مهاجمة النصارى في الشمال في واحدة هي من أكبر الحملات التي قادها رحمه الله والتي انتهت في سنة 304 هـ= 917 م عاد بجيشه القليل نسبيًا محملًا بالغنائم، وذلك بعد انتصارات عديدة على النصارى هناك.
كانت نتائج أخرى ليست أقل من سابقتها في انتظاره رحمه الله كانت أولاه أن أذعنت سرقسطة وانضمت إليه دون قتال، وكانت الثانية بمثابة هدية من رب العالمين لمن التزم دينه وجاهد في سبيله وثبت عليه، وهي موت صمويل بن حفصون مرتدًا وعلى نصرانيته في سنة 306 هـ= 919 م عن عمر يناهز ست وستين سنة.
وفي سرعة يحسد عليها قام عبد الرحمن الناصر مستغلًا هذا الحدث، وضمّ إليه كل مناطق الجنوب الشرقي، وفي خطوة تالية استتاب النصارى الذين كانوا قد ارتدوا مع صمويل من الإسلام إلى النصرانية ثلاثة أيام، فمن تاب منهم وعاد إلى الإسلام قبله في جيشه، ومن أبى إلا أن يظل نصرانيا قتله ردة، وكان من هذا الصنف الأخير ابنة صمويل بن حفصون، وقد كانت تحفّز الناس على ألا يتركوا دين الآباء ودين النصرانية.
عبد الرحمن الناصر والطريق إلى راية واحدة للأندلس
لم يلتقط عبد الرحمن الناصر رحمه الله أنفاسه، وقام في سنة 308 هـ= 921 م بالتحرك نحو واحدة من مراكز التمرد وهي طُلَيْطِلَة، تلك التي لم تستطع أن تقف أمام هذه القوة الجارفة فضمها إليه في سهولة، بعدها أصبح الطريق آمنًا نحو الشمال مباشرة؛ حيث سُرْقُسْطَة في الشمال الشرقي، وطُلَيْطِلَة في وسط الشمال قد أصبحتا في يده.
وفي نفس العام 308 هـ= 921 م وعمره آنذاك ثلاثون سنة فقط، قام عبد الرحمن الناصر على رأس حملة ضخمة جدا باتجاه نصارى الشمال، فكانت غزوة موبش الكبرى بين عبد الرحمن الناصر من جهة، وجيوش ليون ونافار مجتمعة من جهة أخرى، واستمرّت هذه الغزوة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، حقق فيها عبد الرحمن الناصر انتصارات ضخمة وغنائم عظيمة، وضمّ إليه مدينة سالم وكانت تحت يد النصارى.
بعد أربعة أعوام من غزوة موبش وفي سنة 312 هـ= 924 م قاد عبد الرحمن الناصر بنفسه رحمه الله بحملة ضخمة أخرى على مملكة نافار، واستطاع في أيام معدوداتٍ أن يكتسحها اكتساحًا، ويضم إلى أملاك المسلمين مدينة بمبلونة عاصمة نافار، ثم بدأ بعدها يحرر الأراضي التي كان قد استولى عليها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية.
وفي سنة 316 هـ= 928 م يقود عبد الرحمن الناصر حملة أخرى على شرق الأندلس ويقمع التمرد الذي كان هناك ويضمها إلى أملاكه، ثم في نفس العام حملة أخرى على غرب الأندلس وهزيمة لعبد الرحمن الجليقي ومن ثم يضم غرب الأندلس إلى أملاكه من جديد.
وبذلك وبعد ستة عشر عامًا من الكفاح المضني، يكون رحمه الله قد وحّد الأندلس كله تحت راية واحدة، وحّدها جميعا ولم يتجاوز عمره آنذاك ثمانية وثلاثين عامًا بعد، رحمه الله رحمة واسعة.
عبد الرحمن الناصر.. الإنسان
من يقرأ أو يسمع عن مثل ما سبق يجول في خاطره أن مثل هذا الرجل لم يكن يعرف إلا طريقًا واحدًا، هو طريق العظمة والجدية التامّة، طريق العزّة وعدم الخنوع، وهذا وغن كان صحيحًا إلا أن من ينظر إلى شخص عبد الرحمن الناصر رحمه الله والذي ظلّ يحكم البلاد من سنة 300 هـ= 913 م إلى سنة 350 هـ= 961 م (نصف قرن كامل) ليرى العجب العجاب، فقد كان رحمه الله مع كل هذا السلطان وهذا الصولجان دائم الذكر لربه سبحانه وتعالى سريع الرجوع إليه.
فقد حدث ذات مرة قحط شديد في الأندلس، وقام الناس للاستسقاء، ولكنهم نظروا فلم يجدوا الخليفة معهم، فذهبوا يبحثون عنه، وكان يقوم بالصلاة المنذر بن سعيد رحمه الله فأرسل غلامًا للبحث عن عبد الرحمن الناصر، فذهب الغلام إلى القصر فوجده منفردًا بنفسه حائرًا، لابسًا أخشن الثياب، جالسًا على التراب، ودموعه قد بللت لحيته، يعترف بذنوبه ويقول: يا رب، هذه ناصيتي بيدك، أتُراك تعذّب بي الرعية وأنت أحكم الحاكمين؟! يا رب، لن يفوتك شيء مني، فتركه الغلام وذهب إلى المنذر بن سعيد وأبلغه بما رأى، فقال المنذر: يا غلام، أبشر، احمل المطر معك؛ فقد أذن الله سبحانه وتعالى بالسقيا، فإذا خشع جبّار الأرض (يقصد من يملك الناس) فقد رحم جبّار السماء.
وكان يقول الشعر أيضًا، ومن شعره:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها من بعدهـم فبألسـن البنيـان
إن البنـاء إذا تعاظـم شأنه أضحى يدل على عظـيم الشان
وكان حكيما ذا فطنة وذكاء في تصرفاته، حتى أن الأمراء الأسبان بعد استقرار ملكه، كانوا يحتكمون إليه في خلافاتهم الداخلية.
ومن سياساته الحسنة أنه رفع إليه أن تاجراً زعم أنه ضاعت له صرة فيها مائة دينار وأنه نادى عليها وجعل لمن يأتيه بها عشرة دنانير فجاءه بها رجل عليه سمة خير وذكر أنه وجدها فلما حصلت في يد التاجر ادعى أنها كانت مائة وعشرة وإن العشرة التي نقصت منها أخذها وغرضه أن لا يعطيه ما شرط له. فوقع الناصر: صدق الرجلان فناد على مال التاجر فإنه مائة وعشرة واترك المائة مع الذي أخذها إلى أن يجيء صاحبه.
عهد جديد.. عهد الخلافة الأموية
نظر عبد الرحمن الناصر رحمه الله إلى العالم الإسلامي من حوله فوجد الخلافة العباسية قد ضعفت، وكان قد قُتل المقتدر بالله الخليفة العباسي في ذلك الوقت على يد مؤنس المظفر التركي، وقد تولى الأتراك حكم البلاد فِعْليا وإن كانوا قد أجلسوا الخليفة العباسي القادر بالله على كرسي الحكم.
ثم نظر رحمه الله إلى الجنوب فوجد الفاطميين قد أعلنوا الخلافة وسمّوا أنفسهم أمراء المؤمنين، فرأى أنه وقد وحّد الأندلس وصنع هذه القوة العظيمة أحق بهذه التسمية وبذلك الأمر منهم فأطلق على نفسه لقب أمير المؤمنين، وسمى الإمارة الأمويّة بالخلافة الأموية.
ومن هنا يبدأ عهد جديد في الأندلس هو عهد الخلافة الأموية، وذلك ابتداء من سنة 316 هـ= 928 م وحتى سنة 400 هـ= 1010 م أي نحو أربع وثمانين سنة متصلة، وهو يعد (عهد الخلافة الأموية) استكمالا لعهد الإمارة الأموية، مع فروق في شكليات الحكم وقوة السيطرة والسلطان لصالح الأخير.
عبد الرحمن الناصر يتابع سياسته العسكرية التوسعية
بعد ثلاث سنوات من إعلان الخلافة الأموية، وفي سنة 319 هـ= 931 م يتجه عبد الرحمن الناصر جنوبًا نحو مضيق جبل طارق، ويقوم بغزو بلاد المغرب ويحارب الفاطميين هناك فيضم سبتة وطنجة إلى بلاد الأندلس، وتتم له بذلك السيطرة الكاملة على مضيق جبل طارق، فيبدأ بإمداد أهل السنة في منطقة المغرب بالسلاح، لكنه لم يشأ أن يمدّهم بالجنود تحسبًا لهجمات ممالك النصارى في الشمال.
وفي سنة 323 هـ= 935 م تحدث خيانة من حاكم مملكة الشمال الشرقي "سرقسطة" محمد بن هشام التجيبي، حيث ينضم إلى مملكة "ليون" النصرانية لحرب عبد الرحمن الناصر، وبكل حزم وقوة يأخذ عبد الرحمن الناصر جيشًا كبيرًا يتصدى به لهذه الخيانة ويهاجم مدينة "سرقسطة"، وعند أطراف المدينة يهاجمه جيش "سرقسطة"، فيغزو عبد الرحمن الناصر قلعة حصينة ويمسك بقوّاد هذا الجيش، ويقوم بإعدامهم على الفور وأمام أعين الجميع في عمل لا يوصف إلا بالكياسة والحزم.
وهنا أعلن حاكم "سرقسطة" محمد بن هشام التجيبي ندمه وعودته إلى عبد الرحمن الناصر، وكعادة الأبطال الدهاة والساسة الحكماء قبل منه رحمه الله اعتذاره ثم أعاده حاكمًا على "سرقسطة"، رابحًا بذلك كل قلوب التجيبيين بعد أن كان قد تملك منهم، متشبهًا أيضًا برسول الله صلى الله عليه و سلم حين قال لأهل مكة بعدما دخلها فاتحًا، وكانوا قد طردوه منها وآذوه هو وأصحابه: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ.
وبمنطق الحزم وقت الحزم والعفو عند المقدرة عمل عبد الرحمن الناصر، فأطلق حكّام "سرقسطة" بعد أن أعلنوا توبتهم وأعاد التجيبيين إلى حكمهم؛ فأثّر ذلك كثيرًا في المدينة كلها، فما ارتدت بعد ذلك على عهدها مع عبد الرحمن الناصر رحمه الله.
وفي سنة 325 هـ= 937 م هجم عبد الرحمن الناصر على مملكة "أراجون" النصرانيّة في الشمال الشرقي بجوار مملكة "سرقسطة" وضمّها إلى أملاك المسلمين، وكذلك ضم "برشلونة" والتي كانت قد سقطت منذ سنوات كثيرة.
زلّة لا تخطئُ البشرَ ولا تعرفُ النسبَ
أن تسير الأمور هكذا على الدوام أمر في غاية الصعوبة، ألّا تحدث زلّة فليس هناك بشر لا يخطئ، ولكل جوّاد كبوة، هذه ليست مبررات لما سيأتي بقدر ما هي بحث في العلّة والسبب في محاولةٍ لتجنّبه وتفاديه طالما سلّمنا أنه من شِيَم البشر.
في سنة 327 هـ= 939 م وبعد سبع وعشرين سنة من بداية عهد عبد الرحمن الناصر كانت قوّة الجيش الإسلامي قد بلغت شأوًا عظيمًا، حيث ناهزت المائة ألف مقاتل، والأندلس آنذاك تحت راية واحدة، أخذ عبد الرحمن الناصر هذا الجيش العظيم متجهًا إلى مملكة "ليون" النصرانية ليحاربهم هناك.
وفي زلةٍ لا تعرفها السنن الكونية راح عبد الرحمن الناصر يعتقد في جيشه وقوة عدده، ونسوا جميعًا الدعاء الذي كانوا يتضرعون به لرب العالمين وهم عَالةٌ ضعفاءُ أن ينصرهم على أعدائهم، وفي درسٍ قاسٍ له ولجيشه الجرّار، وفي حنين أخرى تدور واحدة من أشرس وأعنف المعارك على المسلمين، سميت بموقعة الخندق أو موقعة سامورة.
وإذا بالتاريخ يعيد نفسه، وإذا بسامورة تنقلب حُنَيْنًا، والله سبحانه وتعالى ليس بينه وبين أحد من البشر نَسَبًا، فإذا أخطأ العباد وبعدوا عن ربهم سبحانه وتعالى تكون الهزيمة محققة لا محالة، فانهزم جيش المسلمين في موقعة الخندق أو موقعة سامورة، وبانتهاء المعركة كان نصف عدد الجيش (خمسون ألفا) بين القتل والأسر، وفرّ عبد الرحمن الناصر رحمه الله مع النصف الآخر عائدين بأكبر خسارة وأثقل هزيمة.
عبد الرحمن الناصر والعودة إلى سابق عهده
بعد موقعة سامورة لم يستسلم عبد الرحمن الناصر رحمه الله، وهو الذي رُبّي على الجهاد والطاعة لربه ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فعلم مواضع الخلل ومواطن الضعف، ومن جديد تدارك أمره وقام ومعه العلماء والمربّون يحفّزون الناس ويعلمونهم الإسلام.
ومن جديد أعدوا العدة وقاموا بحرب عظيمة على النصارى في سنة 329 ه، 941 م تلتها حملات مكثفة وانتصارات تلو انتصارات، ظلّت من سنة 329 ه، 941 م إلى سنة 335 هـ= 947 م حتى أيقن النصارى بالهلكة، وطلب ملك "ليون" الأمان والمعاهدة على الجزية، يدفعها لعبد الرحمن الناصر عن يدٍ وهو صاغر.
كذلك فعل ملك نافار، ومثلهما مملكة "أراجون" النصرانية التي كانت في حوزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله فدفعوا جميعًا الجزية ابتداءًا من سنة 335 هـ= 947 م إلى آخر عهده رحمه الله سنة 350 هـ= 961 م
عبد الرحمن الناصر وفكره العسكري
ورث الأمير عبد الرحمن الناصر عن جده المؤسس للدولة الأموية في الأندلس عبد الرحمن الداخل مباديء أساسية للحرب ومنها:
مبدأ المباغته: وقد ظهرت المباغته في الأعمال القتالية للخليفة الناصر بشكل معقد جدًا مما يشير إلى درجة التعقيد التي وصلتها الأعمال القتالية في أيامه، فهو يعتمد أحيانًا على المباغتة الزمنية، حيث يعمل على حشد القوات في ظاهر قرطبة خلال مرحلة مبكرة عما هو معهود في توجيه الصوائف للغزو، وفي أحيان أخرى يلجأ إلى المباغتة المكانية حيث يضلل أعداءه ليظهر في مكان غير متوقع من مسرح العمليات، بحيث لا يعرف أعداء الشمال نوايا الناصر، وإلى اين سيوجه ثقل قوات الهجوم، وفي أحيان أيضًا تأخذ المباغتة عند الناصر شكل مباغتة على مستوى العمليات وأحيانًا على المستوى الاستراتيجي، إذ لم يكن التوجه إلى عواصم دول الشمال "ليون ونافار" إلا نوعا من المباغتة الاسترتيجية، كما أن طريقة زجّ القوات وحجمها كان نوعًا من المباغتة على مستوى العمليات، وكانت مباغتة العمليات والمباغتة الاستراتيجية مميزة بشدة تعقيدها لما تبرزه متابعة مسيرة الأعمال القتالية حيث تمتزج فيها المباغتة الزمانية بالمكانية بطرائق زجّ القوات لتأخذ شكلًا متقدمًا ومتطورًا لمفهوم المباغتة.
الموازنة بين إدارة الحرب وقيادة الأعمال القتالية:
أراد الخليفة الناصر في بداية حكمه إعطاء أمثولة للجهاد بنفسه، فكان يقود المعارك بنفسه مدفوعًاإيمان الشباب وحماسته للحرب وممارستها بصورة فعلية، إلى جانب توافر الرغبة لحشد قوى المسلمين وتوجيهها وإثارة حميتها، وقد حقق نجاحًا رائعًا في هذا المضمار، حتى إذا استقامت له الأمور، لم تعد هناك حاجة للإقدام على مجازفة غير محسوبة، تضر بالإسلام والمسلمين بأكثر مما تفيدهم، فكان إمساك الخليفة الناصر بالإدارة العليا للحرب أكثر أهمية من قيادته للأعمال القتالية بنفسه؛ إذ سمح له ذلك بالإشراف على تنظيم الجيوش بصورة مستمرة، وإعادة تنظيمها كلما تطلبت الحاجة، وتزجيهها إلى ميادين القتال وتحديد واجباتها بدقة، وتامين متطلباتها من الإمداد والتموين.
لقد بقيت الأندلس طوال عهد الناصر لدين الله في حرب مستمرة ومتواصلة وعلى كافة الميادين والجبهات، وكان ذلك يتطلب تأمين موارد غير محدودة، وقد أظهرت مسيرة الأعمال القتالية أن قوات المسلمين كانت في تعاظم مستمر، وأن متطلباتها كانت متوافرة، ولم تظهر ولو مجرد ظاهرة واحدة تشير إلى عيب أو خلل في التنظيم الإداري، وفي تأمين الإمداد للمقاتلين، وليس ذلك إلا برهانًا ساطعًا على تلك الكفاءة العالية التي ضمنت حشد الموارد الضرورية للقوات، الأمر الذي يعتبر في الجيوش القديمة والحديثة مقياسًا لكفاءة الإدارة المشرفة على الحرب، وهكذا فإن تخلّي الخليفة الناصر عن إدارة القتال قد ساعده على تحقيق واجب أكبر وهو الإدارة الشاملة للحرب، وتأمين متطلباتها، وضمان الظروف الموضوعية لتحقيق النصر.
وقد تميز الفكر العسكري للخليفة الناصر لدين الله بملامح كثيرة وهامة مما يضيق المقام عن ذكره في هذه العجالة....
مظاهر الحضارة في عهد عبد الرحمن الناصر
ما سبق كان من التاريخ السياسي والعسكري لعبد الرحمن الناصر رحمه الله وواقع الأمر أن جهده لم يكن كله موجهًا فقط إلى الجيوش والحروب، بل إنه كان متكاملًا ومتوازنًا - رحمه الله - في كل أموره.
فقد قامت في عهده أروع حضارة عرفتها البشرية في تاريخها القديم، استهلّها رحمه الله بإنشاء هياكل إدارية عظيمة، وأكثر من الوزارات والهيئات، وجعل لكل أمر مسئولًا ولكل مسئول وزارة كبيرة تضمّ عمالًا كثيرين وكتَبَة، وهذه نبذة عن أهم جوانب الحياة الحضارية في عصره:
الجانب المعماري:
كان من أهم ما يميز الناحية المعمارية في عهد عبد الرحمن الناصر تلك المدينة العظيمة التي أنشأها وأطلق عليها اسم مدينة الزهراء، وهي تقع في الشمال الغربي لمدينة قرطبة، وكان قد اضطر لإنشائها حتى يتسنّى له استقبال الوفود الكثيرة التي كانت تأتي إليه من كل بلاد العالم تخطب ودّه رحمه الله.
كانت مدينة الزهراء على طراز رفيع جدًا، وقد استجلب لها عبد الرحمن الناصر رحمه الله موادًا من القسطنطينية ومن بغداد ومن تونس ومن أوروبا، وقد صُمّمت على درجات مختلفة: فكانت هناك درجة سفلى وهي للحراس والكتبة والعمال، ثم درجة أعلى وهي للوزراء وكبار رجال الدولة، ثم أعلى الدرجات في منتصف المدينة وفيها قصر الخلافة الكبير.
وفي مدينة الزهراء أنشأ عبد الرحمن الناصر قصر الزهراء، ذلك القصر الذي لم يبق في التراث المعماري الإسلامي أبدًا مثله، فقد بالغ في إنشائه حتى أصبح من معجزات زمانه، فكان الناس يأتون من أوروبا ومن كل أقطار العالم الاسلامي كي يشاهدوا قصر الزهراء في مدينة الزهراء.
وهذه أيضا مدينة قرطبة وقد اتسعت جدًا في عهد عبد الرحمن الناصر، وبلغ تعداد سكانها نصف مليون مسلم، وكانت بذلك ثاني أكبر مدينة في تعداد السكان في العالم بأسره بعد بغداد المدينة الأولى، والتي كان تعداد سكانها يبلغ مليونين.
ضمت مدينة قرطبة ثلاث عشرة آلاف دار، والدار بلغة العصر هي المكان الواسع الفسيح الذي يضم بيتا وحديقة من حوله، وكان فيها ثمان وعشرون ضاحية، فضلًا عن ثلاثة آلاف مسجد، حتى أُطلق عليها في ذلك العصر وبحق جوهرة العالم.
ثم هو أيضًا مسجد قرطبة وقد وسّعه رحمه الله حتى أصبح آية من آيات الفن المعماري، وكان محرابه عبارة عن قطعة رخام واحدة على شكل محارةٍ كان قد أتى بها من إيطاليا، وأنشأ أيضا حدائق للحيوان في كل أرض الأندلس ومسارح للطيور.
الجانب الاقتصادي:
كانت البلاد في عهده رحمه الله تعيش في رخاء منقطع النظير، فكثرت الأموال حتى بلغت ميزانية الدولة ستة ملايين دينارًا ذهبًا، كان يقسمها ثلاثة أقسام كجدّه عبد الرحمن الداخل رحمه الله ثلث للجيش وثلث للبناء والمعمار والمرتبات وما إلى ذلك، والثلث الأخير للادّخار لنوائب الزمن.
وكان قد اهتمّ رحمه الله اهتمامًا كبيرًا بالزراعة، وكانت قد كثرت الفواكه في عهده، وأولى رحمه الله زراعة القطن والكتّان والقمح عناية خاصّة لم تفق عنايته بقوانين الزراعة نفسها.
مجال الصناعة والمناجم:
كان من اهتماماته أيضًا استخراج الذهب والفضة والنحاس، وكذلك صناعة الجلود وصناعة السفن وآلات الحرث وكذلك صناعة الأدوية، وقام رحمه الله بإنشاء أسواق كثيرة متخصصة لعرض وتداول مثل هذه البضائع، فكان هناك - على سبيل المثال - سوق للنحاسين، وأخرى لللحوم، بل كان هناك أيضًا سوق للزهور.
الناحية الأمنية:
عمّ الأمن والأمان عهد عبد الرحمن الناصر، فلم تقم أي ثوراتٍ عليه طيلة عهده الثاني، فكان جهاز الشرطة قد قوي كثيرًا، وكانت هناك الشرطة التخصصية، شرطة للنهار وأخرى لليل، وثالثة للتجارة ورابعة للبحر وهكذا، وكان البريد قد انتشر كثيرًا.
كما أنشأ رحمه الله ما يُعرف بمحاكم المظالم، وهي شبيهة جدًا بمحاكم الاستئناف اليوم، وقد طوّر من شكل المحاكم، وحكّم الشرع وأقامه إقامة دقيقة، وما فرّط أبدًا في كلمة من كلمات الله سبحانه وتعالى أو سنّة من سنن رسوله صلى الله عليه وسلم.
الناحية العلمية:
في عهده رحمه الله ازدهر العلم والتعليم بصورة ملحوظة، وقد اهتمّ كثيرًا بمكتبة قرطبة، تلك التي كانت قد تأسّست قبل ذلك الوقت، فزاد كثيرًا في حجمها حتى بلغ عدد الكتب فيها أربعمائة ألف كتاب، وهو زمن لم تظهر فيه الطباعة بعد، وإنما كانت عن طريق النسخ اليدوي.
ومن أجل هذا فقد ظهرت وظائف جديدة للمسلمين لم يعتادوا عليها قبلًا، فظهرت مثلًا وظيفة النسّاخين، فإذا أراد أحد من الناس أن يمتلك كتابًا ما عليه إلا أن يذهب إلى نَسّاخ فيذهب النساخ بدوره إلى مكتبة قرطبة فينسخ له ما يريد...
كذلك أيضا ظهرت وظيفة الباحثين، فمثلًا لو وجدت مسألة من مسائل الفقه أو مسائل العقيدة أو السيرة، وصعب عليك أن تبحث عنها في أربعمائة ألف كتاب، فما عليك إلا أن تذهب إلى باحثين خبراء، فيبحثون لك عن كل ما تريد...
السياسة الخارجية:
ذاع صيت عبد الرحمن الناصر رحمه الله في الدنيا جميعًا، ورضيت منه ممالك الشمال بالعهد والجزية، وقد جاءت السفارات من كل أوروبا تطلب ودّه، فجاءت من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا، بل جاءت من أقصى شرق أوروبا من بيزنطة، وهي بعيدة جدًا عن عبد الرحمن الناصر لكنها جاءت تطلب ودّه وتهدي إليه الهدايا، وأشهرها كانت جوهرة ثمينة وضخمة جدًا، كان يضعها عبد الرحمن الناصر في وسط قصره الذي يقع في مدينة الزهراء.
من ضمن ما جاءه من الرسائل كانت رسالة من ملك إنجلترا يرجوه فيها أن يعلّم أربعةً من علماء إنجلترا في مكتبة قرطبة أو في جامعة قرطبة، طلب منه ملك إنجلترا هذا الطلب ثم وقّع في آخر الرسالة: (خادمكم المطيع ملك إنجلتر).
وهكذا كان عزّ الاسلام ومجده متمثلًا في عهد عبد الرحمن الناصر رحمه الله حتى أصبح بلا منازع أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى، الأمر الذي جعل إسبانيا في سنة 1963 م تحتفل وهي على نصرانيتها بمرور ألف سنة ميلادية على وفاة عبد الرحمن الناصر؛ لأنه كان أعظم ملوك إسبانيا على مرّ العصور، فلم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم بهذا الرجل الذي رفعهم في العالمين، والتي كانت الأندلس في عهده وبلا جدال أقوى دولة في العالم.
قالوا عن عبد الرحمن الناصر...
قال عنه الذهبي:
كان شجاعا شهما محمود السيرة،لم يزل يستأصل المتغلبين حتى تم أمره بالأندلس، واجتمع في دولته من العلماء والفضلاء ما لم يجتمع في دولة غيره. وله غزوات عظيمة ووقائع مشهورة. قال ابن عبد ربه: قد نظمت أرجوزة ذكرت فيها غزواته. قال: وافتتح سبعين حصنا من أعظم الحصون ومدحه الشعراء.
وقال عنه الصفدي:
ولم يكن بعد عبد الرحمن الداخل أجزل منه - أي الناصر - في الحروب وصحة الرأي والإقدام على المخاطرة والهول حتى نال البغية وبنى المدينة الزهراء فراراً بنفسه وخاصة جنده عن عامة قرطبة الكثيرة الهرج الجمة سواد الخلق فرتب الجيوش ترتيباً لم يعهد مثله قبله وأكرم أهل العلم واجتهد في تخيّر القضاة وكان مبخلاً لا يعطي ولا ينفق إلا فيما رآه سداداً...
وقال اليسع بن حزم: نظر أهل الحل والعقد، من يقوم بأمر الإسلام، فما وجدوا في شباب بني أمية من يصلح للأمر إلا عبد الرحمن بن محمد، فبايعوه...
وها هو يتوفي رحمه الله سنة 350 هـ= 961 م عن اثنين وسبعين عامًا، وقد وجدوا في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدّ فيها الأيام التي صفت له دون كدر فقال: في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم، فعدّوها فوجدوها أربعة عشر يومًا فقط.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 9:47 pm

عهد الدولة العامرية والفتنة
كيف نشأت الدولة العامرية؟ وكيف انتهت؟
يعتبر محمد بن أبي عامر هو مؤسس هذه الدولة، وتبدأ قصته عندما كان أحد الوصايا على هشام بن الحكم، وبدأ في التخلص من باقي مجلس الوصاية، وسيطر على الخليفة صغير السن، وبدأ يقوِّي نفوذه في الدولة، حتى إنه عهد بالحجابة من بعده لابنه عبد الملك بن المنصور. وتبدأ هذه الدولة فعليًّا منذ سنة 366هـ/ 976م، وظلت حتىسنة 399هـ/ 1009م ولكنها كانت تابعة للدولة الأموية؛ لأن هشام بن الحكم كان ما زال يحكم ولو بشكل رمزي، وبعد وفاة الحاجب المنصور سنة 392هـ/ 1002م تولى الحجابة بعده عبد الملك بن المنصور، وتوفي عبد الملك بن المنصور سنة 399هـ/ 1009م، وتولى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور، ولكنه كان ظالمًا فقتله الناس، وعزلوا هشام بن الحكم وتنتهي الدولة العامرية.
انتشار الفتن بعد سقوط الدولة العامرية ويبدأ عهد يعرف باسم ملوك الطوائف
تميزت هذه الفترة بكثرة الفتن والصراعات، مثل التي حدثت بين المهدي الذي تولى الحكم بعد هشام بن الحكم وبين سليمان بن الحكم الذي أعلنه البربر خليفة، وتحدث الكثير من النزاعات لتصل إلى الدرجة التي تجعل البعض يستعين بالنصارى، ثم يتدخل البربر ويعلنون خليفة منهم يسمى علي بن حمود، ولكن العامريين يتدخلون محاولين إعادة نفوذهم مرة أخرى، ويعلنون أحد الأمويين ويسمى عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله خليفة، ولقبوه بالمرتضى بالله، وتدور الكثير من الصراعات بين البربر والعامريين، ويحاول العلماء التدخل لإصلاح هذه الأوضاع، ويعلنون قيام مجلس شورى لكي يحكم، وبالفعل يتولى الحكم ولكنه كان يسيطر على قرطبة فقط، أما باقي بلاد الأندلس فكانت تعيش في حالة من الفوضى والدمار، ومن ثَمَّ تنقسم الأندلس إلى دويلات متفرقة، ويبدأ عهد جديد يسمى "عهد ملوك الطوائف".
ولكن ما أسباب التحول من القوة إلى الضعف؟ وما مكانة المسلمين اليوم بين القيام والسقوط؟
إن التحول من القوة إلى الضعف سنة من سنن الله سبحانه وتعالى، فإن أية دولة تبدأ من مرحلة النمو ثم تنمو هذه الدولة لتصل إلى مرحلة القوة والازدهار، ثم تبدأ الدولة في الانهيار تدريجيًّا حتى تصل إلى مرحلة الشيخوخة. والأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائمًا في قيام، فإذا سقطت أتبعالسقوطَ قيامٌ، أما بالنسبة إلى الوضع اليوم في العالم الإسلامي فلا يوجد خلافة إسلامية ولا تطبيق للشرع، ولكن ما نراه اليوم من كثرة عدد المصلين والمحجبات، والصحوة الجهادية في البلدان المحتلة يشير إلى أن إصلاح هذه الأمة سيكون قريبًا بإذن الله سبحانه وتعالى.
الحَكَمُ بنُ عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، وكبوة الجواد
بالرغم من أنه كان من أفضل الحكام المسلمين على الأندلس إلا أن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر في آخر عهده قد أخطأ خطأ جسيمًا، فقد أصيب في آخر أيامه بالفالج (شلل) فقام باستخلاف أكبر أولاده هشام بن الحكم وعمره آنذاك اثنتا عشرة سنة فقط، استخلفه على بلاد الأندلس وفوقها بلاد النصارى في الشمال ومن تحتها الدولة الفاطمية في الجنوب، وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى الكيد بهذه القوة العظيمة وهزيمتها.
وهي بلا شكٍ زلّة خطيرة من الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر؛ إذ كان عليه أن ينتقي من يستخلفه لهذه المهمة الجسيمة، ويولّي رجلًا آخر من بني أميّة، يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية، كثيرة الأعداء متسعة الأطراف، ومترامية الأبعاد كدولة الأندلس.
توفي الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر رحمه الله سنة 366 هـ= 976 م، مستخلفًا على الحُكم ابنه الطفل الصغير هشام بن الحكم، وقد جعل عليه مجلس وصاية مكون من ثلاثة أشخاص:
الأول: الحاجب: وهو جعفر بن عثمان المصحفي، والحاجب أي الرجل الثاني في الدولة بعد الخليفة مباشرة، وهو بمثابة رئيس الوزراء حاليًا.
الثاني: قائد الشرطة: وهو محمد بن أبي عامر، وكان من اليمن.
الثالث: أم هشام بن الحكم، وكان اسمها (صُبْح).
محمد بن أبي عامر ت 392 هـ= 1002 م
كان محمد بن أبي عامر يملك طموحات ضخمة وآمال كبيرة أطمعته في أن يكون واليًا على هذه البلاد، ولتحقيق هذا الحلم قام بعدة مكائد غاية في الظلم والقسوة، فعمل على الآتي:
أولًا:
فكر في التخلص من الوصيين اللّذَيْن كانا معه على هشام بن الحكم، فدبر مكيدة سجن فيها الحاجب (جعفر بن عثمان المصحفي) ثم قتله بعد ذلك، ثم نظر إلى أمر أم هشام بن الحكم فوجد أن موقفها ضعيف بالنسبة له كقائد شرطة فتركها في قصرها، ثم تقلّد هو الأمور وحده، وبدأ يحكم بلاد الأندلس باسم الخليفة الصغير هشام بن الحكم.
ثانيًا:
أراد محمد بن أبي عامر بعد ذلك أن يقوّي جانبه أكثر مما كان عليه، فتزوج من ابنة أمير الجيش غالب بن عبد الرحمن، وبذلك يكون قد حيّد جانب أمير الجيش، وضمن ولاء الجيش الأندلسي له، وحين انتبه غالب بن عبد الرحمن (أمير الجيش ووالد زوجته) له وعلم نيّاته وخطته وأفصح له عن ذلك، دبّر محمد بن أبي عامر له مكيدة أيضًا ثم قتله.
ثالثًا:
لم يكتف محمد بن أبي عامر بذلك، فقد قام باستدعاء جعفر بن علي بن حمدون قائد الجيش الأندلسي في المغرب، (كانت المغرب قد ضمت إلى بلاد الأندلس في عهد الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر كما ذكرنا) استدعاه إليه وقربه منه، واستفاد كثيرًا من قوته، ثم دبّر له مكيدة أيضا وقتله، وكان كلما قتل شخصا عيّن مكانه مَن يعمل برأيه وبوصاية منه، وبذلك يكون قد تملّك من كل الأمور في الأندلس.
رابعًا:
وبنظرة طويلة إلى الأمام بدأ محمد بن أبي عامر يقنع الخليفة الصغير هشام بن الحكم بالاختفاء في قصره بعيدًا عن العيون؛ وذلك - كما يزعم - خوفاً عليه من المؤامرات، وأن على الخلفاء أن يتفرغوا للعبادة ويتركوا أمور الناس لرئاسة الوزراء أو لقوة الشرطة أو غيرهما، وهكذا أقنعه، وقام هو بإدارة دفّة البلاد، ورُبّي ونشأ هشام بن الحكم الطفل الصغير على هذا الفهم.
بروز نجم محمد بن أبي عامر (الحاجب المنصور)
مرت السنوات ومحمد بن أبي عامر يتولى كل شيء في بلاد الأندلس، وهشام بن الحكم يكبر في السن لكنه لم يكن يعرف شيئًا عن الحكم وتحمُّل المسئولية، وفي 371 هـ= 982 م وبعد حوالي خمس سنوات من تولي هشام بن الحكم الأمور ووصاية محمد بن أبي عامر عليه، كان الأمر قد استَتَبَّ لمحمد بن أبي عامر ولقّب نفسه بالحاجب المنصور.
وكان من عادة الخلفاء قبل ذلك أن يطلقوا على أنفسهم ألقابًا تميزهم ويُعرفون بها وعليها كانوا يؤملون، وذلك مثل: الناصر بالله، الحاكم بأمر الله، المؤيد بالله، لكن هذه هي أول مرة يقوم فيها الوصي أو رئيس الوزراء أو الحاجب بأخذ لقب لنفسه وهو المنصور، الأمر الذي تطور كثيرًا حتى أصبح يُدعى له على المنابر مع الخليفة هشام بن الحكم، ثم نقش اسمه على النقود وعلى الكتب والرسائل.
وإتمامًا لذلك وكما أنشأ عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر رحمه الله مدينة الزهراء في الشمال الغربي من مدينة قرطبة لتكون مركزًا لخلافته، قام محمد بن أبي عامر بإنشاء مدينة جديدة في شرق قرطبة سمّاها مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية.
وبدأ محمد بن أبي عامر ينقل الوزارات ودواوين الحكم إلى مدينة الزاهرة، وأنشأ له قصرًا كبيرًا هناك، وبدأ يجمّل فيها كثيرًا، حتى أصبحت مدينة الزاهرة أو مدينة العامرية هي المدينة الأساسية في الأندلس وبها قصر الحكم.
الدولة العامرية 366 - 399 هـ= 976 - 1009م
بعد التمهيدات السابقة وفي الطريق نحو عهد جديد من تاريخ الأندلس قام محمد بن أبي عامر بعمل الآتي:
أولًا: في سنة 381 هـ= 991 م قام بأمر لم يعهد من قبل في تاريخ الأندلس، بل في تاريخ المسلمين، حيث عهد بالحجابة من بعده لابنه عبد الملك بن المنصور، وكان المشهور والمتعارف عليه أن الخليفة وحده هو الذي يعهد بالخلافة من بعده.
ثانيًا: وتمهيدًا لإقامة مُلْك على أنقاض بني أمية، قام في سنة 386 هـ= 996 م بتلقيب نفسه بلقب الملك الكريم، كل هذا وهشام بن الحكم الخليفة يكبر في السن، لكن ليس له من الأمر شيء.
ثالثًا: قام محمد بن أبي عامر بعد ذلك بعمل خطير أدى - فيما بعد وعلى ما سنرى - إلى انقساماتٍ كثيرة في بلاد الأندلس، فقد كان محمد بن أبي عامر يمنيًا، واليمنيون في الأندلس ليسوا بكثرة، ولخشيته من الاستعانه بالقبائل المضرية وقبائل بني أمية معه في الجيش وبقية الأمور فكّر أن يستعين بعنصر آخر وهم البربر، فبدأ يعظّم من أمرهم ويرفع من شأنهم؛ حتى يضمن ولاءهم.
بدأ العامريون يكثرون في أماكن الحكم في بلاد الأندلس، وبدأ التاريخ يسجل لهم عهدًا جديدًا سماه: الدولة العامرية، وقد بدأت فترة هذه الدولة فعليًا منذ سنة 366 هـ= 976 م، ومنذ أن تولى محمد بن أبي عامر أمر الوصاية على هشام بن الحكم، وظلت حتى سنة 399 هـ= 1009 م أي أنها استمرت ثلاثًا وثلاثين سنة متصلة، لكنها تعتبر داخلة في فترة الخلافة الأموية؛ لأن هشام بن الحكم الأموي لا زال هو الخليفة حتى وإن كان رمزًا أو بعيدًا عن مجريات الأمور.
جوانب مضيئة في حياة محمد بن أبي عامر:
كما رأينا فقد تولّى محمد بن أبي عامر الحكم منذ سنة سنة 366 هـ= 976 م وحتى وفاته رحمه الله في سنة 392 هـ= 1002 م وقد بدأ عهده كما رأينا بمكائد ومؤامرات وقتلٍ - على الأقل - لثلاثة أنفس حتى وصل إلى تولّي كافة الأمور في الأندلس.
ومن العجيب حقًا أنه - بالرغم من أفعال محمد بن أبي عامر هذه - إلا أنه كانت له محامد وجوانب مضيئة في حياته، جعلت جميع المؤرخين يتعجبون من سيرته ويقفون في حيرة من أمره، ومن هذه الجوانب ما يلي:
أولا: كان مجاهدًا...
كان غريبا حقا أن يغزو محمد بن أبي عامر في حياته أربعًا وخمسين غزوة لم يُهزم أبدًا في واحدة منها، بل كان الأغرب من ذلك هو أن يصل (الحاجب المنصور أو محمد بن أبي عامر) في فتوحاته إلى أماكن في مملكة ليون وفي بلاد النصارى لم يصل إليها أحد من قبل، بل لم يصل إليها الفاتحون الأوائل مثل موسى بن نصير وطارق بن زياد، فقد وصل الحاجب المنصور إلى منطقة الصخرة، تلك المنطقة التي لم تُفتح من قِبَل المسلمين من قبل، واستطاع رحمه الله أن يغزو النصارى في عقر دارهم، وها هو قد وصل إلى خليج بسكاي والمحيط الأطلسي في الشمال.
وكان من المتعارف عليه قبل ذلك أن الجهاد في الصوائف فقط، إلا إن الحاجب المنصور كان له في كل عام مرتان يخرج فيهما للجهاد في سبيل الله، عُرفت هاتان المرتان باسم الصوائف والشواتي.
وهذه صور مشرقة من حياته الجهادية:
1- يُسيّر جيشًا جرارًا لإنقاذ نسوة ثلاث
جاء عن الحاجب المنصور في سيرة حروبه أنه سيّر جيشا كاملًا لإنقاذ ثلاث من نساء المسلمين كن أسيرات لدى مملكة نافار، ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد، وكانوا يدفعون له الجزية، وكان من شروط هذا العهد ألا يأسروا أحدًا من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم، فحدث ذات مرة أن ذهب رسول من رسل الحاجب المنصور إلى مملكة نافار، وهناك وبعد أن أدّى الرسالة إلى ملك نافار أقاموا له جولة، وفي أثناء هذه الجولة وجد ثلاثا من نساء المسلمين في إحدى كنائسهم فتعجب لوجودهن، وحين سألهن عن ذلك قلن له إنهن أسيرات في ذلك المكان
.
وهنا غضب رسول المنصور غضبًا شديدا وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه الأمر، فما كان من المنصور إلا أن سيّر جيشا جرارًا لإنقاذ النسوة، وحين وصل الجيش إلى بلاد نافار دُهش ملك نافار وقال: نحن لا نعلم لماذا جئتم، وقد كانت بيننا وبينكم معاهدة على ألا نتقاتل، ونحن ندفع لكم الجزية. وبعزة نفس في غير كبر ردّوا عليه بأنكم خالفتم عهدكم، واحتجزتم عندكم أسيرات مسلمات، فقالوا: لا نعلم بهن، فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النسوة الثلاث، فقال ملك نافار: إن هؤلاء النسوة لا نعرف بهن؛ فقد أسرهن جندي من الجنود وقد تم عقاب هذا الجندي، ثم أرسل برسالة إلى الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذارًا كبيرًا، فعاد الحاجب المنصور إلى بلده ومعه الثلاث نساء.
2-
يقطع النصارى عليه الطريق، فيُملي شروطه عليهم
مما ذُكر عن الحاجب المنصور أيضًا أنه - رحمه الله - وهو في جهاده لفتح بلاد النصارى كان قد عبر مضيقًا في الشمال بين جبلين، ونكاية فيه فقد نصب له النصارى كمينًا كبيرًا، فتركوه حتى عبر بكل جيشه وحين همّ بالرجوع وجد طريق العودة قد قطع عليه، ووجد المضيق وقد أغلق تمامًا بالجنود
.
فما كان من أمر الحاجب المنصور إلا أن عاد مرة أخرى إلى الشمال واحتلّ مدينة من مدن النصارى هناك، ثم أخرج أهلها منها وعسكر هو فيها، ووزّع ديارها على جنده، وتحصّن وعاش فيها فترة، ثم اتخذها مركزًا له يقود منه سير العمليات العسكرية، فأخذ يرسل منها السرايا إلى أطراف ممالك النصارى، ويأخذ الغنائم ويقتل المقاتلين من الرجال، ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتلّه النصارى ومنعوه من العودة منه.
وهنا ضج النصارى وذهبوا مغاضبين إلى قوادهم يعرضون عليهم أن يفتحوا له الباب حتى يعود إلى بلده مرة أخرى أو يجدوا حلًا لهم في هذا الرجل، فاستجابوا لهم وعرضوا على الحاجب المنصور أن يخلوا بينه وبين طريق العودة ويعود من حيث أتى، فما كان من المنصور إلا أن رفض هذا العرض، وردّ عليهم متهكمًا أنه كان يأتي إليهم كل عام مرتين، صيفًا وشتاءً، وأنه يريد هذه المرة أن يمكث بقية العام حتى يأتي موعد المرة الثانية، فيقوم بالصوائف والشواتي من مركزه في هذه البلاد بدلا من الذهاب إلى قرطبة ثم العودة منها ثانية.
لم يكن مفر أمام النصارى سوى أن يطلبوا منه الرجوع إلى بلده وله ما يريد، فاشترط عليهم الحاجب المنصور في سبيل موافقته على عرضهم ما يلي:
أولا: أن تفتحوا المضيق ولا تبقوا فيه نصرانيا واحدًا، فوافقوه على ذلك.
ثانيا: أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها من أمام المضيق، فبدأوا يرفعون جثث الجنود الذين قتلوا من أمام المضيق وأبعدوها عنه.
ثالثا: أن تحملوا لي جميع الغنائم من هنا إلى مقري في قرطبة، وبالفعل أجابوا إلى ذلك، وحملوا الغنائم التي حصّلها من بلادهم من ليون في الشمال حتى أوصلوها إلى قرطبة في الجنوب.
3-
يجمع ما علق على ثيابه من غبار ليدفن معه في قبره
مقتديًا بحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: لَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ. (رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح). كان من عادة الحاجب المنصور رحمه الله في جهاده وبعد كل معركة أن ينفض ثوبه ويأخذ ما يخرج منه من غبار ويضعه في قارورة، ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن معه هذه القارورة؛ وذلك حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى
.
إلا أنه ومع كل هذه الحروب ومع كل هذا الجهاد، ورغم أنه غزا أربعًا وخمسين غزوة ولم يهزم في واحدة منها قط، فلم يكن سمت حروب الحاجب المنصور سمتًا إسلاميًا مثل التي كانت في زمن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر أو الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، فقد كان الحاجب المنصور يخترق بلاد النصارى ويصل إلى عمقها، ويقتل منهم ثم يعود فقط محملًا بالغنائم، ولم يكن من همه أبدًا أن يضم هذه البلاد إلى بلاد المسلمين، أو أن يُعلّم أهلها الإسلام، أو أن ينشر الدعوة في هذه البلاد، فبقي الحال كما هو عليه، بل إن الحمية زادت في قلوب النصارى وزاد حقدهم على المسلمين.
ثانيا: اهتمامه بالجوانب الحضارية في البلاد
من الجوانب الوضّاءة في حياة محمد بن أبي عامر أو الحاجب المنصور أيضًا اهتمامه الكبير بالجانب المادي والحضاري في البلاد، فقد أسسّ مدينة الزاهرة على أحسن ما يكون - كما ذكرنا - وزاد كثيرًا في مساحة مسجد قرطبة، حتى أضاف إليه ضعف مساحته الأصلية، وكان يشتري هذه المساحات ممن يقطنون حول المسجد وذلك بالمبلغ الذي يرضونه.
وقد ذُكر في ذلك أنه كانت هناك سيدة وحيدة تسكن في بيت فيه نخلة بجوار المسجد، وقد أبت هذه السيدة أن تبيع بيتها هذا إلا إذا أَتى لها الحاجب المنصور بمنزل فيه نخلة كالذي تملكه، فأمر الحاجب المنصور بشراء بيت لها فيه نخله كما أرادت حتى ولو أتى ذلك على بيت المال، ثم أضاف بيتها إلى حدود المسجد.
زاد الحاجب المنصور كثيرًا في المسجد بعد ذلك، حتى أصبح ولفترة طويلة من الزمان أكبر من أي مسجد أو كنيسة في العالم، وهو لا يزال إلى الآن موجودًا في إسبانيا، ولكنه - وللأسف - قد حُوّل إلى كنيسة بعد سقوط الأندلس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكذلك كانت العلوم والتجارة والصناعة وغيرها من الأمور قد ازدهرت كثيرًا في حياة الحاجب المنصور، وقد عمّ الرخاء وامتلأت خزانة الدولة بالمال، ولم يعد هناك فقراء تمامًا كما كان الحال أيام الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر أو أيام عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر نفسه.
ثالثا: عدم وجود ثورات أو خروج عليه طيلة عهده
كان الأمر اللافت للنظر أيضًا في حياة الحاجب المنصور أنه ورغم طول فترة حكمه التي امتدت من سنة 366 هـ= 976 م وحتى سنة 392 هـ= 1002 م لم توجد أي ثورات مطلقا، فلم تقم أي ثورة أو تمرّد في عهده على طول البلاد واتساعها واختلاف أمزجتها
.
فقد كان الحاجب المنصور رجلًا قويًا، محكِمًا للأمن والأمان في البلاد، كما كان عادلًا مع الرعية، ومما جاء في ذلك ما ترويه بعض الروايات من أنه جاءه يومًا رجل بسيط من عامة الشعب، يبغي مظلمة عنده، وقال له: إن لي مظلمة وإن القاضي لم ينصفني فيها، وحين سمع منه مظلمته أتى بالقاضي مستوضحًا منه الأمر، وكيف أنه لم ينصف الرجل في مظلمته، فقال له القاضي: إن مظلمته ليست عندي وإنما هي عند الوسيط ( بمكانة نائب رئيس الوزراء في زمننا )، فأحضر الحاجب المنصور الوسيطَ وقال له: اخلع ما عليك من الثياب (يقصد ثياب التميز والحكم) واخلع سيفك ثم اجلس هكذا كالرجل البسيط أمام القاضي، ثم قال للقاضي: الآن انظر في أمرهما، فنظر القاضي في أمرهما وقال: إن الحق مع هذا الرجل البسيط، وإن العقاب الذي أقضيه هو كذا وكذا على الوسيط، فما كان من الحاجب المنصور إلا أن قام بإنفاذ مظلمة الرجل، ثم قام إلى الوسيط فأقام عليه أضعاف الحد الذي كان قد أوقعه عليه القاضي، فتعجب القاضي وقال للمنصور: يا سيدي، إنني لم آمر بكل هذه العقوبة، فقال الحاجب المنصور: إنه ما فعل هذا إلا لقربه منا، ولذلك زدنا عليه الحد؛ ليعلم أن قربه منا لن يمكّنه من ظلم الرعيّة.
الدولة العامرية بعد الحاجب المنصور
من خلف ستار الخلافة الأموية ظل الحاجب المنصور يحكم الأندلس ابتداءً من سنة 366 هـ= 976 م وحتى وفاته رحمه الله في سنة 392 هـ= 1002 م وقد استخلف على الحجابة من بعده ابنه عبد الملك بن المنصور، فتولّى الحجابة من حين وفاة والده وحتى سنة 399 هـ= 1009 م أي سبع سنوات متصلة، سار فيها على نهج أبيه في تولي حكم البلاد، فكان يجاهد في بلاد النصارى كل عام مرة أو مرتين، كل هذا وهو أيضا تحت غطاء الخلافة الأموية.
في هذه الأثناء وعند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور أمر الحجابة كان الخليفة هشام بن الحكم قد بلغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما، ومع ذلك فلم يطلب الحكم ولم يحاول قط أن يُعمل نفوذه وسلطانه في بلاد الأندلس، فكان فقط قد تعود على حياة الدعة واستماع الأوامر من الحاجب المنصور ومن تلاه من أولاده.
تولي عبد الرحمن بن المنصور وانتهاء الدولة العامرية
في سنة 399 هـ= 1009 م من الهجرة وفي إحدى الحملات في الشمال يتوفي عبد الملك بن المنصور، ثم يتولى أمر الحجابة من بعده أخوه عبد الرحمن بن المنصور؛ حيث كان أولاد بني عامر يتملكون زمام الأمور في البلاد، وأخذ أيضًا يدير الأمور من وراء الستار، لكنه كان مختلفًا عن أبيه وأخيه، فبالإضافة إلى أن أمه كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية، فقد كان عبد الرحمن بن المنصور شابًا ماجنًا فاسقًا شَرّابًا للخمر فعالًا للزنا كثير المنكرات، فكان الشعب يكرهه بدرجة كبيرة، ذلك الشعب الذي كان غالبيته من المسلمين كان يكره أن يتولى أمره من جاء من أم نصرانية.
وفوق ذلك فقد قام عبد الرحمن بن المنصور بعمل لم يُعهد من قبل عند العامريين، وهو أنه أقنع الخليفة هشام بن الحكم في أن يجعله وليًا للعهد من بعده، وبذلك لن يصبح الأمر من خلف ستار الخلافة الأموية كما كان العهد حال تولي والده محمد بن أبي عامر أو أخيه عبد الملك بن المنصور، فكان أن ضجّ بنو أميّة لهذا الأمر، وغضبوا وغضب الناس أجمعون، لكن لم تكن لهم قدرة على القيام بأي رد فعل؛ خاصة وأن عبد الرحمن بن المنصور قد جعل جميع الولايات في أيدي العامريين وفي يد البربر الذين هم أتباع العامريين منذ أيام الحاجب المنصور.
ومع كل هذا الفسق وهذا المجون الذي كان يعيشه عبد الرحمن بن المنصور إلا أن الشعب كان قد تعوّد حياة الجهاد، والخروج كل عام إلى بلاد النصارى، وفي إحدى المرّات خرج عبد الرحمن بن المنصور على رأس جيش من الجيوش إلى الشمال، فانتهز الناس الفرصة وأرادوا أن يغيروا من الأمر، فذهبوا إلى هشام بن الحكم في قصره وخلعوه بالقوّة وعينوا مكانه رجلًا من بني أميّة اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر (من أحفاد عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر)، ثم دبّروا مكيدة لعبد الرحمن بن المنصور وقتلوه، وانتهى بذلك ما يسمى في تاريخ الأندلس بعهد الدولة العامرية.
قيام وسقوط الدول والحضارات... وقفة متأنية
بعد الوصول إلى هذه المرحلة من الضعف والتفتت والهوان، هناك تعليق عام، وتحليل، واستراحة على طول طريق الأندلس منذ الفتح وحتى هذه المرحلة، نستجلي فيه سنة من سنن الله سبحانه وتعالى في كونه بصفة عامة، وفي الأمة الإسلامية بصفة خاصة، وهي سنّة قيام وسقوط الأمم، وسنة الارتفاع والهبوط، تلك التي لوحظت بشكل لافت في الدولة الإسلامية خاصة.
وحقيقةُ الأمر أنه منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، بل حتى قيام الساعة، اقتضت سنّة الله في الأمم والحضارات بصفة عامة أن تقوم ثم تسقط وتزدهر ثم تندثر، فمن سنن الله أن كانت هناك قوانين اجتماعية وإنسانية عامة تتصل مباشرة بضبط مسيرة الحياة الإنسانية ومسيرة الأمم والشعوب، فإذا ما التزمت الأمم والحضارات بهذه القواعد دامت وكانت في خير وسعادة، وإذا حادت عنها لقيت من السقوط والاندثار ما هي أهل له، قال تعالى: [وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران:140}.
وليست الأمة الإسلامية بمنأى عن هذه السنن الكونية، فمنذ نزول الرسالة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية تأخذ بأسباب القيام فتقوم، ثم تحيد عنها فيحدث الضعف ثم سقوط.
وأسباب قيام الدولة الإسلامية كثيرة على نحو ما ذكرنا فيما مضى، والتي كان من أهمّها:
أولًا: الإيمان بالله سبحانه وتعالى والاعتقاد الجازم بنصرته وقدرته.
ثانيًا: الأُخوة، والوحدة، والتجمّع ونبذ الفرقة.
ثالثًا: العدل بين الحاكم والمحكوم.
رابعًا: العلم، ونشر الدين بين الشعوب.
خامسًا: إعداد العدة، والأخذ بالأسباب [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ] {الأنفال:60}.
فإذا أخذ المسلمون بهذه الأسباب فإنهم سرعان ما يقومون، وغالب الأمر يكون القيام بطيئًا ومتدرجًا، وفيه كثير من الصبر والتضحية والثبات، ثم بعد ذلك يكون القيام باهرًا، ثم يحدث انتشار للدولة الإسلامية بصورة ملموسة، حتى تفتح الدنيا على المسلمين، وهنا يصبر القليل على الدنيا وزينتها ويقع الكثيرون في الفتنة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ.
ومن جديد يحدث الضعف فالسقوط، وعلى قدر الفتنة بالمادة والمدنية يكون الارتفاع والانحدار، والسقوط والانهيار.
وأمر الفتنة هذه هو الذي فقهه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في سنة 17 هـ= 735 م حين أمر بوقف الفتوحات في بلاد فارس، في عمل لم يتكرر في تاريخ المسلمين إلا لدى قليل ممن هم على شاكلته، وذلك حين فتحت الدنيا على المسلمين وكثرت الغنائم في أيديهم.
خاف عمر - رضي الله عنه - أن تتملك الدنيا من قلوب المسلمين، وخشي أن يُفتَنوا بالدنيا ويخسروا الآخرة فيخسروا دولتهم، وكان همه أن يُدخل شعبه الجنة لا أن يُدخله بلاد فارس، فإذا كان دخول فارس على حساب دخول الجنة: فلتقف الفتوح، ووددت لو أن بيني وبين فارس جبل من نار، لا أقربهم ولا يقربوني. ولم يعد رضي الله عنه إلى مواصلة الفتوح إلا بعد أن هجم الفرس على المسلمين وخاف على المسلمين الهزيمة والضياع.
والأمة الإسلامية تنفرد بأنها أمة لا تموت ودائمًا في قيام، فإذا سقطت أتبع السقوط قيام،أما ألا يُتبَع السقوطُ قيامٌ فهذا ليس من سنن الله مع المسلمين، ولا يحدث إلا مع أمم الأرض الأخرى غير الإسلامية، تلك الأمم التي يغلب عليها سقوط واندثار لا يتبعه رجعة، حتى وإن طال أجل القيام والازدهار، ومن أصدق الأمثلة على ذلك حضارة الفراعنة، واليونان، وامبراطوريتي فارس والروم، وامبراطورية إنجلترا التي لا تغرب عنها الشمس...وهذه السُّنة الكونية يمثلها قوله تعالى: [كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ] {المجادلة:21}. [وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] {النور:55}. ومما يُثبت سنة الله هذه في الدولة الإسلامية ذلك الحديث الذي رواه أبو داود في سننه وصححه الحاكم ورواه في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا. فمعنى هذا أنه سيحدث سقوط، ومن بعد السقوط ارتفاع وعلو، وهذا الارتفاع سيكون على يد مجدد أو مجموعة مجددين، وهكذا إلى قيام الساعة.
والتاريخ الإسلامي مليء بمثل هذه الفترات، ففيه الكثير من أحداث الارتفاع والهبوط ثم الارتفاع والهبوط، ولم يكن هذا خاصًّا بتاريخ الأندلس فقط؛ بل إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهدوا ذلك بأعينهم، فبعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - مباشرةً حدث سقوط ذريع وانهيار مروّع، وردّة في كل أطراف جزيرة العرب التي لم يبق منها على الإسلام سوى مكة والمدينة وقرية صغيرة تسمى هَجَر (هي الآن في البحرين).
وبعد هذا السقوط يحدث قيام عظيم وفتوحات وانتصارات، كان قد جدّد أمرها وغرس بذرتها أبو بكر رضي الله عنه بعد أن أجهض على الردّة، ثم فتحت الدنيا على المسلمين في عهد سيدنا عثمان - رضي الله عنه - فحدثت الفتنة والانكسارات في الأمة الإسلامية، مما أدّى إلى مقتله - رضي الله عنه - وهو الخليفة الراشد وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وظلّت طيلة خلافة سيدنا علي رضي الله عنه.
ومن جديد يستتبّ الأمر وتقوم الدولة الأموية وتستكمل الفتوح، ثم فترة من الزمان ويحدث سقوط آخر حين يفسد أمر بني أمية، وعلى أَثَره يقوم بني العباس فيعيدون من جديد المجد والعزّ للإسلام، وكالعادة يحدث الضعف ثم السقوط، وعلى هذا الأمر كانت كل الدول الإسلامية الأخرى التي جاءت من بعدها، مرورًا بالدولة الأيوبية وانتهاءً بالخلافة العثمانية الراشدة التي فتحت كل شرق أوروبا، وكانت أكبر قوة في زمنها.
فهي إذن سنة من سنن الله تعالى ولا يجب أن تفُتّ في عضد المسلمين، ولا بدّ للمسلمين من قيام بعد سقوط كما كان لهم سقوط بعد قيام، وكما ذكرنا سابقًا فإنه ليس بين الله سبحانه وتعالى وبين أحد من البشر نسبًا، يَا فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.
فإن ضل المسلمون الطريق وخالفوا نهج نبيهم؛ فستكون الهزيمة لا محالة، وسيكون الانهيار المرّوع الذي شاهدناه في الأندلس، والذي نشهده في كل عهود المسلمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 9:49 pm

سقوط الخلافة الأموية وانتهاء الدولة العامرية
كأن مقتل عبد الرحمن بن المنصور واشتعال الفتن والثورات في الأندلس كانا بميعاد، فمنذ أن قتل عبد الرحمن بن المنصور العامري انفرط العقد تمامًا في البلاد، وبدأت الثورات تكثر والمكائد تتوالى، وبدأت البلاد تُقسّم.
كان رأي بعض الباحثين أن سبب سقوط الدولة العامرية ومن ثَمّ سقوط الخلافة الأموية هو تولّي عبد الرحمن بن المنصور الحكم، ذلك الفاسق الماجن الذي أسقط بني أميّة وأحدَث هذه الاضطرابات الكثيرة في البلاد.
وحقيقة الأمر أنه ليس من سنن الله سبحانه وتعالى أن تهلك الأمم لمجرد ولاية رجل فاسق لشهور معدودات، فلم يمكث عبد الرحمن بن المنصور في الحكم إلا أقلّ من عام واحد، ومهما بلغ أمره من الفحش والمجون فلا يمكن بحال أن يؤدي إلى مثل هذا الفشل الذريع والسقوط المدوي للبلاد، فلا بدّ إذن أن يكون هناك أسباب وجذور أخرى كانت قد نمت من قبل وتزايدت مع مرور الزمن حتى وصلت أوجّها في فترة عبد الرحمن بن المنصور؛ ومن ثَمّ كان هذا التفتت وذلك الانهيار.
وكما رأينا سابقًا في تحليلنا لأسباب ضعف الإمارة الأموية وكيف كان لهذا الضعف أسباب وجذور تمتدّ إلى عهد قوة الإمارة الأموية ذاتها، فإن هناك ثلاثة أسباب رئيسية لسقوط الدولة الأموية ومن ثَمّ الدولة العامرية نذكرها فيما يلي:
السبب الأول:
يرجع إلى زمن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر ذاته، ذلك الرجل الفذ الذي اتّسم عصره بالبذخ والترف الشديد، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا، ومن ثَمّ انشغال الناس بتوافه الأمور، وكانت الدنيا هي المهلكة، وليس أدلّ على ذلك من قصر الزهراء الذي أنشأه عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر وكان آية في الروعة والجمال وأعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت؛ فقد كان على اتساعه وكبر حجمه مبطنًا من الداخل بالذهب، بل كان سقفه أيضا مبطنًا بخليط من الذهب والفضة، بأشكال تخطف الأبصار وتبهر العقول، ومع أن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر لم يكن مُقَصّرًا في الإنفاق في أي ناحية من النواحي مثل الإنفاق على التعليم أو الجيش أو غيره، إلا أن فعله هذا يعد نوعًا من البذخ والترف المبالغ فيه، أدّى في النهاية إلى أن تتعلق القلوب بالدنيا وزخرفها.
ومما جاء في ذلك أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر في قصره وكان على هذا الوصف السابق، فقال له عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر: ما تقول في هذا يا منذر (يريد الافتخار)؟ فأجابه المنذر ودموعه تقطر على لحيته قائلا: ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ على ما آتاك الله من النعمة وفضلك على كثير من عباده تفضيلًا حتى ينزلك منازل الكافرين.
فقال عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر: انظر ما تقول، كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟! فردّ عليه المنذر: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم:
[
وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ] {الزُّخرف:33}.
فقد ذكر الله سبحانه وتعالى السُّقُف التي من فضة في هذه الآية على سبيل التعجيز، يعني لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله عز وجل، لكنّا لم نجعله، إلا أن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر فعله وجعل لقصره سقفًا من فضة.
وهنا وجم عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر بعدما سقطت عليه تلك الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه رحمه الله تنساب على وجهه، وقام على الفور ونقض ذلك السقف وأزال ما به من الذهب والفضة، وبناه كما كانت تبنى السُّقُف في ذلك الزمن، إلا أنه ولكثرة الأموال ومع مرور الوقت، كان مظهر الترف يعود ويبرز من جديد حتى أصبح الإنفاق في لا شيء، وقد قال الله سبحانه وتعالى: [وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا] {الإسراء:16}.
السبب الثاني:
توسيد الأمر لغير أهله:
إضافة إلى الترف والإسراف فقد كان توسيد الأمر لغير أهله من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط الدولة العامرية والخلافة الأموية، ولقد تجسد هذا العامل واضحًا جليًا حين ولّى الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر ابنه أمور الحكم في البلاد وهو ما زال طفلًا لم يتجاوز الثانية عشرة سنة بعد، فتحكم فيه الأوصياء وحدثت المكائد والمؤامرات، رغم ما كان من حياة الحَكَم الحافلة بالجهاد ونشر العلم والدين في البلاد.
وقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك حين أجاب السائلَ عن أمارات الساعة بقوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أماراتها: أَنْ تُضَيَّعَ الْأَمَانَةُ، فقال السائل: وكيف إضاعتها فقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ.
وهكذا إذا تولّى من لا يستحق منصب من المناصب، فلا بد وأن تحدث الهزة في البلاد ويحدث الانهيار، فما البال وما الخطب إذا كان هذا المنصب هو منصب الخليفة أعلى مناصب الدولة؟ فقد ضيعت الأمانة ووسد الأمر لغير أهله، فكان لا بدّ أن تقع الأندلس والخلافة الأموية والدولة العامرية.
السبب الثالث:
انتفاء روح الجهاد الحقيقية ليصبح مجردًا للمادة وجمع الغنائم
كان أيضا من أهم أسباب سقوط الدولة العامرية الملحقة بالخلافة الأموية أن الدولة العامرية اعتمدت في جهادها على الناحية المادية من جند وعدد وعدة ومال ومعمار، ولم تصرف نواياها إلى رب العالمين سبحانه وتعالى ولم يجددوا تربية الشعب على الجهاد في سبيل الله طلبًا للجنة أو الموت في سبيل الله، فافتقد الشعب روح الجهاد الحقيقي ومعناه، وأصبح جلّ همّه جمع المال وعَدّ الغنائم.
المهدي وبداية الفتنة وعهد ملوك الطوائف
من قريب كنا نتحدث عن الجهاد والفتوحات وعصر القوة والنفوذ، وها هو التاريخ يدير لنا ظهره ويبدأ دورة جديدة من دوراته في الأندلس، اتُّفق على تسميتها بعهد ملوك الطوائف، فكان من سنن الله عز وجل في كونه ألا تقوم أمة إلا ويكون لها سقوط كما كان لها قيام، يطول عهدها أو يقصر بحسب قربها أو بعدها من منهج من يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
بعد خلع هشام بن عبد الملك بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر الذي تلقب بالمهدي انفرط العقد تمامًا في الأندلس، فلم يكن يملك المهدي من لقبه إلا رسمه، فكان فتى لا يحسن قيادة الأمور وليس له من فن الإدارة شيء، فكان من أول أعماله في الحكم ما يلي:
أولًا: ألقى القبض على كثير من العامريين ثم قتلهم، وثانيًا: بدأ ينتقم من البربر الذين كانوا العون الرئيس لمحمد بن أبي عامر (الرجل الأول في الدولة العامرية) ولمن خلفه في الحكم من أولاده، فبدأ يقتّل أيضًا فيهم ويقيم عليهم الأحكام حبسًا وتشريدًا.
أثار هذا الفعل غير الحصيف من قبل المهدي غضبًا عارمًا لدى البربر والعامريين، بل وعند الأمويين أنفسهم الذين لم يعجبهم هذا القتل وذاك التشريد، وهذه الرعونة في التصرف، فبدأ يحدث سخط كبير من جميع الطوائف على المهدي.
لم يكن ليقف الأمر عند هذا الحد، فقد تجمع البربر وانطلقوا إلى الشمال وهناك أتوا بسليمان بن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، وهو أخو هشام بن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر الخليفة المخلوع منذ شهور قليلة، فنصّبوه عليهم ولقبوه بخليفة المؤمنين، وبدأ يحدث صراع بين سليمان بن الحكم هذا ومن ورائه البربر وبين المهدي في قرطبة.
بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث غريب
وجد سليمان بن الحكم ومن معه من البربر أن قوتهم ضعيفة ولن تقوى على مجابهة قوات المهدي، فقاموا بعمل لم يُعهد من قبل في بلاد الأندلس، فاستعانوا بملك قشتالة.
كانت مملكة قشتالة هذه هي أحد جزئي مملكة ليون في الشمال الغربي بعد أن كان قد نشب فيها (مملكة ليون) حرب داخلية وانقسمت على نفسها في سنة 359 هـ= 970 م إلى قسمين، فكان منها قسم غربي وهو مملكة ليون نفسها، وقسم شرقي وهي مملكة قشتالة، وكلمة قشتالة تحريف لكلمة كاستولّة، وتعني أيضًا قلعة باللغة الأسبانية، فحرفت في العربية إلى قشتالة، وكانت قد بدأت تكبر نسبيًا في أول عهد ملوك الطوائف فاستعان بها سليمان بن الحكم والبربر على حرب المهدي.
وبين المهدي من ناحية وسليمان بن الحكم والبربر وملك قشتالة من ناحية أخرى دارت موقعة كبيرة، هُزم فيها المهدي أو محمد بن هشام بن عبد الجبار، وتولى سليمان بن الحكم مقاليد الحكم في بلاد الأندلس، وبالطبع كانت فرصة من السماء لملك قشتالة لضرب الأندلسيين بعضهم ببعض ووضع قاعدة لجيشه وجنده في أرض الأندلس، تلك البلاد التي لطالما دفعت الجزية كثيرًا للمسلمين من قبل.
وفي فترة مدتها اثنتان وعشرون سنة يتولى حكم المسلمين في الأندلس ثلاثة عشر خليفة متتاليين، بدأت هذه الفترة بهشام بن الحكم في سنة 359 هـ= 970 م، ثم المهدي، ثم سليمان بن الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر الذي تولى الحكم ولقب نفسه بالمستعين بالله (وكان قد استعان بملك قشتالة) وذلك في سنة 400 هـ= 1010 م.
بين المهدي وسليمان بن الحكم وحدث أغرب
وتدور الأحداث بعد ذلك، حيث يفرّ المهدي الذي انهزم أمام سليمان بن الحكم أو المستعين بالله إلى الشمال حيث طرطوشة، وفي طرطوشة وحتى يرجع إلى الحُكم الذي انتزعه منه سليمان بن الحكم والذي لم يبق فيه غير شهور قليلية فكّر المهدي في أن يتعاون مع أحد أولاد بني عامر، ذلكم الذين كان منذ قليل يذبّح فيهم جميعًا.
كان المهدي قد قابل في طرطوشة رجلًا من قبيلة بني عامر يدعى الفتى واضح، والذي أقنع المهدي بأنه سيتعاون معه ليعيده إلى الملك من جديد ويبقى هو على الوزارة كما كان عهد الدولة العامرية من قبل، الأمر الذي وافق قبولًا لدى المهدي، فقبل عرض الفتى واضح وبدأ يتعاونان سويًا لتنفيذ مخططهما هذا.
في بداية الأمر وجد الفتى واضح والمهدي أنهما لن يستطيعا أن يصمدا أمام قوة كبيرة مثل التي يملكها سليمان بن الحكم والبربر ومعهما ملك قشتالة، فهداهما تفكيرهما في الاستعانه بأمير برشلونة، وبرشلونة هذه كانت ضمن مملكة أراجون التي تقع في الشمال الشرقي للأندلس، والتي كان يدفع حاكمها الجزية لعَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر ولابنه وأيضا للحاجب المنصور، فلما حدثت هذه الهزة في بلاد المسلمين انخلعت من هذه العباءة، وقامت من جديد، فكان أن استعان بجيشها المهدي والفتى واضح في حرب سليمان وملك قشتالة.
وافق أمير برشلونة على أن يساعدهم لكن على شروط هي:
أولا: مائة دينار ذهبية له عن كل يوم في القتال.
ثانيا: دينار ذهبي لكل جندي عن كل يوم في القتال، وقد تطوع الكثير لحرب المسلمين، فكان عدد الجيش كبيرًا.
ثالثا: أخذ كل الغنائم من السلاح إن انتصر جيش برشلونة مع المهدي والفتى واضح.
رابعا: أخذ مدينة سالم، وكانت مدينة سالم قد حررها قديما عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر في عهد الخلافة الأمويّة، وهي بلا شك شروط قبيحة ومخزية، ولا ندري كيف يوافق مسلم على مثلها؟!
لكن الذي حدث هو أنهم وافقوا على هذه الشروط، وبدأت بالفعل موقعة كبيرة جدًا في شمال قرطبة بين المهدي (محمد بن هشام بن عبد الجبار) ومعه الفتى واضح العامري ومعهم أمير برشلونة من جهة، وسليمان بن الحكم الخليفة الملقب بالمستعين بالله ومعه البربر من جهة أخرى، انتصر فيها المهدي ومن معه، وانهزم سليمان بن الحكم وفرّ ومن بقي معه من البربر، وسلمت مدينة سالم لأمير برشلونة، ومثلها الغنائم، وتولى المهدي الحكم من جديد في قرطبة.
الفتى واضح وعودة هشام بن الحكم الخليفة المخلوع
ولأنه زمن فتنة، فما فتئ المهدي يصل إلى الحكم في قرطبة حتى انقلب عليه الفتى واضح ثم قتله، وبدأ هو في تولى الأمور.
كان الفتى واضح أذكى من عبد الرحمن بن المنصور، هذا الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك، فقد رفض أن يكون هو الخليفة؛ حيث اعتاد الناس أن يكون الخليفة أموي وليس عامري، ومن ثم فإذا فعل ذلك فسيضمن ألا تحدث انقلابات عليه، وأيضا يكون محل قبول لدى جميع الطوائف.
ومن هنا فقد رأى الفتى واضح أن يُنصّب خليفة أموي ويحكم هو من ورائه، وبالفعل وجد أن أفضل من يقوم بهذا الدور ويكون أفضل صورة لخليفة أموي هو هشام بن الحكم الخليفة المخلوع من قبل، هذا الذي ظل ألعوبة طيلة ثلاث وثلاثين سنة في يد محمد بن أبي عامر ثم في يد عبد الملك بن المنصور، ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور على التوالي.
ذهب الفتى واضح إلى هشام بن الحكم وعرض عليه أمر الخلافة من جديد، وأنه سيكون رجله الأول في هذه البلاد، وعلى الفور وافق هشام بن الحكم الذي كان ملقبًا بالمؤيد بالله، وعاد من جديد إلى الحكم، لكن زمام الأمور كانت في يد الفتى واضح.
سليمان بن الحكم وأعمال يتأفف من ذكرها التاريخ
كان سليمان بن الحكم لم يُقتل بعد وما زال في البلاد يدبر المكائد؛ يريد أن يعود إلى الحكم من جديد، لم يجد أمامه إلا أن يعود مرة أخرى إلى ملك قشتالة (المرة الأولى كان قد ساعده على هزيمة المهدي والوصول إلى الحكم) ويعرض عليه من جديد أن يكون معه ضد الفتى واضح وهشام بن الحكم حتى يصل إلى الحكم.
ولأن ملك قشتالة ذلك الخبيث كان يطمع فيما هو أكثر مما عند سليمان بن الحكم، فقد رد عليه بأن يمهله عدة أيام حتى يعطيه الجواب، وخلال هذه الأيام كان قد ذهب ملك قشتالة إلى هشام بن الحكم (الحاكم في ذلك الوقت) وأخبره بما كان من أمر سليمان بن الحكم منتظرا الجواب والمقابل في عدم مساعدته له (لسليمان) في حربه إياه، وهنا كان العجب العجاب، فما كان من هشام بن الحكم إلا أن خيّر ملك قشتالة بين عدة أمور، كان من بينها: إعطائه كل الحصون الشمالية التي كانت للمسلمين في بلاد الأندلس، ذلك الخيار الذي قبله ملك قشتالة؛ فتوسعت قشتالة جدا حتى أصبحت حدودها أكبر من حدود مملكة ليون، بالرغم من أنها كانت جزءا صغيرا منفصلا عن مملكة ليون، وعظمت بذلك البلاد النصرانية في الشمال.
وإنها لكارثة كبيرة قد حلت بديار الإسلام، فقد حدثت كل هذه الأحداث من القتل والمكائد والصراعات والاستعانة بالنصارى ثم دخولهم بلاد المسلمين، كل ذلك في ثلاث سنوات فقط.
وفي سنة 403 هـ= 1012 م حيث هشام بن الحَكم على الحُكم، قام سليمان بن الحكم ومن معه من البربر بعمل لم يحدث في تاريخ المسلمين من قبل وحتى هذه اللحظة، فقد هجموا على قرطبة وعاثوا فيها، فسادا، وقتلا، واغتصابا للنساء، ثم من جديد يتولى سليمان بن الحكم (المستعين بالله) الحكم في بلاد الأندلس، وطرد هشام بن الحكم من البلاد، ثم قتل بعد ذلك، وكان مقر الحكم آنذاك هو قرطبة، لكن البلاد كانت مفككة تماما، وقد فر العامريون إلى شرق الأندلس في منطقة بلنسية وما حولها.
المفاجأة الكبيرة والمثيرة حقا أن كل هذه الأحداث السابقة والمليئة بالمكائد والمؤامرات، والتي حملت الأسى والألم لكل المسلمين، كانت بين أخوين لأب واحد هو القائد المظفر الحكم بن عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، وكان خطأه والذي يدركه الجميع الآن هو أنه وسد الأمر لغير أهله، واستخلف على الحُكم من لا يملك مؤهلات الحُكم، وهو هشام بن الحَكم.
البربر والانقلاب على سليمان بن الحكم وتأجج الصراعات
من سنة 403 هـ= 1012 م ظل سليمان بن الحكم يتولى الحكم، وكان غالبية جيشه من البربر، وفي سنة 407 هـ= 1016 م وبعد مرور أربع سنوات على حكمه، وفي هذا الزمن المثخن بالصراعات والفتن فكر البربر: لماذا لا نتملك نحن الأمور؟
وعلى الفور أسرعوا وكونوا قوة أساسية كبيرة، واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب، ثم هجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم، بل وقتلوه، وتولى الحكم في بلاد الأندلس علي بن حمود الذي كان من البربر، وتسمى بالناصر بالله.
استقر الأمر لعلي بن حمود في قرطبة وقام بتعيين أخاه القاسم بن حمود على إشبيلية في سنة 407 هـ= 1016 م، وأصبح البربر هم الخلفاء الذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها.
لم يرض العامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس بهذا الوضع، فما كان منهم إلا أن بحثوا عن أموي آخر وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أحد أحفاد عَبْد الرَّحْمَن النَّاصِر، ثم بايعوه على الخلافة، وقد تلقب بالمرتضي بالله.
جاء العامريون ومعهم المرتضي بالله إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري، وبالفعل دارت حرب كبيرة بين العامريين وخليفتهم المرتضي بالله، والبربر وعلى رأسهم علي بن حمود، كان من أعجب ما نتج عن هذه الموقعة أن قُتل الخليفتان علي بن حمود والمرتضي بالله، لكن البربر تمكنوا من الانتصار في نهاية المعركة، وتولى حكم الأندلس منهم القاسم بن حمود الذي كان حاكما لإشبيلية من قِبَل أخيه الذي قُتل.
أحضر العامريون أمويًا آخر، وقامت بعد ذلك صراعات كثيرة، واستمرّ الوضع على هذا الحال حتى سنة 422 هـ= 1031م.
انتهاء عهد الخلفاء والأمراء وتولّي مجلس شورى للحكم
في محاولة لحل هذه الأزمة التي تمرّ بها البلاد، وفي محاولة لوقف هذه الموجة من الصراعات العارمة، اجتمع العلماء وعلية القوم من أهل الأندلس، وذلك في سنة 422 هـ= 1031م، ووجدوا أنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور؛ فلم يعد من يأتي منهم على شاكلة من سبقوهم، فاتفقوا على عزل بني أمية تمامًا عن الحكم، وإقامة مجلس شورى لإدارة البلاد.
وبالفعل كونوا مجلس شورى في هذه السنة، وولوا عليه أبا الحزم بن جهور لإدارة البلاد، وكان أبو الحزم هذا من علماء القوم، كما كان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل، وظل الحال على هذا الوضع ما يقرب من ثلاث سنوات.
لكن حقيقة الأمر أن أبا الحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط من بلاد الأندلس، أما بقية البلاد والأقاليم الأخرى فقد ضاعت السيطرة عليها تماما، وبدأت الأندلس بالفعل تُقسّم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف، أو عهد ملوك الطوائف.
وقد ذكرنا سابقا أن مساحة الأندلس كانت ستمائة ألف كيلو متر مربع، فإذا طرحنا منها ما أخذه النصارى في الشمال؛ فإن النتيجة هي أربعمائة وخمسون ألف كيلو متر مربع (أقل من نصف مساحة مصر) مقسمة إلى اثنتين وعشرين دولة، كل منها بكل مقومات الدولة المتكاملة من رئيس، وجيش، ووزارات، وعملة، وسفراء، فتفتت المسلمون في الأندلس تفتتا لم يُعهد من قبل في تاريخهم، وفقدوا بذلك عنصرا مهما جدا من عناصر قوتهم وهو الوحدة، فكان الهبوط على أشد ما يكون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
المرحلة التي يعيشها المسلمون الآن وتصنيفها
قد يتساءل المرءُ: ما هو تصنيفنا كمسلمين في هذا العصر وفقًا للمراحل السابقة ما بين الارتفاع والهبوط أو القيام والسقوط؟
وواقع الأمر وكما هو واضح للعيان أن الأمة الإسلامية تمرّ الآن بمرحلة من مراحل السقوط، سقوط كبير وضعف شديد وفرقة للمسلمين، سقوط مباشر لسقوط الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي، وهو أمر طبيعي ودورة طبيعية من دورات التاريخ الإسلامي، وسنّة من سنن الله تعالى كما رأينا.
إلا أن مرحلة السقوط الأخيرة هذه قد شابها أمران لم تعهدهما الدولة الإسلامية ولم يتكررا من قبل في مراحل سقوطها المختلفة...
الأمر الأول
هو: غياب الخلافة، إذ حدث ولأول مرة في التاريخ أن يصبح المسلمون بلا دولة واحدة تجمعهم، فرغم ما كان وما يكون من السقوط والانهيار على مدى فترات الضعف التي مرت بها الأمة الإسلامية، إلا أنه لم تكن لتغيب صورة الخلافة عن الأذهان بحالٍ من الأحوال، منذ الدولة الأموية في القرن الأول الهجري وحتى سقوط الخلافة العثمانية في القرن الرابع عشر الهجري؛ حيث كان الإسلام سياسيًا (دين ودولة) طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان.
الأمر الثاني وهو: غياب الشرع الإسلامي، فلم يكن أيضًا في أي من عصور السقوط السابقة للدول الإسلامية، مع ما يصل المسلمون إليه من تدنٍ وانحدار لم يكن أبدا يُلغى الشرع أو يغيب، نعم قد يُتجاوز أحيانًا في تطبيق بعض أجزائه، لكن لم يظهر على الإطلاق دعوة تنادي بتنحية الشرع جانبًا، وتطبيق غيره من قوانين البشر مما هو أنسب وأكثر مرونة على حسب رؤيتهم.
وإن مثل هذين العاملين ليجعلان من مهمة الإصلاح والتغيير أمرًا من الصعوبة بمكان، ورغم ذلك فإنه وكما وضحنا ليس بمستحيل؛ لأن المستحيل هنا هو التعارض مع سنن الله سبحانه وتعالى التي تقول بأن دولة الإسلام في قيام حتى قيام الساعة.
وهناك من المبشّرات نحو قيام الدولة الإسلامية الآن الكثير والكثير، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية سنة 1342 هـ= 1924 م كان قد حدث انحدار كبير - ولا شك - في معظم أقطار العالم الإسلامي إن لم يكن كله (بعد سقوط الخلافة العثمانية أُقيمت الدول العربية عدا السعودية على أساس علماني شبيه بالدول الغربية)، وظلّ هذا الوضع حتى أوائل السبعينيات، ثم كانت الصحوة في كل أطراف الأمّة الإسلامية في منتصف السبعينيات وإلى يومنا هذا.
ونظرة واحدة إلى أعداد المصلين في المساجد خاصة الشباب، وإلى أعداد المحجبات في الشوارع في كل أطراف العالم الإسلامي، وانتشار المراكز الإسلامية في كل بلاد أوروبا وفي أمريكا، والصحوة الجهادية في البلاد المحتلة مثل فلسطين والعراق والشيشان وغيرها، وحال الإسلام في جمهوريات روسيا السابقة بعد احتلال نصراني وشيوعي دام لأكثر من ثلاثمائة عام نظرة واحدة إلى مثل هذه الأمور وغيرها يبشر بالقيام من جديد.
وهو ولا شك قيام ينحو الخطى البطيئة المتدرجة لكنه لا ينفي العلو والانتشار المرجو منه، وهذه سنة أخرى من سنن الله عز وجل فلا يجب أن يُستعجل التمكين، ولنا فيما مضى من تاريخ الأندلس، وفي التاريخ الإسلامي بصفة عامة، ومنذ أن أسّس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقل من عشر سنين الدولة الإسلامية التي ناطحت أكبر قوتين في زمنهما، وكان قد أوذي وطرد وهو وأصحابه من بلدهم، منذ ذلك التاريخ وحتى سقوط الخلافة العثمانية لنا خير دليل ومعين. [فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا] {فاطر:43}.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:13 pm

عهد ملوك الطوائف
كانت الأندلس في عهد ملوك الطوائف مقسمة إلى عدد من الدويلات، إضافة إلى أن هذه الدويلات كانت مقسمة داخليًّا، ووصل تعدادالدويلات إلى اثنتين وعشرين دويلة، عُرفت بدول الطوائف أو ملوك الطوائف. وكانت أوضاع هذه الدويلات في غاية السوء؛ فقد كانت هناك نزاعات بين الإخوة فيما بينهم، الأمر الذي تطور إلى أن يستعين البعض بالنصارى في حربه ضد المسلمين. هل كان هناك من لا يوافق على هذه الأوضاع؟ والإجابة هي نعم، كان هناك من يرفض هذه الأوضاع ولا يقبل أن يدفع الجزية للنصارى، مثل المتوكل بن الأفطس وكان يحكم مملكة بطليوس، ورفض دفع الجزية لألفونسو السادس، وكان هناك علماء أيضًا يرفضون هذه الأوضاع، وينادون بالإصلاح مثل الفقيه الإسلامي ابن حزم، وابن عبدالبر أيضًا، وكذلك ابن حيان، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم من أبناء الأندلس نفسها، ولكن كان من المستحيل جمع وتوحيد المسلمين من اثنتين وعشريندولة في دولة واحدة بمجهودهم فقط. ولكن هل باقي أمراء الأندلس على نفس موقف المتوكل بن الأفطس والعلماء؟ وما نتيجة تخاذل هؤلاء الأمراء؟ والإجابة هي لا، فلم يكن باقي الأمراء على شاكلة المتوكل بن الأفطس ولا على شاكلة العلماء، بل كان كل هدفهم هو الدنيا والتنافس بين بعضهم البعض والاستعانة بالنصارى، وكانت نتيجة هذا التخاذل هي سقوط طُلَيْطِلَة، أما النتيجة الثانية لهذا التخاذل هي حصار إشبيلية. ولكن حدث شيء يعطي الأمل في الإصلاح! بعد محاولة ألفونسو السادس حصار إشبيلية هدده المعتمد على الله بن عباد إن لم ينسحب سيستعين بالمرابطين، فانسحب على الفور. والمرابطون همأبطال مجاهدون، لا يهابون الموت، أقاموا دولة إسلامية تربّعت على المغرب العربي وما تحته. اتفق بعض أمراء المسلمين مثل المعتمد على الله بن عباد والمتوكل بن الأفطس، وعبد الله بن بلقينصاحب غرناطة أن يرسلوا إلى دولة المرابطين، ويطلبوا منها أن تأتي للقضاء على النصارى، وكان هذا جزءًا من التوجه الشعبي العام لاستدعاء المرابطين لنصرتهم؛ فأرسلوا إلى يوسف بن تاشفين (410- 500 هـ/ 1019- 1106م) لكي يأتي ويحارب النصارى.
عهد ملوك الطوائف ( 400 - 484 هـ 1009 - 1091 م ) هو ذلك العهد الذي قسمت فيه بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسة هي كما يلي:
أولًا: بنو عَبَّاد:
وهم من أهل الأندلس الأصليين الذين كان يطلق عليهم اسم المولدين، وقد أخذوا منطقة إشبيلية.
ثانيًا: بنو زيري:
وهم من البربر، وقد أخذوا منطقة غرناطة، وكانت إشبيلية وغرناطة في جنوب الأندلس.
ثالثًا: بنو جهور:
وهم الذين كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، وقد أخذوا منطقة قرطبة وسط الأندلس.
رابعًا: بنو الأفطس:
وكانوا أيضا من البربر، وقد استوطنوا غرب الأندلس، وأسسوا هناك إمارة بطليوس الواقعة في الثغر الأدنى.
خامسًا: بنو ذي النون:
كانوا أيضا من البربر، واستوطنوا المنطقة الشمالية والتي فيها طليطلة وما فوقها - الثغر الأوسط -.
سادسًا: بنو عامر:
وهم أولاد بني عامر والذين يعود أصلهم إلى اليمن، استوطنوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم بلنسية.
سابعًا: بنو هود:
وهؤلاء أخذوا منطقة "سَرْقُسْطَة" - الثغر الأعلى -، تلك التي تقع في الشمال الشرقي.
وهكذا قسمت بلاد الأندلس إلى سبعة أقسام شبه متساوية، كل قسم يضم إما عنصرا من العناصر، أو قبيلة من البربر، أو قبيلة من العرب، أو أهل الأندلس الأصليين، بل إن كل قسم أو منطقة من هذه المناطق كانت مقسمة إلى تقسيمات أخرى داخلية، حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية داخل أراضي الأندلس عامة إلى اثنتين وعشرين دويلة، وذلك رغم وجود ما يقرب من خمس وعشرين بالمائة من مساحة الأندلس في المناطق الشمالية في أيدي النصارى.
وقد سادت الأندلس - بعد سقوط الخلافة - حالة من الارتباك والحيرة تبينت خيوطها السوداء بقيام دول متعددة فيه، عُرفت بدول الطوائف ( دويلات أو ملوك أو أمراء الطوائف). هذه التسمية واضحة المدلول في وصف حال الأندلس الذي توزعته عدة ممالك، وإن تفاوتت قوتها وأهميتها ومساحتها ودورها في أحداث الأندلس، كان بعضها يتربص ليحوز ما بيد غيره من الأمراء، مثلما كانت سلطات أسبانيا النصرانية تتربص بهم جميعًا، لا تميّز حتى من كانت له معها صداقة أو عهد. ذلك ديدن سلطات أسبانيا النصرانية، وقبل هذه الظروف يوم كانت تتمتع الأندلس بالقوة؛ فكيف الآن وقد تغير ميزان القوى في الجزيرة الأندلسية، وغدت هذه السلطات هي الأقوى؟... التاريخ الأندلسي: 326
اثنتين وعشرين دويلة ونظرة عامة إلى واقع الفُرقة
ذكرنا سابقًا أنه بعد موت عبد الرحمن بن المنصور العامري، الحاجب الذي كان يتولّى الحجابة على هشام بن الحكم الخليفة الصورة، حدث انهيار مروّع وانفرط العقد تمامًا في أرض الأندلس، وقُسّمت البلاد إلى اثنتين وعشرين دويلة، رغم تآكل مساحة الأندلس عليهم من قِبل النصارى في الشمال.
وإذا نظرنا إلى واقع هذه الدويلات وواقع هذا التفتت وتلك الفرقة نجد الملامح التالية:
أولًا:
تلّقب كل حاكم ممن حكموا هذه الدويلات بلقب أمير المؤمنين، ليس فقط أمير مدينة ولكنه أمير المؤمنين، وكأنه يستحق أن يكون أمير المؤمنين في الأرض.
فكان الرجل في هذا الوقت يسير مسيرة اليوم والليلة فيمر على ثلاثة من أمراء المؤمنين؛ لأن كل دويلة من هده الدويلات كانت مساحتها صغيرة جدا ربما لا تتجاوز مساحة محافظة من المحافظات في أي دولة الآن، وكان لكل دويلة أمير وجيش خاص بها، وسياج من حولها وسفراء وأعلام، وهي لا تملك من مقوّمات الدولة شيء.
وليت كل (أمير) بعد هذه المآسي التي ألمّت بالمسلمين ليته قد ظلّ في منطقته ولم يطمع في أرض أخيه المجاورة له، إلا أنه ورغم هذا بدأ كل منهم بافتعال الصراعات بسبب الحدود، وأصبحت المدن الإسلامية وحواضر الإسلام في الأندلس وللأسف تحارب بعضها بعضًا، فهذه "قرطبة" تتصارع مع "إشبيلية"، وهذه "بَلَنْسِيَّة" تتصارع و"سراقسطة"، وعلى هذا الوضع ظلّ الصراع بين المالك الإسلامية في هذه الفترة.
وإنه لأمر يدعو إلى الدهشة ويجعل المرء ليتساءل: إذا كان هذا الأمير الذي يحارب أخاه شريرًا، ورجلًا خارجًا عن القانون، وبعيدًا عن تعاليم الشرع، ويحارب من أجل الدنيا، فأين شعب هذا الأمير؟! أين الجيش الذي هو من عامة الشعب؟! وكيف زُيّن للشعوب أن يحاربوا إخوانهم المسلمين المجاورين لهم؟!
وفي محاولة لتحليل هذا الوضع نقول: كانت هناك أمور مخجلة في المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت، فالإعلام السائد في هذه الفترة وهو الشعر الذي يمجّد فيه الشعراءُ القادة أو الأمراء، ويصورونهم وكأنهم أنصاف آلهة، فهم أهل الحكمة والتشريع، وأهل العظمة والبأس، وأهل النخوة والنجدة، وهم (الأمراء) أهل الإنجازات الضخمة والأموال العظيمة، فيُفتن الناس والشعوب بمثل هذه الصفات وهذا العلوّ في الأرض فيتبعونهم فيما يقولون [فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ] {الزُّخرف:54}.
وهناك أيضا تحكُّم وضغط شديدين من قِبل الجيوش التي تتبع الحكام على الشعوب، فكانوا يحكمونهم بالحديد والنار؛ فلا يستطيعون أن ينبثوا بمخالفة أو اعتراض أمام الطواغيت.
وبالإضافة إلى هذا فقد ظهر أيضًا في هذه الفترة الفتاوى الخاصة والتي تصرّح لهؤلاء الأمراء بفعل ما يحلو لهم، ففتوى تصرح لقرطبة غزو إشبيلية، وأخرى تصرح لإشبيلية غزو بطليوس، وثالثة تصرح لبطليوس غزو ما حولها.
ثانيًا:
كان هناك أيضا كارثة محققة وجريمة كبرى اقترفها أمراء بعض هذه الدويلات، وظلت ملمحًا رئيسيًا في هذه الفترة، وهي استجداء النصارى والاستقواء بهم، فقد كانت كل دويلة ذات جيش لكنه جيش ضعيف البنية قليل السلاح، ومن ثَمّ فلا بد لهم من معين يستقوون به في حربهم ضد إخوانهم، فتزلّفوا إلى النصارى في شمال الأندلس يتخذونهم أولياء ونصراء على إخوانهم، فمنهم من توجه إلى أمير "قشتالة"، ومنهم من توجّه إلى أمير "أراجون"، وأيضا إلى أمير "ليون".
هذه الممالك النصرانية التي لم تكن تمثّل أكثر من 24 % فقط من أرض الأندلس، وكانت تدفع الجزية إلى عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر ومن بعده الحاجب المنصور.
ثالثًا:
وأشد وأنكى مما سبق فقد بدأ أمراء المؤمنين في هذه الفترة يدفعون الجزية للنصارى، فكانوا يدفعون الجزية لألفونسو السادس حاكم إمارة "قشتالة"، تلك التي توسعت على حساب المسلمين في هذا العهد (عهد ملوك الطوائف) وضمّت إليها أيضًا مملكة "ليون"، فأصبحت "قشتالة" و"ليون" مملكة واحدة تحت زعامة ألفونسو السادس أكبر الحكام النصارى في ذلك الوقت.
فكان أمراء المؤمنين -!! - يدفعون الجزية حتى يحفظ لهم ألفونسو السادس أماكنهم وبقاءهم على الحكم في بلادهم، كانوا يدفعون له الجزية وهو يسبّهم في وجوههم فما يزيدون على أن يقولوا له: ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا على أن تحافظ لنا على مكاننا في هذه البلاد حاكمين.
وكأن قول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ] {المائدة:51،52}. كأنه قد نزل في أهل الأندلس في ذلك الوقت؛ حيث يتعلّلون ويتأولّون في مودة وموالاة النصارى بالخوف من دائرة تدور عليهم من قبل إخوانهم.
وهنا يعلّق سبحانه وتعالى بقوله: [فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ] {المائدة:52}.
وهو بعينه الذي سيحدث في نهاية هذا العهد كما سنرى حين يكون النصر فيُسِرّ هؤلاء في أنفسهم ما كان منهم من موالاة النصارى في الظاهر والباطن، ويندمون حين يفضحهم الله ويظهر أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، وذلك بعد أن كانوا مستورين لا يدرى أحدٌ كيف حالهم.
وإنها لعبرة وعظة يصورها القرآن الكريم منهج ودستور الأمة في كل زمان ومكان: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] {المائدة:57}.
صور عابرة من أوضاع الطوائف والدويلات
أولًا: أنفة وعزّة في زمن عز أن تُشُمّ رائحتهما
كما رأينا حال وواقع كل الممالك وأمراء المؤمنين في هذه الفترة، وكل يدفع الجزية إلى ألفونسو السادس ومن معه، إلا أنه كان هناك رجل واحد يملك عزّة وأنفًا، ولم يرضَ بدفع الجزية، وهو "المتوكل بن الأفطس" أمير مملكة "بطليوس".
فرغم ذلك الجو المليء بالذل والخزي، ورغم أن مملكة "بطليوس" هذه كانت صغيرة جدًا، إلا إن "المتوكل بن الأفطس" لم يكن يدفع الجزية للنصارى، وبالطبع فقد كان النصارى يعلمون أن هذا الرجل مارق وخارج عن الشرعية، تلك التي كانت تحكم البلاد في ذلك الوقت؛ حيث خرج عن المألوف واعتزّ بإسلامه ولم يقبل الذلّ كغيره من أبناء جلدته.
وهنا أرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب فيها منه أن يدفع الجزية كما كان يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فكان من نبأ "المتوكل بن الأفطس" أنه أرسل له ردًا عجيبًا، أرسل إليه برسالة حفظها التاريخ ليعلم الناس جميعًا أن المؤمن وهو في أشد عصور الانحدار والانهيار إذا أراد أن تكون له عزّة فهي كائنة لا محالة، يقول المتوكل بن الأفطس في رسالته:
وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين.
أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. وكان ملك "نافار" جد "ألفونسو السادس" قد أرسل ابنته هديه إلى المنصور حتى يأمن جانبه، وهي أم عبد الرحمن بن المنصور الذي انتهت بحكمه الدولة العامرية كما ذكرنا.
ويضيف "المتوكل بن الأفطس" قائلًا: أما نحن فإن قلّت أعدادنا وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وبالله تعالى وملائكته المسوّمين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت.
ما كان من "ألفونسو السادس" إلا أن وجم ولم يفكر ولم يستطع أن يرسل له جيشًا، فقد غزا كل بلاد المسلمين في الأندلس خلا "بطليوس"، لم يتجّرأ على أن يغزوها، فكان يعلم أن هؤلاء الرجال لا يقدر أهل الأرض جميعهم على مقاومتهم، فأعزّ الإسلامُ ورفع من شأن "المتوكل بن الأفطس" ومن معه من الجنود القليلين حين رجعوا إليه، وبمجرد أن لوّحوا بجهاد لا يرضون فيه إلا بإحدى الحسنيين، نصر أو شهادة.
ثانيًا: ضعف وخور وذل وهوان
لم يكن عموم الوضع في أرض الأندلس على شاكلة الصورة السابقة في موقف المتوكل بن الأفطس من ألفونسو السادس، ونحن لسنا في معرض الخوض في تفاصيل باقي الدويلات الاثنتين والعشرين؛ إذ هي موجودة في كتب التاريخ، ولكن نعرض لبعض الصور من باقي هذه الدويلات، تكفي لتصور الوضع في هذه الفترة، ومدى التدني الذي وصل إليه المسلمون في الأندلس آنذاك.
والصورة الأولى من الشمال الشرقي للأندلس وبالقرب من فرنسا، وبالتحديد في "سرقسطة" التي كان يحكمها كما ذكرنا بنو هود، فحين وافت حاكم "سرقسطة" المنيّة أراد أن يستخلف من بعده، وكان له ولدان، الكبير، وكان الأولى لكبره كما هي العادة في توارث الحكم، والصغير، وهو الأنجب والأفضل من الكبير، ولئلا يظلم أيًا منهما كما خُيّل له فقد قام الأب الحاكم بعمل غريب لم يتكرر في التاريخ؛ حيث قسم الدويلة، الأرض والشعب والجيش، كل شيء إلى نصفين لكل منهما النصف.
يموت الأب وتمرّ الأيام ويختلف الأخوان على الحدود فيما بينهما، فيقوم أحدهما بالهجوم على أخيه لتحرير حقه وأرضه المسلوبة، ولأنه لم يكن له طاقة بالهجوم لأن الجيش مقسّم والكيان ضعيف، فما كان من هذا الأخ إلا أنه استعان بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم!!
لم يستمع هذا الأخ ما قيل له من أن هذا الملك النصراني سيأخذ هذه الأرض ويضمها إلى أملاكه، فكان اعتقاده أن ملك برشلونة (مملكة أراجون) رئيس دولة صديقة، ويستطيع أن يأخذ له حقه من أخيه، وكان كل همّه أن يظل ملكًا على دويلته، وملكه لا بدّ وأن يعود إلى حوزته.
مأساة بربُشْتَر
جاء النصارى بالفعل ودخلوا البلاد، وفي مملكة "سرقسطة" أحدثوا من المآسي ما يندّ له الجبين، ومن أشهر أفعالهم فيها ما عرف في التاريخ بمأساة بربُشْتَر.
دخل النصارى على بربُشْتَر ( مدينة عظيمة في شرقي الأندلس من أعمال بربَطَانية) البلد المسلم ليحرروه ويعطوه للأخ المسلم الذي ادعى أن أخاه قد اغتصبه منه، بدأ الأمر بالحصار وذلك في جمادى الآخرة سنة 456 هـ= مايو 1064 م وظل مداه طيلة أربعين يومًا، والمسلمون في الداخل يستغيثون بكل أمراء المؤمنين في كل أرض الأندلس، ولكن لا حراك، فالقلوب تمتلئ رهبة من النصارى، وأمراء المسلمين يعتقدون بأنهم ليس لهم طاقة بحربهم أو الدفاع عن إخوانهم ضدهم، وفكروا بأن يستعينوا بدولة أخرى غير تلك الدولة الصديقة المعتدية، وظلوا الأربعين يومًا يتفاوضون ويتناقشون حتى احتل النصارى بربُشْتَر.
ما إن دخل النصارى بربُشْتَر، وفي اليوم الأول من دخولهم قتلوا من المسلمين أربعين ألفًا، (من رواية ياقوت الحموي، وهناك رواية أخرى تزيدهم إلى مائة ألف) وسبوا سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة (أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة) وأعطين هدية لملك القسطنطينية، وأحدثوا من المآسي ما تقشعر منه الأبدان وتنخلع منه القلوب؛ إذ كانوا يعتدون على البكر أمام أبيها وعلى الثيًب أمام زوجها، والمسلمون في غمرة ساهون.
ومثل هذه الصورة لا نعدمها عبر التاريخ في حقل الصراع بين المسلمين والنصارى حتى عصرنا الشاهد، وليس ببعيد عنا ما قام به النصارى وإخوانهم اليهود في البوسنة والهرسك، حيث اغتصاب لخمسين ألف فتاة وقتل مائتين وخمسين ألف مسلم، غير ما حدث في كشمير وكوسوفا، وما يقومون به اليوم في فلسطين والعراق وغيرها من بلاد المسلمين الممتحنة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:15 pm

مأساة بَلَنْسِيَّة
ومثلها أيضًا كانت مأساة بَلَنْسِيَّة في سنة 456 هـ= مايو 1064 م سنة 456 هـ= مايو 1064 م، حيث قتل ستون ألف مسلم في هجوم للنصارى عليها. ولم يتحرك من المسلمين أحد.
غنى فاحش وأموال في غير مكانها
رغم ما كان من صور الضعف والمآسي السابقة وأمثالها الكثير والكثير إلا إن أمراء المسلمين كانوا لاهين غير عابئين بما يدور حولهم، فقد كانوا يملكون من المال الكثير، والذي شغلهم بدنياهم عن دينهم، ومما جاء في ذلك أن زوجة حاكم إشبيلية المعتمد على الله بن عباد كانت تقف ذات مرة في شرفة قصرها فشاهدت الجواري وهن يلعبن في الطين خارج القصر، فاشتهت نفسها أن تفعل مثلهن وتلعب في الطين، فما كان من حاكم إشبيلية (المعتمد على الله) إلا أن صنع لها طينًا خاصًا، فاشترى كميات كبيرة من المسك والعنبر وماء الورد، وخلطها وجعلها طينًا خاصًا بالملوك، حتى وإن كان من أموال المسلمين، لعبت زوجة الملك بهذا الطين ثم سأمت منه، ومرت الأيام وضاع ملك المعتمد على الله، وحدث شجار مع زوجته تلك في أحد الأيام فقالت له كعادة من يكفرن العشير: ما رأيت منك من خير قط، فرد عليها واثقًا: ولا يوم الطين؟! فسكتت واستحيت خجلًا من الأموال (أموال المسلمين) التي أُنفقت عليها في لُعبة كانت قد اشتهتها.
ورغم ذلك فقد كان هناك الشعر الذي يصف "المعتمد على الله بن عباد" بكل صفات العزة والكرامة والعظمة والمجد والبأس، وغيرها مما هو مخالف للواقع، وبما يعكس صورة الإعلام المقلوبة في ذلك الوقت وفي كل وقت يعلو فيه الظلم وترتفع رايات الباطل وتتبدل فيه الموازيين.
الأندلس بعد حصار إِشْبِيلِيّة
في سنة 478 هـ= 1085 م - كما ذكرنا - كانت قد سقطت طُلَيْطِلَة، ومنذ سقوطها في ذلك التاريخ لم تُعد للمسلمين حتى الآن، ثم حوصرت إِشْبِيلِيّة مع أنها كانت تقع في الجنوب الغربي للأندلس وبعيدة عن مملكة "قشتالة" النصرانية التي تقع في الشمال، وكاد المعتمد على الله بن عباد أن يحدث معه مثلما حدث مع بربشتر أو بلنسية لولا أن مَنّ الله عليه بفكرة الاستعانة أو التلويح بالاستعانة بالمرابطين.
وحيال ذلك فكّر أمراء المؤمنين في الأندلس في تلك الكارثة التي حلّت بدارهم، وكانوا يعلمون أنه إن عاجلًا أو آجلًا ستسقط بقية المدن، فإذا كانت طُلَيْطِلَة واسطة العقد قد سقطت فمن المؤكد أن تسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وإِشْبِيلِيّة والكثير من حواضر الإسلام في الأندلس، فاتفقوا على عقد مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وكان أول مؤتمر يجتمعون فيه للاتفاق على رأي موحّد تجاه هذا الوضع.
كان أول قرارات ذلك المؤتمر هو التنديد بشدة بالاحتلال القشتالي لطُلَيْطِلَة، فقشتالة دولة صديقة كيف تقدم على هذا الفعل غير العادي، لا بدّ أن تُشتكى قشتالة لدولة محايدة من دول المنطقة، حتى لا نكون محاربين لدولة صديقة، فنحن نريد السلام العادل والشامل في المنطقة كلها وهو خيارنا الوحيد خاصّة وأننا نمرّ بمنعطف خطير يهدد أمن البلاد وسلامتها والحرب لا يأتي منها إلا الدمار والخراب...
ولأن الخير لا يُعدَم أبدًا في كل مكان وزمان، فقد اجتمع الأمراء ومعهم العلماء، وكان العلماء يفهمون حقيقة الموقف ويعرفون الحلّ الأمثل له فأشاروا بالجهاد، وهم يعلمون أن في التاريخ ما يثبت أن المسلمين إذا ما ارتبطوا بربهم وجاهدوا في سبيله كان النصر حتمًا حليفهم وإن كانوا قلة، فـ [كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ] {البقرة: 249}
قُوبل هذا الرأي بالرفض تمامًا، ورُدّ عليه بأنهم يريدون وقف نزيف الدماء، أهم ما في الأمر أن نوقف الحرب ونحاول حل الموقف بشيء من السلام مع "قشتالة"، نجلس مع "ألفونسو السادس" على مائدة المفاوضات، فربما تكون في نيته فرصة في أن يترك "طُلَيْطِلَة"، أو يأخذ جزءًا منها ويترك الباقي، ثم نعيش جنبًا إلى جنب في سلام وأمان، وكانت هذه إشارات مترجمة لحال الأمراء الرافضين لحل العلماء السابق.
رأى العلماء استحالة الجهاد، حيث الذل والهوان قد استبدّ بالناس فألفوه، وظلوا لأكثر من سبعين سنة يدفعون الجزية ولا يتحرّجون من هذا العار، فمن الصعب أن يَدَعُوا الدنيا ويحملوا السلاح ويجاهدوا في سبيل الله، فأشار عليهم العلماءُ برأيٍ آخر يستبعدُ الجهاد وهو أن يرسلوا إلى دولة المرابطين، ويطلبوا منها أن تأتي وتقاوم النصارى وتهاجمهم في موقعة فاصلة تبعدهم بها عن أرضهم.
ورغم عقلانية هذا الرأي إلا أن الأمراء لم يقبلوا به أيضًا؛ خوفًا من أن تسيطر دولة المرابطين القوية على أرض الأندلس بعد أن تهزم النصارى، وبعد جدال طويل فيما بينهم أنعم الله سبحانه وتعالى على رجل منهم وهو "المعتمد على الله بن عباد"، والذي كان منذ قليل قد لوّح باسم المرابطين ففكّ "ألفونسو السادس" الحصار عنه، فلم يجد مانعًا يمنعه - إذن - من الاستعانة بهم بالفعل...
قال صاحب نفح الطيب:
وفشا في الأندلس توقيع ابن عباد - أي توقيعه على ظهر رسالة ألفونسو: والله لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين - وما أظهر من العزيمة على جواز يوسف بن تاشفين، والاستظهار به على العدو، فاستبشر الناس، وفرحوا بذلك، وفتحت لهم أبواب الآمال. وأما ملوك طوائف الأندلس فلما تحققوا عزم ابن عباد وانفراده برأيه في ذلك، اهتموا منه - أي صاروا مهمومين مما عزم عليه - ومنهم من كاتبه، ومنهم من كلمه مواجهة، وحذروه عاقبة ذلك، وقالوا له: الملك عقيم، والسيفان لا يجتمعان في غمد واحد، فأجابهم ابن عباد بكلمته السائرة مثلاً: رعي الجمال خير من رعي الخنازير، ومعناه أن كونه مأكولاً ليوسف بن تاشفين أسيراً له يرعى جماله في الصحراء خير من كونه ممزقاً للأذفونش أسيراً له يرعى خنازيره في قشتالة. وقال لعذاله ولوامه: يا قوم إني من أمري على حالتين: حالة يقين، وحالة شك، ولا بد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني إن استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فيها عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذ قصر أصحابه عن لومه.
زلزل هذا الخطاب قلوب البعض وحرّك فيهم مكامن النخوة، فقام "المتوكل بن الأفطس"، وهو الرجل الوحيد الذي لم يدفع الجزية طيلة حياته - كما ذكرنا ورأينا رسالته في ذلك - قام ووافق "المعتمد على الله" على هذا الأمر، ومن بعده قام "عبد الله بن بلقين" صاحب غرناطة ووافقه أيضًا، فأصبحت (غرناطة وإشبيلية وبطليوس) الحواضر الإسلامية الضخمة متفقة على الاستعانة بالمرابطين، في حين رفض الباقون، ووصفوا خطبة المعتمد على الله ابن عباد بالحماسية المنفعلة
وفور موافقة الأمراء الثلاثة جعلوا منهم وفدًا عظيمًا مهيبًا، يضمُّ العلماء والوزراء، ليذهب إلى بلاد المغرب العربي، ويطلب العون من زعيم المرابطين هناك لينقذهم من النصارى المتربصين
...
دور الشعوب في تحقيق النصر
لم يكن الأمراء هم أصحاب السبق في فكرة استدعاء المرابطين لنصرة المسلمين وحمايتهم من بطش النصارى بل سبقهم إلى ذلك العلماء والشعوب وكانت استجابة الأمراء جزءًا من التوجه الشعبي العام لاستدعاء المرابطين لنصرتهم، وقبل هذا الوفد الذي بعثه أمراء (غرناطة وإشبيلية وبطليوس) كانت الوفود الأخرى من عموم الشعب ومن العلماء قد ذهبت إلى يوسف بن تاشفين ( 410 - 500 هـ= 1019 - 1106 م ) قال صاحب الروض المعطار في خبر الأقطار: وكان يوسف بن تاشفين لا يزال يفد عليه وفود ثغور الأندلس مستعطفين مجهشين بالبكاء ناشدين الله والإسلام مستنجدين بفقهاء حضرته ووزراء دولته، فيستمع إليهم ويصغي إلى قولهم وترق نفسه لهم...
مصلحون ولكن
كسنّة من سنن الله أيضًا في المسلمين فإن أعمال الخير والدعوات الإصلاحية لم تُعدم ولن تُعدم إلى قيام الساعة برغم ما يحدث مما هو في عكس طريقها؛ فقد كانت هناك محاولات إصلاحية في هذا العهد، وأخرى تبدي عدم موافقتها لهذا الوضع المزري في البلاد، لكنها كانت دعوات مكبوتة، لم تستطع أن ترى النور،
يقول أحد الشعراء واصفًا هذه الفترة
:
مِمَّا يُزَهِّدُنِي فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ أَلْقَـابُ مُعْتَضِـدٍ فِيهَـا وَمُعْتَمِدِ
أَلْقَابُ مَمْلَكَةٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا كَالهِرِّ يَحْكِي انْتِفَاخًا صَُورَةَ الْأَسَدِ
فقد كان في كل بلد من بلاد الأندلس قادر بالله ومعتمد على الله ومعتضد بالله ومعتصم بالله ومستكفٍ بالله ومؤيد بالله، وكلهم يدفعون الجزية لألفونسو السادس بما فيهم حاكم إشبيلية (المعتمد على الله) والتي تقع في أقصى الجنوب الغربي من بلاد الأندلس، والتي تبعد كثيًرا جدًا عن مملكة "قشتالة
".
كان من المصلحين في هذا العهد الفقيه الإسلامي المشهور ابن حزم، وأيضًا ابن عبد البر، وكذلك ابن حيان، وأبو الوليد الباجي، وغيرهم الكثير من أبناء الأندلس نفسها، والحق أنهم حاولوا قدر استطاعتهم أن يُخرجوا الشعوب من هذا الموقف الحرج، ويجمّعوا الناس ويوحدوا الصفوف، لكن كان من المستحيل جمع وتوحيد المسلمين من اثنتين وعشرين دولة في دولة واحدة بمجهودهم فقط.
فمن الممكن الاتفاق على مبدأ الوحدة والتجمع، لكن العقبة عند الأمراء كانت تكمن فيمن سيكون الرئيس الأوحد، هل هو حاكم قرطبة أم هو حاكم إشبيلية، أم هو كل من يرى نفسه الأولى والأجدر؟!
فإن كان الظاهر هو الاتفاق لكن الواقع الغالب كان رفض الوحدة، حتى في وجود مثل هؤلاء الأفاضل من علماء المسلمين؛ ففرطوا في واحدة من أعظم نعم الله تعالى على المسلمين، يقول تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] {آل عمرن:103}.
تلك النعمة التي حذّر من التهاون فيها سبحانه وتعالى فقال: [وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] {الأنفال:46} وقال أيضا: [وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ] {آل عمران:105}.
وإنها لأسئلة يوجهها لسان الحال إلى هؤلاء الأمراء المنقسمين على أنفسهم: أما سمعتم عن عزّة الإسلام والمسلمين زمن عبد الرحمن الناصر في الدولة الإسلامية الموحدة، وكيف كانت؟! لماذا تفرطون في مثل هذه العزة في الدنيا وذاك الثواب العظيم في الآخرة؟! أمن أجل أيام معدودات على مدينة من مدن المسلمين تحكمونها؟! أم من أجل الاستكبار وعدم الرغبة في أن تكونوا تحت إمرة رجل واحد من المسلمين؟! أم من أجل التزلّف والاستعباد لملك من ملوك النصارى؟!
سقوط طُلَيْطِلَة.. والبقية تأتي
ما زلنا في عهد ملوك الطوائف وقد تصاعدت المأساة كثيرًا في بلاد الأندلس، ففي سنة 478 هـ= 1085 م تسقط "طُلَيْطِلَة"...
يسقط الثغر الإسلامي الأعلى في بلاد الأندلس تلك المدينة العظيمة التي كانت عاصمة للقوط قبل دخول المسلمين في عهد "موسى بن نصير" و"طارق بن زياد" رحمهما الله.
"
طُلَيْطِلَة" التي فتحها طارق بن زياد بستة آلاف، فتحها بالرعب قبل مسيرة شهر منها...
"
طُلَيْطِلَة" الثغر الذي كان يستقبل فيه عبد الرحمن الناصر الجزية من بلاد النصارى، ومنه كان ينطلق هو ومن تبعه من الحكام الأتقياء لفتح بلادهم في الشمال...
"
طُلَيْطِلَة" المدينة العظيمة الحصينة التي تحوطها الجبال من كل النواحي عدا الناحية الجنوبية.
وكان قد سبق سقوط "طُلَيْطِلَة" استقبالٌ لملك من ملوك النصارى مدة تسعة أشهر كاملة، حيث كان قد فرّ هاربًا من جرّاء خلاف حدث معه في بلاد النصارى، ومن ثَمّ فقد لجأ إلى (صديقه) المقتدر بالله حاكم "طُلَيْطِلَة"، والذي قام بدوره (حاكم طُلَيْطِلَة) في ضيافته على أكمل وجه، فأخذ يتجول به في كل أنحاء البلد، في كل الحصون وكل المداخل، وعلى الأنهار الداخلة لمدينة "طُلَيْطِلَة".
وحين عاد الرجل النصراني إلى بلاده حاكمًا كان أول خطوة خطاها هي الهجوم على طُلَيْطِلَة، فقام بفتحها وضمها إلى بلاده، وقد كان معاونًا وصديقًا قبل ذلك، فكان كما أخبر سبحانه وتعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ] {الممتحنة:1}.
فضَلّ المقتدر بالله سواء السبيل، وأَسَرّ لملك النصارى بأسرارها، فسقطت طُلَيْطِلَة.
وبسقوط طُلَيْطِلَة اهتزّ العالم الإسلامي في الشرق والغرب، وحدث إحباط شديد في كل بلاد الأندلس، وفي تصوير بارع لهذا الإحباط نرى ابن عسّال أحد الشعراء المعاصرين لهذا السقوط يقول:
شُدُّوا رَوَاحِلَكُمْ يَا أَهْلَ أَنْدَلُسِ فَمَـا الْمَقَـامُ فِيهَـا إِلَّا مِـنَ الْغَلَطِ
الثَّـوْبُ يَنْسَـلُّ مـِنْ أَطْرَافِهِ وَأَرَى ثَوْبَ الْجَزِيرَةِ مَنْسُولًا مِنَ الْوَسَطِ
مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَا يَأْمَنْ بَوَائِقَهُ كَيْفَ الْحَيَـاةُ مَـعَ الْحَيَّاتِ فِي سَفَطٍ
وهي صورة عجيبة ينقلها ذلك الشاعر (إعلام ذلك الوقت) المحبط، حتى لكأنه يدعو أهل الأندلس جميعًا بكل طوائفه ودويلاته إلى الهجرة والرحيل إلى بلاد أخرى غير الأندلس؛ لأن الأصل الآن هو الرحيل، أما الدفاع أو مجرد البقاء فهو ضرب من الباطل أو هو (الغلط) بعينه، ولقد سانده وعضد موقفه هذا أن من الطبيعي إذا ما انسلّت حبة من العقد مثلا فإن الباقي لا محالة مفروط، فما الحال إذا كان الذي انسلّ من العقد هو أوسطه "طُلَيْطِلَة" أوسط بلاد الأندلس، فذاك أمر ليس بالهزل، بل وكيف يعيشون بجوار هؤلاء (الحيّات) إن هم رضوا لهم بالبقاء؟! فما من طريق إلا الفرار وشدّ الرّحال
.
حصار إِشْبِيلِيّة
مع هذا الحدث السابق المؤسف تزامن حصار إِشْبِيلِيّة، وإن تعجب فعجب لماذا تُحاصر إِشْبِيلِيّة وحاكمها يدفع الجزية لألفونسو السادس، وهي أيضًا بعيدة كل البعد عن مملكة قشتالة، حيث تقع في الجنوب الغربي من الأندلس؟!
وإن العجب ليكمن خلف قصة هذا الحصار، حيث أرسل "ألفونسو السادس" حاكم "قشتالة" وزيرًا يهوديًا على رأس وفد إلى إِشْبِيلِيّة لأخذ الجزية كالمعتاد، فذهب الوفد إلى المعتمد على الله بن عباد وحين أخرج له الجزية وجد الوزير اليهودي يقول له متبجحًا: إن لي طلبًا آخر غير الجزية، فتساءل (المعتمد على الله) عن هذا الطلب، وفي صلف وغرور وإساءة أدب أجابه الوزير اليهودي بقوله: إن زوجة "ألفونسو السادس" ستضع قريبًا، وألفونسو السادس يريد منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة.
تعجب المعتمد على الله وسأله عن هذا الطلب الغريب الذي لم يتعوده، فقال له الوزير اليهودي في ردّ يمثل قمّة في التحدي ولا يقل إساءة وتبجحًا عن سابقه: لقد قال قساوسة "قشتالة" لألفونسو السادس إنه لو ولد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم.
وكعادة النفوس التي قد بقي بها شيء من عوالق الفطرة السوية أخذت الغيرة المعتمد على الله، فرفض هذا الطلب المزري ووافق على دفع الجزية فقط، وبطبيعته فما كان من الوزير اليهودي إلا أن أساء الأدب وسبّه في حضرة وزرائه.
وبنخوة كانت مفقودة قام المعتمد على الله وأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه، ثم اعتقل بقية الوفد، ثم أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس مفادها أنه لن يدفع الجزية ولن يحدث أن تلد زوجتك في مسجد قرطبة.
جنّ جنون ألفونسو السادس، وعلى الفور جمع جيشه وأتى بحدّه وحديده، فأحرق كل القرى حول حصن إِشْبِيلِيّة الكبير، وحاصر البلاد، وطال الحصار فأرسل إلى المعتمد على الله: إن لم تفتح سأستأصل خبركم.
طاول "المعتمد على الله" في التحصن خوفًا من نتيجة فكّ هذا الحصار، وفي محاولة لبثّ الهزيمة النفسية في قلوب المسلمين والفتّ في عضدهم أرسل ألفونسو السادس رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول فيها: إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل.
يريد وبكل كبرياء وغرور أن يخبره أن أكثر ما يضايقه في هذا الحصار هو الذباب أو البعوض، أما أنت وجيشك وأمتك وحصونك فهي أهون عندي منه.
وبنخوة أخرى وفي ردّ فعل طبيعي أخذ "المعتمد على الله بن عباد" الرسالةَ وقلبها وكتب على ظهرها ردًا وأرسله إلى "ألفونسو السادس"...
لم يكن هذا الردّ طويلًا، إنه لا يكاد يتعدى السطر الواحد فقط، وما إن قرأه "ألفونسو السادس" حتى تَمَلّكهُ الخوف والرعب والفزع وأخذ جيشه، ورجع من حيث أتى...
تُـرى مـا هـو هـذا الـردّ؟!!
في بداية عهد جديد من عهود الأندلس ودورة أخرى من دورات التاريخ بعد هذا الضعف وذاك السقوط، كانت رسالة "المعتمد على الله" إلى "ألفونسو السادس" - والتي أثارت الرعب والفزع في قلبه بمجرد أن قرأها فأخذ جيشه وعاد إلى "قشتالة" - كانت تلك الرسالة هي مهد ذلك العهد وبداية تلك الدورة الجديدة.
فحين أرسل "ألفونسو السادس" رسالته المهينة إلى "المعتمد على الله بن عباد" يطلب منه متهكمًا مروحةً يروّح بها عن نفسه، أخذها "المعتمد على الله" وقلبها ثم كتب على ظهرها: والله لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين.
لم يكن أمام المعتمد على الله غير أسلوب التهديد هذا، فقط لوّح بالاستعانة بالمرابطين، وقد كان "ألفونسو السادس" يعلم جيدًا من هم المرابطون، فهو مطّلع على أحوال العالم الخارجي، فما كان منه إلا أن أخذ جيشه وانصرف.
تُرى من هم المرابطون الذين كانوا بمجرد أن تذكر أسماؤهم تتغير كل الأوضاع؟ إنهم أبطال مجاهدون، لا يهابون الموت، أقاموا دولة إسلامية تملّكت كل مقوماتِ القوّة، تربّعت على المغرب العربي وما تحته، وقبل أن نتحدث عن دولتهم تلك؛ نتعرف أولًا على أحوال بلاد الأندلس بعد حصار إشبيلية؛ حتى نعي الوضع جيدًا قبل بداية عهدهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:19 pm

دولة المرابطين
ماذا تعني كلمة المرابطين؟ وما أصلهم؟
تعني القيام باتخاذ خيامًا على ثغور المسلمين لحمايتها والدفاع عنها، ومن هنا أطلق عليهم اسم المرابطين. ويُنسب المرابطون إلى قبيلة جدالة بموريتانيا.
كيف تحولوا من قمة الفساد إلى هذا الصلاح؟ وكيف بلغت هذه القوة؟
كانت أوضاع جدالة في منتهى الفساد والانحلال، ففكر قائدهم يحيى بن إبراهيم: ماذا يفعل ليصلح أحوال قبيلته؟ فاستدعى رجلاً يدعى عبد الله بن ياسين لكي يعظ هؤلاء الناس، وتنشأ دولة المرابطين من هذه الدعوة. وبعد وفاة عبد الله بن ياسين في سنة 451 هـ/ 1059م، يتولى أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة المرابطين بعد أن كان قد انضم هو وقبيلته إلى المرابطين، ويزداد أعداد المرابطين في عهده، وتتوسع الدولة، وينيب عنه ابن عمه يوسف بن تاشفين زعيمًا على المرابطين، ويذهب لنشر الإسلام في السنغال وغيرها من بقاع إفريقيا. أما يوسف بن تاشفين فلقد حارب حاييم بنمنّ الله، وحارب صالح بن طريف؛ لأنهم ادَّعوا النبوة، وبدأ ينشر الإسلام، حتى عاد أبو بكر بن عمر اللمتوني، فلما وجد يوسف بن تاشفين وقد نشر الإسلام وحارب أعداء الدين؛ فتنازل له عن الحكم وذهب إلى إفريقيا لنشر الإسلام، وقبل وفاته كانت دولة المرابطين تسيطر على ثلث إفريقيا.
المرابطون بالأندلس: في سنة 478 هـ/ 1085م يعبر يوسف بن تاشفين إلى الأندلس ويتحد مع الأندلسيين ويهزم ألفونسو السادس في موقعة "الزَّلاَّقة" من أشهر مواقع التاريخ الإسلامي، ويوحد المغرب والأندلس تحت راية واحدة، وبعد وفاة يوسف بن تاشفين حرر المسلمون الكثير من الأراضي الإسلامية المحتلة.
ولكن هل تنتهي دولة المرابطين؟ نعم، كان لا بد من نهاية لهذه الدولة، ويعود السبب في ذلك إلى الفتنة بالدنيا والأموال، وانشغال المرابطين بالأمورالخارجية عن الأمور الداخلية، وكثرة الذنوب سواء في بلاد المغرب أو في الأندلس، وتعمق العلماء في الفروع دون الأصول. ومن العوامل المسئولة عن الانهيار أيضًا حدوث أزمة اقتصادية في آخر عهد المرابطين؛ بسبب البعد عن الطريق الصحيح.
مَنْ هُم المُرَابِطُون؟
قبيلة جُدَالة وأصل المرابطين:
كان التاريخ هو سنة 478 هـ= 1085 م، حيث سقطت طُلَيْطِلَة، وحوصرت إِشْبِيلِيّة، وعُقد مؤتمر القمة، ومن هذا التاريخ نعود إلى الوراء ثمانية وثلاثين عامًا، وبالتحديد في 440 هـ= 1048 م حيث أحداث "بربشتر" و"بلنسية" السابقة، لنكون مع بداية تاريخ المرابطين.
وكما غوّرنا في أعماق التاريخ، نعود ونغوّر في أعماق صحراء موريتانيا البلد الإسلامي الكبير، وبالتحديد في الجنوب القاحل، حيث الصحراء الممتدة، والجدب المقفر، والحرّ الشديد، وحيث أناس لا يتقنون الزراعة ويعيشون على البداوة.
في هذه المناطق كانت تعيش قبائل البربر، ومن قبائل البربر الكبيرة كانت قبيلة "صنهاجة"، وكانت قبيلتي "جُدَالَة ولَمْتُونة" أكبر فرعين في "صنهاجة"...
كانت "جُدَالة" تقطن جنوب موريتانيا، وكانت قد دخلت في الإسلام منذ قرون، وكان على رأس جدالة رئيسهم يحيى بن إبراهيم الجدالي، وكان لهذا الرجل فطرة سوّية وأخلاق حَسَنة.
نظر يحيى بن إبراهيم في قبيلته فوجد أمورًا عجيبة (كان ذلك متزامنًا مع مأساة بربشتر وبلنسية)، وجد الناس وقد أدمنوا الخمور، وألِفوا الزنى، حتى إن الرجل ليزني بحليلة جاره ولا يعترض جاره، تمامًا كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: [وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المُنْكَرَ] {العنكبوت:29}.
ولماذا يعترض الجار وهو يفعل نفس الشيء مع جاره؟!
فقد فشى الزنى بشكل مريع في جنوب موريتانيا في ذلك الزمن، وكثر الزواج من أكثر من أربعة، والناس ما زالوا مسلمين ولا ينكر عليهم أحد ما يفعلونه، فالسلب والنهب هو العرف السائد، القبائل مشتتة ومفرقة، القبيلة القوية تأكل الضعيفة، والوضع شديد الشبه بما يحدث في دويلات الطوائف، بل هو أشدّ وأخزى.
((وكان المغرب الأقصى في ذلك الوقت في محنة سياسية ودينية، حيث ظهرت دعوات منحرفة عن الإسلام وحقيقته وجوهره الأصيل، واستطاعت بعض الدعوات الكفرية أن تشكل كيانًا سياسيًا تحتمي به))... د. الصلابي - الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين
لقد كانت هذه الأوضاع سواء في بلاد الأندلس أو في موريتانيا أشد وطأةً مما نحن عليه الآن، فلننظر كيف يكون القيام، ولنتدبّر تلك الخطوات المنظّمة والتي سار أصحابها وفق منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة وإصلاح أحوال الأمة...
يحيى بن إبراهيم يحمل هم المسلمين
كان يحيى بن إبراهيم الجُدالي صاحب الفطرة النقيّة يعلم أن كلّ ما يفعله قومه من المنكرات، لكنه لم يكن بمقدوره التغيير؛ فالشعب كله في ضلال وعمى، وبعيد كل البعد عن الدين، كما أن الرجل نفسه لا يملك من العلم ما يستطيع به أن يغيّر الناس.
وبعد حيْرة وتفكّر هداه ربُّه لأن يذهب إلى الحج، ثم وهو في طريق عودته يُعرّج على حاضرة الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان (في تونس الآن)، فيكلّم علماءَها المشهورين بالعلم لعلّ واحدًا منهم أن يأتي معه فيُعلّم قبيلته الإسلام.
وبالفعل ذهب إلى الحج وفي طريق عودته ذهب إلى القيروان، وقابل هناك أبا عمران موسى بن عيسى الفاسي (368 - 430 هـ= 979 - 1039 م )، وهو شيخ المالكية في مدينة القيروان (كان المذهب المالكي هو المنتشر في كل بلاد الشمال الإفريقي وإلى عصرنا الحاضر، كما كان هو المذهب السائد في بلاد الأندلس)، قال عنه الحميدي صاحب جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس - (جـ 1 / صـ 121) موسى بن عيسى بن أبي حاج واسم أبي حاج: يحج أبو عمران الفاسي، فقيه القيروان، إمام في وقته دخل الأندلس وله رحلة إلى المشرق، وصل فيها إلى العراق، فمن مشايخه بالأندلس أبو الفضل أحمد بن قاس بن عبد الرحمن صاحب قاسم بن أصبغ، وأبو زيد عبد الرحمن بن يحيى العطار، وأبو عثمان سعيد بن نصر، وسمع بالقيروان من أبي الحسن علي بن محمد بن خلف القابسي وغيره، وبمصر من أبي الحسين عبد الكريم بن أحمد ابن أبي جدار وغيره، وبمكة من أبي القاسم عبيد الله بن محمد بن أحمد السفطي وغيره، والعراق من أبي الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري وغيره؛ وكان مكثراً عالماً...
وقال عنه الحِميري صاحب الروض المعطار في خبر الأقطار - (جـ 1 / ص 435): الفقيه الإمام المشهور بالعلْم والصلاح...
وقال عنه ابن فرحون صاحب الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب - (جـ 1 / ص 172) قال حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أحفظ الناس وأعلمهم جمع حفظ المذهب المالكي إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة معانية وكان يقرأ القرآن بالسبع ويجوده مع معرفته بالرجال وجرحهم وتعديلهم.
أخذ عنه الناس من أقطار المغرب والأندلس واستجازه من لم يلقه وله كتاب التعليق على المدونة كتاب جليل لم يكمل وغير ذلك وخرج من عوالي إلى حديث نحو مائة ورقة.
قال حاتم: ولم ألق أحداً أوسع علماً منه ولا أكثر رواية.... هـ.
فلما التقى به يحيى بن إبراهيم الجدالي حكى له قصته وسأله عن الدواء، فما كان من أبي عمران الفاسي إلا أن أرسل معه شيخًا جليلًا يعلّم النّاس أمور دينهم.
ترى من هو هذا الشيخ؟!
كان عبد الله بن ياسين ( الزعيم الاول للمرابطين، وجامع شملهم، وصاحب الدعوة الإصلاحية فيهم. ت451 هـ= 1059 م) من شيوخ المالكية الكبار، له طلاب علم كثيرون في أرض المغرب والجزائر وتونس، كانوا يأتون إليه ويستمعون منه، وكان يعيش في حاضرة من حواضر الإسلام على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وها هو يقبل القيام بهذه المهمة الكبيرة، وفضّل أن يُغوّر في الصحراء ويترك كل ما هو فيه ليعلّم الناس الإسلام، ويقوم بمهمة الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
لم يكن عبد الله بن ياسين فقيهًا فحسب وإنما استوعب العلوم والمناهج التي كانت في زمانه من أصول وفقه وحديث ولغة وغير ذلك وعاش تجارب كثيرة وأحاط بالكثير من مجريات الأمور التي تدور حوله، إضافة إلى ذلك اتصف ابنُ ياسين رحمه الله بالكثير من الصفات الأخلاقية والقيادية منها ما كان فطريًا ومنها ما اكتسبه بمجاهدته لنفسه وطول عبادته لربه، وهذه الأمور مجتمعةً جعلته أهلًا لأن يحمل هذه الأمانة العظيمة وجعلته حريًا أن يختاره شيوخه للقيام بهذه المهمة العظيمة في ذلك الوقت العصيب من تاريخ تلك المنطقة لتصبح بعد سنواتٍ قليلة منبعَ الخير للأمة كلها ومحضنَ المجاهدين وقبلة الراغبين في الجنة...
ومن أهمّ ما يميّز الشيخ أيضًا فهمه للواقع وأخذه بفقه الأولويات ومعرفة هدفه والعمل له بجدٍ واجتهادٍ وهمةٍ عاليةٍ وعزيمة صادقة، دون الصدام مع من يريدون لدعوته الفناء حرصًا على مصالح شخصية ومنافع دنيوية وأهداف دنيئة...
عبد الله بن ياسين ومهمة الأنبياء
اتّجه الشيخ عبد الله بن ياسين صَوْب الصحراء الكبرى، مخترقًا جنوب الجزائر وشمال موريتانيا حتى وصل إلى الجنوب منها، حيث قبيلة جُدَالة، وحيث الأرض المجدِبة والحرّ الشديد، وفي أناةٍ شديدة، وبعد ما هالَه أمر الناس في ارتكاب المنكرات أمام بعضهم البعض ولا ينكر عليهم منكر، بدأ يعلم الناس، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.
كان الناس في جهل مطبق وبعدٍ تام عن الإسلام قال القاضي عياض في ترتيب المدارك وتقريب المسالك - (جـ 2 / ص 64) واصفًا حال هؤلاء القوم في ذلك الوقت: كان الدين عندهم قليلاً، وأكثرهم جاهلية، ليس عند أكثرهم غير الشهادتين، ولا يعرف من وظائف الإسلام سواهما...
ولكن - وللأسف - ثار عليه أصحاب المصالح بل وثار عليه الشعب أيضًا، فالكل يريد أن يعيش في شهواته وملذاته ودون قيد أو شرط، وأصحاب المصالح هم أكبر مستفيد مما يحدث، فبدأ الناس يجادلونه ويصدّونه عما يفعل، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجُدالي زعيم القبيلة أن يحميه، وذلك لأن الشعب كان لا يعرف الفضيلة، وفي ذات الوقت كان رافضًا للتغيير، ولو أصر يحيى بن إبراهيم الجُدالي على موقفه هذا لخلعه الشعب ولخلعته القبيلة.
لم يقنط الشيخ عبد الله بن ياسين، وحاول المرة تلو المرة، فبدأ الناس يهددونه بالضرب، وحين استمرّ على موقفه من تعليمهم الخير وهدايتهم إلى طريق رب العالمين، قاموا بضربه ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل.
لم يزدد موقف الشيخ إلا صلابة، ومرّت الأيام وهو يدعو ويدعو حتى قاموا بالفعل بطرده من البلاد، ولسان حالهم: دعك عنا، اتركنا وشأننا، ارجع إلى قومك فعلمهم بدلًا منا، دع هذه البلاد تعيش كما تعيش فليس هذا من شأنك، وكأني أراه رأي العين وهو يقف خارج حدود القبيلة وبعد أن طرده الناس، تنحدر دموعه على خدّه، ويقول مشفقًا على قومه: [يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ] {يس:26}.
يريد أن يغيّر ولا يستطيع، أنْفس تتفلت منه إلى طريق الغواية والانحراف عن النّهج القويم ولا سبيل إلى تقويمها، حزّ في نفسه أن يولد الناس في هذه البلاد فلا يجدون من يعلمهم ويرشدهم، فأراد أن يبقى ولكن كيف يبقى؟ أيدخل جُدالة من جديد؟ لكنهم سيقتلونه، ولو كان في ذلك صلاحًا لهم فأهلا بالموت، لكن هيهات ثم هيهات...
عبد الله بن ياسين ونواة دولة المرابطين
جلس رحمه الله يفكر ويفكر ثم هداه ربه سبحانه وتعالى، فما كان منه إلا أن تعمّق في الصحراء ناحية الجنوب بعيدًا عن الحواضر والمدنية، حتى وصل إلى شمال السنغال (التي لا نعرف عنها سوى فريقها القومي، رغم كونها بلدًا إسلاميًا كبيرًا، حيث أكثر من 90 % من سكانه من المسلمين).
وهناك وفي شمال السنغال اعتزلهم عبد الله بن ياسين، متنسكًا في جزيرة، قال ابن خلدون - كما نقل عنه الزركلي في الأعلام جـ 8 / ص 160-: " يحيط بها النيل، ضحضاحًا في الصيف، يخاض بالاقدام، وغمرًا في الشتاء يعبر بالزوارق " صنع خيمة بسيطة له وجلس فيها وحده، ثم بعث برسالة إلى أهل جُدالة في جنوب موريتانيا، تلك التي أخرجه أهلُها منها يخبرهم فيها بمكانه، فمن يريد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان.
كان من الطبيعي أن يكون في جُدالة بعض الناس خاصّة من الشباب الذين تحرّكت قلوبهم وفطرتهم السوّية لهذا الدين، لكنّ أصحاب المصالح ومراكز القوى في البلاد كانوا يمنعونهم من ذلك، فحين علموا أنهم سيكونون بعيدين عن قومهم، ومن ثَمّ يكونون في مأمن مع شيخهم في أدغال السنغال، تاقت قلوبهم إلى لقياه، فنزلوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال، وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين ولم يتجاوز عددهم في بادئ الأمر الخمسة نفر...!!
وفي خيمته وبصبر وأناة شديدين أخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يعلّمهم الإسلام كما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وكيف أن الإسلام نظام شامل متكامل ينتظم كل أمور الحياة، وبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، والجهاد في سبيل الله، وكيف يركبون الخيل ويحملون السيوف، وكيف يعتمدون على أنفسهم في مطعمهم ومشربهم، وكيف ينزلون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يستجدون طعامهم ممن حولهم من الناس.
ذاق الرجال معه حلاوة الدين، ثم شعروا أن من واجبهم أن يأتوا بمعارفهم وأقربائهم وذويهم، لينهلوا من هذا المعين، ويتذوقوا حلاوة ما تذوقوه، فذهبوا إلى جُدالة - وكانوا خمسة رجال - وقد رجع كل منهم برجل فأصبحوا عشرة، ثم زادوا إلى عشرين، وحين ضاقت عليهم الخيمة أقاموا خيمة ثانية فثالثة فرابعة، وبدأ العدد في ازدياد مستمر.
هذا ولم يملّ الشيخ عبد الله بن ياسين تعليمهم الإسلام من كل جوانبه، وكان يكثر من تعليمهم أنه إذا ما تعارض شيء مع القرآن أو السنة فلا ينظر إليه، وأنه لا بدّ من المحافظة على هذه الأصول، فالقرآن الكريم والسنة المطهرّة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام.
تربية المرابطين على منهج رسول الله
مع كثرة الخيام وازدياد العدد إلى الخمسين فالمائة فالمائة وخمسين فالمائتين، أصبح من الصعب على الشيخ توصيل علمه إلى الجميع، فقسمهم إلى مجموعات صغيرة، وجعل على كل منها واحدًا من النابغين، وهو نفس منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم بداية من دار الأرقم بن أبي الأرقم، وحين كان يجلس صلى الله عليه وسلم مع صحابته في مكة يعلمهم الإسلام، ومرورًا ببيعة العقبة الثانية حين قسم الاثنين والسبعين رجلًا من أهل المدينة المنورة إلى اثني عشر قسمًا، وجعل على كل قسم (خمسة نفر) منهم نقيبًا عليهم، ثم أرسلهم مرة أخرى إلى المدينة المنورة حتى قامت للمسلمين دولتهم.
وهكذا أيضًا كان منهج الشيخ عبد الله بن ياسين، حتى بلغ العدد في سنة 440 هـ= 1048 م، بعد أربعة أعوام فقط من بداية دعوته ونزوحه إلى شمال السنغال إلى ألف نفس مسلمة
[نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ] {الصَّف:13}.
فبعد أن طُرد الرجل وأُوذي في الله وضُرب وهُدّد بالقتل، إذا به ينزل بمفرده إلى أعماق الصحراء حتى شمال السنغال وحيدًا طريدًا شريدًا، ثم في زمن لم يتعدى الأربع سنوات يتخرج من تحت يديه ألف رجل على أفضل ما يكون من فهم الإسلام وفقه الواقع.
وفي قبائل صنهاجة المفرّقة والمشتتة توزّع هؤلاء الألف الذين كانوا كما ينبغي أن يكون الرجال، فأخذوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يعلمون الناس الخير ويعرفونهم أمور دينهم، فبدأت جماعتهم تزداد شيئًا فشيئًا، وبدأ الرقم يتخطى حاجز الألف إلى مائتان وألف ثم إلى ثلاثمائة وألف، يزداد التقدم ببطء لكنه تقدم ملموس جدًا.
معنى المرابطين
أصل كلمة الرباط هي ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل أهل ثغر يدفع عمن خلفه رباط، فكان الرباط هو ملازمة الجهاد، روي البخاري بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا..." الحديث
ولأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يتخذون خيامًا على الثغور يحمون فيها ثغور المسلمين، ويجاهدون في سبيل الله، فقد تَسمى الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه ممن كانوا يرابطون في خيام على نهر السنغال بجماعة المرابطين، وعُرفوا في التاريخ بهذا الاسم.
كما تطلِق عليهم بعض المصادر الملثمين فيُقال أمير الملثمين ودولة الملثمين، ويرجع سبب هذه التسمية كما يذكر ابن خلّكان في وفيات الأعيان إلى أنهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، فلذلك سموهم الملثمين، وذلك سنّة لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف، وسبب ذلك على ما قيل أن "حمير" كانت تتلثم لشدة الحرّ والبرد يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل كان سببه أن قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء، فإذا أتاهم العدو ظنّوهم النساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فلزموا اللثام تبركاً بما حصل لهم من الظفر بالعدو.
وقال شيخنا الحافظ عز الدين ابن الأثير في تاريخه الكبير ما مثاله: وقيل إن سبب اللثام لهم أن طائفة من لَمْتونة خرجوا مغيرين على عدو لهم فخالفهم العدو إلى بيوتهم، ولم يكن بها إلا المشايخ والصبيان والنساء، فلما تحقق المشايخ أنه العدو أمروا النساء أن تلبس ثياب الرجال ويتلثمن ويضيقنه حتى لا يعرفن، ويلبسن السلاح، ففعلن ذلك، وتقدم المشايخ والصبيان أمامهن واستدار النساء بالبيوت، فلما أشرف العدو رأى جمعاً عظيماً فظنه رجالاً وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عنهن قتال الموت، والرأي أن نسوق النعم ونمضي، فإن اتبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبينما هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل رجال الحي، فبقي العدو بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو وأكثروا وكان من قبل النساء أكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثام سنّة يلازمونه فلا يُعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه ليلاً ولا نهاراً.
ومما قيل في اللثّام:
قومٌ لهم درك العلا في حمير وإن انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كل فضيلة غلب الحيـاء عليهم فتلثمو. هـ
كيف كانت الحياة في الرباط؟
كان هذا الرباط الذي أقامه الداعية الرباني الفقيه عبد الله بن ياسين بمثابة جامعة عظيمة تخرّج فيها الكثير من القادة والمربين على يد هذا الشيخ الجليل وعلى يد من تربوا على يديه، ولنقترب أكثر من الشيخ وتلامذته في هذا الرباط لنرى حياتهم عن قرب ونعيش بعض مواقفهم ونعرف أسلوب حياتهم في هذا المكان...
أولً: كان المقبلون على الشيخ في هذا المكان البعيد عن العمران هم الصفوة من بين أهل تلك البلاد التي رفض أهلها بقاء الشيخ بينهم، ورفضوا دعوته اتباعًا لأهوائهم وإيثارًا لدنياهم على آخرتهم، فكان هؤلاء الصفوة الذين انقطعوا إلى الشيخ وتركوا أهلهم وذويهم أهلًا لأن يتربوا على يد هذا المربى العظيم، بل كانوا أهلًا لأن يكون أساتذةً لجيل المرابطين المجاهدين بعد ذلك...
ثانيًا: بدأ الشيخ المربي العظيم عبد الله بن ياسين يعلّم هؤلاء الصفوة ويربيهم على الأسس الإسلامية الصحيحية وعلى الفهم الشامل العميق للإسلام، وكانت تربيته عملية لا نظرية فهم يطبّقون ما يتعلمونه على الفور، وكان الشيخ بفهمه الواضح ونظرته الثاقبة يعرف أولولياته ويرتّبها ولا يستعجل الخطى بل يسير مع تلامذته في أناة شديدة حتى يكون النضج على أحسن ما يكون.
ثالثًا: عاش هذا الجيل من المرابطين في هذا المكان - الرباط - حياة الجهاد والتقشف وكان يعتمدون إلى حدٍّ كبير على الصيد ويقتسمون بينهم ما يرزقهم الله به ويؤثرون بعضهم بعضًا، وربما آثر أحدهم أن ينام جائعًا ويطعم أخاه، فقد أصّل الشيخ فيهم معاني الإيثار والحب في الله والأخوة الإسلامية...قال صاحب كتاب (دولة المرابطين): "وكان أهل الرباط في قمة من الصفاء الروحي، ويعيشون حياة مثالية في رباطهم فيتعاونون على قوتهم اليومي معتمدين على ما توفره لهم جزيرتهم من الصيد البحري يقنعون بالقليل من الطعام، ويرتدون الخشن من الثياب".
وإن هذه النماذج لتذكرنا بالجيل الأول الذي رباه الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والذين قال الله فيهم: [لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ] {الحشر 8} ولا عجب فإن عبد الله بن ياسين رحمه الله قد اتّبع في تّرْبية تلاميذه من المرابطين المنهج النبوي العظيم الذي اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلم فكانت تلك ثمرته المرجوّة، ومتى اتبع المربّون والمعلّمون هذا المنهج في بناء الأجيال الإسلامية فليس هناك من شك أن هذه الأجيال سترفع راية الإسلام عالية خفّاقة على ربوع العالم كله وسيُعيد المسلمون كل ما افتقدوه من أرض ومقدسات، فهل من مجيب؟!
رابعًا: جمع الشيخ في تربيته للمرابطين بين تربيته لنفوسهم وأرواحهم على الصفاء والنقاء والطاعة لله وبين تربية أجسادهم على القوة والمتانة وتحمّل الصعاب وذلك لأنه يعدّهم لأمر مهم وخطب جلل لا يصلح له إلا من تربى عقلُه على العلم والفقه وروحه على الصفاء والنقاء وجسدُه على الخشونة وقوّة التحمّل.
خامسًا: تدرّج الشيخ - رحمه الله - في بناء القوة في تلامذته المرابطين فبدأ بتأصيل العقيدة الصحيحة في نفوسهم ولم يكن الشيخ يكثر في ذلك من مطالعة العلوم الكلامية والخلافات بين الفرق والتقعّر والتعمّق في أمور لا طائل من ورائها وإنما كان يربي عندهم العقيدة السليمة من خلال التفكر في خلق الله ونعمِهِ ومن خلال العبادة الدائمة من ذكر وصيام وقيام وتهجد وتلاوة للقرآن...وفي خطٍ موازٍ لتأصيل العقيدة الصحيحة في النفوس كان الشيخ - رحمه الله - يبني في جانب آخر من جوانب القوة ألا وهو قوة الإخاء والحب فيما بين المرابطين وهو جانب لا يستهان به بحال من الأحوال، فقوة الأخوة في الله ينبني عليها الكثير من مقوّمات النصر والتمكين، ويحسنُ بها الترابط بين الجنود فيؤثر كل منهم صاحبه على نفسه، ويفتديه بما يستطيع، ويسمع له ويطيع - إن أُمّر عليه - في المنشط والمكره انطلاقًا من هذا الحب وتلك الأخوة...
ومع هاتين القوتين اللّتين حرص الشيخ على بنائهما في جنوده المرابطين لم يكن - رحمه الله - ليُغفل جانبًا مهمًّا من جوانب القوّة ألا وهو قوّة الساعد والسلاح فقد كان الشيخ - رحمه الله - وكما ذكرنا سابقًا يربى تلامذته على الخشونة في المطعم والملبس كما كانوا يتدربون أيضًا على فنون القتال المختلفة استعدادًا لما ينتظرهم من أمور عظيمة، بها عزّ الإسلام ونصرة المسلمين.
وقد انطلق الشيخ - رحمه الله - في كل هذه الأمور من قول الله تعالى [وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ] {الأنفال 60}
يقول الأستاذ سيد قطب: يجب على المعسكر الإسلامي إعداد العدة دائماً واستكمال القوة بأقصى الحدود الممكنة؛ لتكون القوة المهتدية هي القوة العليا في الأرض؛ التي ترهبها جميع القوى المبطلة؛ والتي تتسامع بها هذه القوى في أرجاء الأرض، فتهاب أولاً أن تهاجم دار الإسلام؛ وتستسلم كذلك لسلطان الله فلا تمنع داعية إلى الإسلام في أرضها من الدعوة، ولا تصد أحداً من أهلها عن الاستجابة، ولا تدّعي حق الحاكمية وتعبيد الناس، حتى يكون الدين كله لله...
إن من يقرأ عن الشيخ عبد الله بن ياسين والمرابطين الذين كانوا معه قراءة عابرة يظن أنهم جماعة من الناس اعتزلوا قومهم ليعبدوا الله بعيدًا عن ضوضاء العمران ومشاكل الناس فحسب، ولم يكن الأمر كذلك على الإطلاق بل كان هذا الاعتزال جزءًا من خطة كبيرة يتم تنفيذها خطوة بعد خطوة بفهم سليم وعمق في التفكير ودقة في التخطيط وبراعة في التنفيذ.
ومما يلفت النظر كذلك في هذا الرباط المبارك الدقة العالية في التنظيم والتي اتبعها الشيخ ونفذها في هذا الرباط فقد قسّم الشيخ مَن معه إلى مجموعات كثيرة جعل على كلٍ منها واحدًا يعلمهم ويفقههم ويربيهم وعن طريقه تصل إليهم تعليمات الشيخ وتوجيهاته، كما تم تقسيم قادة هذه المجموعات إلى مجموعات أخرى على كلٍ منها أحد النابغين الأذكياء وهكذا يكبر هذا الهرم ليكون في قمّته الشيخ المربي - رحمه الله - يصدر تعليماته فتصل إلى الجميع في انسياب وسهولة دون تعقيد أو تغيير...
كوّن الشيخ - رحمه الله - من نجباء تلاميذه مجلسًا للشورى، كما شكّل إدارات متعددة لتقوم بأمر الرباط والمرابطين، خاصة بعد أن أن صاروا من الكثرة بمكان...
بين المرابطين في الثغور والمرابطين في مرج الزهور
تذكرنا نشأة المرابطين هذه بقضيتنا المعاصرة - قضية فلسطين - فعندما أبعد الصهاينة في ديسمبر 1992 م ما يزيد على أربعمائة من إخواننا في فلسطين، من بينهم أكثر من 200 من خطباء المساجد ومن بينهم أساتذة جامعات، وأطباء، ومهندسون، وصيادلة، ومدرسون، وطلاب...
لقد أراد اليهود بإبعاد هؤلاء الصفوة أن يفرّغوا فلسطين من رجالاتها حتى تصفو لهم وطنًا، وحتى لا يعكّر حياتهم هؤلاء المجاهدون، فتآمروا لإبعادهم إلى لبنان ومن ثَمّ تلحق بهم أسرهم وأهليهم وتكون الحطة الصهيونية قد نجحت، ولكن المجاهدين فقهوا الأمر جيدًا وأبوا أن يدخلوا لبنان وعسكروا في مكان سمّوه "مرج الزهور" وهي أقرب قرية إلى المكان الذي تم إبعادهم إليه - وكانت القرية السنيّة الوحيدة في تلك المنطقة - وكانت تلك المنطقة معسكرًا سابقًا للجيش اليهودي وكان المكان مزودًا بالطرق والشوارع المرصوفة، وبالقرب منه عين ماء وهو في منطقة في غاية الروعة والجمال...
يقول أحد الذين كانوا مع المبعدين: كان مخيم المبعدين أشبه بالدولة المصغرة فقد قسم للجان مختلفة منها: اللجنة الإعلامية التي يترأسها د. عبد العزيز الرنتيسي- رحمه الله- المتحدث باسم المبعدين باللغة العربية والدكتور عزيز دويك المتحدث باللغة الإنجليزية، وكانت مهمة هذه اللجنة الحديث مع وسائل الإعلام العربية والعالمية، وهناك أيضا اللجنة المالية واللجنة الاجتماعية واللجنة الرياضية ولجنة الدعوة وغيرها من اللجان الفاعلة، وقمنا كذلك بتأسيس جامعة تضم مختلف العلوم أسميناها "جامعة ابن تيمية"، وكان هناك دورات التجويد وحفظ القرآن ودورات الكراتية والخط والخطابة ودورات باللغة الإنجليزية وغيرها الكثير من الخبرات والعلوم التي تلقينها أثناء فترة الإبعاد والتي ساهمت بإكسابنا العديد من المهارات والعلوم الدينية والدنيوية.
أما عن المبعدين فقد كانوا من مختلف الشرائح الاجتماعية منهم الطبيب والمهندس والشيخ والعامل والموظف والقاضي والتاجر، وكانت تضم خيرة أبناء شعبنا في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقال العائدون من مرج الزهور: إن رحلة الإبعاد عادت عليهم بالخير الكبير على عكس ما أراد الاحتلال، ويذكر الأستاذ حسني البوريني ذلك بالقول: "أرادت الحكومة (الإسرائيلية) من عملية الإبعاد إيقاف المقاومة وأضعاف الحركة الإسلامية بإبعاد رجالاتها، إلا أن إرادة الله فوق كل اعتبار فحولنا المنحة إلى محنة زادت من رصيد الحركة الإسلامية ليست الفلسطينية فحسب بل العالمية، فقد دخل بعض زوار المخيم من الصحفيين في الإسلام من خلال حسن تعاملنا، ومن خلال عملية الإبعاد وصل صوت الحركة الإسلامية إلى أكثر من 100 دولة من خلال جيش الصحفيين والتي كانت الوفود منهم يومية، فعرضنا وجهة نظرنا وأسمعنا العالم صوتنا، وعرف العالم حقيقة الحكومة الصهيونية التي تدعي حماية حقوق الإنسان.
ويتذكر الشيخ داود أبو سير عدداً كبيراً من رفاق رحلة الإبعاد الذين هم الآن إما شهداء مثل الشيخين جمال سليم وجمال منصور وصلاح دروزة والدكتور عبد العزيز الرنتيسي والعشرات غيرهم، وإما أسرى في سجون الاحتلال مثل الشيخ أحمد الحاج علي، وجمال أبو الهيجاء وحسن يوسف، ويجمع المتحدثون على أن أكثر الشخصيات التي تأثروا بها هي شخصية الدكتور عبد العزيز الرنتيسي الذي كان يستقبل الوفود الأجنبية والعربية، وكان ذو روح مرحة، يوصل الليل بالنهار لخدمة إخوانه...
نعود مرة أخرى من فلسطين إلى الشمال الإفريقي...
يحيى بن عمر اللمتوني والمرابطون
وفي سنة 445 هـ= 1053 م يحدث ما هو متوقع وليس بغريب عن سنن الله سبحانه وتعالى فكما عهدنا أن من سنن الله سبحانه وتعالى أن يتقدم المسلمون ببطء في سلّم الارتفاع والعلو، ثم يفتح الله عليهم بشيء لم يكونوا يتوقعونه، وكما حدث للمسلمين - كما ذكرنا - في عهد عبد الرحمن الناصر من دخول سرقسطة وموت عمر بن حفصون، أيضا في هذه البلاد تحدث انفراجة كبيرة، ويقتنع بفكرة الشيخ عبد الله بن ياسين وجماعته من شباب قبيلة جُدالة يحيى بن عمر اللمتوني ( ت 447 هـ= 1055 م ) زعيم ثاني أكبر قبيلتين من قبائل صنهاجة وهي قبيلة لمتونة - القبيلة الأولى هي جُدالة كما ذكرنا -.
فدخل في جماعة المرابطين، وعلى الفور وكما فعل الصحابي الجليل سعد بن معاذ رضي الله عنه حين دخل الإسلام وذهب إلى قومه وكان سيدًا عليهم وقال لهم: إن كلام رجالكم ونسائكم وأطفالكم عليّ حرام، حتى تشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قام يحيى بن عمر اللمتوني وفعل الأمر نفسه، وذهب إلى قومه وأتى بهم ودخلوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في جماعته، وأصبح الثلاثمائة وألف سبعةَ آلافٍ في يوم وليلة، مسلمون كما ينبغي أن يكون الإسلام.
وفي مثال لحسن الختام وبعد قليل من دخول قبيلة لَمْتُونة في جماعة المرابطين يموت زعيمهم الذي دلّهم على طريق الهداية الشيخ يحيى بن عمر اللمتوني ( 447 هـ= 1055 م)، ثم يتولى من بعده زعامة القبيلة الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني ( 480 هـ= 1087 م ).
دخل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بحماسة شديدة مع الشيخ عبد الله بن ياسين، وبدأ أمرهم يقوى وأعدادهم تزداد، وبدأ المرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها في شمال السنغال، فبدءوا يتوسعون حتى وصلت حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا، وأدخلوا معهم جُدالة، فأصبحت جُدالة ولَمْتُونة وهما القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا جماعة واحدةً تمثّل جماعة المرابطين.
أما الشيخ "عبد الله بن ياسين" ففي إحدى جولاته وبينما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في إحدى القبائل، حاربوه وقاتلوه حتى استشهد رحمه الله سنة 451 هـ= 1059 م بعد أن أمضى أحد عشر عامًا من تربية الرجال على الجهاد والفقه الصحيح لمعاني الإسلام العظيمة، استُشهد رحمه الله وقد ترك اثنا عشر ألف مجاهد قد تربوا على منهج سول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والسلف الصالح.
أبو بكر بن عمر اللمتوني وزعامة دولة المرابطين
بعد الشيخ "عبد الله بن ياسين" يتولّى الشيخ "أبو بكر بن عمر اللمتوني" ( 480 هـ= 1087 م ) زعامة جماعة المرابطين، وفي خلال سنتين من زعامته لهذه الجماعة الناشئة يكون قد ظهر في التاريخ ما يُعرف بدويلة المرابطين، وأرضها آنذاك شمال السنغال وجنوب موريتانيا، وهي بعد لا تكاد تُرى على خريطة العالم.
وبعد سنتين من تولّي الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة المرابطين، وفي سنة 453 هـ= 1061 م يسمع بخلاف قد نشب بين المسلمين في جنوب السنغال في منطقة بعيدة تمامًا عن دويلة المرابطين، ولعلمه أن الخلاف شر وأنه لو استشرى بين الناس فلن يكون هناك مجال للدعوة، نزل بعجالة ليحلّ هذا الخلاف رغم أن الناس ليسوا في جماعته وليسوا من قبيلته، لكنه وبحكمة شديدة يعلم أنه الحق ولا بد له من قوة تحميه.
وفي السنة المذكورة كان قد وصل تعداد المرابطين قرابة الأربعة عشر ألفا، فأخذ نصفهم وجاب أعماق السنغال في جنوبها ليحل الخلاف بين المتصارعين هناك، تاركًا زعامة المرابطين لابن عمه يوسف بن تاشفين (410 - 500 هـ= 1019 - 1106 م ) رحمه الله.
يستطيع أبو بكر بن عمر اللمتوني أن يحل الخلاف الذي حدث في جنوب السنغال، لكنه يفاجأ بشيء عجيب، فقد وجد في جنوب السنغال وبجانب هذه القبائل المتصارعة قبائل أخرى وثنية لا تعبد الله بالكلية، وجد قبائل تعبد الأشجار والأصنام وغير ذلك، وجد قبائل لم يصل إليها الإسلام بالمرة.
حزّ ذلك في نفسه رحمه الله حيث كان قد تعلّم من الشيخ عبد الله بن ياسين أن يحمل همّ الدعوة إلى الله، وأن يحمل همّ هداية الناس أجمعين حتى إن لم يكونوا مسلمين، وأن يسعى إلى التغيير والإصلاح بنفسه، فأقبل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بالسبعة آلاف الذين معه يعلمونهم الإسلام ويعرفونهم دين الله، فأخذوا يتعلمون ويتعجبون: كيف لم نسمع بهذا الدين من قبل! كيف كنا بعيدين عن هذا الدين الشامل المتكامل! حيث كانوا يعيشون في أدغال أفريقيا ويفعلون أشياء عجيبة، ويعبدون أصنامًا غريبة، ولا يعرفون لهم ربًا ولا إلهًا.
وبصبرٍ شديدٍ ظلّ أبو بكر بن عمر اللمتوني يدعوهم إلى الإسلام، فدخل منهم جمع كثير وقاومه جمع آخر؛ ذلك لأن أهل الباطل لا بدّ وأن يحافظوا على مصالحهم، حيث أنهم مستفيدون من وجود هذه الأصنام، ومن ثَمّ فلا بدّ وأن يقاوموه، فصارعهم أيضًا والتقى معهم في حروب طويلة.
ظلّ الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني يتوسع في دعوته ويتنقل من قبيلة إلى قبيلة، وفي 468 هـ= 1076 م وبعد خمس عشرة سنة كاملة من تركه جنوب موريتانيا وهو زعيم على دويلة المرابطين، يعود رحمه الله بعد مهّمة شاقة في سبيل الله عز وجل يدعو إلى الله على بصيرة، فيُدخل في دين الله ما يُدخل، ويحارب من صد الناس عن دين الله سبحانه وتعالى حتى يرده إلى الدين أو يصده عن صده.
((لقد كان أبو بكر بن عمر من أعظم قادة المرابطين، واتقاهم وأكثرهم ورعًا ودينًا وحبًا للشهادة في سبيل الله، وساهم في توحيد بلاد المغرب، ونشر الإسلام في الصحارى القاحلة وحدود السنغال والنيجر، وجاهد القبائل الوثنية حتى خضعت وانقادت للإسلام والمسلمين، ودخل من الزنوج أعداد كبيرة في الإسلام، وساهموا في بناء دولة المرابطين الفتيّة، وشاركوا في الجهاد في بلاد الأندلس وصنعوا مع إخوانهم المسلمين في دولة المرابطين حضارة متميّزة)) د. الصلابي - الجوهر الثمين بمعرفة دولة المرابطين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:21 pm

يوسف بن تاشفين ومهام صعبة
قال "الذهبي" في "سير أعلام النبلاء": كان ابن تاشفين (410 - 500 هـ= 1019 - 1106 م ) كثير العفو، مقربًا للعلماء، وكان أسمر نحيفًا، خفيف اللحية، دقيق الصوت، سائسًا، حازمًا، يخطب لخليفة العراق...
ووصفه "ابن الأثير" في "الكامل" بقوله:
كان حليمًا كريمًا، دينًا خيرًا، يحب أهل العلم والدين، ويحكّمهم في بلاده، ويبالغ في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم، وكان إذا وعظه أحدُهم، خشع عند استماع الموعظة، ولان قلبُه لها، وظهر ذلك عليه، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام...
منذ أن ترك الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني دويلة المرابطين في جنوب موريتانيا وشمال السنغال في سنة 453 هـ= 1061 م والشيخ يوسف بن تاشفين ينتظر وصوله، مرّ يوم ويومان وشهر وشهران ولم يرجع، وحين علم أنه قد توغّل في أفريقيا ما كان منه رحمه الله إلا أن بدأ ينظر في الشمال باحثًا عمن ابتعد عن دين الله يعلّمه ويردّه إليه.
نظر يوسف بن تاشفين في شمال موريتانيا (المنطقة التي تعلوه) وفي جنوب المغرب العربي فرأى من حال البربر الذين يعيشون في هذه المنطقة وبالتحديد في سنة 453 هـ= 1061 م رأى أمورًا عجبًا، هذه بعض منها:
أولًا: قبيلة غمارة:
هي من قبائل البربر وقد وجد فيها رجلًا يُدعى حاييم بن منّ الله يَدّعي النبوة وهو من المسلمين، والغريب أنه لم ينكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال إنه نبي على دين الإسلام، ثم أخذ يُشرّع للناس شرعًا جديدًا وهم يتبعونه في ذلك ويظنون أن هذا هو الإسلام.
فرض حاييم بن منّ الله على قبيلته صلاتين فقط في اليوم والليلة، إحداها في الشروق والأخرى في الغروب، وبدأ يؤلّف لهم قرآنًا بالبربرية، ووضع عنهم الوضوء، ووضع عنهم الطُّهر من الجنابة، كما وضع عنهم فريضة الحج، وحرّم عليهم أكل بيض الطيور وأحلّ لهم أكل أنثى الخنزير، وأيضا حرّم أكل السمك حتى يُذبح.
وإنه لخلط وسَفه بَيّنٌ خاصة حين يَدّعي أنّه من المسلمين، كما أنه من العجب أن يتبعه الناس على هذا الأمر ويعتقدون أن هذا هو الاسلام.
قبيلة برغواطة:
هي قبيلة أخرى من قبائل البربر في تلك المنطقة، على رأسها كان رجل يُدعى صالح بن طريف بن شمعون، ذلك الذي لم يكن بصالح ادّعى أيضًا النبوة، وفرض على الناس خمس صلوات في الصباح وخمس في المساء، وفرض عليهم نفس وضوء المسلمين بالإضافة إلى غسل السُّرّة وغسل الخاصرتين، كما فرض عليهم الزواج من غير المسلمات فقط، وجوّز لهم الزواج بأكثر من أربعة، وأيضًا فرض عليهم تربية الشعر للرجال في ضفائر وإلا أثموا، ومع كل هذا فقد كان يدّعي أنه من المسلمين.
قبيلة زناتة:
كانت قبيلة زناته من القبائل السنيّة في المنطقة، وكانت تعرف جزءًا من الإسلام، هو جانب العبادات وأمور العقيدة، فقد كانوا يصلون كما ينبغي أن تكون الصلاة، ويزكون كما يجب أن تكون الزكاة، لكنهم كانوا يسلبون وينهبون مَنْ حولهم، والقوي فيهم يأكل الضعيف، فَصَلُوا الدين تماما عن أمور الدنيا وسياسة الحياة العامة، فلم يكن الدين عندهم إلا صلاة وصيام وحج، وفي غير ذلك من المعاملات افعل ما بدا لك ولا حرج.
كان من هذا القبيل الكثير والكثير الذي يكاد يكون قد مرق من الدين بالكلية، وقد كانت هناك قبيلة أخرى تعبد الكبش وتتقرب به إلى رب العالمين، وبالتحديد في جنوب المغرب، تلك البلاد التي فتحها عقبة بن نافع ثم موسى بن نصير رضي الله عنهما.
يوسف بن تاشفين وصناعة النصر والحضارة
شق ذلك الوضع كثيرًا على يوسف بن تاشفين رحمه الله فأخذ جيشه وانطلق إلى الشمال ليدعو الناس إلى الإسلام، دخل معه بعضهم لكن الغالب قاومه وحاربه، فحاربه حاييم بن منّ الله، وحاربه صالح بن طريف، وحاربته كل القبائل الأخرى في المنطقة، حتى حاربته قبيلة زناتة السنية، فحاربهم بالسبعة آلاف رجل الذين تركهم معه أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله، وبمرور الأيام بدأ الناس يتعلمون منه الإسلام ويدخلون في جماعته المجاهدة.
وبعد رجوع الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني في سنة 468 هـ= 1076 م وبعد خمس عشرة سنة من الدعوة - كما ذكرت - في جنوب السنغال وأدغال أفريقيا، يرى يوسف بن تاشفين رحمه الله الذي كان قد تركه فقط على شمال السنغال وجنوب موريتانيا في سنة 453 هـ= 1061 م يراه أميرًا على: السنغال بكاملها، وموريتانيا بكاملها، والمغرب بكاملها، والجزائر بكاملها، وتونس بكاملها، وعلى جيش يصل إلى مائة ألف فارس غير الرجالة، يرفعون راية واحدة ويحملون اسم المرابطين.
وجد أبو بكر بن عمر اللمتوني كذلك أن هناك مدينة قد أُسست على التقوى لم تكن على الأرض مطلقا قبل أن يغادر، وتلك هي مدينة "مراكش"، والتي أسسها الأمير يوسف بن تاشفين، وكان أول بناء له فيها هو المسجد الذي بناه بالطين والطوب اللبن، تمامًا كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحمل بنفسه الطين مع الناس تشبهًا أيضًا بالرسول صلى الله عليه وسلم وهو الأمير على مائة ألف فارس.
وكذلك وجد الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رجلًا قد أسس حضارة لم تُعرف في المنطقة منذ سنوات وسنوات، ثم هو بعد ذلك يراه زاهدا متقشفًا ورعًا تقيًا، عالمًا بدينه طائعًا لربه، فقام الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني بعمل لم يحدث إلا في تاريخ المسلمين فقط، حيث قال ليوسف بن تاشفين: أنت أحق بالحكم مني، أنت الأمير، فإذا كنتُ قد استخلفتُك لأجلٍ حتى أعود فإنك تستحق الآن أن تكون أميرًا على هذه البلاد، أنت تستطيع أن تجمع الناس، وتستطيع أن تملك البلاد وتنشر الإسلام أكثر من ذلك، أما أنا فقد ذقت حلاوة دخول الناس في الإسلام، فسأعود مرة أخرى إلى أدغال أفريقيا أدعو إلى الله هناك.
أبو بكر بن عمر اللمتوني رجل الجهاد والدعوة
نزل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله مرة أخرى إلى أدغال أفريقيا يدعو من جديد، فأدخل الإسلام في غينيا بيساو جنوب السنغال، وفي سيراليون، وفي ساحل العاج، وفي مالي، وفي بوركينا فاسو، وفي النيجر، وفي غانا، وفي داهومي، وفي توجو، وفي نيجريا وكان هذا هو الدخول الثاني للإسلام في نيجريا؛ حيث دخلها قبل ذلك بقرون، وفي الكاميرون، وفي أفريقيا الوسطى، وفي الجابون.
فكانت أكثر من خمس عشرة دولة أفريقية قد دخلها الإسلام على يدِ هذا المجاهد البطل الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني رحمه الله هذا الرجل الذي كان إذا دعا إلى الجهاد في سبيل الله - كما يذكر ابن كثير في البداية والنهاية - كان يقوم له خمسمائة ألف مقاتل، أي نصف مليون من المقاتلين الأشداء غير من لا يقومون من النساء والأطفال، وغير بقية الشعوب في هذه البلاد من أعداد لا تحصى قد هداها الله على يديه.
وما من شك أنه كلما صلى رجل صلاة في النيجر أو في مالي أو في نيجريا أو في غانا، كلما صلى رجل صلاة هناك، وكلما فعل أحد منهم من الخير شيئا أُضيف إلى حسنات الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني ومن معه رحمهم الله.
قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "أبو بكر بن عمر أمير الملثمين كان في أرض فرغانة، اتفق له من الناموس ما لم يتفق لغيره من الملوك، كان يركب معه إذا سار لقتال عدو خمسمائة ألف مقاتل، كان يعتقد طاعته، وكان مع هذا يقيم الحدود ويحفظ محارم الاسلام، ويحوط الدين ويسير في الناس سيرة شرعية، مع صحة اعتقاده ودينه، وموالاة الدولة العباسية، أصابته نشابة في بعض غزواته في حلقه فقتلته..."
ها هو رحمه الله وبعد حياة طويلة متجردة لله سبحانه وتعالى يستشهد في إحدى فتوحاته في سنة 480 هـ= 1087 م، وما استمتع بملكٍ قط بل كان يغزو في كل عام مرتين، يفتح البلاد ويعلّم الناس الإسلام، لتصبح دولة المرابطين قبل استشهاده رحمه الله ومنذ سنة 478 هـ= 1085 م متربعة على خريطة العالم ممتدة من تونس في الشمال إلى الجابون في وسط أفريقيا، وهي تملك أكثر من ثلث مساحة أفريقيا.
لذلك حين قرأ "ألفونسو السادس" رد "المعتمد على الله بن عباد" أمير إشبيلية المحاصرة من قِبل الأول: لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين، علم أنه سيواجه ثلث أفريقيا، وعلم أنه سيقابل أقوامًا عاشوا على الجهاد سنوات وسنوات، فقام من توّه بفكّ الحصار ثم الرحيل.
دولة المرابطين ويوسف بن تاشفين أمير المسلمين وناصر الدين
كانت بداية حديثنا عن تاريخ المرابطين هو سنة 440 هـ= 1048 م وكانت البداية برجل واحد فقط هو الشيخ عبد الله بن ياسين، ثم كان الصبر والتربية المتأنية في الدعوة إلى الله على النهج الصحيح القويم ليصل عدد المرابطين وينتشرون بهذا الحجم الذي أشرنا إليه، والذي يمثّل الآن أكثر من عشرين دولة أفريقية.
فقط كان ذلك بعد ثمان وثلاثين سنة، وتحديدًا في سنة 478 هـ= 1085م، ويصبح يوسف بن تاشفين رحمه الله زعيم هذه الدولة العظيمة، ويسمي نفسه: أمير المسلمين وناصر الدين، وحين سُئِل لماذا لا تتسمى بأمير المؤمنين؟ أجاب: هذا شرف لا أدّعيه، هذا شرف يخصّ العباسيين وأنا رجلهم في هذا المكان.
كان العباسيون في هذه الفترة لا يملكون سوى بغداد فقط، وكان يوسف بن تاشفين يريد للمسلمين أن يكونوا تحت راية واحدة، ولم يُرِد رحمه الله أن يشق عصا الخلافة، ولا أن ينقلب على خليفة المسلمين، وكان يتمنى أن لو استطاع أن يضم قوته إلى قوة الخليفة العباسي هناك، ويصبح رجلًا من رجاله في هذه البلاد فقال مجمّعا مؤمّلا: وأنا رجلهم في هذا المكان، وهذا هو الفقه الصحيح والفهم الشامل للإسلام...
يوسف بن تاشفين ووفد الأندلس
في سنة 478 هـ= 1085م وفي مراكش يستقبل يوسف بن تاشفين الوفد الذي جاء من قِبل بعض ملوك الطوائف - كما ذكرنا - يطلبون العون والمساعدة في وقف وصدّ هجمات النصارى عليهم، وإذا به رحمه الله يتشوّق لمثل ما يطلبون، حيث الجهاد في سبيل الله ومحاربة النصارى، فيالها من نعمة، ويالها من أمنية.
ما كان منه رحمه الله إلا أن انطلق معهم وبنحو سبعة آلاف فقط من المجاهدين، رغم أن قوته في الشمال الأفريقي مائة ألف مقاتل، وكان لديه في الجنوب خمسمائة ألف، وقد كان هذا ملمح ذكاءٍ منه؛ إذ لم يكن رحمه الله وهو القائد المحنك ليخرج ويلقِي بكل قواته في الأندلس، ويتحرك بعشوائية تاركًا وراءه هذه المساحات الشاسعة في شمال وجنوب أفريقيا بلا حراسة ولا حماية، ومن ثَمّ فقد رأى أن يظلّ أحد الجيوش رابضًا في تونس وآخر في الجزائر ومثله في المغرب وهكذا في كل البلاد الإفريقيه التي فُتحت.
أعدّ العدة رحمه الله وجهّز السفن، وبينما يعبر مضيق جبل طارق، وفي وسطه يهيج البحر وترتفع الأمواج وتكاد السفن أن تغرق، وكما كان قائدًا يقف هنا قدوة وإمامًا، خاشعًا ذليلًا، يرفع يديه إلى السماء ويقول:
اللهم إن كنت تعلم أن في عبورنا هذا البحر خيرا لنا وللمسلمين فسهّل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعّبه علينا حتى لا نعبره، فتسكن الريح، ويعبر الجيش، وعند أول وصول له، والوفود تنتظره ليستقبلونه استقبال الفاتحين، يسجد لله شكرًا أن مكنّه من العبور، وأن اختاره ليكون جنديًا من جنوده سبحانه وتعالى ومجاهدًا في سبيله.
يوسف بن تاشفين وقدوة كانت قد افتقدت وغُيّبت
يدخل يوسف بن تاشفين أرض الأندلس، ويدخل إلى إشبيلية والناس يستقبلونه استقبال الفاتحين، ثم يعبر في اتجاه الشمال إلى ناحية مملكة "قشتالة" النصرانية، تلك التي أثارت الرعب في قلوب كل الأمراء الموجودين في بلاد الأندلس في ذلك الوقت، يتجه إليها في عزّة نفس ورباطة جأش منقطعة النظير بسبعة آلاف فقط من الرجال.
كان الأندلسيون ومنذ أكثر من سبعين سنة، في ذلّ وهوان وخنوع يدفعون الجزية للنصارى، وحينما شاهدوا هؤلاء الرجال الذين ما ألِفوا الذلّ يومًا، وما عرفوا غير الرباط في سبيل الله، حينما شاهدوهم يعبرون القفار ويتخطون البحار حاملين أرواحهم على أكفّهم من أجل عزِّ الإسلام وإعلاء كلمة الله ورفعة المسلمين، حينما شاهدوهم على هذه الحال تبدّلوا كثيرًا، وتاقت نفوسهم إلى مثل أفعالهم، فأقبلوا على الجهاد، وأذّنوا بحي على خير العمل.
قال المقري في نفح الطيب: واجتمع بالمعتمد بن عباد بإشبيلية، وكان المعتمد قد جمع عساكره أيضاً، وخرج من أهل قرطبة عسكر كثير، وقصده المطوعة من سائر بلاد الأندلس، ووصلت الأخبار إلى الأذفونش فجمع عساكره، وحشد جنوده، وسار من طليطلة...
وبدأ يلحق بركب يوسف بن تاشفين الرجل من قرطبة والرجل من إشبيلية، وآخر من بطليوس، وهكذا حتى وصل الجيش إلى الزَّلَّاقة في شمال البلاد الإسلامية على حدود "قشتالة"، وعدده يربو على الثلاثين ألف رجل.
ولا نعجب فهذه هي أهمية القدوة وفعلها في المسلمين وصورتها كما يجب أن تكون، تحركت مكامن الفطرة الطيبة، وعواطف الأخوّة الصادقة، والغيرة على الدين الخاتم، تلك الأمور التي توجد لدى عموم المسلمين بلا استثناء، وتحتاج فقط إلى من يحرّكها من سباتها.
بين جيش المسلمين وجيش النصارى
تحرّك الثلاثون ألف رجل بقيادة يوسف بن تاشفين ليصلوا إلى الزَّلَّاقَة، وهو ذلك المكان الذي دارت فيه موقعة هي من أشهر المواقع الإسلاميه في التاريخ، وذلك المكان الذي لم يكن يُعرف بهذا الاسم قبل ذلك، لكنه اشتهر به بعد الموقعة، وسنعرف قريبًا لماذا سُمَّيتْ بالزّلاقة.
في الوقت الذي يصل فيه يوسف بن تاشفين وجيشه إلى الزلاقة يصله نبأ مفزع من بلاده بالمغرب، إنه يحمل مصيبة قد حلت به وبداره، فابنه الأكبر قد مات، لكنه ورغم ذلك فلم تفتّ هذه المصيبة في عضدِه، ولم يفكر لحظة في الرجوع، ولم يرض أن يرسل قائدًا من قوّاده ويرجع هو، بل ذهب وهو الأمير على ثلث أفريقيا وأخذ معه أكبر قوّاد المرابطين وهو داود بن عائشة، وأرسل وزيره ليحكم البلاد في غيابه.
كان النصارى قد استعدّوا لقدوم يوسف بن تاشفين بستين ألفًا من المقاتلين، على رأسهم "ألفونسو السادس" بعد أن جاءه العون من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا، وبعد أن أخذ وعودًا من البابا وصكوكًا بالغفران لكل من شارك في هذه الحرب ضد المسلمين.
قدم "ألفونسو السادس" يحمل الصلبان وصور المسيح وهو يقول: بهذا الجيش أقاتل الجن والإنس وأقاتل ملائكة السماء وأقاتل محمدًا وصحبه، فهو يعرف تمامًا أنها حرب صليبية ضد الإسلام.
الرسائل والحرب الإعلامية
وكعادة الجيوش في ذلك الوقت في تبادل الرسائل، أرسل يوسف بن تاشفين برسالة إلى "ألفونسو السادس" يقول له فيها: بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفنًا تعبر بها إلينا، فقد عبرنا إليك، وستعلم عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإني أعرض عليك الإسلام، أو الجزية عن يد وأنت صاغر، أو الحرب، ولا أؤجلك إلا لثلاث.
تسلم "ألفونسو السادس" الرسالة وما إن قرأها حتى اشتاط غضبًا، إذ كيف يدفع الجزية وقد أخذها هو من المسلمين، ومن قبله آباؤه وأجداده؟! فأرسل ليوسف بن تاشفين متوعدًا ومهددًا: فإني اخترت الحرب، فما ردّك على ذلك؟ وعلى الفور أخذ يوسف بن تاشفين الرسالة، وقلبها وكتب على ظهرها: الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك، والسلام على من اتبع الهدى.
فلما وقف "ألفونسو" على هذا الجواب ارتاع له، وعلم أنه بُلي برجل لا طاقة له به.
قال صاحب "الروض المعطار في خبر الأقطار": ولما تحقق ابن فرذلند - ألفونسو السادس - جواز يوسف استنفر جميع أهل بلاده وما يليها وما وراءها، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له من الجلالقة والافرنجة وما يليهم ما لا يحصى عدده، وجعل يصغي إلى أنباء المسلمين متغيظاً على ابن عباد حانقاً ذلك عليه متوعداً له، وجواسيس كل فريق تتردد بين الجميع، وبعث - ألفونسو السادس - إلى ابن عباد أن صاحبكم يوسف قد تعنى من بلاد بعيدة وخاض البحور، وأنا أكفيه العناء فيما بقي، ولا أكلفكم تعباً، أنا أمضي إليه وألقاكم في بلادكم رفقاً بكم وتوفيراً عليكم، وقال لأهل وده ووزرائه: إني رأيت إن أمكنتهم من الدخول إلى بلادي فناجزوني بين جدرها ربما كانت الدائرة علي فيكتسحون البلاد ويحصدون من فيها في غداة واحدة، لكن أجعل يومهم معي في حوز بلادهم، فان كانت علي اكتفوا بما نالوه ولم يجعلوا الدروب وراءهم إلا بعد أهبة أخرى، فيكون في ذلك صون لبلادي وجبر لمكاسري، وإن كانت الدائرة عليهم كان مني فيهم وفي بلادهم ما خفت أنا أن يكون منهم في وفي بلادي إذا ناجزوني في وسطها. ثم برز بالمختار من أنجاد جموعه على باب دربه وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره من جموعه: بهؤلاء أقاتل الجن والإنس وملائكة السماء، فالمقلل يقول: كان هؤلاء المختارون من أجناده أربعين ألف دارع، ولا بد لمن هذه صفته أن يتبعه واحد واثنان، وأما النصارى فيعجبون ممن يزعم ذلك ويقوله، واتفق الكل أن عدة المسلمين كانت أقل من عدة المشركين.
ورأى - ألفونسو السادس - في نومه كأنه راكب على فيل يضرب نقيرة طبلٍ فهالته رؤياه وسأل عنها القسوس والرهبان فلم يجبه أحد، ودس يهودياً عن من يعلم تأويلها من المسلمين فدل على عابر فقصها عليه ونسبها إلى نفسه، فقال له العابر: كذبت، ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني عن صاحبها وإلا لم أعبرها لك، فقال: اكتم ذلك، هو الفنش بن فرذلند - ألفونسو - فقال العابر: قد علمت أنها رؤياه، ولا ينبغي أن تكون لغيره وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال الله تعالى: " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " وأما ضرب النقيرة فقد قال الله تعالى: " فإذا نقر في الناقور "، فانصرف اليهودي إلى ألفونسو السادس وجمجم له ولم يفسرها له...
وفي محاولة ماكرة لخديعة المسلمين أرسل "ألفونسو السادس" يحدد يوم المعركة، فأرسل أن غدًا الجمعة، وهو عيد من أعياد المسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، وأن السبت عيد اليهود وفي جيشنا كثير منهم، وأما الأحد فهو عيدنا، فلنؤجل القتال حتى يوم الإثنين.
استلم يوسف بن تاشفين الرسالة، وبوعي تام وبقيادة تعلم خبايا الحروب وفنون مقدماتها لم يُعلِم جيشه هذه الرسالة، إذ إنه يعلم أن هذا الرجل مخادع، كيف وهم يكذبون على الله فيكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، وكيف والله قال فيهم: [أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ] {البقرة:100}.
تجهيز الجيش ورؤيا ابن رميلة
بحذر تام لم يلتفت يوسف بن تاشفين إلى ما جاء في رسالة ألفونسو السادس، وقام بتعبئة الجيش وتجهيزه يوم الخميس، ووضعه على أتمّ الاستعداد، وفي ليلة الجمعة كان ينام مع الجيش شيخ كبير من شيوخ المالكية في قرطبة، وهو ابن رُمَيْلَة ( الفقيه الناسك أبو العباس أحمد ابن رُمَيْلة القرطبي ) قال ابن بشكوال في الصلة أحمد بن محمد بن فرج الأنصاري يعرف: بابن رميلة من أهل قرطبة، يكنى: أبا العباس. كان معتنياً بالعلم، وصحبة الشيوخ وله شعر حسن في الزهد. وكان كثير الصدقة وفعل المعروف. قال لي شيخنا أبو محمد بن عتاب رحمه الله: كان أبو العباس هذا من أهل العلم والورع والفضل والدين، واستشهد بالزلاقة مقبلاً غير مدبر سنة تسع وسبعين وأربع مائة.... هـ
فلم تكن مهمّة الشيخ يومها هي مجرد الجلوس في المسجد أو إلقاء الدروس أو تعليم القرآن فقط، فقد كان هذا الشيخ يفقه أمور دينه ويعلم أن هذا الجهاد هو ذروة سنام هذا الدين.
في هذه الليلة يرى ابن رُمَيْلَة هذا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: يا ابن رمُيْلَة، إنكم منصورون، وإنك ملاقين.
يستيقظ ابنُ رُمَيْلَة من نومه وهو الذي يعلم أن رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم في المنام حق؛ لأن الشيطان لا يتمثل به صلى الله عليه وسلم ففي البخاري بسنده عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَخَيَّلُ بِي وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ"
يقوم الشيخ فرحًا مسرورًا، لا يستطيع أن يملك نفسه، فقد بشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيموت في سبيل الله، فالْحُسْنَيَيْن أمام عينيه، نصر للمؤمنين وشهادة تناله، فيالها من فرحة، وياله من أجر.
وعلى الفور يذهب ابن رُمَيْلَة رحمه الله في جنح الليل فيوقظ يوسف بن تاشفين، ويوقظ المعتمد على الله بن عبّاد الذي كان يقود وحدة كبيرة من قوات الأندلس، ويوقظ المتوكل بن الأفطس وعبد الله بن بلقين، ويوقظ كل قوّاد الجيش، ويقصّ عليهم رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هزّت تلك الرؤيا يوسف بن تاشفين وكلّ قواد الجيش، وقاموا من شدة فرحهم وفي منتصف الليل وأيقظوا الجيش كله على صوت: رأى ابن رُمَيْلَة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: إنكم لمنصورون وإنك ملاقين.
وفي لحظة لم يتذوقوها منذ سنوات وسنوات في أرض الأندلس، يعيش الجيش كله أفضل لحظات السعادة، وتتوق النفوس إلى الشهادة، ويأمر يوسف بن تاشفين بقراءة سورة الأنفال، ويأمر الخطباء بتحفيز الناس على الجهاد، ويمرّ هو بنفسه رحمه الله على الفصائل ينادي ويقول: طوبى لمن أحرز الشهادة، ومن بقي فله الأجر والغنيمة.
قال في الروض المعطار: ووعظ يوسف وابن عباد أصحابهما، وقام الفقهاء والعباد يعظون الناس ويحضونهم على الصبر ويحذرونهم الفرار...
مخابرات ابن عباد تراقب الموقع
ولما ازدلف بعضهم إلى بعض أذكى المعتمد عيونه في محلات الصحراويين خوفاً عليهم من مكايد ابن فرذلند إذ هم غرباء لا علم لهم بالبلاد، وجعل يتولى ذلك بنفسه حتى قيل إن الرجل من الصحراويين - المرابطين - كان يخرج عن طرق محلاتهم لبعض شأنه أو لقضاء حاجته فيجد ابن عباد بنفسه مطيفاً بالمحلة بعد ترتيب الكراديس - الكُرْدُوْسُ الخَيْلُ العَظِيْمَةُ - من خيل على أفواه طرق محلاتهم، فلا يكاد الخارج منهم عن المحلة يخطئ ذلك من لقاء ابن عباد لكثرة تطوافه عليهم...
المخابرات الإسلامية تنقل الأخبار بسرعة ودقة
جاء في الليل فارسان من طلائع المعتمد يخبران أنهما أشرفا على محلة "ألفونسو" وسمعا ضوضاء الجيوش واضطراب الأسلحة ثم تلاحق بقية الطلائع محققين بتحرك ابن فرذلند - ألفونسو - ثم جاءت الجواسيس من داخل محلات ابن فرذلند يقولون: استرقنا السمع الساعة، فسمعنا ابن فرذلند يقول لأصحابه: ابن عباد مسعر هذه الحروب، وهؤلاء الصحراويون وإن كانوا أهل حفاظ وذوي بصائر في الجهاد، غير عارفين بهذه البلاد وإنما قادهم ابن عباد، فاقصدوه واهجموا عليه، وإن انكشف لكم هان عليكم هؤلاء الصحراويون بعده ولا أرى ابن عباد يصبر لكم إن صدقتموه الحملة. وعند ذلك بعث ابن عباد كاتبه أبا بكر بن القصيرة إلى يوسف يعرفه بإقبال ابن فرذلند ويستحث نصرته، فمضى ابن القصيرة يطوي المحلات حتى جاء يوسف بن تاشفين فعرفه جلية الأمر...
الجيش الإسلامي وخطة الإعداد والهجوم
بعد ترتيب الجيش وصلاة فجر يوم الجمعة الموافق 12 من شهر رجب 479 هـ= 23 من أكتوبر 1086 م، لم تكن مفاجأة ليوسف بن تاشفين أن يخالف "ألفونسو السادس" طبيعته وينقض عهده ويبدأ بالهجوم في ذلك اليوم، إذ الغدر والخيانة ومخالفة العهود هو الأصل عندهم، وهو ما يجب أن نعلمه جميعًا.
أما المفاجئة فأصابت "ألفونسو السادس" الذي وجد الجيش الإسلامي على أتمّ تعبئة وأفضل استعداد، وبخطة محكمة، كان يوسف بن تاشفين قد قسّم الجيش إلى نصفين، نصف أمامي ونصف خلفي، أما النصف الأمامي فقد طلب المعتمد على الله بن عبّاد أن يكون على قيادته على من معه من الأندلسيين، يريد بذلك أن يكون بين المسلمين وبين النصارى، يريد أن يغسل عار السنين السالفة، يريد أن يمحو الذل الذي أذاقه إياه ألفونسو السادس، إنه يريد أن يتلقى الضربة الأولى من جيش النصارى.
في نصف عدد الجيش، وفي خمسة عشر ألف مقاتل يقف المعتمد على الله بن عبّاد في مقدمة الجيش ومن خلفه داود بن عائشة كبير قوّاد المرابطين، أما النصف الثاني أو الجيش الخلفي ففيه يوسف بن تاشفين رحمه الله يختفي خلف أحد التلال البعيدة تمامًا عن أرض المعركة، ويضم أيضًا خمسة عشر ألف مقاتل، ويستبقي من الجيش الثاني أو الخلفي الذي فيه يوسف بن تاشفين أربعة آلاف مقاتل، فيبعدهم أكثر عن هذا الجيش الخلفي، وقد كان هؤلاء الأربعة آلاف من رجال السودان المهرة، يحملون السيوف الهندية والرماح الطويلة، وكانوا أعظم المحاربين في جيش المرابطين، فاستبقاهم يوسف بن تاشفين في مؤخرة الجيش.
أصبح جيش المسلمين مقسمًا إلى ثلاث فرق، الفرقة الأولى وهي المقدمة بقيادة المعتمد على الله وتضم خمسة عشر ألف مقاتل، والفرقة الثانية خلف الأولى وعلى رأسها يوسف بن تاشفين وتضم أحد عشر ألف مقاتل، ومن بعيد تنتظر الفرقة الثالثة وتضمّ أربعة آلاف مقاتل هم من أمهر الرماة والمحاربين.
لم تكن خطة يوسف بن تاشفين رحمه الله جديدة في حروب المسلمين، فقد كانت هي نفس الخطة التي استعملها خالد بن الوليد رضي الله عنه في موقعة الولجة في فتوح فارس، وهي أيضا نفس الخطة التي استعملها النعمان بن مقرن رضي الله عنه في موقعة نهاوند في فتوح فارس أيضا، فكان رحمه الله رجلا يقرأ التاريخ ويعرف رجالاته ويعتبر بهم.
الزلاقة ومعركة الوجود الإسلامي في الأندلس
لما كان يوم الجمعة الموافق 12 من شهر رجب 479 هـ= 23 من أكتوبر 1086 م هجم "ألفونسو السادس" بستين ألفًا من النصارى على الجيش الأول للمسلمين المؤلّف من خمسة عشر ألف فقط، وقد أراد يوسف بن تاشفين من وراء ذلك أن تحتدم الموقعة فتُنْهك قوى الطرفين حتى لا يستطيعان القتال، وكما يحدث في سباق الماراثون فيقوم هو ويتدخل بجيشه ليعدل الكفة لصالح صف المسلمين.
وأمام أمواج تتلوها أمواج وأسراب تتبعها أسراب، يصبر المسلمون أمام ستين ألفا من النصارى...
المعتمد بن عباد في قلب المعركة:
مال ألفونسو السادس على المعتمد بجموعه وأحاطوا به من كل جهة فاستحر القتل فيهم، وصبر ابن عباد صبراً لم يعهد مثله لأحد، واستبطأ يوسف وهو يلاحظ طريقه، وعضته الحرب واشتد البلاء وأبطأ عليه الصحراويون، وساءت ظنون أصحابه، وانكشف بعضهم وفيهم ابنه عبد الله، وأثخن ابن عباد جراحات وضرب على رأسه ضربة فلقت هامته حتى وصلت إلى صدغه، وجرحت يمنى يديه وطعن في أحد جانبيه وعقرت تحته ثلاثة أفراس كلما هلك واحد قدم له آخر وهو يقاسي حياض الموت يضرب يميناً وشمالاً، وتذكر في تلك الحال ابناً له صغيراً كان مغرماً به، كان تركه بإشبيلية عليلاً اسمه المعلى وكنيته أبو هاشم فقال:
أبا هاشـم هشـمتني الشـفار فلله صبري لذاك الأوار
ذكرت شخيصك تحت العجاج فلم يثنـني ذكره للفرار
ثم كان أول من وافى ابن عباد من قواد ابن تاشفين، داود بن عائشة، وكان بطلاً شهماً فنفس بمجيئه عن ابن عباد...
وهناك وبعد عصر ذلك اليوم يشير يوسف بن تاشفين إلى من معه أن انزلوا وساعدوا إخوانكم، وذلك بعد أن كانت قد أُنهكت قوى الطرفين من المسلمين والنصارى، وبعد طول صبر ينزل يوسف بن تاشفين بالأحد عشر مقاتلًا الذين كانوا معه وهم في كامل قوتهم، فيحاصرون الجيش النصراني.
قسّم يوسف بن تاشفين الجيش الذي كان معه إلى قسمين، فالأول يساعد مقدمة المسلمين، والثاني يلتفّ خلف جيش النصارى، وكان أول فعل له خلف جيش النصارى هو أن حرّق خيامهم، وذلك حتى يعلم النصارى أن يوسف بن تاشفين ومن معه من ورائهم وهم محيطون بهم، فقد كان يعلم رحمه الله أن مثل هؤلاء الناس لا يهمهم من الدنيا إلا أن يظلوا أحياء، وأن ينجوا بأنفسهم.
حين علم النصارى أن المسلمين من ورائهم وأنهم محاصرون دبّت الهزيمة في قلوبهم، وبدأ الخلل يتغلغل في صفوفهم، وبالفعل بدأ الانسحاب التدريجي التكتيكي الذي يحاول أقل خسارة ممكنة، وقد التفّ الناس حول ألفونسو السادس يحمونه، ثم حدثت خلخلة عظيمة في جيشهم.
وفي الضربة الأولى ليوسف بن تاشفين يُقتل من النصارى عشرة آلاف رجل، وفي وصف لهذا القائد في تلك المعركة يقول المؤرخون بأن يوسف بن تاشفين وهو الأمير على ثلث إفريقيا كان في هذه الموقعة يتعرض للموت ويتعرض للشهادة ولا يصيبها، يلقي بنفسه في المهالك، رحمه الله ورضي عنه وعن أمثاله.
تزداد شراسة الموقعة حتى قبيل المغرب، ثم ومن بعيد يشير يوسف بن تاشفين إلى الأربعة آلاف فارس أو الفرقة الثالثة والأخيرة، والتي كانت من رجال السودان المهرة، فيأتون فيعملون القتل في النصارى ويستأصلونهم.
وتنجلي الحقيقة المروّعة لأعداء الله عن قتل خمسين وخمسمائة وتسع وخمسين ألفًا من النصارى من مجموع ستين ألفا منهم، ممن كانوا سيهزمون الإنس والجن والملائكة، في موقعة كانت تنزلق فيها أقتاب الخيول وأرجل الفرسان من كثرة الدماء في هذه الأرض الصخرية، حتى سُمّيت من بعدها بالزلَّاقة.
وكان قد بقي من النصارى أربعمائة وخمسون فارسًا فقط، منهم ألفونسو السادس الذي نجا من الموت بساق واحدة، ثم انسحب في جنح الظلام بمن معه إلى طليطلة، وقد مات منهم في الطريق من أثر الجراح المثخنة ثلاثمائة وخمسون فارسا، وهناك دخل طليطلة بمائة فارس فقط.
فكانت الزلاقة دون مبالغة كاليرموك والقادسية...
لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا
بعد هذه المعركة جمع المسلمون من الغنائم الكثير، لكن يوسف بن تاشفين وفي صورة مشرقة ومشرّفة من صور الإخلاص والتجرد وفي درس عملي بليغ لأهل الأندلس عامة ولأمرائهم خاصة يترك كل هذه الغنائم لأهل الأندلس، ويرجع في زهدٍ عجيب وورع صادق إلى بلاد المغرب، لسان حاله: [لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورً] {الإنسان:9}.
قال المقري في نفح الطيب: وأقامت العساكر بالموضع أربعة أيام، حتى جمعت الغنائم، واستؤذن في ذلك السلطان يوسف، فعفّ عنها، وآثر بها ملوك الأندلس، وعرفهم أن مقصده الجهاد والأجر العظيم، وما عند الله في ذلك من الثواب المقيم، فلما رأت ملوك الأندلس إيثار يوسف لهم بالغنائم استكرموه، وأحبوه وشكروا له ذلك.
يعود رحمه الله إلى بلاد المغرب ليس معه إلا وعودًا منهم بالوحدة والتجمع ونبذ الفرقة، والتمسك بكتاب الله وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد نصحهم باتباع سنة الجهاد في سبيل الله، وعاد يوسف بن تاشفين البطل الإسلامي المغوار وعمره آنذاك تسع وسبعون سنة!!
كان من الممكن له رحمه الله أن يرسل قائدا من قواده إلى أرض الأندلس ويبقى هو في بلاد المغرب، بعيدا عن تخطي القفار وعبور البحار، وبعيدا عن ويلات الحروب وإهلاك النفوس، وبعيدا عن أرض غريبة وأناس أغرب، لكنه رحمه الله وهو الشيخ الكبير يتخطى تلك الصعاب ويركب فرسه ويحمل روحه بين يديه، لسان حاله: أذهب إلى أرض الجهاد لعلّي أموت في سبيل الله، شعاره هو:
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومٍ فَلَا تَقْنَعُ بِمَا دُونَ النُّجُومِ
فَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ
لكنه رحمه الله لم يمت هناك، فلا نامت أعين الجبناء.
واستشهد في ذلك اليوم جماعة من الفضلاء والعلماء وأعيان الناس، مثل ابن رميلة صاحب الرؤية المذكورة، وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي، وغيرهما، رحمهما الله تعالى... نفح الطيب
المعتمد على الله بن عباد وشرف الجهاد
ولما دخل ابن عباد اشبيلية جلس للناس وهُنئ بالفتح، وقرأت القراء وقامت على رأسه الشعراء فأنشدوه، قال عبد الجليل بن وهبون: حضرت ذلك اليوم وأعددت قصيدة أنشده إياها فقرأ القارئ: [إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ] {التوبة 40} فقلت: بعداً لي ولشعري، والله ما أبقت لي هذه الآية معنى أحضره وأقوم به؛ واستشهد في هذا اليوم جماعة من أعيان الناس كابن رميلة المتقدم الذكر وقاضي مراكش أبي مروان عبد الملك المصمودي وغيرهما، وطار ذكر ابن عباد بهذه الوقيعة وشهر مجده، ومالت إليه القلوب، وسالمته ملوك الطوائف، وخاطبوه جميعاً بالتهنئة، ولم يزل ملحوظاً معظماً إلى أن كان من أمره مع يوسف ما كان... الروض المعطار في خبر الأقطار - الحِميري
مصير ألفونسو السادس:
لما بلغ - ألفونسو السادس - إلى بلاده وسأل عن أبطاله وشجعانه وأصحابهم ففقدهم ولم يسمع إلا نواح الثكلى عليهم، اهتمّ ولم يأكل ولم يشرب حتى هلك هماً وغمًا، فكان مصيره جهنم وبئس المصير...
صراعات ملوك الطوائف وعودة يوسف بن تاشفين من جديد
بعد عودة يوسف بن تاشفين إلى أرض المغرب، حدثت الصراعات بين أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس بسبب الغنائم وتقسيم البلاد المحرّرة.
وهنا ضج علماء الأندلس وذهبوا يستنجدون بيوسف بن تاشفين من جديد، لا لتخليصهم هذه المرة من النصارى، وإنما لإنقاذهم من أمرائهم...
يتورّع يوسف بن تاشفين عن هذ الأمر، إذ كيف يهجم على بلاد المسلمين وكيف يحاربهم؟! فتأتيه رحمه الله الفتاوى من كل بلاد المسلمين تحمّله مسئولية ما يحدث في بلاد الأندلس إن هو تأخر عنها، وتحذّره من ضياعها إلى الأبد، وتطلب منه أن يضمها إلى أملاك المسلمين تحت دولة واحدة وراية واحدة، هي دولة المرابطين.
فجاءته الفتوى بذلك من بلاد الشام من أبي حامد الغزالي صاحب "إحياء علوم الدين"، وقد كان معاصرًا لهذه الأحداث، وجاءته الفتوى من أبي بكر الطرطوشي العالم المصري الكبير، وجاءته الفتوى من كل علماء المالكية في شمال أفريقيا.
لم يجد يوسف بن تاشفين إلا أن يستجيب لمطلبهم، فقام في سنة 483 هـ= 1090 م وبعد مرور أربعة أعوام على موقعة الزَلَّاقة، وجهّز نفسه ودخل الأندلس.
((الواقع يقول أن ابن تاشفين لم يطمع في الأندلس وتردد كثيرًا قبل العبور، وعف عن الغنائم بعد ذلك وتركها للمعتمد ولأمراء الأندلس ولم يأخذ منها شيئًا، وكان عودته، ثم يعود في الجواز الثاني بسبب اختلافات ملوك الطوائف، وتحالف بعضهم مع عدو الإسلام، وكان الجواز الثالث لوضع حد لمهزلة ملوك الطوائف، لقد آن - وباسم الإسلام - لهذه الدويلات الضعيفة المتناحرة المتحالف بعضها مع الأعداء أن تنتهي...))...الزلاقة - د. شوقي أبو خليل
يوسف بن تاشفين ودولة واحدة على المغرب والأندلس
لم يكن دخول يوسف بن تاشفين الأندلس أمرًا سهلًا، فقد حاربه الأمراء هناك بما فيهم المعتمد على الله بن عبّاد، ذلك الرجل الذي لم يجد العزّة إلا تحت راية يوسف بن تاشفين رحمه الله قبل وبعد الزلاقة، قام المعتمد على الله بمحاربته وأنّى له أن يحارب مثله...
استعرت نار الحرب بين المرابطين وملوك الطوائف وانتهت بضم كل ممالك الأندلس لدولة المرابطين إلا "سرقسطة" التي حكمها أحمد بن هود، والذي كان كالشوكة في حلق النصارى، فقد قاومهم زمنًا طويلًا، وتراجع النصارى أمام صمود بني هود البطولي، وأظهر بنود هود مقدرة فائقة على قتال النصارى مما جعل المرابطين يحترمونهم، وتوطدت العلاقة الودية بين الأمير يوسف والأمير احمد بن هود الذي كان وفيًا في عهوده، ومخلصًُا في جهاده، وحريصًا على أمته، ورضي المرابطون ببقاء أحمد بن هود حاكمًا تابعًا لهم، وبذلك أصبحت الأندلس ولاية تابعة لدولة المرابطين، وتوارت العناصر والزعامات الهزيلة وانهار سلطان العصبيات الطائفية. الأندلس في عصر المرابطين ص 112
فاستطاع يوسف بن تاشفين أن يضمّ كل بلاد الأندلس تحت لوائه، وأن يحرّر "سرقسطة"، تلك التي كان النصارى قد أخذوها بعد أن قسّمها أميرها بين ولديه - كما ذكرنا - واستطاع أن يضمّها إلى بلاد المسلمين، وقد أصبح أميرًا على دولة تملك من شمال الأندلس وبالقرب من فرنسا وحتى وسط أفريقيا، دولة واحدة اسمها دولة المرابطين.
ظلّ هذا الشيخ الكبير يحكم حتى سنة 500 هـ= 1106 م وكان قد بلغ من الكبر عتيًا، وتوفي رحمه الله بعد حياة حافلة بالجهاد وقد وفّى تمام المائة، منها سبع وأربعين سنة في الحكم، وكان تمام ستين سنة على ميلاد دولة المرابطين، تلك التي أصبحت من أقوى دول العالم في ذلك الزمان.
الموقف بعد الزلاقة وقفة تحليلية
كانت الزلاقة- كما ذكرنا- في 12 من شهر رجب 479 هـ= 23 من أكتوبر 1086 م، وبعدها بما يقارب الثلاثة أشهر مات كمدًا وحزنًا "ألفونسو السادس" قائد النصارى في هذه المعركة بعد تلك الهزيمة الساحقة التي نالته، والتي راح ضحيتها تقريبًا كل الجيش الصليبي، وبترت فيها ساقُه.
وقبل موته استخلف ألفونسو السادس ابنه على الحكم، ومع أن الاستخلاف كان سريعا إلا أن النصارى لم يستطيعوا أن يقيموا لهم قوة لمدة عشرين سنة تالية أو أكثر من ذلك؛ حيث لم تحدث مواقع بين المسلمين وبين النصارى إلا بعد سنة خمسمائة من الهجرة، أي بعد حوالي اثنتين وعشرين سنة من الزلاقة.
وعلى الجانب الآخر فقد ظل يوسف بن تاشفين رحمه الله في الحكم حتى وفاته سنة خمسمائة من الهجرة عن مائة عام كاملة، وقد استُخلف على دولة المرابطين من بعده ابنُه عليّ بن يوسف بن تاشفين.
حاول المرابطون بعد دخولهم الأندلس تحرير الأراضي الأندلسية التي أُخذت من المسلمين على مدار ال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:26 pm


بين المرابطين والموحدين
تأسيس دولة الموحدين إن من سنن الله أن تقوم الدول ثم تنهار وتقوم دول أخرى مكانها، وهذا بالفعل ما حدث مع دولة المرابطين أن انتهت وقامت مكانها دولة الموحدين. وكما كان الشيخ عبد الله بن ياسين هو الذي أسس دولة المرابطين بدعوته، كان محمد بن تومرت (473- 524هـ/ 1080- 1130م) هو من أسس دولة الموحدين. ولكن نلاحظ أن هناك فرقًا بين دعوة عبد الله بن ياسين ودعوة ابن تومرت؛ فدعوة المرابطين قامت على أساس الدعوة السلمية، أما دعوة الموحدين فقامت على حساب دماء المسلمين، وبالتحديد دماء المرابطين؛ فنجد أن ابن تومرت ادعى العصمة، واستحل دماء المرابطين، بل قال إن قتلهم عليه ثوابٌ عظيم، وقام بما يعرف بالتمييز أي تمييز الصادقين من أتباعهمن المنافقين والمخالفين، فيقول: هذا من أهل النار. فيلقى من الجبل مقتولاً، ويترك على يمينه الشاب الغرّ، ومن لا يخشى،فيقول: هذا من أهل الجنة. فكان عدد الذين قتلهم سبعين ألفًا. قتال الموحدين للمرابطين قام محمد بن تومرت بمقاتلة المرابطين وسفك دمهم، وقد التقى مع المرابطين في مواقع عديدة، كان منها تسعمواقع ضخمة، انتهت سبع منها بانتصارهم على المرابطين، وهُزموا في اثنتين. وبعد وفاته تولى قيادة الموحدين عبد المؤمن بن علي الذي استطاع تجميع الموحدين، وبعد ذلك اتجه لقتال المرابطين، فقاتلهم في أماكن كثيرة، واستطاع الانتصار عليهم، وقتل إسحاق بن علي بن يوسف بنتاشفين آخر حكام دولة المرابطين. نتائج حروب الموحدين مع المرابطين كان نتيجة هذا الانقسام أن سقطت المَرِيَّة وطرطوشة ولارِدة في أيديالنصارى، وتوسعت مملكة البرتغال في الجنوب، وبدأ النصارى يتخطون حدود الأندلس ويهاجمون بلاد المغرب العربي. ونستطيع أن نقول: إن كل هذا حدث بسبب الفتن والانقسامات التي حدثت بين المسلمين
.
قبل أن نخوض في الأحداث التي تلت موقعة الزلاقة، وامتداد دولة المرابطين إلى الأندلس، كان هناك سؤال يفرضه الذهن الشارد على طول ما سبق من أحداث
:
لا شك أن انتصارات المسلمين في السابق في مثل مواقع الزلاقة ووادي برباط، وأي من المواقع الإسلامية الأخرى في غير تاريخ الأندلس، لا شك أنه أمر يبعث العزة ويدعو إلى الفخر، لكن مثل هذه الانتصارات السابقة كانت حيث السيوف والرماح والخيول، ولقاء الجندي بالجندي، أما الآن وقد اختفت مثل هذه الأمور، بل واندثرت تماما، وتبدّل الوضع؛ فأصبحت الحرب غير الحرب، والطاقة غير الطاقة، حيث الحرب الإلكترونية، وحيث الطائرات والقنابل العنقودية، والصواريخ العابرة والموجهة، والأسلحة الكيماوية والنووية، وغير ذلك مما لم يكن على سابق ما مضى تمامًا،
فهل يستطع المسلمون أن يحققوا نصرًا في مثل هذه الظروف وتلك المستجدات ورغم ما هم فيه من تخلفٍ وانحطاطٍ كانتصارات سابقيهم؟
!
والحقيقة أن مبعث مثل هذا الخاطر وذاك السؤال هو عدم الفهم والوعي لعاملَيْن مهمّين جدًا كنا قد تحدثنا عنهما فيما مضى، وهما
:
العامل الأول: أمة الاسلام أمة لا تموت
اقتضت سنة الله في كونه كما ذكرنا أن تكون أمة الإسلام أمة لا تموت، وأنها أبدًا في قيام، وأنه لا بدّ من القيام بعد السقوط كما كان السقوط بعد القيام، بصرف النظر عن مدى قوة وعظم الكافرين وضعف المسلمين، فالله سبحانه وتعالى يقول: [لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ] {آل عمران:196
}.
العامل الثاني: طبيعة المعركة بين الحق والباطل
فالحرب بين المسلمين وغيرهم ليست متمثّلة في شكل دول أو أشخاص، إنما هي حرب عقائدية، حرب بين الحق والباطل، وهي بأيسر تعبير معركة بين أولياء الله سبحانه وتعالى وأولياء الشيطان
.
فماذا تكون النتيجة إذن إذا كانت المعركة على هذا النحو؟ وهل ينتصر حزب الشيطان وأولياؤه مهما تعاظمت عناصر القوة لديهم، أم ينتصر حزب الله وأولياؤه وإن قلّت وضعفت إمكاناتهم وطاقاتهم؟
وفي استدعاءٍ للتاريخ والمواقع الإسلامية السابقة خير مثال ودليل على ما ذهبنا إليه، فهل كان من الطبيعي بالقياسات القديمة أن يحقق المسلمون النصر في معاركهم أجمع فيما مضى؟! هل كان من الطبيعي في معركة القادسية على سبيل المثال أن ينتصر اثنان وثلاثون ألف مسلم على مائتي ألف فارسي؟! بكل قياسات الماضي وقياسات الوضع الطبيعي هل من الممكن أن يحدث مثل هذا؟ وأين؟ في بلادهم وعقر دارهم
.
وهل كان من الطبيعي في معركة اليرموك أن ينتصر تسع وثلاثون ألف مسلم على مائتي ألف رومي؟! وهل كان من الطبيعي أن ينتصر ثلاثون ألف مسلم في تُستُر على مائة وخمسين ألف فارسي ثمانين مرة متتالية في خلال سنة ونصف وفي عقر دارهم أيضا؟! وهل كان من الطبيعي كما ذكرنا في أحداث الأندلس السابقة أن ينتصر اثنا عشر ألف مسلم على مائة ألف قوطي في معركة وادي برباط؟
!
هذه كلها أمور من الصعب إن لم يكن من المستحيل أن تحدث حتى بقياسات الماضي، وهو لغز لا يمكن أن نجد له حلًا إلا بطريقة واحدة، هي أن نعلم ونتيقن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحارب الكافرين [وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى] {الأنفال:17}. يقول أيضا سبحانه وتعالى: [وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ] {محمد:4
}.
فالله سبحانه وتعالى يختبر المؤمنين بحربهم مع الكافرين، وليس هو سبحانه وتعالى في حاجةٍ إلينا لينتصر على أعدائه أو المشركين به من اليهود والأمريكان والروس، أو غيرهم من أمم الأرض الذين جحدوا وحدانيته واجتاحوا بلاد المسلمين، إنما كان من فضله علينا وجوده وكرمه أن عَمِلْنَا جنودًا عنده سبحانه وتعالى، وإنما نحن كمن يستر القدرة ويأخذ الأجرة، فنحن نستر قدرة الله سبحانه وتعالى في هزيمته للكافرين، ونأخذ الأجر على الثبات في هذا الموقف أمام الكفار
.
والذي يقول بأن الموقف في الماضي مخالف عن الموقف في الحاضر، أو أن حروب الماضي مختلفة بالكلية عن حروب الحاضر وهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي نصر الصحابه ونصر من تبعهم بإحسان وإلى يوم الدين، من يرى هذا كأنه يقول - حاشا لله من هذا - بأن الله كان قادرًا على عاد وثمود وفارس والروم، ولكنه - نعوذ بالله من ذلك - ليس بقادر على أمريكا واليهود وروسيا ومن حالفهم أو شايعهم من الأمم الحاضرة المقاتلة لأمة الاسلام
!!
يقول سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حكاية عن الأمم العاتية السابقة: [فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ] {فصِّلت:15
}.
ويقول أيضًا في وصف حال الكافرين: [اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيراً] {فاطر: 43،44
}.
لكن المهم والذي من المفترض أن يشغل بال المسلم الحريص على دينه هو معرفة دوره هو في هذا القيام وهذه الدعوة، ومعرفة دوره في انتصار مثل انتصار الزلاقة وغيره من مواقع المسلمين الخالدة
.
فإن كان قيام أمة المسلمين بنا فنحن مأجورون على ذلك حتى ولو لم نرى نصرًا، وإن كان القيام بغيرنا فقد ضاع منا الأجر، حتى ولو كنا معاصرين لذلك النصر وذاك التمكين، وهذا هو ما يجب أن يستحوذ على أذهان المسلمين، وأن يعملوا ليكون لهم دور في إعادة بنيان هذه الأمة بعد ذاك السقوط الذي تحدثنا عنه
.
إرهاصات ظهور دولة الموحدين

المؤسس محمد بن تومرت ( 473 - 524 هـ= 1080 - 1130م ) وبداية الثورة على المرابطين:
كانت البلاد تتجه بقوة نحو هاوية سحيقة وكارثة محققة، وكان لا بدّ وأن تتحقق سنة الله تعالى بتغيير هؤلاء واستبدالهم بغيرهم، فقام رجل من قبائل "مصمودة" البربريّة يُدعى محمد بن تومرت، والذي قال عنه البعض بأنه عربي، بل وهناك من نسبه إلى القرشيّة، لكن غالب الأمر أنه من قبائل البربر في هذه المنطقة، قام في سنة 512 هـ= 1118 م بثورة على دولة المرابطين، كان منهج "محمد بن تومرت" في التغيير والإصلاح مختلفا بالكلية عن منهج الشيخ "عبد الله بن ياسين" رحمه الله
...
وقد ولد محمد بن تومرت المصمودي سنة 473 هـ= 1080 م ونشأ في بيت متدين في قبيلة مصمودة، وقد ظلّ في هذا البيت إلى سنة 500 هـ= 1107 م وكان قد بلغ من العمر آنذاك سبع وعشرين سنة، ولأنه كان شغوفا بالعلم، ولأنه كان من عادة العلماء في ذلك الزمن أنهم يتجولون ويسيحون في سائر الأرض يتعلمون من علماء المسلمين في مختلف الأقطار، سافر محمد بن تومرت في سنة 500هـ= 1107 م إلى قرطبة وتلقى العلم هناك، ولم يكتف بذلك بل عاد وسافر إلى بلاد المشرق، فذهب إلى الأسكندرية ثم إلى مكة حيث أدى فريضة الحج، وهناك أخذ يتعلم على أيدي علماء مكّة فترة من الزمان، ثم رحل إلى بغداد وقضى فيها عشر سنوات كاملة يتلقى العلم على أيدي علماء بغداد جميعهم، وقد كانت بغداد تموج آنذاك بتيارات مختلفة من علماء السنة والشيعة والمعتزلة وغيرهم الكثير ممن أخذ وتلقى على أيديهم العلم
.
ذهب "محمد بن تومرت" بعد ذلك إلى الشام، وفيها تلقى العلم على أيدي أبي حامد الغزالي رحمه الله وعاد بعدها إلى الأسكندرية ثم إلى بلاد المغرب العربي، يقول ابن خلدون يصف محمد بن تومرت بعد عودته تلك في سنة 512 هـ= 1118 م حيث كان قد بلغ من العمر تسعا وثلاثين سنة، يقول: أصبح محمد بن تومرت بحرا متفجرا من العلم وشهابا في الدين. يعني أنه جمع علوما كثيرة وأفكارًا جمة من تيارات مختلفة من تيارات المسلمين، وأصبح بالفعل من كبار علماء المسلمين في هذه الآونة
.
الصراع المرير والسقوط المدوّي

استمرّت المعارك والحروب بين الموحدين والمرابطين سنوات وسنوات قال "ابن الأثير" في كتابه "الكامل": وعاد عبد المؤمن إلى تين ملل، وأقام بها يتألّف القلوب، ويحسن إلى الناس، وكان جواداً مقداماً في الحروب، ثابتاً في الهزاهز، إلى أن دخلت سنة ثمان وعشرين وخمسمائة، فتجهز وسار في جيش كثير، وجعل يمشي مع الجبل إلى أن وصل إلى تادلة، فمانعه أهلها، وقاتلوه، فقهرهم، وفتحها وسائر البلاد التي تليها ومشى في الجبال يفتح ما امتنع عليه، وأطاعته صنهاجة الجبل.
وكان أمير المسلمين قد جعل ولي عهده ابنه سير، فمات، فأحضر أمير المسلمين ابنه تاشفين من الأندلس، وكان أميراً عليها، فلما حضر عنده جعله ولي عهده سنة إحدى وثلاثين، وجعل معه جيشاً، وصار يمشي في الصحراء قبالة عبد المؤمن في الجبال
.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة كان عبد المؤمن في النواظر، وهو جبل عال مشرف، وتاشفين في الوطأة، وكان يخرج من الطائفتين قوم يترامون ويتطاردون، ولم يكن بينهما لقاء، ويسمى عام النواظر
.
وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة توجه عبد المؤمن، مع الجبل، في الشعراء، حتى انتهى إلى جبل كرناطة، فنزل في أرض صلبة، بين شجر، ونزل تاشفين قبالته، في الوطأة، في أرض لا نبات فيها، وكان الفصل شاتياً، فتوالت الأمطار أياماً كثيرة لا تقلع، فصارت الأرض التي فيها تاشفين وأصحابه كثيرة الوحل، تسوخ فيها قوائم الخيل إلى صدورها، ويعجز الرجل عن المشي فيها، وتقطعت الطرق عنهم، فأوقدوا رماحهم، وقرابيس سروجهم، وهلكوا جوعاً وبرداً وسوء حال
.
وكان عبد المؤمن وأصحابه في أرض خشنة صلبة في الجبل، لا يبالون بشيء، والميرة متصلة إليهم، وفي ذلك الوقت سير عبد المؤمن جيشاً إلى وجرة من أعمال تلمسان، ومقدمهم أبو عبد الله محمد بن رقو، وهو من أيت خمسين، فبلغ خبرهم إلى محمد بن يحيى بن فانوا، متولي تلمسان، فخرج في جيش من الملثمين، فالتقوا بموضع يعرف بخندق الخمر، فهزمهم جيش عبد المؤمن، وقتل محمد بن يحيى وكثير من أصحابه، وغنموا ما معهم ورجعوا، فتوجه عبد المؤمن بجميع جيشه إلى غمارة، فأطاعوه قبيلة بعد قبيلة، وأقام عندهم مدة
.
وما برح يمشي في الجبال، وتاشفين يحاذيه في الصحاري، فلم يزل عبد المؤمن كذلك إلى سنة خمس وثلاثين، فتوفي أمير المسلمين علي بن يوسف بمراكش وملك بعده ابنه تاشفين، فقوي طمع عبد المؤمن في البلاد، إلا أنه لم ينزل الصحراء
.
وفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة توجه عبد المؤمن إلى تلمسان، فنازلها، وضرب خيامه في جبل بأعلاها، ونزل تاشفين على الجانب الآخر من البلد، وكان بينهم مناوشة، فبقوا كذلك إلى سنة تسع وثلاثين، فرحل عبد المؤمن عنها إلى جبل تاجرة، ووجه جيشاً مع عمر الهنتاتي إلى مدينة وهران، فهاجمها بغتة، وحصل هو وجيشه فيها، فسمع بذلك تاشفين فسار إليها، فخرج منها عمر، ونزل تاشفين بظاهر وهران، على البحر، في شهر رمضان سنة تسع وثلاثين، فجاءت ليلة سبع وعشرين منه، وهي ليلة يعظمها أهل المغرب، وبظاهر وهران ربوة مطلة على البحر، وبأعلاها ثنية يجتمع فيها المتعبدون، وهو موضع معظم عندهم، فسار إليه تاشفين في نفر يسير من أصحابه متخفياً، لم يعلم به إلا النفر الذين معه، وقصد التبرك بحضور ذلك الموضع مع أولئك الجماعة الصالحين، فبلغ الخبر إلى عمر بن يحيى الهنتاتي، فسار لوقته بجميع عسكره إلى ذلك المتعبد، وأحاطوا به، وملكوا الربوة، فلما خاف تاشفين على نفسه أن يأخذوه ركب فرسه وحمل عليه إلى جهة البحر، فسقط من جرف عال على الحجارة فهلك، ورفعت جثته على خشبة، وقتل كل من كان معه
.
وقيل إن تاشفين قصد حصناً هناك على رابية، وله فيه بستان كبير فيه من كل الثمار، فاتفق أن عمر الهنتاتي، مقدم عسكر عبد المؤمن، سير سرية إلى ذلك الحصن، يعلمهم بضعف من فيه، ولم يعلموا أن تاشفين فيه، فألقوا النار في بابه فاحترق، فأراد تاشفين الهرب، فركب فرسه، فوثب الفرس من داخل الحصن إلى خارج السور، فسقط في النار، فأخذ تاشفين، فاعترف، فأرادوا حمله إلى عبد المؤمن، فمات في الحال لأن رقبته كانت قد اندقت، فصلب، وقتل كل من معه، وتفرق عسكره ولم يعد لهم جماعة. وملك بعده أخوه إسحاق بن علي بن يوسف
.
ولما قتل تاشفين أرسل عمر إلى عبد المؤمن بالخبر، فجاء من تاجَرة في يومه بجميع عسكره، وتفرق عسكر أمير المسلمين، واحتمى بعضهم بمدينة وهران، فلما وصل عبد المؤمن دخلها بالسيف، وقتل فيها ما لا يحصى. ثم سار إلى تلمسان، وهما مدينتان بينهما شوط فرس، إحداهما تاهرت، وبها عسكر المسلمين، والأخرى أقادير، وهي بناء قديم، فامتنعت أقادير، وغلقت أبوابها، وتأهب أهلها للقتال
.
وأما تاهرت، فكان فيها يحيى بن الصحراوية، فهرب منها بعسكره إلى مدينة فاس، وجاء عبد المؤمن إليها، فدخلها لما فر منها العسكر، ولقيه أهلها بالخضوع والاستكانة، فلم يقبل منهم ذلك، وقتل أكثرهم، ودخلها عسكره، ورتب أمرها، ورحل عنها، وجعل على أقادير جيشاً يحصرها، وسار إلى مدينة فاس سنة أربعين وخمسمائة فنزل على جبل مطل عليها، وحصرها تسعة أشهر، وفيها يحيى بن الصحراوية، وعسكره الذين فروا من تلمسان، فلما طال مقام عبد المؤمن عمد إلى نهر يدخل البلد فسكره بالأخشاب والتراب وغير ذلك، فمنعه من دخول البلد، وصار بحيرة تسير فيها السفن، ثم هدم السكر، فجاء الماء دفعة واحدة فخرب سور البلد، وكل ما يجاور النهر من البلد، وأراد عبد المؤمن أن يدخل البلد، فقاتله أهله خارج السور، فتعذر عليه ما قدره من دخوله
.
وكان بفاس عبد الله بن خيار الجياني عاملاً عليها وعلى جميع أعمالها، فاتفق هو وجماعة من أعيان البلد، وكاتبوا عبد المؤمن في طلب الأمان لأهل فاس، فأجابهم إليه، ففتحوا له باباً من أبوبها، فدخلها عسكره، وهرب يحيى بن الصحراوية، وكان فتحها آخر سنة أربعين وخمسمائة، وسار إلى طنجة، ورتب عبد المؤمن أمر مدينة فاس، وأمر فنودي في أهلها: من ترك عنده سلاحاً وعدة قتال حل دمه، فحمل كل من في البلد ما عندهم من سلاح إليه، فأخذه منهم
...
ولما فرغ عبد المؤمن من فاس، وتلك النواحي، سار إلى مراكش، وهي كرسي مملكة الملثمين، وهي من أكبر المدن وأعظمها، وكان صاحبها حينئذ إسحاق بن علي بن يوسف بن تاشفين، وهو صبي، فنازلها، وكان نزوله عليها سنة إحدى وأربعين، فضرب خيامه في غربيها على جبل صغير، وبنى عليه مدينة له ولعسكره، وبنى بها جامعاً وبنى له بناء عالياً يشرف منه على المدينة، ويرى أحوال أهلها، وأحوال المقاتلين من أصحابه، وقاتلها قتالاً كثيراً، وأقام عليها أحد عشر شهراً، فكان من بها من المرابطين يخرجون يقاتلونهم بظاهر البلد، واشتد الجوع على أهله، وتعذرت الأقوات عندهم
.
ثم زحف إليهم يوماً، وجعل لهم كميناً، وقال لهم: إذا سمعتم صوت الطبل فاخرجوا، وجلس هو بأعلى المنظرة التي بناها يشاهد القتال، وتقدم عسكره، وقاتلوا، وصبروا، ثم إنهم انهزموا لأهل مراكش ليتبعوهم إلى الكمين الذي لهم، فتبعهم الملثمون إلى أن وصلوا إلى مدينة عبد المؤمن، فهدموا أكثر سورها، وصاحت المصامدة بعبد المؤمن ليأمر بضرب الطبل ليخرج الكمين، فقال لهم: اصبروا حتى يخرج كل طامع في البلد، فلما خرج أكثر أهله أمر بالطبل فضرب وخرج الكمين عليهم، ورجع المصامدة المنهزمون إلى الملثمين فقتلوهم كيف شاءوا، وعادت الهزيمة على الملثمين، فمات في زحمة الأبواب ما لا يحصيه إلا الله سبحانه
.
وكان شيوخ الملثمين يدبرون دولة إسحاق بن علي بن يوسف لصغر سنة، فاتفق أن إنساناً من جملتهم يقال له
عبد الله بن أبي بكر خرج إلى عبد المؤمن مستأمناً وأطلعه على عوراتهم وضعفهم، فقوي الطمع فيهم، واشتد عليهم البلاء، ونصب عليهم المنجنيقات والأبراج، وفنيت أقواتهم، وأكلوا دوابهم، ومات من العامة بالجوع ما يزيد على مائة ألف إنسان، فأنتن البلد من ريح الموتى.
وكان بمراكش جيش من الفرنج كان المرابطون قد استنجدوا بهم، فجاءوا إليهم نجدة، فلما طال عليهم الأمر راسلوا عبد المؤمن يسألون الأمان، فأجابهم إليه، ففتحوا له باباً من أبواب البلد يقال له باب أغمات، فدخلت عساكره بالسيف، وملكوا المدينة عنوة، وقتلوا من وجدوا، ووصلوا إلى دار أمير المسلمين، فأخرجوا الأمير إسحاق وجميع من معه من أمراء المرابطين، فقتلوا، وجعل إسحاق يرتعد رغبة في البقاء، ويدعو لعبد المؤمن ويبكي، فقام إليه الأمير سير بن الحاج، وكان إلى جانبه مكتوفاً، فبزق في وجهه، وقال: تبكي على أبيك وأمك؟ اصبر صبر الرجال، فهذا رجل لا يخاف الله ولا يدين بدين. فقام الموحدون إليه بالخشب فضربوه حتى قتلوه، وكان من الشجعان المعروفين بالشجاعة، وقدم إسحاق، على صغر سنه، فضربت عنقه سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، وآخر ملوك المرابطين وبه انقرضت دولتهم، وكانت مدة ملكهم سبعين سنة، وولي منهم أربعة: يوسف وعلي وتاشفين وإسحاق
.
ولما فتح عبد المؤمن مراكش أقام بها، واستوطنها واستقر ملكه. ولما قتل عبد المؤمن من أهل مراكش فأكثر فيهم القتل اختفى كثير من أهلها، فلما كان بعد سبعة أيام أمر فنودي بأمان من بقي من أهلها، فخرجوا، فأراد أصحابه المصامدة قتلهم، فمنعهم، وقال: هؤلاء صناع، وأهل الأسواق من ننتفع به، فتركوا، وأمر بإخراج القتلى من البلد، فأخرجوهم، وبنى بالقصر جامعاً كبيراً، وزخرفه فأحسن عمله، وأمر بهدم الجامع الذي بناه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين... الكامل - ابن الأثير
قال "عبد الواحد المراكشي" في "المعجب": ولم يزل عبد المؤمن - بعد وفاة ابن تومرت - يطوي الممالك مملكة مملكة ويدوخ البلاد إلى أن ذلت له البلاد وأطاعته العباد
...
وبنظرة إجمالية فإن عدد من قتل من المسلمين في المواقع التي دارت بين المرابطين والموحدين وفي نحو ثمان وعشرين سنة، وذلك منذ سنة 512 هـ= 1118 م وحتى قيام دولة الموحدين في سنة 541 هـ= 1146 م عدد القتلى من المسلمين تجاوز عشرات الآلاف
...
وقامت دولة الموحدين كما قامت دولة المرابطين من قبل، لكن على أشلاء الآلاف من المسلمين، وكان هذا هو الطريق الذي سلكه محمد بن تومرت ومن معه، وكان هذا نهجهم في التغيير
...
وكنا قد رأينا سابقًا كيف كان الطريق الذي سار فيه الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه، وقد وصل الاثنان إلى قيام دولة وتأسيس حكم، لكن شتان بين أحداث ونتائج قيام كل منهما، وشتان بين كلا المنهجين في القيام، وإنا لنعجب كيف يسير محمد بن تومرت في مثل هذا الطريق وقد رسم له السابقون الطريق الصحيح الذي ليس فيه دماء تراق، وليس فيه قتل وذبح لأمة كبيرة من المجاهدين مثل أمة المرابطين
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:28 pm

تداعيات سقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين
متابعة للأحداث بصورة متسلسلة فقد كان لسقوط دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين في عام 541 هـ= 1146 م ومقتل ما يربو على الثمانين ألف مسلم في بلاد الأندلس نتيجة الحروب بينهما - كان لهذه الأحداث العظام تداعيات خطيرة على كل بلاد المغرب العربي والأندلس، وما يهمنا هنا هو ما حدث في الأندلس، فكان ما يلي:
أولا:
بعد قيام دولة الموحدين بعام واحد وفي سنة 542 هـ= 1147 م سقطت "ألمرية" في أيدي النصارى، وهي تقع على ساحل البحر المتوسط في جنوب الأندلس، أي أنها بعيدة جدا عن ممالك النصارى، لكنها سقطت عن طريق البحر بمساعدة فرنسا.. وفي "ألمرية" استشهد آلاف من المسلمين وسبيت أربعة عشر ألف فتاة مسلمة.
ثانيا:
بعد ذلك أيضا بعام واحد وفي سنة 543 هـ= 1148 م سقطت طرطوشة ثم لاردة في أيدي النصارى أيضا، وهما في مملكة سراقسطة التي تقع في الشمال الشرقي، والتي كان قد حررها المرابطون قبل ذلك.
ثالثا:
وفي نفس العام أيضا توسعت مملكة البرتغال في الجنوب، وكانت من أشد الممالك ضراوة وحربا على المسلمين.
رابعا:
بدأ النصارى يتخطون حدود الأندلس ويهاجمون بلاد المغرب العربي، فاحتلت تونس في ذات السنة أيضا من قِبل النصارى، وهي خارج بلاد الأندلس.
ولقد كانت مثل هذه التداعيات شيئًا متوقعًا نتيجة الفتنة الكبيرة والحروب التي دارت بين المسلمين في بلاد المغرب العربي.
محمد بن تومرت ونهجه في الدعوة
في طريق عودته من بلاد العراق والشام مكث محمد بن تومرت فترة في الأسكندريه يُكمل فيها تعليمه، وهناك بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن خلال سيرته ورغم أنه- كما ذكرنا- كان عالِمًا كبيرًا إلا أنه كان يتصف بصفة لا نجدها عند أمثاله من العلماء، وهي مما يثير الدهشة وتدعو إلى التعجب، ذلك أنه كان شديدًا غاية الشدة في إنكار المنكر والأمر بالمعروف، شدة تصل إلى حد التنفير، فكان ينفّر عنه كثير من الناس حينما يأمرهم بالمعروف أو ينهاهم عن المنكر، ووصلت حدته وفظاظته في دعوته تلك إلى الدرجة التي جعلت أهل الأسكندرية يطردونه منها ويلقون به في سفينة متجهة إلى بلاد المغرب العربي، وعلى السفينة أيضا ظل محمد بن تومرت على حدته في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر حتى منع الخمور على ظهر السفينة وأمر بقراءة القرآن.
وبالطبع فقد كان الناس على السفينة بعيدين تمام البعد عن المنهج الإسلامي، فاشتدّ عليهم واختلف معهم كثيرًا، الأمر الذي دفعهم إلى إلقائه في عرض البحر وتركوه وساروا إلى بلاد المغرب، وبعد فترة من السباحة جانب السفينة أشفقوا عليه ورقّوا لحاله، وأخذوه معهم مرة ثانية شريطة أن يظلّ صامتًا إلى أن يصل إلى بلاد المغرب العربي، وفي تونس تنتهي رحلته فينزل إلى بلد تسمى المهدية، وهناك وكالعاده بدأ من جديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وبنفس الطريقة التي كان قد سلكها قبل ذلك، وكردٍّ طبيعي من قِبل الناس نفروا منه وبعدوا عن طريقته، فقد كان محمد بن تومرت يريد تغيير المنكر كله تغييرًا جذريًا ودفعة واحدة.
والحق أن هذا أمر مخالف لسنن الله تعالى؛ فحين بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في مكة ما أُمر وما سعى إلى هذا التغيير المفاجئ الجذري، بل إن الأمور كانت تتنزل عليه صلى الله عليه وسلم من عند الله سبحانه وتعالى بصورة متدرجة، فقد نزل أمر اجتناب الربا على درجات متسلسلة ومراعية للتدرج مع الناس، وكذلك كان الأمر في تحريم الخمور وتجريمها، والناس قبل لم تكن تعرف لكليهما حرمة، حتى في أمر الجهاد والقتال في سبيل الله؛ فلم يتنزل هذا التكليف دفعة واحدة.
تلك الأمور التي فقهها جيدًا عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين تولى الخلافة، فقد كان هناك كثير من المنكرات في دمشق وما حولها من البلاد، وكان ابن عمر بن عبد العزيز رحمه الله شديدًا في الحق، فأراد أن يغير كل هذه المنكرات مستقويًا بسلطان أبيه، إلا أنه وجد أن أباه عمر بن عبد العزيز يسير فيها بطريقة متدرجة فشق ذلك عليه، فذهب إليه وقال له: يا أبي، أنت تملك الأمور الآن، ولك هيمنة على بلاد المسلمين، فيجب أن تغير هذا المنكر كله وتقيم الإسلام كما ينبغي أن يُقام، فقال له عمر بن عبد العزيز رحمه الله: يا بني، لو حملت الناس على الحق جملةً واحدة تركوه جملةً واحدة.
لكن محمد بن تومرت لم يكن ينحو مثل هذا النهج ومثل تلك الخطى، إنما يريد أن يغير كل شيء تغييرًا جذريًا، بل وبأسلوب فظ شديد، وقد قال جل شأنه يخاطب نبيه الكريم: [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ] {آل عمران:159}. خطاب لشخصه صلى الله عليه وسلم وهو المؤيّد بالوحي وأحكم الخلق وأعلم البشر جميعًا، إن دعوت إلى الله سبحانه وتعالى بفظاظة وغلظة انفضّ الناس عنك، فما البال وما الخطب بعموم الناس من دونه؟!
محمد بن تومرت وعبد المؤمن بن عليّ
عندما كان في تونس وفي المهديّة قابل محمد بن تومرت رجلًا كان يبغي ما كان يبغيه هو في أول رحلته في طلب العلم إلى الأقطار الإسلامية المختلفة، ذلك الرجل كان يُدعى عبد المؤمن بن عليّ، وفي أول لقاء له به سأله عن سبب تركه لبلاد المغرب العربي وسياحته في البلاد، فأجابه بأنه يبحث عن العلم والدين، فرد عليه محمد بن تومرت بأن بضاعتك وما تبغيه لديّ وعندي، فالتقيا كثيرًا، وقد أخذ محمد بن تومرت يعلمه من علمه ما أعجب عبد المؤمن بن علي كثيرًا، وتآخيا في الله، وظلا سويًا في طريقهما لم يفترقا حتى مات محمد بن تومرت على نحو ما سيأتي بيانه.
تعلم عبد المؤمن بن علي العلم من محمد بن تومرت مع الطريقة الفظة في الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبدأ الاثنان معًا يدعوان إلى الله سبحانه وتعالى في بلاد المغرب العربي، وقد انضم إليهما خمسة آخرون وأصبحوا بذلك سبعة أفراد بمحمد بن تومرت نفسه، وعلى هذا الحال وجد محمد بن تومرت ومن معه أن المنكرات قد كثرت بصورة لافتة في بلاد المرابطين، ووجد أن الخمور قد تفشت حتى في مراكش، تلك العاصمة التي أسسها يوسف بن تاشفين رحمه الله من قبل وكانت ثغرا من ثغور الإسلام، كما رأى الولاة وقد بدأوا يظلمون الناس ويفرضون عليهم الضرائب، ويأكلون أموال اليتامى، ووجد أيضا ذاك السفور والاختلاط وقد انتشر وصار شيئًا مألوفًا بين الناس، حتى إنه شاهد بنفسه امرأة سافرة وقد خرجت في فوج كبير وعليه حراسة مما يماثل أفواج الملوك، وحينما سأل عن صاحبة هذا الفوج وتلك المرأة السافرة علم أنها ابنة عليّ بن يوسف بن تاشفين، ابنة أمير المسلمين.
محمد بن تومرت وفكرته في التغيير
لا بدّ من تغيير لهذا الوضع المخزي، كانت هذه هي الفكرة التي اختمرت واستحوذت على رأس محمد بن تومرت، فجلس مع أصحابه وعددهم ستة نفر، ثم عرض عليهم فكرته في التغيير، فكان رأيه أن المعاصي والمنكرات قد استشرت في بلاد المرابطين، وأن السيل قد بلغ الزبى، وأن الحل في هذا الأمر هو أن نبدأ بالرأس ونُقصي الحكام عن الحكم، فنبدأ بعليّ بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الحكام والولاة وقادة الجيش، فنخرج عليهم فنقصيهم عن الحكم، ومن ثم فيكون الأمر في أيدينا فنستطيع أن نغير في البلاد وفق ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
يريد محمد بن تومرت أن يختصر طريق التربية ويختصر الطريق الطويل الذي بدأه عبد الله بن ياسين من قبل، والذي سار فيه سنوات وسنوات حتى تمكن من الأمور، يريد إقصاء علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه ثم بعد أن يتملك الأمور يبدأ في تعليم الناس من فوق كرسي الحكم وبسلطان القانون.
وإذا أكملنا السير مع محمد بن تومرت فإن عليّ بن يوسف بن تاشفين كان يقيم شرع الله سبحانه وتعالى وكان يجاهد في سبيل الله، إلا أنه كانت تشوبه بعض التجاوزات والمخالفات مثل التي ذكرناها وهذه المخالفات لم تكن تعطي الحق لمحمد بن تومرت ومن معه أيًا كانت نياتهم فيما يبدو لنا، وأيا كان تقشفهم وزهدهم وعلمهم الغزير أن يخرجوا عليه، بل كان عليهم أن يُقيموا الأمر من جديد، وأن يعاونوه على العوده إلى طريق الإسلام الصحيح، وكان عليهم تعليم الناس وتربيتهم تربية إسلامية صحيحة.
ولننظر إلى تغيير رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة، وحين خالفه المشركون في مكة، فقد كان من الممكن أن يفعل الأمر نفسه الذي فكّر فيه محمد بن تومرت، كان من الممكن أن يوصي عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام وطلحة بن عبيد الله أن يقوم كل منهم فيقتل رجلا من صنانيد قريش، ثم يتولى هو الحكم في مكة ومن ثَمّ يقيم شرع الله سبحانه وتعالى.
ولأنها ليست سنة الله في التغيير لم يتبعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أخذ يربي الناس بالتدريج سنة بعد سنة، حتى قضى ثلاث عشرة سنة في مكة على هذا الحال، ثم هاجر إلى المدينة المنورة وتابع مسيرته في تربية الناس بالتدريج، حتى كانت موقعة بدر مع الكافرين وتلتها المواقع الكثيرة التي أصقلت معادن المؤمنين، حتى تمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك من السيطرة على الأمور كلها في جزيرة العرب، واستطاع أن يُنشئ جيلا من الرجال على طراز فريد من نوعه، استطاعوا من بعده أن يحملوا الرسالة إلى أهل الأرض قاطبة.
بين علي بن يوسف بن تاشفين ومحمد بن تومرت
كان ما سبق هو المنهج الذي سلكه محمد بن تومرت قاصدًا به الإصلاح والتغيير، وهو بلا أدنى شك مخالف تمامًا للنهج القويم ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمل ذاته على نحو ما رأينا.
سمع عليّ بن يوسف بن تاشفين بمحمد بن تومرت وعلم أنه يدعو الناس إلى الخروج عليه، وبمنطق سليم فكر الخليفة في عقد مناظرة بين محمد بن تومرت وبين علماء دولة المرابطين، يكون مقرّها قصر الخليفة نفسه.
قدم محمد بن تومرت على رأس أتباعه الستة، وأتى علماء المرابطين وكان على رأسهم كبير العلماء وقاضي القضاة مالك بن وهيب، وبدأ الفريقان في المناظرة.
ونظرة أولية إلى فكرة عقد مثل هذه المناظرة يوحي بأن عليّ بن يوسف بن تاشفين كان رجلًا ما زال يحمل من الخير الكثير، وإلاّ وعلى أقل تقدير كان من الممكن أن يفتعل مثل هذه المناظرة ويقوم بعدها بسجن محمد بن تومرت أو قتله أو فعل أي شيء آخر من هذا القبيل، خاصّة وهو ذلك الثائر على الحاكم، والذي يريد قلب وتغيير نظام الحكم، الأمر الذي سيزداد تأكيدًا في نهايه هذه المناظرة في صالح الأمير على نحو ما سيأتي.
وفي هذه المناظرة تفوّق محمد بن تومرت على علماء دولة المرابطين تفوقًا ملحوظًا، فقد كان كما ذكرنا من كبار العلماء المتشبعين بالعلم، وكان كما وصفه ابن خلدون بحرًا متفجرًا من العلم وشهابًا في الدين، وهو الذي أمضى عشر سنين في بغداد يتعلم علم المجادلة وفنون المحاورة على يد العقليين من المعتزلة وغيرهم، استطاع محمد بن تومرت أن يحاجّ علماء دولة المرابطين جميعًا في كل القضايا التي أثيرت بينه وبينهم، حتى بكى عليّ بن يوسف بن تاشفين في مجلسه لما رأى من كثرة المعاصي في دولته وهو لا يدري عنها شيئا، أو هو يدري عنها لكنه لم يغيرها، بكى من الخشية لما سمع حجج وأقاويل محمد بن تومرت، لكن ذلك لم يشفع له عنده وظلت الحدة واضحة جلية في كلامه وحديثه مع الأمير، كان علماء الدولة ووزراؤها يعلمون أنه يحرّض الناس على الخروج على الحاكم، فأسرّ مالك بن وهيب قاضي القضاة في أذن عليّ بن يوسف بن تاشفين بأن عليه أن يعتقل هذا الرجل وينفق عليه دينارًا كل يوم في السجن وإلا ستمرّ عليك الأيام فتنفق عليه كل خزائنك دون أن تقدر عليه، لكن الوزير أشار على علي بن يوسف بن تاشفين بعدم فعل ذلك حتى لا يكون متناقضا مع نفسه، خاصة وأنه جلس في مجلسه وبكى من خشية الله سبحانه وتعالى حين سمع كلماته، فلا يُعقل أن تأتي بعد ذلك وتعتقله، فتحدث بذلك بلبلة عند عموم الناس، كما أنه بمن معه سبعة نفر فقط أما أنت فحاكم دولة ضخمة وهي دولة المرابطين، فكيف تخشى من هذا الرجل؟!
وازن عليّ بن يوسف بن تاشفين بين رأي مالك بن وهيب قاضي القضاة وبين رأي الوزير، واستقر أخيرًا على إطلاق سراح محمد بن تومرت تأثمًا أن يحبسه دون وجه حق، فالرجل كان ما زال به خير، وكان من الممكن أن يصلح أمره إذا حاول معه محمد بن تومرت ومن معه بالتي هي أحسن، لكنه لم يفعل.
محمد بن تومرت وجماعة الموحدين
ما إن خرج محمد بن تومرت من مجلس الأمير علي بن يوسف بن تاشفين من مراكش حتى نزل على صديق له في بلد مجاور، وذهبوا بعدها إلى قرية في عمق الجبل اسمها "تينملل" وهي التي ستكون عاصمة للدولة التي سوف يؤسسها محمد بن تومرت بعد ذلك.
كان محمد بن تومرت زاهدًا أشد الزهد، وكان لا يحمل في يده إلا العصا ولا يأكل إلا القليل من الطعام، وكان كما ذكرنا صاحب علم غزير، فبدأ الناس في هذه القرية الصغيرة يلتفّون حوله ويسمعون لكلامه، وبدأ يؤثر فيهم بشكل طبيعي لما كانوا عليه من المعاصي والمنكرات تلك التي انتشرت في بلاد المرابطين، ثم بدأ يكوّن حوله جماعة بدأت صغيرة وقد سماها جماعة الموحدين، وهي تسمية خطيرة لما سنعلمه بعد قليل.
قويت شوكة محمد بن تومرت، وبمجرد أن قويت شوكته ظهرت عليه انحرافات عقائدية خطيرة، فقد كان لأخذه العلم من تيارات مختلفة تمثل سنّة وشيعة ومعتزلة، وغيرهم في بلاد الشام وبغداد ومكة ومصر وغيرها من البلاد كان من جرّاء ذلك أن ظهر عليه خليط من العقائد المختلفة، والتي تمثلت فيما يلي:
أولًا: ادّعى العصمة:
((والعصمة عند أهل السنة والجماعة لم تثبت إلا للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فيما يبلغون عن الله من شرع، ولم يقولو بها لسواهم حتى لكبار الصحابة الذين خصهم الله بالفضل كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم.
إن ابن تومرت بهذا النهج يكون قد وافق الرافضة الإثنى عشرية الذين قالوا بالعصمة لأئمتهم حيث يقولون بوجوب عصمتهم من الكبائر والصغائر والنسيان، كما قالوا إن الإمام كالنبي يجب أن يكون معصومًا من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سن الطفولة إلى الموت، عمدًا وسهوًا، كما يجب أن يكون معصومًا من السهو والخطأ والنسيان.
وهكذا نرى كيف غالى ابن تومرت في القول بالعصمة لنفسه، وهذا بلا شك انحراف عقدي خطير لأن من جعل بعد الرسول معصومًا يجب الإيمان بكل ما يقوله فقد أعطاه معنى النبوة وإن لم يعطه لفظها)) دولة الموحدين - الصلابي صـ 40
ثانيًا: ادعى أن المرابطين من المجسمة:
كان المرابطون يثبتون لله تعالى صفاته كما هي، لكن محمد بن تومرت أخذ فكر المعتزلة في نفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى وهي قضية جدليّة طويلة لا نخوض في تفصيلاتها، وخلاصة الأمر في ذلك أنه لما أثبت أن المرابطين يُثبتون الصفات لله سبحانه وتعالى ادّعى أنهم من المجسمة، وتبعا لهذا الادعاء فقد راح يُكفر المرابطين، وادّعى بأن عليّ بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الولاة والعلماء، ومن يعمل تحت حكمهم ومن يرضى بحكمهم، هو من الكافرين.
وهذا منحى خطير؛ إذ إنه كفّر حكام البلد التي كان يعيش فيها، وهي بلاد الأندلس والمغرب العربي في ذلك الوقت.
((
وبذلك يكون ابن تومرت قد وافق المعتزلة في نفيهم الصفات عن الله تعالى وكان يقول لأتباعه: "واشتغلوا بتعليم التوحيد فإنه أساس دينكم، حتى تنفوا عن الخالق الشبيه والشريك والنقائص والآفاق والحدودد والجهات ولا تجعلوه سبحانه في مكان أو جهة، فإنه تعالى موجود قبل الأمكنة والجهات فمن جعله في جهة ومكان فقد جسمه ومن جسمه فقد جعله مخلوقًا، ومن جعله مخلوقًا فهو كعابد وثن" لقد تبنى ابن تومرت منهج المعتزلة في الأسماء والصفات حيث نفى كل ما عساه أن يوهم الشبه والمثلية لله سبحانه حتى ولو كان ذلك من الأسماء والصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة ولهذا سمّى أصحابه بالموحدين لأنهم في رأيه هم الذين يوحدون الله لنفيهم الصفات عنه سبحانه وتعالىن كما كان يسمي أتباعه بالمؤمنين ويقول لهم: ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم)) دولة الموحدين - الصلابي "نقلًا عن مصادر متعددة"
ثالثًا: استحل دماء المرابطين:
وتبعًا لهذا التكفير السابق لغير الموحدين استحل محمد بن تومرت دماء المرابطين، ومن ثَمَّ فقد أمر بالخروج عليهم وقتلهم، وأنه ليس هناك إثم في ذلك، بل إن قتلهم فيه إحراز لثواب عظيم، وقد كان متساهلًا في الدماء، وهي خاصية من خصائص الخوارج الذين تعلم على أيدي بعضهم كما ذكرنا أثناء رحلته لطلب العلم.
كان ابن تومرت يهدف إلى هدم دولة المرابطين من جذورها وبناء دولة الموحدين على أنقاضها مهما كلفه ذلك، وقد استباح في ذلك الدماء والأرواح والأموال، وكانت غايته تلك مبررة - من وجهة نظره - لكل وسيلة، وكان لا يتردد في قتل من يشك في إيمانه بما يدعيه من مبادئ حتى ولو كان من أتباعه...
وقد كان ابن تومرت يقوم بما يسمّى بعلمية التمييز أي تمييز الصادقين من أتباعه من المداهنيين والمنافقين والمخالفين ويقوم بقتلهم على الفور ليظل صفه قويًا.
ومن المعلوم أن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية الحفاظ على النفس، وما فعله هذا الآثِم إنما هو اعتداء بغير حق على الأنفس التي حرم الله إزهاقها، وفي فعله هذا انحراف واضح عن الشرع وارتكاب متعمد للكبائر وقد قال الله تعالى: [وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا] {النساء: 93}.
يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان: [وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ]... {الفرقان: 68} وقال تعالى: [قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً] إلى أن قال: [ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ] {الأنعام: 151}.والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًا...منها: لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم وفي الحديث الآخر: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ صححه الألباني، وفي الحديث أيضًا: من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله. ضعفه الألباني.هـ
إن أمر القتل في غاية الخطورة ولا يستحله إلا من تجرد من كل معاني الأخلاق والرحمة ومن كل المعاني الإنسانية...
وفي البخاري ومسلم... عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمَارِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ.
يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: إنها جريمة قتل لا لنفس فحسب - بغير حق - ولكنها كذلك جريمة قتل للوشيجة العزيزة الحبيبة الكريمة العظيمة، التي أنشأها الله بين المسلم والمسلم. إنها تنكّر للإيمان ذاته وللعقيدة نفسه.
ومن ثَمّ قرنت بالشرك في مواضع كثيرة؛ واتجه بعضهم - ومنهم ابن عباس - إلى أنه لا توبة منه.. ولكن البعض الآخر استند إلى قوله تعالى: [إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء].. فرجا للقاتل التائب المغفرة.. وفسر الخلود بأنه الدهر الطويل.
والذين تربوا في مدرسة الإسلام الأولى، كانوا يرون قاتلي آبائهم وأبنائهم وإخوانهم، - قبل إسلامهم - يمشون على الأرض - وقد دخلوا في الإسلام - فيهيّج في نفوس بعضهم ما يهيج من المرارة. ولكنهم لا يفكرون في قتلهم. لا يفكرون مرة واحدة؛ ولا يخطر لهم هذا الخاطر في أشد الحالات وجداً ولذعاً ومرارة. بل إنهم لم يفكروا في إنقاصهم حقاً واحداً من حقوقهم التي يخولها لهم الإسلام.. هـ
كان لا بدّ لنا من هذا الوقفة مع هذا الأمر الخطير؛ أمر الدماء التي استحلها هذا الآثم المخادع، أما عملية التمييز التي سبق الإشارة إليها فقد استعان فيها "ابن تومرت" برجل على شاكلته يُسمّى "أبو عبد الله بن محسن الونشريسي" وكان يُلقبه بالبشير إمعانًا في خداع الناس وإضلالهم، وقد طلب "ابن تومرت" من هذا الفاسق أن يخفي علمه وحفظه للقرآن ويظهر أمام القبائل كأنه مجنون يسيل لعابه على وجهه...
قال "الذهبي" في "سير أعلام النبلاء" جـ 19 / صـ 546: فلما كان عام تسعة عشر وخمسمائة، خرج يومًا، فقال: تعلمون أن البشير - يريد الونشريسي - رجل أمي، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مبشرًا لكم، مطلعا على أسراركم، وهو آية لكم، قد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ الختمة في أربعة أيام، وركب حصانا وساقه، فبهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيبا، وتلا: [ليميز الله الخبيث من الطيب] {الانفال: 37}، وتلا: [منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون] {آل عمران: 110}، فهذا البشير مطلع على الأنفس، ملهم، ونبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: " إن في هذه الامة محدثين، وإن عمر منهم" وقد صَحِبَنَا أقوام أطلعه الله على سرهم، ولا بد من النظر في أمرهم، وتيمم العدل فيهم، ثم نودي في جبال المصامدة: من كان مطيعا للإمام، فليأت، فأقبلوا يهرعون، فكانوا يعرضون على البشير، فيخرج قومًا على يمينه، ويعدهم من أهل الجنة، وقوما على يساره، فيقول: هؤلاء شاكّون في الامر، وكان يؤتى بالرجال منهم، فيقول: هذا تائب ردّوه على اليمين تاب البارحة، فيعترف بما قال، واتفقت له فيهم عجائب، حتى كان يطلق أهل اليسار، وهم يعلمون أن مآلهم إلى القتل، فلا يفرّ منهم أحد، وإذا تجمع منهم عدة، قتلهم قراباتهم حتى يقتل الاخ أخاه...!!!
وأورد "ابن الأثير" في كتابه "الكامل في التاريخ" هذا الأمر فقال: وكان الونشريشي يلزم الاشتغال بالقرآن والعلم في السر بحيث لا يعلم أحد ذلك منه، فلما كان سنة تسع عشرة وخاف المهدي - ابن تومرت - من أهل الجبل، خرج يوماً لصلاة الصبح، فرأى إلى جانب محرابه إنساناً حسن الثياب، طيب الريح، فأظهر أنه لا يعرفه، وقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو عبد الله الونشريشي! فقال له المهدي: إن أمرك لعجب! ثم صلى، فلما فرغ من صلاته نادى في الناس فحضروا، فقال: إن هذا الرجل يزعم أنه الونشريشي، فانظروه، وحققوا أمره. فلما أضاء النهار عرفوه، فقال له المهدي: ما قصتك؟ قال: إنني أتاني الليلة ملك من السماء، فغسل قلبي، وعلمني الله القرآن، والموطأ، وغيره من العلوم والأحاديث. فبكى المهدي بحضرة الناس، ثم قال له: نحن نمتحنك، فقال: افعل.
وابتدأ يقرأ القرآن قراءة حسنة من أي موضع سئل، وكذلك الموطأ، وغيره من كتب الفقه والأصول، فعجب الناس من ذلك، واستعظموه.
ثم قال لهم: إن الله تعالى قد أعطاني نوراً أعرف به أهل الجنة من أهل النار، وآمركم أن تقتلوا أهل النار، وتتركوا أهل الجنة، وقد أنزل الله تعالى ملائكة إلى البئر التي في المكان الفلاني يشهدون بصدقي.
فسار المهدي، والناس معه وهم يبكون، إلى تلك البئر، وصلى المهدي عند رأسها، وقال: يا ملائكة الله، إن أبا عبد الله الونشريشي قد زعم كيت وكيت، فقال من بها: صدق! وكان قد وضع فيها رجالاً يشهدون بذلك، فلما قيل ذلك من البئر، قال المهدي: إن هذه مطهرة مقدسة قد نزل إليها الملائكة، والمصلحة أن تطم لئلا يقع فيها نجاسة، أو ما لا يجوز، فألقوا فيها من الحجارة والتراب ما طمها - وبهذا يكون قد قتل الرجال الذين اتفق معهم على هذا القول لئلا يفتضح أمره - ثم نادى في أهل الجبل بالحضور إلى ذلك المكان، فحضروا للتمييز، فكان الونشريشي يعمد إلى الرجل الذي يخاف ناحيته، فيقول: هذا من أهل النار، فيلقى من الجبل مقتولاً، وإلى الشاب الغرّ، ومن لا يخشى، فيقول: هذا من أهل الجنة، فيترك على يمينه، فكان عدة القتلى سبعين ألفاً. فلما فرغ من ذلك أمن على نفسه وأصحابه....هـ
هذا فعل ابن تومرت بمن معه فكيف يكون فعله بالمرابطين إنه - بلا شك - سيكون أشد وأنكى...
وقفة مع محمد بن تومرت وجماعته الموحّدة
في جماعته الجديدة كان محمد بن تومرت يقتل العشرات من المخالفين له حتى من فرقته وجماعته (الموحدين)، فالذي يخالفه في الرأي ليس له من دواء إلا القتل، وهو أمر في غاية الغرابة نظرًا لما عنده من العلم الغزير، وأغرب منه كان ادعاؤه بعض الخوارق، وأنه هو المهدي المنتظر...!!
ولا شك في أن يعتقد صدَقه وما يذهب إليه من أقواله تلك كثيرٌ من الناس، وذلك كما ذكرنا لانشغال علماء الدولة بالأمور الفرعية عن تعليم هؤلاء الناس أصول العقائد وأصول العبادات، فقد أقام العلماء جدارًا عازلًا بينهم وبين العامة الذين لا يعرفون أين الحق وأين الصواب، والذين لا يستطيعون أن يميزوا بين الغث والسمين...
من هنا حين رأى مثل هؤلاء الناس رجلًا مثل محمد بن تومرت في شخص العالم الكبير، وهو يروي من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فلان وفلان، ثم هو يحفظ كتاب الله ويعلم سير الصالحين والسابقين، ويعلم فقه كذا وكذا، حين رأوا ذلك ما كان منهم إلا أن يسمعوا ويطيعوا لما يقوله وما يمليه عليهم عالمهم ومعلمهم، وقد اعتقدوا جميعًا بعصمته واعتقدوا جميعًا بِحلِّ قتل المرابطين، بل والثواب الجزيل على قتلهم.
ولنا أن نتخيل مثل هذا الأمر في حق المرابطين الذين فتحوا البلاد وأقاموا صرح الاسلام في بلاد المغرب والأندلس لسنوات وسنوات، الآن وبعد ظهور بعض المنكرات في بلادهم، وبعد انشغالهم بالجهاد عن التعليم أصبحوا يُكفّرون وتحل دماؤهم ويقَاتَلون من قبل جماعة الموّحدين، ذلك الاسم (الموحدين) الذي فيه إشارة قوية إلى أن غيرهم كفار وليسوا بموحدين أو مسلمين.
المرابطون والموحدون وقتال الأعداء
من هذا المنطلق السابق حمل محمد بن تومرت على عاتقه وجماعته - الموحدون - أمر مقاتلة المرابطين وسفك دمهم، وقد التقوا مع المرابطين في مواقع عديدة، كان منها تسع مواقع ضخمة انتهت سبع منها بانتصارهم على المرابطين، وهُزموا في اثنتين.
ومن مواقعهم مع المرابطين كان هناك على سبيل المثال واحدة في سنة 518 هـ= 1124 م قُتل فيها من المرابطين خمسة عشر ألف مسلم على أيدي الموحدين، خمسة عشر ألف مسلم ممن كانوا شوكة في عنق النصارى لسنوات وسنوات يقتلهم الموحدون حتى يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويقيموا دولة على نهج الله ونهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.
موقعة البحيرة أو البستان:
كانت موقعة البحيرة أو موقعة البستان، في سنة 524 هـ= 1130 م والتي انتصر فيها المرابطون على الموحدين، وقتل فيها من الموحدين أربعون ألفا.
وهذه المعركة - البستان أو البحيرة - هي التي سُبقت بما أسماه التمييز حيث قام ابن تومرت بقتل كل من يشك في ولائه له، بل جعله أهلهم وأقرباؤهم هم الذين يقتلونهم - كما سبق الإشارة إلى هذا الأمر -.
قال ابن الأثير: فجهز المهدي - ابن تومرت - جيشاً كثيفاً يبلغون أربعين ألفاً، أكثرهم رجالة، وجعل عليهم الونشريشي، وسير معهم عبد المؤمن، فنزلوا وساروا إلى مراكش فحصروها، وضيقوا عليها، وبها أمير المسلمين علي بن يوسف، فبقي الحصار عليها عشرين يوماً، فأرسل أمير المسلمين إلى متولي سجلماسة يأمره أن يحضر ومعه الجيوش، فجمع جيشاً كثيراً وسار، فلما قارب عسكر المهدي خرج أهل مراكش من غير الجهة التي أقبل منها، فاقتتلوا، واشتد القتال، وكثر القتل في أصحاب المهدي، فقتل الونشريشي أميرهم، فاجتمعوا إلى عبد المؤمن وجعلوه أميراً عليهم.
ولم يزل القتال بينهم عامة النهار، وصلى عبد المؤمن صلاة الخوف، الظهر والعصر، والحرب قائمة، ولم تصل بالمغرب قبل ذلك، فلما رأى المصامدة كثرة المرابطين، وقوتهم، أسندوا ظهورهم إلى بستان كبير هناك، والبستان يسمى عندهم البحيرة، فلهذا قيل وقعة البحيرة، وعام البحيرة، وصاروا يقاتلون من جهة واحدة إلى أن أدركهم الليل، وقد قتل من المصامدة أكثرهم، وحين قتل الونشريشي دفنه عبد المؤمن، فطلبه المصامدة، فلم يروه في القتلى، فقالوا: رفعته الملائكة، ولما جنهم الليل سار عبد المؤمن ومن سلم من القتلى إلى الجبل...
لم يكن ابن تومرت ليصيبه اليأس بمجرد أن هُزم أصحابه وبدأوا يشكون في مهديته المزعومة، بل إنه لجأ إلى الحيلة والكذب وبدأ يبعث الأمل في نفوس أصحابه من جديد بأنهم على الحق، وأن هؤلاء الملثمين على الباطل ولا بد أن يُهزموا...
قال المراكشي في المعجب: ولما رجع القوم إلى ابن تومرت جعل يهون عليهم أمر الهزيمة ويقرر عندهم أن قتلاهم شهداء لأنهم ذابون عن دين الله مظهرون للسنة فزادهم ذلك بصيرة في أمرهم وحرصاً على لقاء عدوهم ومن حينئذ جعل المصامدة يشنون الغارات على نواحي مراكش ويقطعون عنها مواد المعايش وموصول المرافق ويقتلون ويسبون ولا يبقون على أحد ممن قدروا عليه وكثر الداخلون في طاعتهم والمنحاشون إليهم وابن تومرت في ذلك كله يكثر التزهد والتقلل ويظهر التشبه بالصالحين والتشدد في إقامة الحدود جارياً في ذلك على السنة الأولى.
أخبرني من رآه - ممن أثق إليه - يضرب الناس على الخمر بالأكمام والنعال وعسب النخل متشبها في ذلك بالصحابة.
ولقد أخبرني بعض من شهده وقد أتى برجل سكران فأمر بحدة فقال: رجل من وجوه أصحابه يسمى يوسف بن سليمان لو شددنا عليه حتى يخبرنا من أين شربها لنحسم هذه العلة من أصلها! فأعرض عنه ثم أعاد عليه الحديث فأعرض عنه فلما كان في الثالثة قال: له أرأيت لو قال: لنا شربتها في دار يوسف بن سليمان ما نحن صانعون؟ فاستحيا الرجل وسكت ثم كشف على الأمر فإذا عبيد ذلك الرجل سقوه فكان هذا من جملة ما زادهم به فتنة وتعظيماً إلى أشياء كان يخبر بها فتقع كما يخبر.
ولم يزل كذلك وأحواله صالحة وأصحابه ظاهرون وأحوال المرابطين المذكورين تختل وانتقاض دولتهم يتزيد إلى أن توفي ابن تومرت بعد أن أسس الأمور وأحكم التدبير ورسم لهم ما هم فاعلوه.... هـ
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وقد بلغني - فيما يقال -: أن ابن تومرت أخفى رجالًا في قبور دوارس، وجاء في جماعة ليريهم آية، يعني فصاح: أيها الموتى أجيبوا، فأجابوه: أنت المهدي المعصوم، وأنت وأنت، ثم إنه خاف من انتشار الحيلة، فخسف فوقهم القبور فماتوا...
لم يلبث ابن تومرت أن توفي بعد هذه معركة البحيرة ليترك أصحابه بعد أن أمّر عليهم عبد المؤمن، ولما مات كفنه عبد المؤمن بن علي وصلى عليه ودفنه بمسجده كما أوصاه...
((
وهكذا انتهت حياة ابن تومرت ومصير دعوته مجهول بسبب ما حاق بأتباعه من هزيمة نكراء في موقعة البحيرة، ولكنه قد نجح في ترسيخ دعوته في قلوب أتباعه حتى صدقوه وآمنوا بمهديته، وأطاعوه ولو في قتل أبنائهم، وهذا ما حصل فعلًا في عملية التمييز التي تقشعر لها الأبدان حيث قتلت كل قبيلة بعض فلذات أكبادها دون تردد أو حيرة.
لقد ساعد ابن تومرت في تحقيق أهدافه سذاجة المجتمع وجهله، وكان عششت في ذهنه من الأساطير والانحرافات حتى عاد غريبًا عن منهج الإسلام الصافي...))... إعلام أهل العلم والدين بأحوال دولة الموحدين - الصلابي
وصية ابن تومرت والبيعة لعبد المؤمن
أورد "عبد الواحد المراكشي" في "المعجب" أن ابن تومرت قبل موته بأيام يسيرة استدعى هؤلاء المسمّين بالجماعة وأهل خمسين وهم - كما ذكرنا - من قبائل مفترقة لا يجمعهم إلا اسم المصامدة فلما حضروا بين يديه قام وكان متكئاً فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على محمد نبيه صلى الله عليه وسلم ثم أنشأ يترضى عن الخلفاء الراشدين - رضوان الله عليهم - ويذكر ما كانوا عليه من الثبات في دينهم والعزيمة في أمرهم وأن أحدهم كان لا تأخذه في الله لومة لائم وذكر من حد عمر رضي الله عنه ابنه في الخمر وتصميمه على الحق في أشباه لهذه الفصول ثم قال: فانقرضت هذه العصابة - نضّر الله وجوهها وشكر لها سعيها وجزاها خيراً عن أمة نبيها - وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران والعالم متجاهلاً مداهناً فلم ينتفع العلماء بعلمهم بل قصدوا به الملوك واجتلبوا به الدنيا وأمالوا وجوه الناس إليهم... ثم إن الله - سبحانه وله الحمد - من عليكم أيتها الطائفة بتأييده وخصكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده وقيض لكم من ألفاكم ضلالاً لا تهتدون وعمياً لا تبصرون لا تعرفون معروفاً ولا تنكرون منكراً قد فشت فيكم البدع واستهوتكم الأباطيل وزين لكم الشيطان أضاليل وترهات أنزه لساني عن النصق بها وأربأ بلفظي عن ذكرها فهداكم الله به بعد الضلالة وبصركم بعد العمى وجمعكم بعد الفرقة وأعزكم بعد الذلة ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين وسيورثكم أرضهم وديارهم ذلك بما كسبته أيديهم وأضمرته قلوبهم وما ربك بظلام للعبيد فجددوا لله - سبحانه خالص نياتكم وأروه من الشكر قولاً وفعلاً ما يزكي به سعيكم ويتقبل أعمالكم وينشر أمركم واحذروا الفرقة واختلاف الكلمة وشتات الآراء وكونوا يداً واحدة على عدوكم فإنكم إن فعلتم ذلك هابكم الناس وأسرعوا إلى طاعتكم وكثر أتباعكم وأظهر الله الحق على أيديكم وإلا تفعلوا شملكم الذل وعمكم الصغار واحتقرتكم العامة فخطفتكم الخاصة وعليكم في جميع أموركم بمزج الرأفة بالغلظة واللين بالعنف واعلموا مع هذا أنه لا يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا على الذي صلح عليه أمر أولها وقد اخترنا لكم رجلاً منكم وجعلناه أميراً عليكم هذا بعد أن بلوناه في جميع أحواله من ليله ونهاره ومدخله ومخرجه واختبرنا سريرته وعلانيته فرأيناه في ذلك كله ثبتاً في دينه متبصراً في أمره وإني لأرجو ألا يخلف الظن فيه وهذا المشار إليه هو عبد المؤمن فاسمعوا له وأطيعوا ما دام سامعاً مطيعاً لربه فإن بدل أو نكص على عقبه أو ارتاب في أمره ففي الموحدين أعزهم الله بركة وخير كثير والأمر أمر الله يقلده من شاء من عباده.
فبايع القوم عبد المؤمن ودعا لهم ابن تومرت ومسح وجوههم وصدورهم واحداً واحداً فهذا سبب إمرة عبد المؤمن ثم توفي ابن تومرت بعد عهد بيسير واجتمع أمر المصامدة على عبد المؤمن...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 10:31 pm

دولة الموحدين
عبد المؤمن بن علي وبداية دولة الموحدين
كان عبد المؤمن بن عليّ (487- 558هـ/ 1094 - 1163م) أول حاكم لدولة الموحدين، وحينما تولى حكم الموحدين أصلح البلاد وأعادها إلى ما كانت عليه أيام المرابطين.
خلفاء عبد المؤمن بن علي
تُوفِّي عبد المؤمن بن علي في عام 558 هـ/ 1163م، وخلفه في الحكم ابنه محمد ولكنه خُلع لفسقه، ثم تولى يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ،ونظم الأمور فيالأندلس والمغرب، واستشهد في موقعة شَنْتَرِين سنة 580هـ/ 1184م.
تولي يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (المعروف بأبي يوسف يعقوب المنصور) الحكم
بعد وفاة يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ تولى من بعده ابنه يعقوب بن يوسف بن عبدالمؤمن بن عليّ، وقد لُقب في التاريخ بالمنصور، وكان له ابن يُدعى يوسف فعُرف بأبييوسف يعقوب المنصور الموحدي، وقد استطاع أن يوحد المغرب والأندلس، وينتصر على النصارى في موقعة من أشهر مواقع التاريخ الإسلامي وهي موقعة "الأرك"، التي شبهها المؤرخون بموقعة الزَّلاَّقة.
ولكن ما الذي حدث بعد وفاة أبي يوسف يعقوب المنصور؟ وهل ستظل الدولة على قوتها أم لا؟
تُوُفِّي المنصور سنة 595 هـ/ 1199م، ومن بعده يتولى ابنه الناصر لدين الله، ولكن أراد النصارى الأخذ بالثأر لما حدث في موقعة الأرك، فأعدوا قواتهم وانتصروا على المسلمين في موقعة "العقاب"، التي كانت هزيمة قاسية للمسلمين؛ ترتب عليها سقوط الكثير من المدن الإسلامية، وانفصال الكثير من المدن عن دولة الموحدين.
وقد يتعجب البعض: لماذا تسقط دولة الموحدين رغم ما وصلت إليه من قوة في بداية عهدها؟
إن سبب ذلك يرجع إلى ظلم الموحدين للمرابطين، والأفكار الفاسدة التي غرسها ابن تومرت، والثورات الداخلية التي انتشرت بالأندلس، وانفتاح الدنيا عليهم وكثرة الأموال، وبطانة السوء المتمثلة في أبي سعيد بن جامع وزير الناصر لدين الله وأمثاله، إضافة إلى إهمال حكام دولة الموحدين أمرًا في غاية الخطورة وهو الشورى.
في سنة 541 هـ= 1146 م بزغ نجم دولة الموحدين، وكان أول حكّامها عبد المؤمن بن عليّ (487 - 558 هـ= 1094 - 1163 م) صاحب "محمد بن تومرت" ويُعدّ عبد المؤمن بن علي الرجل الثاني بعد ابن تومرت المؤسس الحقيقي والفعلي لجماعة الموحدين.
نسبه وقبيلته:
هو عبد المؤمن بن علي بن مخلوف بن يعلى بن مروان، أبو محمد الكومي، نسبته إلى كومية (من قبائل البربر).
ولد في مدينة "تاجرت" بالمغرب قرب "تلمسان"، ونشأ فيها طالب علم، وأبوه صانع فخار.
وفي وصف "عبد المؤمن بن عليّ" قال عبد الواحد المراكشي في المعجب وكان أبيض ذا جسم عمم تعلوه حمرة شديد سواد الشعر معتدل القامة وضيء الوجه جهوري الصوت فصيح الألفاظ جزل المنطق وكان محبباً إلى النفوس لا يراه أحد إلا أحبه وبلغني أن ابن تومرت كان ينشد كلما رآه:
تكاملت فيك أخلاق خصصت بها فكلنـا بك مسـرور ومغتبـط
فالسن ضاحكـة والكـف مانحة والصدر منشرح والوجه منبسط
وذكر الذهبي في كتابه العبر، وابن العماد في شذرات الذهب أنه كان ملكًا عادلًا، سائسًا، عظيم الهيبة، عالي الهمة، متين الديانة، كثير المحاسن، قليل المِثل، وكان يقرأ كل يوم سُبُعًا من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير - وهذا يعني أن لبس الحرير كان عادة وإلفًا في زمانه - وكان يصوم الاثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الْمُلْك كأنما خُلق له. ثم بعد هذه الأوصاف نجد هذه العبارة التي تحمل كثيرًا من علامات الاستفهام حيث يقول: وكان سفّاكا لدماء من خالفه.!!
وقال عنه "الزركلي" في "الأعلام": وكان عاقلًا حازمًا شجاعًا موفقًا، كثير البذل للأموال، شديد العقاب على الجرم الصغير عظيم الاهتمام بشؤون الدين، محبًا للغزو والفتوح، خضع له المغربان (الاقصى والاوسط) واستولى على إشبيلية وقرطبة وغرناطة والجزائر المهدية وطرابلس الغرب وسائر بلاد أفريقية، وأنشأ الاساطيل، وضرب الخراج على قبائل المغرب، وهو أول من فعل ذلك هنالك...
ومثل هذه الأوصاف ذكرها ابن كثير أيضًا في البداية والنهاية، وأضاف أنه كان يعيبه كثرة سفك الدماء لمن عارضه من أتباعه أو من غير أتباعه.
وهذه بالطبع- وكما ذكرنا - هي تعاليم محمد بن تومرت.
وإضافة إلى هذا المنهج العقيم وتلك الصفة السابقة - التساهل في أمر الدماء - فقد كان "محمد بن تومرت" حين يعلم أن أتباعه ينظرون إلى الغنائم التي حصّلوها من دولة المرابطين في حربهم معهم كان يأخذها كلها فيحرقها.. وكان يعذّر بالضرب من يفوته قيام الليل من جماعته. فنشأت جماعة من الطائعين الزاهدين العابدين، لكن على غير نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يكن يحرق الغنائم أو يضرب المتباطئين أو المتثاقلين عن قيام الليل، أو يتبع مثل هذا المنهج وتلك الرهبنة المتشددة، فكره كثير من الناس مثل هذا الأسلوب، لكنهم مع ذلك اتبعوه...!!
وعلى ما يبدو فقد كانت فكرتا العصمة والمهدية اللتين ادّعاهما محمد بن تومرت واقتنع بهما أتباعه من بعده لم يكن عبد المؤمن بن عليّ مقتنعا بهما ؛ لأنه أبدًا ما ادّعى أيا منهما،كما أنه لم يدّع فكر الخوارج الذي كان قد اعتقد به أو ببعضه "محمد بن تومرت".
وعلى الجانب الآخر فإن "عبد المؤمن بن عليّ" لم ينف مثل هذه الأفكار الضالة صراحة؛ وذلك لأن غالب شيوخ الموحّدين كانوا على هذا الفكر وذلك الاعتقاد، فخاف إن هو أعلن أن أفكار "محمد بن تومرت" هذه مخالفة للشرع أن ينفرط العقد ويحدث التفكك في هذه الفترة الحرجة من دولة الموحدين....
مشاهد من حياة عبد المؤمن بن علي
أورد الذهبي في سير أعلام النبلاء عن عبد الواحد المراكشي قوله: حدثني غير واحد أن عبد المؤمن لما نزل "سلا" - مدينة بأقصى المغرب ليس بعدها معمور إلا مدينة صغيرة يقال لها: غَرنيطُوف - وهي على البحر المحيط ينصب إليها نهر عظيم، ويمر في البحر - عبر النهر، وضربت له خيمة، وجعلت جيوشه تعبر قبيلة قبيلة، فخر ساجدًا، ثم رفع وقد بل الدمع لحيته، فقال: أعرف ثلاثة وردوا هذه المدينة، لا شئ لهم إلا رغيف واحد، فراموا عبور هذا النهر، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يعدي بهم، فقال: لا آخذه إلا عن اثنين، فقال أحدهم وكان شابًا: تأخذ ثيابي وأنا أسبح، ففعل، فكان الشاب كلما أعيا، دنا من القارب، ووضع يده عليه يستريح، فيضربه بالمجذاف، فما عدى إلا بعد جهد. فما شك السامعون أنه هو السابح، والآخران ابن تومرت، وعبد الواحد الشرقي.
أولاده
وكان له من الولد ستة عشر ذكراً وهم محمد وهو أكبر ولده وولي عهده وهو الذي خُلع وعلي وعمر ويوسف وعثمان وسليمان ويحيى وإسماعيل والحسن والحسين وعبد الله وعبد الرحمن وعيسى وموسى وإبراهيم ويعقوب...
عبد المؤمن بن عليّ وأعمال عظام في المغرب
كان "عبد المؤمن بن علي" - كما ذكرنا - صاحب شخصية قوية وصاحب فكر سياسي عالٍ، فبدأ وبطريقة عملية منظمة وشديدة في تأسيس وبناء دولته الفتيّة الناشئة، فعمل على ما يلي:
أولًا:
أطلق حرية العلوم والمعارف وأنشأ الكثير من المدارس والمساجد، وكان هذا على خلاف نهج "محمد بن تومرت" صاحب الفكر الأوحد، فأصبح الناس يتعلمون أكثر من طريقة ومنهج وأكثر من فكر وفقه، وأصبحوا لا يرتبطون بقطب واحد كما كان العهد أيام "محمد بن تومرت"، لكن هذا لم يكن ليغضّ الطرف عن كون عبد المؤمن بن عليّ ذو فرديّة في نظام الحكم والإدارة، أي أنه كان - بلغة العصر - حاكما ديكتاتوريًِا، فردي الرأي لا يأخذ بالشورى.
ثانيًا:
عمل "عبد المؤمن بن عليّ" على إقران الخدمة العسكريّة بالعلوم التثقيفية، وأنشأ مدارس كثيرة لتعليم وتخريج رجال السياسة والحكم، وكان يمتحن الطلاب بنفسه، فأنشأ جيلا فريدا من قوّاد الحروب والسياسيين البارعين في دولة الموحدين، وكان يدربهم على كل فنون الحرب، حتى إنه أنشأ بحيرة صناعية كبيرة في بلاد المغرب لتعليم الناس كيف يتقاتلون في الماء، وكيف تكون الحروب البحرية، وكان أيضا يختبر المقاتلين الموحدين بنفسه.
ثالثًا:
أقام مصانع ومخازن ضخمة وكثيرة للأسلحة، و أصبحت دولة الموحدين من أقوى الدول الموجودة في المنطقة من الناحية العسكرية.
هذا كله في بلاد المغرب العربي، ولم تكن بلاد الأندلس بعد قد دخلت في حسابات "عبد المؤمن بن عليّ" في ذلك الوقت؛ لأنه كان يحاول أن يستتب له الأمر أولا في بلاد المغرب العربي حيث أنصار المرابطين في كل مكان. وكان الوضع في بلاد الأندلس - كما ذكرنا - حيث سقوط أكثر من مدينة في أيدي النصارى، وأصبح التدهور هناك سريعًا.
جيش الموحدين وطريقه نحو العقاب
في مقابل جيوش النصارى تلك كان الناصر لدين الله قد أعلن الجهاد وجمع المجاهدين من بلاد المغرب العربي والأندلس في عدد قد بلغ خمسمائة ألف مقاتل، أي أنه أكثر من ضعف جيوش النصارى مجتمعة، كانت أقل الروايات قد ذكرت أن عدد المسلمين قد بلغ ستين ألفا ومائتي ألف، وكانت هي نفسها التي ذكرت أن عدد النصارى لم يتجاوز ستين ألفا ومائة ألف، فكان جيش المسلمين في كل الأحيان يزيد على جيش النصارى أكثر من مرة ونصف أو مرتين على الأقل.
انطلق الناصر لدين الله بجيشه من بلاد المغرب وعبر مضيق جبل طارق، ثم توجّه إلى منطقة عُرفت باسم العِقَاب - وذلك لوجود قصر قديم كان يحمل هذا الاسم في تلك المنطقة -وهي تلك المنطقة التي دارت فيها الموقعة، وقد كانت- وسبحان الله - اسما على مسمى، فكانت بحق عقابا للمسلمين على مخالفات كثيرة، ظهر بعضها سابقا وسيظهر الباقي تباعا.
دخل الناصر لدين الله أرض الأندلس بهذا العدد الكثيف من المسلمين، وفي أول عمل له حاصر قلعة سَالْبَطْرَة، وكانت قلعة كبيرة وحصينة جدا وبها عدد قليل من النصارى، وكانت تقع في الجبل جنوب طليطلة، لكن حصانة القلعة أعجز المسلمين عن فتحها، وكان أن اجتمع قادة الأندلسيين وقادة الموحدين وأشاروا على الناصر لدين الله بأن يترك حامية عليها ثم يدعها ويتجه إلى جيش النصارى في الشمال؛ وذلك خوفا من إنهاك قوتهم فيما لا طائل من ورائه، لكن الناصر لدين الله رفض هذا الأمر واستمع لرأي وزيره الذي رأى أنه لا يجب أن تُجوّز هذه القلعة، فظل يحاصرها طيلة ثمانية أشهر كاملة.
نتائج الاستبداد وملامح الهزيمة
كان من جراء هذا العمل الذي قام به الناصر لدين الله أن حدث ما يلي:
أولا: إضاعة ثمانية أشهر كان من الممكن أن يستغلها في الشمال، والانتصار على النصارى هناك قبل أن يتجمعوا في كامل عدتهم.
ثانيا: أكمل النصارى استعداداتهم خلال هذه الفترة الطويلة، واستطاعوا أن يستجلبوا أعدادا أخرى كثيرة من أوروبا.
ثالثا: هلك الآلاف من المسلمين في صقيع جبال الأندلس في ذلك الوقت، حيث كان الناصر لدين الله قد دخل بلاد الأندلس في شهر مايو وكان مناسبا جدا للقتال، إلا أنه ظل يحاصر سَالْبَطْرَة حتى قدم الشتاء القارس وبدأ المسلمون يهلكون من شدة البرد وشدة الإنهاك في هذا الحصار الطويل.
أبو الحجاج يوسف بن قادس والتحيز إلى فئة المؤمنين
في بداية لحرب فاصلة قُسّم الجيش النصرانى القادم من الشمال إلى ثلاثة جيوش كبيرة، فالجيش الأول: هو الجيش الأوروبي، والجيش الثاني: هو جيش إمارة أراجون، والجيش الثالث: هو جيش قشتالة والبرتغال وليون ونافار، وهو أضخم الجيوش جميعها.
قامت هذه الجيوش الثلاث بحصار قلعة رباح، وهي قلعة إسلامية كان قد تملكها المسلمون بعد موقعة الأرك، وكان على رأسها القائد البارع الأندلسي الشهير أبو الحجاج يوسف بن قادس رحمه الله وهو من أشهر قواد الأندلس في تاريخها.
حوصرت قلعة رباح حصارا طويلا من قبل الجيوش النصرانية، وقد طال أمد الحصار حتى أدرك أبو الحجاج يوسف بن قادس أنه لن يفلت منه، كما بدأت بعض الحوائط في هذه القلعة تتهاوى أمام جيش مملكة أراجون.
أراد أبو الحجاج يوسف بن قادس أن يحقق الأمن والأمان لجيشه، وأراد أن يتحيز إلى فئة المؤمنين وينضم إلى جيش المسلمين، فعرض على النصارى معاهدة تقضي بأن يترك لهم القلعة بكامل المؤن وكامل السلاح على أن يخرج هو ومن معه من المسلمين سالمين ليتجهوا جنوبا فيلتقوا بجيش الموحدين هناك ودون مؤن أو سلاح.
وافق ألفونسو الثامن على هذا العرض، وبدأ بالفعل انسحاب أبي الحجاج يوسف بن قادس من الحصن ومن معه من المسلمين، وقد اتجهوا إلى جيش الناصر لدين الله.
ولأن الوليمة ليست قصرا على ألفونسو الثامن، فقد اعترض على هذا الانسحاب جيش النصارى الأوروبي المتحد مع جيش قشتالة.. فقد كانوا يرون أنهم ما أتوا من أبعد بلاد أوروبا ومن إنجلترا وفرنسا والقسطنطينية إلا لقتل المسلمين؛ فلا يجب أبدا أن يتركوا ليخرجوا سالمين.
وقد فعل ألفونسو الثامن ذلك حتى إذا حاصر مدينة أخرى من مدن المسلمين يفتحون له كما فعل سابقوهم؛ لأنه لو قاتلهم بعد العهد الذي أبرمه معهم فلن يفتح له المسلمون بعد ذلك مدنهم، فاختلف الأوروبيون مع ألفونسو الثامن، وعليه فقد انسحبوا من الموقعة.
وبذلك يكون قد انسحب من موقعة العقاب وقبل خوضها مباشرة خمسون ألفا من النصارى، وبالطبع فقد كان هذا نصرا معنويا وماديا كبيرا للمسلمين، وهزيمة نفسية وهزة كبيرة في جيش النصارى، وقد أصبح جيش المسلمين بعد هذا الانسحاب أضعاف جيش النصارى.
بطانة السوء وقتل أبي الحجاج يوسف بن قادس
حين عاد أبو الحجاج يوسف بن قادس إلى الناصر لدين الله، وعندما علم منه أنه قد ترك قلعة رباح وسلمها بالمؤن والسلاح إلى النصارى، أشار عليه الوزير السوء أبو سعيد بن جامع بقتله بتهمة التقاعس عن حماية القلعة.
لم يتردد الناصر لدين الله، وفي ميدان موقعة العقاب يمسك بالقائد المجاهد أبي الحجاج يوسف بن قادس ثم يقتله.
وإن هذا - وبلا شك - ليعد خطأ كبيرا من الناصر لدين الله، وعملا غير مبرر، ويضاف إلى جملة أخطائه السابقة، وذلك للآتي:
أولا: أن أبا الحجاج يوسف بن قادس لم يخطئ بانسحابه هذا، بل كان متحرفا لقتال، ومتحيزا إلى الجيش المتأهب للحرب، كما أنه لو مكث لهلك، ولو لم يهلك لكانت قد حيدت قواته عن الاشتراك في الموقعة بسب الحصار المفروض عليها.
ثانيا: وعلى فرض أن أبا الحجاج يوسف بن قادس قد أخطأ، فلم يكن - على الإطلاق - عقاب هذا الخطأ القتل، خاصة وأنه لم يتعمده بل كان اجتهادا منه.
وإن مثل ذلك قد حدث في حروب الردة حينما أخطأ عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه في أحد المعارك، وكان خليفة المسلمين حينئذ أبو بكر الصديق رضي الله عنه فما كان من أبي بكر في معالجة خطأ عكرمة إلا أن عنّفه باللسان وأوضح له خطأه، ثمّ أعاده مع جيشه من جديد إلى القتال لمساعدة جيش آخر من جيوش المسلمين، بل أرسل إلى قائد هذا الجيش الآخر- يرفع من روح عكرمة وجيشه - بأن يستعين برأي عكرمة بن أبي جهل فإنّ له رأيا.
ومن هنا وبهذه الطريقة وبجانب فقْد قوة كبيرة جدا بفقد هذا القائد البارع، فقد فقَدَ الجيش الإسلامي أيضا قوة الأندلسيين الذين شعروا أن هناك فارقا بينهم وبين المغاربة؛ مما كان له أثر سلبي كبير على واقع المعركة على نحو ما سيأتي بيانه.
قال المقرّي في نفح الطيب وهذه الوقعة - العقاب - هي الطامة على الأندلس بل والمغرب جميعاً، وما ذاك إلا لسوء التدبير، فإن رجال الأندلس العارفين بقتال الإفرنج استخف بهم الناصر ووزيره، فشنق بعضهم، ففسدت النيات، فكان ذلك من بخت الإفرنج، والله غالب على أمره، ولم تقم بعدها - أي بعد موقعة العقاب - للمسلمين قائمة تحمد...
خطة الناصر لدين الله ومتابعة الأخطاء
تكملة للأخطاء السابقة فقد وضع الناصر لدين الله خطة شاذة في ترتيب جيشه وتقسيمه، حيث لم يسِر فيه على نهج السابقين، ولم يقرأ التاريخ كما قرأه المنصور الموحدي ويوسف بن تاشفين.. فقد قسم جيشه إلى فرقة أمامية وفرقه خلفيه، لكنه جعل الفرقة الأمامية من المتطوعين وعددهم ستين ألفا ومائة ألف متطوع، وضعهم في مقدمة الجيش ومن خلفهم الجيش النظامي الموحدي.
وإنْ كان هؤلاء المتطوعة الذين في المقدمة متحمسين للقتال بصورة كبيرة، فإنهم ليست لهم الخبرة والدراية بالقتال كما هو الحال بالنسبة لتلك الفرقة المنتخبة من أجود مقاتلي النصارى، والتي هي في مقدمة جيشهم.
فكان من المفترض أن يضع الناصر لدين الله في مقدمة الجيش القادرين على صد الهجمة الأولى للنصارى؛ وذلك حتى يتملك الخطوات الأولى في الموقعة، ويرفع بذلك من معنويات المسلمين ويحط من معنويات النصارى، لكن العكس هو الذي حدث حيث وضع المتطوعه في المقدمة.
ولقد زاد من ذلك أيضا فجعل الأندلسيين في ميمنة الجيش، وما زال الألم والحرقة تكمن في قلوبهم من جراء قتل قائدهم الأندلسي المجاهد المغوار أبي الحجاج يوسف بن قادس، فكان خطأ كبيرا أيضا أن جعلهم يتلقون الصدمة الأولى من النصارى.
فنستطيع الآن حصر أخطاء الناصر لدين الله وهو في طريقه نحو العقاب على النحو التالي:
أولا: حصار قلعة سَالْبَطْرَة طيلة ثمانية أشهر كاملة.
ثانيا: الاستعانة ببطانة السوء الممثلة في الوزير السوء أبي سعيد بن جامع.
ثالثا: قتل القائد الأندلسي المشهور أبي الحجاج يوسف بن قادس.
رابعا: تنظيم الجيش وتقسيمه الخاطئ في أرض الموقعة.
خامسا: أمر في غاية الخطورة وهو الاعتقاد في قوة العدد والعدة، فقد دخل الناصر لدين الله الموقعة وهو يعتقد أنه لا محالة منتصر؛ فجيشه أضعاف الجيش المقابل. ومن هنا تتبدى في الأفق سحائب حنين جديدة، يخبر عنها سبحانه وتعالى بقوله: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25}.
العقاب.. والعقاب المرّ
تماما وكما تكررت حُنين في أرض الأندلس قبل ذلك في بلاط الشهداء، وفي موقعة الخندق مع عبد الرحمن الناصر وهو في أعظم قوته، تتكرر حُنين أيضا مع الناصر لدين الله في موقعة العقاب وهو في أعظم قوة للموحدين، وفي أكبر جيش للموحدين على الإطلاق، بل وفي أكبر جيوش المسلمين في بلاد الأندلس منذ أن فتحت في سنة 92 هـ= 711 م لتوالي الأخطاء السابقة كان طبيعيا جدا أن تحدث الهزيمة، فقد هجم المتطوعون من المسلمين على مقدمة النصارى، لكنهم ارتطموا ارتطاما شديدا بقلب قشتالة المدرّب على القتال، فصدوهم بكل قوة ومزّقوا مقدمة المسلمين وقتلوا منهم الآلاف في الضربة الأولى لهم.
واستطاعت مقدمة النصارى أن تخترق فرقة المتطوعة بكاملها، والبالغ عددهم - كما ذكرنا - ستين ألفا ومائة ألف مقاتل، وقد وصلوا إلى قلب الجيش الموحدي النظامي الذي استطاع أن يصد تلك الهجمة، لكن كانت قد هبطت وبشدة معنويات الجيش الإسلامي نتيجة قتل الآلاف منهم، وارتفعت كثيرا معنويات الجيش النصارى لنفس النتيجة.
وحين رأى ألفونسو الثامن ذلك أطلق قوات المدد المدربة لإنقاذ مقدمة النصارى، وبالفعل كان لها أثر كبير وعادت من جديد الكرّة للنصارى.
في هذه الأثناء حدث حادث خطير في جيش المسلمين، فحين رأى الأندلسيون ما حدث في متطوعة المسلمين واستشهاد الآلاف منهم، إضافة إلى كونهم يقاتلون مرغمين مع الموحدين - كما ذكرنا قبل ذلك - وأيضا كونهم يعتقدون بالعدد وليس في الثقة بالله عز وجل كل هذه الأمور اعتملت في قلوبهم، ففروا من أرض القتال.
وحين فرت ميمنة المسلمين من أرض الموقعة التف النصارى حول جيش المسلمين وبدأت الهلكة فيهم، فقتل الآلاف من المسلمين بسيوف النصارى في ذلك اليوم، والذي سُمّي بيوم العقاب أو معركة العقاب.
قُتل سبعون ألفا من مسلمي دولة الموحدين ومن الأندلسيين.. قُتلوا على يد النصارى، وفر الناصر لدين الله من أرض الموقعة ومعه فلول الجيش المنهزم المنكسر والمصاب في كل أجزاء جسده الكبير. وقد قال الناصر لدين الله وهو يفر: صدق الرحمن وكذب الشيطان. حيث دخل الموقعة وهو يعلم أنه منصور بعدده، فعلم أن هذا من إلقاء الشيطان وكذبه، وصدق الرحمن: [وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25}. فولى الناصر لدين الله مدبرا.
ومما زاد من مرارة الهزيمة أنه ارتكب خطأً آخر لا يقل بحال من الأحوال عن هزيمته المنكرة السابقة وفراره من أرض المعركة، وهو أنه لم يمكث بعد موقعة العقاب في المدينة التي تلي مباشرة مدينة العقاب، وهي مدينة بيّاسة، بل فر وترك بيّاسة ثم ترك أوبدّة، ترك كلتيهما بلا حامية وانطلق إلى مدينة أشبيليّة، وما زالت قوة النصارى في عظمها وما زالت في بأسها الشديد.
الفواجع بعد العقاب
مأساة بياسة:
انطلقت قوة النصارى بعد عقاب وهزيمة المسلمين تلك في موقعة العقاب فحاصرت بيّاسة، وكانت مأوى للمرضى والنساء والأطفال، فجمعوهم في المسجد الجامع الكبير في المدينة وقاموا بقتلهم جميعهم بالسيف... قال المراكشي في المعجب: فأما بياسة فوجدها - أي ألفونسو - أو أكثرها خالية فحرق أدؤرها وخرب مسجدها الأعظم...
مأساة أوبذّة:
قال صاحب الروض المعطار أُبذّة مدينة بالأندلس بينها وبين بياسة سبعة أميال، وهي مدينة صغيرة وعلى مقربة من النهر الكبير، ولها مزارع وغلات قمح وشعير كثيرة جداً، وفي سنة تسع وستمائة مالت عليها جموع النصرانية بعد كائنة العقاب وكان أهلها قد أنفوا من إخلائها كما فعل جيرانها أهل بياسة، ولم ترفع تلك الجموع يداً عن قتالها حنى ملكتها بالسيف، وقتل فيها كثير، وأسروا كثيراً...
وقال المراكشي في المعجب: ونزل - أي ألفونسو - على أبذّة وقد اجتمع فيها من المسلمين عدد كثير من المنهزمة وأهل بياسة وأهل البلد نفسه فأقام عليها ثلاثة عشر يوماً ثم دخلها عنوة فقتل وسبى وغنم وفصل هو وأصحابه من السبي من النساء والصبيان بما ملؤوا به بلاد الروم قاطبة فكانت هذه أشد على المسلمين من الهزيمة!.
وقد تدهور حال المسلمين كثيرًا في كل بلاد المغرب والأندلس على السواء، حتى قطع المؤرخون بأنه بعد موقعة العقاب ما كنت تجد شابًا صالحًا للقتال لا في بلاد المغرب ولا في بلاد الأندلس. فكانت موقعة واحدة قد بددت وأضاعت دولة في حجم وعظم دولة الموحدين.
ثم إنه قد انسحب الناصر لدين الله أكثر مما كان عليه، فانسحب من إشبيلية إلى بلاد المغرب العربي، ثم قد اعتكف في قصره واستخلف ابنه وليًا للعهد من بعده وهو بعد لم يتجاوز العشر سنين.
وفي عمل قد يعد طبيعيا ونتيجة حتمية لمثل هذه الأفعال، فقد توفي الناصر لدين الله بعد هذا الاستخلاف بعام واحد في سنة 610 هـ= 1214 م عن عمر لم يتجاوز الرابعة والثلاثين، وتولى حكم البلاد من بعده ولي عهده وابنه المستنصر بالله، وعمره آنذاك إحدى عشرة سنة فقط.
ومن جديد وكما حدث في عهد ملوك الطوائف تضيع الأمانة ويوسّد الأمر لغير أهله وتتوالى الهزائم على المسلمين بعد سنوات طويلة جدا من العلو والسيادة والتمكين لدولة الموحدين.
متابعة المأساة بعد موقعة العقاب
في موقف مدّ في عمر الإسلام في بلاد الأندلس بضع سنوات ظهرت بعض الأمراض في الجيوش القشتالية، الأمر الذي اضطرهم إلى العودة إلى داخل حدودهم.
وفي سنة 614 هـ= 1217 م وبعد موقعة العقاب بخمس سنين، ونظرا لتردي الأوضاع في بلاد المغرب، وتولي المستنصر بالله أمور الحكم وهو بعد طفل لم يبلغ الرشد، ظهرت حركة جديدة من قبيلة زناته في بلاد المغرب واستقلت عن حكم دولة الموحدين هناك، وأنشأت دولة سنية هي دولة بني مارين، والتي سيكون لها شأن كبير فيما بعد في بلاد الأندلس.
وفي سنة 620 هـ= 1223 م سقطت جزر البليار، وقتل فيها عشرون ألفا من المسلمين على يد ملك أراجون بمساعدة إيطاليا.
وفي نفس العام أيضا استقل بنو حفص بتونس، وانفصلوا بها عن دولة الموحدين.. وهو ذلك العام الذي توفي فيه أمير الموحدين المستنصر بالله عن إحدى وعشرين سنة فقط.
وعلى إثر هذا فقد دار صراع شديد على السلطة؛ حيث لم يكن المستنصر بالله قد استخلف بعد، فتولى عم أبيه عبد الواحد من بعده، إلا أنه خلع وقتل، ثم تولى من بعده عبد الله العادل، وعلى هذا الحال ظل الصراع، وأصبح الرجل يتولى الحكم مدة أربع أو خمس سنوات فقط ثم يُخلع أو يُقتل ويأتي غيره وغيره، حتى سارت الدولة نحو هاوية سحيقة.
وفي سنة 625 هـ= 1228 م استقل رجل يسمى ابن هود بشرق وجنوب الأندلس، وكان كما يصفه المؤرخون: مفرطا في الجهل، ضعيف الرأي، لم يُنصر له على النصارى جيش.
وفي سنة 633 هـ= 1236 م استقلّ بنو جيّان بالجزائر، وفي نفس هذا العام حدث حادث خطير ومروع. إنه حادث سقوط قرطبة حاضرة الإسلام.
المأساة الكبرى وسقوط قرطبة
في موقف لا نملك حياله إلا التأسف والندم، وفي سنة 633 هـ= 1236 م وبعد حصار طال عدة شهور، وبعد استغاثة بابن هود الذي استقلّ بدولته جنوب وشرق الأندلس، والذي لم يعر اهتماما لهذه الاستغاثات بسبب كونه منشغلا بحرب ابن الأحمر، ذلك الأخير الذي كان قد استقل أيضا بجزء آخر من بلاد الأندلس، في كل هذه الظروف سقطت قرطبة، وسقطت حاضرة الإسلام في بلاد الأندلس.
وكان أمرا غاية في القسوة حين لم يجد أهل قرطبة بدّا من الإذعان والتسليم والخروج من قرطبة، وكان الرهبان مصرون على قتلهم جميعهم، لكن فرناندو الثالث ملك قشتالة رفض ذلك؛ خشية أن يدمر أهل المدينة كنوزها وآثارها الفاخرة، وبالفعل خرج أهلها متجهين جنوبا تاركين كل شيء، وتاركين حضارة ومنارة ومجدًا عظيما كانوا قد خلفوه.
سقطت قرطبة التي أفاضت على العالم أجمع خيرًا وبركة وعلمًا ونورًا، سقطت قرطبة صاحبة الثلاثة آلاف مسجد، وصاحبة الثلاث عشرة ألف دار، سقطت قرطبة عاصمة الخلافة لأكثر من خمسمائة عام، سقطت قرطبة صاحبة أكبر مسجد في العالم، سقطت وسقط أعظم ثغور الجهاد في الإسلام.
سقطت قرطبة في الثالث والعشرين من شهر شوال لسنة ثلاثة وثلاثين وستمائة من الهجرة.. سقطت وفي يوم سقوطها تحوّل مسجدها الجامع الكبير إلى كنيسة، وما زال كنيسة إلى اليوم، ولا حول ولا قوّة إلا بالله.
تتابع المآسي
بعد سقوط قرطبة وفي سنة 635 هـ= 1237 م استقلّ بنو الأحمر بغرناطة بعد موت ابن هود في نفس السنة، وسيكون لهم شأن كبير في بلاد الأندلس على نحو ما سنبينه، وفي سنة 636 هـ= 1237 م وبعد استقلال ابن الأحمر بغرناطة بسنة واحدة وبعد حصار دام خمس سنوات متصلة سقطت بلنسية على يد ملك أراجون بمساعدة فرنسا، وكان حصارا شديدا كاد الناس أن يهلكوا جوعا، وكان خلاله عدة مواقع أشهرها موقعة أنيشة سنة 634 هـ= 1237 م والتي هلك فيها الكثير من المسلمين من بينهم الكثير من العلماء.
وكان بنو حفص في تونس قد حاولوا مساعدة بلنسية بالمؤن والسلاح لكن الحصار كان شديدا حتى اضطروا لترك البلد تماما في سنة 636 هـ= 1239 م وهُجّر خمسون ألفا من المسلمين إلى تونس، وتحولت للتّو كل مساجد المسلمين إلى كنائس، وكانت هذه سياسة متبعة ومشهورة للنصارى في كل البلاد الإسلامية التي يسيطرون عليها، إما القتل وإما التهجير.
وفي سنة 641 هـ= 1243 م سقطت دانية بالقرب من بلنسية، وفي سنة643 هـ= 1245 م سقطت جيّان. وهكذا لم يبق في بلاد الأندلس إلا ولايتان فقط، ولاية غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، وولاية أشبيلية في الجنوب الغربي، وهما يمثلان حوالي ربع بلاد الأندلس.
هذا مع الأخذ في الاعتبار أن كل ولايات إفريقيا قد استقلّت عن دولة الموحدين، فسقطت بذلك الدولة العظيمة المهيبة المتسعة البلاد المترامية الأطراف.
دولة الموحدين وعوامل السقوط.. وقفة تحليلية
قد يفاجأ البعض ويتعجب باحثًا عن الأسباب والعلل من هول هذا السقوط المريع لهذا الكيان الكبير بهذه الصورة السريعة المفاجئة، وحقيقة الأمر أن هذا السقوط لم يكن مفاجئا؛ فدولة الموحدين كانت تحمل في طياتها بذور الضعف وعوامل الانهيار، وكانت كثيرة، نذكر منها ما يلي:
أولًا:
تعاملها بالظلم مع دولة المرابطين، وقتلها الآلاف ممن لا يستحقون القتل.. وإن طريق الدم لا يمكن أبدا أن يثمر عدلا، يقول ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.
إن عاقبة الظلم وخيمة وربما تتأخر عقوبة الظلم لكنها بلا شك تقع على الظالم فالله تعالى يمهل ولا يهمل، وقد أسرف الموحدون كثيرًا في إراقة دماء من خالفهم من المسلمين بل في سفك دماء من يشكون في ولائه لهم ممن كانوا معهم - كما رأينا في أمر التمييز الذي قام به ابن تومرت قبل وقعة البحيرة أو البستان التي عجّل الله لهم العقاب فيها وقتل منهم الكثير، فقد جعل ابن تومرت الأهل يقتلون أبنائهم، بعدما أقنعهم أنهم من أهل النار وذلك بحيلة ماكرة شاركه فيه أحد الخبثاء ممن هو على شاكلته - وهذا أمر في غاية الخطورة، لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من العداء بين المسلم وأخيه المسلم ومن التدابر والتحاسد والتناجش والتباغضن روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ".
ثانيا:
العقائد الفاسدة التي أدخلها ابن تومرت على منهج أهل السنة، وبالرغم من أن يعقوب المنصور رحمه الله قاومها بشدة، إلا أن أشياخ الموحدين ظلّوا يعتقدون في عصمة محمد بن تومرت وفي صدق أقواله، حتى آخر أيام دولة الموحدين.
إن سلامة العقيدة وصفائها أهم عامل في بناء الأمم والأفراد فمتى أصابه الخلل كان الانهيار السريع والمدوي، وقد استطاع ابن تومرت بمكره ودهائه أن يشبع عقول العامة بأفكاره الشاذة البعيدة عن منهج الله تعالى ومنهج رسوله العظيم صلى الله عليه وسلم، فتشرّب الناس بجهلهم هذه العقائد الزائفة الباطلة نظرًا لما هم عليه من الجهل والتخلف، بينما كان ابن تومرت قد تلقى العلوم الكثيرة عن الكثير من علماء الفرق المختلفة من خوارج ومعتزلة ورافضة وأيضًا أهل سنة مما أحدث عنده خللًا عقائديًا خطيرًا وافق عنده حبًا للزعامة وعطشًا إلى الدماء مما أدّى إلى ما رأيناه من مصائب ومحن أصابته وأصابت من خُدع بقوله ممن سماهم الموحدين...
وثمة أمر آخر لا يقل خطورة عن هذا الأمر ألا وهو تكفير المرابطين وقد بنى ابن تومرت على هذه الفكرة جواز قتلهم وحرقهم وسبي نسائهم وهدم دولتهم وتقويض بنيانها من القواعد...
إن تكفير المسلم قضية في منتهى الخطورة لا ينبغي لعاقلٍ بحال من الأحوال أن يقع فيها، ففي البخاري بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَ" وعند مسلم "أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ" وكذا رواه الإمام أحمد... البخاري (5753)، مسلم (60) عن ابن عمر، وهو عند البخاري (5752) عن أبي هريرة.
وقال أبو حامد الغزالي:
"
والذي ينبغي أن يميل المسلم إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلا، فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة - قارورة - من دم مسلم" الاقتصاد في الاعتقاد صـ 157
وقال ابن تيمية
:
"
من ثبت إيمانه بيقين لم يزل عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة" الفتاوى 12 / 466
((وقد صرح القرآن الكريم أن المرء لايكفر بالمعصية ما دامت دون الشرك الأكبر بل إن رحمة الله ومغفرته تشمل تلك المعاصي بمشيئته تعالى.
قال الله عز وجل: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ] {النساء: 48، 116 }.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
كذلك لا يكفر مسلم بسبب رأيٍ خطأ في مسألة اجتهادية تحتمل وجهات نظر سواء كانت عقيدة أو فقه. روى ابن ماجة بسنده عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ.
ويعلّق على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:
"
وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العلمية وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية " الفتاوى 3 / 229 )) {نظرات في رسالة التعاليم / محمد عبد الله الخطيب}
ثالثا:
كان من عوامل سقوط دولة الموحدين أيضًا الثورات الداخلية الكثيرة التي قامت داخل دولة الموحدين، وكان أشهرها ثورة بني غانية، والتي كانت في جزر البليار، وأيضا في بلاد الأندلس وفي تونس.
رابعا:
الإعداد الجيد من قبل النصارى في مقابل الإعداد غير المدروس من قبل الناصر لدين الله ومن تبعه بعد ذلك.
خامسا:
وهو أمر هام وجد خطير، وهو انفتاح الدنيا على دولة الموحدين وكثرة الأموال في أيديهم والتي طالما غرق فيها كثير من المسلمين، وكذلك أيضا الترف والبذخ الشديد الذي أدى إلى التصارع على الحكم وإلى دعة الحكام وإلى الحركات الانفصالية كما ذكرنا.
سادسا:
بطانة السوء المتمثلة في أبي سعيد بن جامع وزير الناصر لدين الله ومن كان على شاكلته بعد ذلك.
((
لقد كان الناصر ألعوبة في يد وزيره ابن جامع الذي لم يكن مسئولًا عن هزيمة العقاب فقط، بل عن مصير الموحدين بعد الناصر أيضًا، لقد وضع ابن جامع الأسباب القوية التي أدت إلى تصدّع سلطان الموحدين من أسسه.
لقد كُتب لأسرة ابن جامع التي تولّى كثير منها الوزارة، وعلى رأسها ابو سعيد بن جامع أن تلعب أخطر دور في تحطيم دولة الموحدين، بمشاركة الأعراب البدو، وأشياخ الموحدين....
لقد تصرف ابن جامع - الذي يمثل بطانة السوء - بدولة الموحدين، فكان
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الاندلس   الثلاثاء أغسطس 31, 2010 11:57 pm

فكان له أثره الخطير، ليس في ميدان السياسية الداخلية والخارجية للدولة فحسب، بل على وجود دولة الموحدين نفسها...
ابن جامع من الشخصيات الغامضة - والمزاودة - التي تدخل في مصير الشعوب ومقدرات الدول، تبدي غير ما تخفيه، من الشخصيات التي تُكلف بمهمات خطيرة، أولاها التخريب والتدمير من الداخل، كما فعل فيما بعد ابن العلقمي في الخلافة العباسية، حيث اظهر الإخلاص وأضمر الخبث، وتتكرر الصورة ذاتها برسائل التتر وإخفائها عن الخليفة المستعصم، والهدف واحد تقويض أركان الدولة... العقاب - د. شوقي أبو خليل
سابعا:
إهمال الشورى من قبل الناصر لدين الله ومَنْ بعده من الأمراء.
وعدم الأخذ بمبدأ الشورى هو مخالفة صريحة للقرآن الكريم فالله عز وجل يقول: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ] {آل عمران: 159} وقال الله تعالى في صفات المؤمنين: [وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ] {الشورى: 38}. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها...
فهذه العوامل وغيرها اجتمعت لتسقط هذا الكيان الكبير، والذي لم يبق منه في بلاد الأندلس إلا ولايتان فقط هما غرناطة وأشبيلية، ومع ذلك - وسبحان الله - ظل الإسلام في بلاد الأندلس لأكثر من 250 سنة من هذا السقوط المروّع لدولة الموحدين..!!
وهذه قائمة بأسماء خلفاء دولة الموحدين:
1 - عبد المؤمن بن علي (524 - 558 هـ= 1129 - 1163 م )
2 - أبو يعقوب يوسف ( 558 - 580 هـ= 1163 - 1184 م )
3 - أبو يوسف يعقوب المنصور ( 580 - 595 هـ= 1184 - 1199 م )
4 - أبو محمد عبد الله الناصر ( 595 - 610 هـ= 1199 - 1213 م )
5 - أبو يعقوب يوسف المستنصر ( 611 - 620 هـ= 1213 - 1224 م )
6 - عبد الواحد بن يوسف بن عبد المؤمن ( 620 - 621 هـ= 1224 م )
7 - أبو عبد الله بن يعقوب المنصور ( العادل ) ( 621 - 624 هـ= 1224 - 1227 م )
8 - يحيى بن الناصر ( 624 - 627 هـ= 1227 - 1230 م )
9 - المأمون بن المنصور ( 627 - 630 هـ= 1231 - 1232 م )
10 - الرشيد بن المأمون بن المنصور ( 630 - 640 هـ= 1232 - 1242 م )
11 - السعيد علي أبو الحسن ( 640 - 646 هـ= 1242 - 1248 م )
12 - أبو حفص عمر المرتضى ( 646 - 665 هـ= 1248 - 1266 م )
3 - أبو دبوس الواثق بالله ( 665 - 668 هـ= 1266 - 1269 ). "إعلام أهل العلم والدين بأحوال دولة الموحدين" د. الصلابي

عبد المؤمن بن عليّ في الأندلس


في سنة 543 هـ= 1148 م وبعد التدهور الكبير الذي حدث في بلاد الأندلس، قدم إلى بلاد المغرب العربي القاضي ابن العربي صاحب (العواصم من القواصم) قدم من الأندلس وبايع "عبد المؤمن بن علي"، وطلب النجدة لأهل الأندلس.
وإن مبايعة القاضي ابن العربي لعبد المؤمن بن عليّ لتعطي إشارة واضحة إلى أن عبد المؤمن بن عليّ لم يكن ليعتقد أو يدعو إلى أفكار ضالة كما في الدعوة إلى العصمة أو المهدية أو غيرها مما كان يدين بها محمد بن تومرت وبعض من أتباعه، وإلا لم يكن للقاضي ابن العربي - وهو الذي اشتهر وعرف عنه الذبّ عن الإسلام من الضلالات والانحرافات - أن يقدم من بلاد الأندلس لمبايعته على الطاعة والنصرة.
قَبِلَ عبد المؤمن بن عليّ الدعوة من القاضي ابن العربي، وجهزّ جيوشه وانطلق إلى بلاد الأندلس، وهناك بدأ يحارب القوات الصليبية حتى ضم معظم بلاد الأندلس الإسلامية التي كانت في أملاك المرابطين إلى دولة الموحدين، وكان ممن قاتله هناك بعض أنصار دولة المرابطين إلا أنه قاتلهم وانتصر عليهم وذلك في سنة 545 هـ= 1150 م.
وفي سنة 552 هـ= 1157 م استطاع أن يستعيد ألمريّة، وفي سنة 555 هـ= 1160 م استعاد تونس من يد النصارى، وبعدها بقليل - ولأول مرة - استطاع أن يضم ليبيا إلى دولة الموحدين، وهي بعد لم تكن ضمن حدود دولة المرابطين.
وبهذا يكون قد وصل بحدود دولة الموحدين إلى ما كانت عليه أثناء دولة المرابطين إضافة إلى ليبيا، وقد اقتربت حدود دولته من مصر كثيرا، وكان يفكر في أن يوحّد كل أطراف الدولة الإسلامية تحت راية واحدة تكون لدولة الموحدين.
يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ (533 - 580 هـ= 1138 - 1184 م)وحكم الموحدين:
في عام 558 هـ= 1163 م يتوفي عبد المؤمن بن عليّ في "رباط سلا" في طريقه إلى الاندلس مجاهدًا، ونقل إلى "تينملل" فدفن فيها إلى جانب قبر ابن تومرت وخلفه على الحكم ابنه محمد ثم خُلع لفسقه وسوء خلقه وولي الأمر يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وكان يبلغ من العمر اثنين وعشرين عامًا، وقد كان مجاهدًا شهمًا كريمًا إلا أنه لم يكن في كفاءة أبيه القتالية.
قال عنه الزركلي في الأعلام: وكان حازما شجاعا، عارفًا بسياسة رعيته، له علم بالفقه، كثير الميل إلى الحكمة والفلسفة، استقدم إليه بعض علماء الاقطار وفي جملتهم أبو الوليد ابن رشد...وهو باني مسجد إشبيلية، أتمّه سنة 567 وإليه تنسب الدنانير " اليوسفية " في المغرب، وكانت علامته في المكاتبات وعلامة من بعده: " الحمد لله وحده "...
وقد ظل يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ يحكم دولة الموحدين اثنين وعشرين عامًا متصلة، منذ سنة 558 هـ= 1163 م وحتى سنة 580 هـ= 1185 م وقد نظم الأمور وأحكمها في كل بلاد الأندلس وبلاد المغرب العربي، وكانت له أعمال جهادية ضخمة ضد النصارى، لكنه كان يعيبه شيء خطير وهو أنه كان متفرد الرأي لا يأخذ بالشورى، وهذا - بالطبع - كان من تعليم وتربية أبيه عبد المؤمن بن علي صاحب محمد بن تومرت كما ذكرنا.
كان لانفراد يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ بالرأي سببا قويا في حدوث أخطاء كثيرة في دولته، كان آخرها ما حدث في موقعة له مع النصارى حول قلعة من قلاع البرتغال كان يقاتل فيها بنفسه، فقد قتل فيها ستة من النصارى، ثم طُعن بعد ذلك واستشهد رحمه الله في هذه الموقعة التي تُسمّى وقعة "شنترين" فمات قرب الجزيرة الخضراء في سنة 580 هـ= 1184 م.
العصر الذهبي لدولة الموحدين


بعد وفاة يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ تولى من بعده ابنه يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن عليّ، وقد لُقب في التاريخ بالمنصور، وكان له ابن يُدعى يوسف فعُرف بأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي.
أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي (554 - 595 هـ= 1160 - 1199 م)
التعريف به:
قال عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان: أبو يوسف يعقوب بن أبي يوسف بن أبي محمد عبد المؤمن بن علي، القيسي الكومي صاحب بلاد المغرب... كان صافي السمرة جداً، جميل الوجه أفوه أعين شديد الكحل ضخم الأعضاء جهوري الصوت جزل الألفاظ، من أصدق الناس لهجة وأحسنهم حديثاً وأكثرهم إصابة بالظن، مجرباً للأمور، ولي وزارة أبيه، فبحث عن الأحوال بحثاً شافياً وطالع مقاصد العمال والولاة وغيرهم مطالعة أفادته معرفة جزئيات الأمور ولما مات أبوه اجتمع رأي أشياخ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه فبايعوه وعقدوا له الولاية ودعوه أمير المؤمنين كأبيه وجده ولقبوه بالمنصور، فقام الأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد ونصب ميزان العدل وبسط أحكام الناس على حقيقة الشرع ونظر في أمور الدين والورع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين كما أقامها في سائر الناس أجمعين، فاستقامت الأحوال في أيامه وعظمت الفتوحات.
ولما مات أبوه كان معه في الصحبة، فباشر تدبير المملكة من هناك، وأول ما رتب قواعد بلاد الأندلس، فأصلح شأنها وقرر المقاتلين في مراكزها ومهد مصالحها في مدة شهرين. وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات وأرسل بذلك إلى سائر بلاد الشام التي في مملكته. فأجاب قوم وامتنع آخرون...
وقد تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة متصلة، من سنة 580 هـ= 1184 م وحتى سنة 595 هـ= 1199 م وكان أقوى شخصيه في تاريخ دولة الموحدين، ومن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين بصفة عامة، وقد عُدّ عصره في دولة الموحدين بالعصر الذهبي.
ونستطيع أن نتناول سيرته في الأندلس من خلال هذين العنصرين:
أولا: المنصور الموحدي الرجل الإنسان
مثل عبد الرحمن الداخل ومن قبله عبد الرحمن الناصر وغيرهم ممن فعلوا ما لم يفعله الشيوخ والكبار تولى أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي وكان عمره خمسا وعشرين سنة فقط، وقد قام بالأمر أحسن ما يكون القيام، وقد رفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، ونظر في أمور الدين والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن.
واستطاع أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أن يغير كثيرا من أسلوب السابقين له، فكان سمته الهدوء والسكينة والعدل والحلم، حتى إنه كان يقف ليقضي حاجة المرأة وحاجة الضعيف في قارعة الطريق، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس، وكان زاهدا يلبس الصوف الخشن من الثياب، وقد أقام الحدود حتى في أهله وعشيرته، فاستقامت الأحوال في البلاد وعظمت الفتوحات.
بلغت أعمال أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي الجليلة في دولته أوجها، حتى وصلت إلى أن حارب الخمور، وأحرق كتب الفلاسفة، واهتم بالطب والهندسة، وألغى المناظرات العقيمة التي كانت في أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد الموحدين، وقد أسقط الديون عن الأفراد وزاد كثيرا في العطاء للعلماء، ومال هو إلى مذهب ابن حزم الظاهري لكنه لم يفرضه على الناس، بل إنه أحرق الكثير من كتب الفروع وأمر بالاعتماد على كتاب الله وعلى كتب السنة الصحيحة.
وفي دولته اهتم أيضا أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بالعمران، وقد أنشأ مدينة الرباط وسمّاها رباط الفتح، وأقام المستشفيات وغرس فيها الأشجار، وخصّص الأموال الثابتة لكل مريض، وكان رحمه الله يعود المرضى بنفسه يوم الجمعة، وأيضا كان يجمع الزكاة بنفسه ويفرقها على أهلها، وكان كريما كثير الإنفاق حتى إنه وزّع في يوم عيد أكثر من سبعين ألف شاة على الفقراء.
المنصور الموحدي يتبرأ من أباطيل ابن تومرت
يُعدّ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أول من أعلن صراحة فساد أقوال محمد بن تومرت في فكرة العصمة والمهدية، وقال بأن هذا من الضلالات، وأنه ليس لأحد عصمة بعد الأنبياء، وكان مجلسه رحمه الله عامرا بالعلماء وأهل الخير والصالحين. وقد ذكر الذهبي رحمه الله في العبر أنه كان يجيد حفظ القرآن والحديث، ويتكلم في الفقه ويناظر، وكان فصيحا مهيبا، يرتدي زي الزهّاد والعلماء ومع ذلك عليه جلالة الملوك.
وعدم اعتراف المنصور الموحدي بأفكار ابن تومرت المخالفة للكتاب والسنة يجعله من أهل السنة والجماعة ومن الفئة الصالحة المصلحة التي يحقق الله بها النصر والتمكين لدينه والعزة والمنعة لأهله - تعالى - وقد أورد المراكشي ما يفيد براءة المنصور الموحدي من أفكار ابن تومرت الضالة جاء في "المعجب في تلخيص أخبار المغرب" عن "المراكشي" قوله: أخبرني الشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن مطرف المري ونحن بحجر الكعبة قال: قال لي أمير المؤمنين أبو يوسف يا أبا العباس اشهد لي بين يدي الله عز وجل أني لا أقول بالعصمة - يعني عصمة ابن تومرت - قال: وقال: لي يوماً وقد استأذنته في فعل شيء يفتقر إلى وجود الإمام: يا أبا العباس أين الإمام؟ أين الإمام؟.
ويقول أيضًا: أخبرني شيخ ممن لقيته من أهل مدينة جيان من جزيرة الأندلس يسمى أبا بكر بن هانئ مشهور البيت هناك لقيته وقد علت سنه فرويت عنه قال: لي لما رجع أمير المؤمنين - يعني المنصور الموحدي - من غزوة الأرك وهي التي أوقع فيها بالأدنفش وأصحابه خرجنا نتلقاه فقدمني أهل البلد لتكليمه فرفعت إليه فسألني عن أحوال البلد وأحوال قضاته وولاته وعماله على ما جرت عادته فلما فرغت من جوابه سألني كيف حالي في نفسي فتشكرت له ودعوت بطول بقائه ثم قال: لي ما قرأت من العلم قلت: قرأت تواليف الإمام أعني ابن تومرت فنظر إلي نظرة المغضب وقال: ما هكذا يقول: الطالب إنما حكمك أن تقول قرأت كتاب الله وقرأت شيئاً من السنة ثم بعد هذا قل ما شئت...
وقال عنه "المراكشي" في كتابه "المعجب في تلخيص أخبار المغرب": وكان في جميع أيامه وسيره مؤثراً للعدل متحرياً له بحسب طاقته وما يقتضيه إقليمه والأمة التي هو فيها كان في أول أمره أراد الجري على سنن الخلفاء الأول.
فمن ذلك أنه كان يتولى الإمامة بنفسه في الصلوات الخمس لم يزل على ذلك مستمراً أشهراً إلى أن أبطأ يوماً عن صلاة العصر إبطاء كاد وقتها يفوت وقعد الناس ينتظرونه فخرج عليهم فصلى ثم أوسعهم لوماً وتأنيباً وقال: ما أرى صلاتكم إلا لنا وإلا فما منعكم عن أن تقدموا رجلاً منكم فيصلي بكم أليس قد قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن عوف حين دخل وقت الصلاة وهو غائب أما لكم بهم أسوة وهم الأئمة المتبعون والهداة المهتدون فكان ذلك سبباً لقطعه الإمامة.
وكان يقعد للناس عامة لا يحجب عنه أحد من صغير ولا كبير حتى اختصم إليه رجلان في نصف درهم فقضى بينهما وأمر الوزير أبا يحيى صاحب الشرطة أن يضربهما ضرباً خفيفاً تأديباً لهما وقال: لهما أما كان في البلد حكام قد نصبوا لمثل هذا فكان هذا أيضاً مما حمله على القعود في أيام مخصوصة لمسائل مخصوصة لا ينفذها غيره.
وكان قد أمر أن يدخل عليه أمناء الأسواق وأشياخ الحضر في كل شهر مرتين يسألهم عن أسواقهم وأسعارهم وحكامهم.
وكان إذا وفد عليه أهل بلد فأول ما يسألهم عن عمالهم وقضاتهم وولاتهم فإذا أثنوا خيراً قال: أعلموا أنكم مسؤولون عن هذه الشهادة يوم القيامة فلا يقولن امرؤ منكم إلا حقاً وربما تلا في بعض المجالس: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ] {النساء 135}.
كل هذه الصفات السابقة لأبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي وهو ما زال شابًا بدأ الحكم وعمره خمس وعشرون سنة فقط.
ثانيا: المنصور الموحدي وبلاد الأندلس
إضافة إلى أعماله السابقة في دولة الموحدين بصفة عامة، فقد وطد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي الأوضاع كثيرا في بلاد الأندلس، وقوى الثغور هناك، وكان يقاتل فيها بنفسه، وقد كانت أشد الممالك ضراوة عليه مملكة البرتغال ثم من بعدها مملكة قشتالة. وقد كان له في الأندلس ما يلي:
أولا: القضاء على ثورات بني غانية:
في سنة 585 هـ= 1189 م وفي جزر البليار من بلاد الأندلس قامت قبيلة بني غانية من أتباع المرابطين بثورة عارمة على الموحدين، وقد كان لهذه القبيلة ثورات من قبل على عبد المؤمن بن عليّ وابنه يوسف بن علي أيضا من بعده، فقاموا بثورة في جزر البليار وأخرى في تونس.
ما كان من أبي يوسف يعقوب المنصور إلا أن عاد من داخل بلاد الأندلس إلى جزر البليار فقمع ثورة بني غانية هناك، ثم رجع إلى تونس فقمع أيضا ثورتهم، وكان من جراء ذلك أن ضعفت كثيرا قوة الموحدين في الأندلس.
استغلّ ملك البرتغال انشغال أبي يوسف يعقوب المنصور بالقضاء على هذه الثورات واستغل الضعف الذي كان نتيجة طبيعية لذلك، واستعان بجيوش ألمانيا وإنجلترا البرية والبحرية، ثم حاصر أحد مدن المسلمين هناك واستطاع أن يحتلها ويخرج المسلمين منها، وقد فعل فيها من الموبقات ما فعل، ثم استطاع أن يواصل تقدمه إلى غرب مدينة أشبيليّة في جنوب الأندلس. وهنا يكون الوضع قد أضحى في غاية الخطورة.
وحول ثورات بني غانية. فقد كان مقبولًا منهم أن يقوموا بثورات على السابقين من حكام الموحدين قبل أبي يوسف يعقوب المنصور بحجة أفكارهم الضالة التي خرجت عن منهج الله سبحانه وتعالى، لكن السؤال هو لماذا الثورة على هذا الرجل الذي أعاد للشرع هيبته من جديد، والذي أقام الإسلام كما ينبغي أن يقام، والذي أعاد القرآن والسنة إلى مكانهما الصحيح؟!
كان من الواجب على بني غانية أن يضعوا أيديهم في يد أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي رحمه الله ويضموا قوتهم إلى قوته ليحاربوا العدو الرئيس الرابض والمتربص لهم، والمتمثل في دول الشمال الأندلسي، سواء أكانت دول قشتالة أو البرتغال أو الممالك الأخرى، لكن هذا لم يحدث، فأدت هذه الثورات الداخلية إلى ضعف قوة الموحدين في بلاد الأندلس، وإلى هذا الانهيار المتدرج في هذه المنطقة.
ثانيا: المواجهات مع النصارى واستعادة السيطرة:
بعد القضاء على ثورات بني غانية أخذ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي يفكر في كيفية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، ووقف أطماع النصارى في بلاد الأندلس.
علم أولا أن أشد قوتين عليه هما قوة قشتالة وقوة البرتغال، لكنه رأى أن قوة البرتغال أشد وأعنف من سابقتها، فقام بعقد اتفاقيه مع قشتالة عاهدهم فيها على الهدنة وعدم القتال مدة عشر سنوات.
اتجه أبو يوسف يعقوب المنصور بعد ذلك إلى منطقة البرتغال، وهناك حاربهم حروبا شديدة وانتصر عليهم في أكثر من مرة، واستطاع أن يحرر المنطقة بكاملها ويسترد إلى أملاك المسلمين من جديد ما كان قد فقد هناك.
وقبل أن يكتمل له تحرير تلك المنطقة نقض ملك قشتاله العهد الذي كان قد أبرمه معه، وعليه فقد بدأ يعيث تهجما وفسادا على أراضي المسلمين، ثم بعث ألفونسو الثامن- ملك قشتالة في ذلك الوقت، وهو من أحفاد ألفونسو السادس الذي هُزم في موقعة الزلاّقة الشهيرة - بعث برسالة إلى أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي يهين فيها المسلمين ويهدده ويتوعده.
رسالة ألفونسو التي أثارت حميّة المسلمين


كتب ألفونسو الثامن ملك قشتالة إلى سلطان الموحدين "المنصور الموحدي" كتابًا يشابه الكتاب الذي أرسله ألفونسو السادس إلى يوسف بن تاشفين، يدعوه إلى القتال وهذا نص خطابه - كما أورده ابن خلكان في وفيات الأعيان -: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح، أما بعد فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية كما أني أمير الملة النصرانية، وقد علمت الآن ما عليه رؤساء أهل الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية، وإخلادهم إلى الراحة، وأنا أسومهم بحكم القهر وجلاء الديار وأسبي الذراري وأمثل بالرجال، ولا عذر لك في التخلف عن نصرهم إذا أمكنتك يد القدرة، وأنتم تزعمون أن الله تعالى فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، فالآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعاً ولا تملكون امتناعاً، وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك عاماً بعد عام، تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فلا أدري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعد ربك، ثم قيل لي إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلاً لعلةٍ لا يسوغ لك التقحم معها، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة لك وأعتذر لك وعنك، على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرهان، وترسل إليّ جملة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات، وأجوز بجملتي إليك، وأقاتلك في أعز الأماكن لديك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك وهدية عظيمة مثلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك، واستحقيت إمارة الملتين والحكم على البرين، والله تعالى يوفق للسعادة ويسهل الإرادة، لارب غيره ولا خير إلا خيره، إن شاء الله تعالى.
فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزّقه وكتب على ظهر قطعة منه: [ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ] {النمل: 37} الجواب ما ترى لا ما تسمع.
وعلى الفور أعلن الجهاد والاستنفار العام في كل ربوع المغرب والصحراء، وأمر بنشر ما جاء في كتاب ألفونسو الثامن ليحمس الناس ويزيد من تشويقهم للجهاد.
قبل هذا الوقت بسنوات قلائل كان المسلمون في كل مكان يعيشون نشوة النصر الكبير الذي حققه صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين في موقعة حطين الخالدة في سنة 583 هـ= 1187 م أي قبل هذه الأحداث بسبع سنوات فقط، وما زال المسلمون في المغرب يعيشون هذا الحدث الإسلامي الكبير ويتمنون ويريدون أن يكرروا ما حدث في المشرق، خاصة بعد أن قام أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بتحفيزهم في الخروج إلى الجهاد، فتنافسوا في ذلك [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ] {المطَّففين:26}.
(( دوّت صيحة الجهاد في جميع أنحاء المغرب، من مدينة "سلا" على المحيط الأطلسي، حتى "برقة" شرقًا على حدود مصر، ضد الذين غدوا خطرًا على الإسلام...
لقد هرع الرجال والشباب والشيوخ وسكان الهضاب والصحارى والشواطيءفي جميع أنحاء المغرب إلى الانضمام إلى ألوية الجهاد في الأندلس، وأخذ الخطر الداهم ينذر الغرب في الوقت الذي حاول فيه النصارى أن يرفعوا الصليب في الشرق...)) الأرك - شوقي أبو خليل
بدأ هذا الاستنفار في سنة 590 هـ= 1194 م وبعدها بعام واحد وفي سنة 591 هـ=1195 م انطلقت الجيوش الإسلامية من المغرب العربي والصحراء وعبرت مضيق جبل طارق إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع قوات الصليبيين الرابضة هناك في موقعة ما برح التاريخ يذكرها ويجلّها.
موقعة الأرك الخالدة


"الأرك": حصن على بعد عشرين كم إلى الشمال الغربي من قلعة رباح، على أحد فروع نهر وادي آنة، غرب المدينة الاسبانية الحديثة giadad real "المدينة الملكية". والأرك هي نقطة الحدود بين قشتالة والأندلس في حينه. الأرك - شوقي أبو خليل
في التاسع من شهر شعبان لسنة سنة 591 هـ=1195 م وعند هذا الحصن الكبير الذي يقع في جنوب "طليطلة" على الحدود بين قشتالة ودولة الأندلس في ذلك الوقت التقت الجيوش الإسلامية مع جيوش النصارى هناك.
أعد "ألفونسو الثامن" جيشه بعد أن استعان بمملكتي "ليون ونافار"، وبجيوش ألمانيا وإنجلترا وهولندا.. في قوة يبلغ قوامها خمسة وعشرين ألفا ومائتي ألف نصراني، وقد أحضروا معهم بعض جماعات اليهود لشراء أسرى المسلمين بعد انتهاء المعركة لصالحهم، ليتم بيعهم بعد ذلك في أوروبا.
وعلى الجانب الآخر فقد أعدّ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي جيشا كبيرًا، بلغ قوامه مائتي ألف مسلم من جراء تلك الحمية التي كانت في قلوب أهل المغرب العربي وأهل الأندلس على السواء، خاصة بعد انتصارات المسلمين في حطين (583 هـ= 1187 م ) في الشرق...
البدايات وأمور جديدة على الموحدين
في منطقة "الأرك" وفي أول عمل له عقد أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي مجلسًا استشاريًا يستوضح فيه الآراء والخطط المقترحة في هذا الشأن، وقد كان هذا على غير نسق كل القادة الموحدين السابقين له والذين غلب عليهم التفرد في الرأي، فنهج منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمر.
وفي هذا المجلس الاستشاري استرشد أبو يوسف يعقوب المنصور بكل الآراء، حتى إنه استعان برأي أبي عبد الله بن صناديد في وضع خطة الحرب، وهو زعيم الأندلسيين وليس من قبائل المغرب البربرية، وكان هذا أيضًا أمرًا جديدًا على دولة الموحدين التي كانت تعتمد فقط على جيوش المغرب العربي، فضم أبو يوسف يعقوب المنصور قوة الأندلسيين إلى قوة المغاربة وقوة البربر القادمين من الصحراء.
الاستعداد ووضع الخطط
في خُطة شبيهة جدًا بخطة موقعة الزلاقة قسم أبو يوسف يعقوب المنصور الجيش إلى نصفين، فجعل جزءا في المقدمة وأخفى الآخر خلف التلال وكان هو على رأسه، ثم اختار أميرا عاما للجيش هو كبير وزرائه أبو يحيى بن أبي حفص، وقد ولى قيادة الأندلسيين لأبي عبد الله بن صناديد؛ وذلك حتى لا يوغر صدور الأندلسيين وتضعف حماستهم حين يتولى عليهم مغربي أو بربري.
وإتمامًا لهذه الخطة فقد جعل الجزء الأول من الجيش النظامي الموحدي ومن الأندلسيين، وقد قسمه إلى ميمنه من الأندلسيين وقلب من الموحدين وميسرة من العرب، ثم جعل من خلفهم مجموعة المتطوعين غير النظاميين، الذين ليست لهم كفاءة عالية في القتال.
وهو يريد بذلك أن تتلقى الجيوش النظامية التي في المقدمة الصدمة والضربة الأولى من قوات الصليبيين فيصدونهم صدا يليق بتدريباتهم؛ مما يوقع الرهبة في قلوب الصليبيين ويرفع من معنويات الجيش الإسلامي، أما المتطوعين غير النظاميين الذين ليست لهم كفاءة عالية في القتال فوضعهم من وراء المقدمة حتى لا يُكسروا أول الأمر، ومكث هو - كما ذكرنا - في المجموعة الأخيرة خلف التلال.
راح بعد ذلك أبو يوسف يعقوب المنصور يوزع الخطباء على أطراف الجيش يحمسونه على الجهاد، وعند اكتمال الحشد وانتهاء الاستعداد للقتال أرسل الأمير الموحدي رسالة إلى كل المسلمين يقول فيها: إن الأمير يقول لكم اغفروا له فإن هذا موضع غفران، وتغافروا فيما بينكم، وطيبوا نفوسكم، وأخلصوا لله نياتكم. فبكى الناس جميعهم، وأعظموا ما سمعوه من أميرهم المؤمن المخلص، وعلموا أنه موقف وداع، وفي موقف مهيب التقى المسلمون مع بعضهم البعض وعانقوا بعضهم بعضًا، وقد ودّعوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة.
اللقاء المرتقب


في تلك الموقعة كان موقع النصارى في أعلى تل كبير، وكان على المسلمين أن يقاتلوا من أسفل ذلك التل، لكن ذلك لم يرد المسلمين عن القتال.
وقد بدأ اللقاء ونزل القشتاليون كالسيل الجارف المندفع من أقصى ارتفاع، فهبطوا من مراكزهم كالليل الدامس وكالبحر الزاخر، أسرابا تتلوها أسراب، وأفواجا تعقبها أفواج، وكانت الصدمة كبيرة جدا على المسلمين، فقد وقع منهم الكثير في تعداد الشهداء، ثم ثبتوا بعض الشيء ثم تراجعوا، وحين رأى المنصور ذلك نزل بنفسه ودون جيشه، وفي شجاعة نادرة قام يمر على كل الفرق مناديا بأعلى صوته في كل الصفوف: جددوا نياتكم وأحضروا قلوبكم. ثم عاد رحمه الله إلى مكانه من جديد.
استطاع المسلمون بعدها أن يردّوا النصارى في هذا الهجوم، ثم ما لبث النصارى أن قاموا بهجوم آخر، وكان كسابقه، انكسار للمسلمين ثم ثبات من جديد وردّ للهجوم للمرة الثانية، ثم كان الهجوم الثالث للنصارى وكان شرسا ومركزا على القلب من الموحدين، فسقط آلاف من المسلمين شهداء، واستشهد القائد العام للجيش أبو يحيى بن أبي حفص.
وهنا ظن النّصارى أن الدائرة قد دارت على المسلمين وأن المعركة قد باتت لصالحهم، فنزل ملك قشتالة إلى الموقعة يحوطه عشرة آلاف فارس، عندئذ كانت قد تحركت ميمنة المسلمين من الأندلسيين وهجمت على قلب الجيش القشتالي مستغلة ضعفه في تقدم الفرسان القشتاليين نحو الموحدين في القلب، وهجمت بشدة على النصارى، واستطاعت حصار العشرة آلاف الذين يحوطون ألفونسو الثامن.
حدث لذلك اضطراب كبير داخل صفوف الجيش القشتالي، واستمرت الموقعة طويلا، وقد ارتفعت ألسنة الغبار الكثيف، وأصبح لا يسمع إلا صوت الحديد وقرع الطبول وصيحات التكبير من جيش المؤمنين، وبدأت الدائرة تدريجيا تدور على النصارى، فالتفوا حول ملكهم وقد تزعزت قلوبهم.
وهنا وحين رأى ذلك أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي أمرَ جيشه الكامن خلف التلال بالتحرك، وقد انطلق معهم وفي مقدمة جيشه علم دولة الموحدين الأبيض، وقد نقش عليه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، لا غالب إلا الله.
ارتفعت بذلك معنويات الجيش الإسلامي كثيرًا، وقد أسلم النصارى رقابهم لسيوف المسلمين فأعملوها فيهم قتلًا وتشريدًا، وانتصر المسلمون انتصارًا باهرًا في ذلك اليوم الموافق التاسع من شهر شعبان لسنة 591 هـ= من الهجرة، وأصبح "يوم الأرك" من أيام الإسلام المشهودة، قالوا عنه: مثل الزلّاقة، وقالوا عنه: بل فاق الزلاقة.
وقد هرب "ألفونسو الثامن" في فرقة من جنوده إلى "طليطلة"، وطارت أخبار النصر في كل مكان، ودوت أخبار ذلك الانتصار العظيم على منابر المسلمين في أطراف دولة الموحدين الشاسعة، بل وصلت هذه الأخبار إلى المشرق الاسلامي، وكانت سعادة لا توصف، خاصة وأنها بعد ثمانية أعوام فقط من انتصار حطيّن العظيم.
قال "المقرّي" في "نفح الطيب": وكان عدّة من قتل من الفرنج - فيما قيل - مائة ألف وستّة وأربعين ألفاً، وعدّة الأسارى ثلاثين ألفاّ، وعدّة الخيام مائة ألف وستّة وخمسين ألف خيمة، والخيل ثماني ألفاً، والبغال مائة ألف، والحمير أربعمائة ألف، جاء بها الكفّر لحمل أثقالهم لأنّهم لا إبل لهم، وأمّا الجواهر والأموال فلا تحصى، وبيع الأسير بدرهم، والسيف بنصف درهم، والفرس بخمسة دراهم، والحمار بدرهم، وقسم يعقوب الغنائم بين المسلمين بمقتضى الشرع، ونجا الفنش ملك النصارى إلى طليطلة في أسوأ حال، فحلق رأسه ولحيته، ونكس صليبه، وآلى أن لا ينام على فراش، ولا يقرب النساء،ولا يركب فرساً ولا دابة، حتى يأخذ بالثأر، وصار يجمع من الجزائر والبلاد البعيدة ويستعدّ، ثم لقيه يعقوب وهزمه وساق خلفه إلى طليطلة وحاصره ورمى عليها بالمجانيق وضيّق عليها، ولم يبق مدينة إلا فتحها، فخرجت إليه والدة الأذفونش وبناته ونساؤه وبكين بين يديه، وسألنه إبقاء البلد عليهن، فرقّ لهن ومنّ عليهن بها، ووهب لهن من الأموال والجواهر ما جلّ،وردّهنّ مكرماتٍ، وعفا بعد القدرة، وعاد إلى قرطبة، فأقام شهراً يقسم الغنائم...
نتائج انتصار الأرك


تمخض عن انتصار الأرك الكبير آثار ونتائج عظيمة، أهمّها ما يلي:
أولًا: الهزيمة الساحقة لقوات النصارى
كان من أهم آثار انتصار الأرك تبدد جيش النصارى بين القتل والأسر، فقد قتل منهم في اليوم الأول فقط - على أقل تقدير - ثلاثون ألفا، وقد جاء في نفح الطيب للمقرّي، وفي وفيات الأعيان لابن خلّكان أن عدد قتلى النصارى وصل إلى ستة وأربعين ألف ومائة ألف قتيل من أصل خمسة وعشرين ألفا ومائتي ألف مقاتل، وكان عدد الأسرى بين عشرين وثلاثين ألف أسير، وقد منّ عليهم المنصور بغير فداء؛ إظهارا لعظمة الإسلام ورأفته بهم، و عدم اكتراثه بقوة النصارى.
ثانيا: النصر المادي:
رغم الكسب المادي الكبير جدا، إلا أنه كان أقل النتائج المترتبة على انتصار المسلمين في موقعة الأرك، فقد حصد المسلمون من الغنائم ما لا يحصى، وقد بلغت - كما جاء في نفح الطيب - ثمانين ألفا من الخيول، ومائة ألف من البغال، وما لا يحصى من الخيام.
وقد وزع المنصور رحمه الله هذه الأموال الضخمة وهذه الغنائم كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوزع على الجيش أربعة أخماسها، واستغل الخمس الباقي في بناء مسجد جامع كبير في أشبيلية؛ تخليدا لذكرى الأرك، وقد أنشأ له مئذنة سامقة يبلغ طولها مائتي متر، وكانت من أعظم المآذن في الأندلس في ذلك الوقت، إلا أنها - وسبحان الله - حين سقطت أشبيليّه بعد ذلك في أيدي النصارى تحولت هذه المئذنة والتي كانت رمزا للسيادة الإسلامية إلى برج نواقيس للكنيسة التي حلت مكان المسجد الجامع، وهي موجودة إلى الآن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا: النصر المعنوي:
كان من نتائج موقعة الأرك أيضا ذلك النصر المعنوي الكبير الذي ملأ قلوب المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فقد ارتفع نجم دولة الموحدين كثيرا، وارتفعت معنويات الأندلسيين وهانت عليهم قوة النصارى، وارتفعت أيضا معنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي حتى راحوا يعتقون الرقاب ويخرجون الصدقات فرحا بهذا الانتصار.
وكان من جراء ذلك أيضا أن استمرت حركة الفتوح الإسلامية، واستطاع المسلمون فتح بعض الحصون الأخرى، وضموا الشمال الشرقي من جديد إلى أملاك المسلمين كما كان في عهد المرابطين، وحاصروا طليطلة سنوات عديدة إلا أنها - كما ذكرنا من قبل - كانت من أحصن المدن الأندلسية فلم يستطيعوا فتحها.
وارتفعت معنويات الموحدين كثيرا حتى فكروا بجدية في ضم كل بلاد المسلمين تحت راية واحدة، خاصة وأن المعاصر لأبي يوسف يعقوب المنصور في المشرق هو صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، لكن لم يرد الله سبحانه وتعالى لهذا الأمر أن يتم، حيث وافت أبا يوسف يعقوب المنصور الموحدي المنية قبل أن يكتمل حلمه هذا.
رابعا: صراعات شتى بين ممالك النصارى:
نتيجة لموقعة الأرك أيضا حدثت صراعات شتى بين ليون ونافار من ناحية وبين قشتالة من ناحية أخرى.. فقد ألقى عليهم ألفونسو الثامن (ملك قشتالة) مسؤلية الهزيمة، وكان من نتائج ذلك أيضا أن وقعت لهم الهزيمة النفسية. وترتب على هذا أيضا أن أتت السفارات من بلاد أوروبا تطلب العهد والمصالحة مع المنصور الموحدي رحمه الله والتي كان من أشهرها سفارة إنجلترا، تلك التي جاءت المنصور الموحدي في أواخر أيامه.
خامسا: معاهدة جديدة بين قشتالة والمسلمين:
أيضا كان من نتائج موقعة الأرك أن تمت معاهدة جديدة بين قشتالة و المسلمين على الهدنة ووقف القتال مدة عشر سنوات، بداية من سنة 595 هـ= 1199 م وحتى سنة 605 هـ= 1208 م أراد المنصور أن يرتب فيها الأمور من جديد في بلاد الموحدين.
وقبل أن نفارق هذا القائد العظيم يحسن بنا أن نلقي نظرة على سياسته العامة في الحروب....يقول الدكتور علي الصلابي في كتابه "إعلام أهل العلم والدين بأحوال دولة الموحدين" تحت عنوان:
((سياسة أبي يوسف يعقوب المنصور في الحروب:
تعتبر السنوات الخمس عشر التي حكمها أبو يوسف يعقوب المنصور ثالث الخلفاء الموحدين، العصر الذهبي للدولة الموحدية والذروة التي وصل إليها التطور السياسي في المغرب نحو التوحيد وإقامة الدولة الموحدية.
ولقد كان العصر الذهبي قصيرًا لا يتناسب مع دولة ضخمة مترامية الأطراف غزيرة الثروة والموارد مثل دولة الموحدين، فإن خلفاء الموحدين حكموا بلادًا تضاهي ما حكمه العباسيون في أوج قوتهم وكان تحت إمارتهم حشود من الجند القوي القادر على كسب المعارك لم تتيسر للكثير من الدول في التاريخ الإسلام، فقد كانت جيوش الموحدين تعج بحشود من أبناء القبائل المغربية من المصامدة أولًا، ثم من بقية الصنهاجيين والزناتيين ممن اجتذبتهم الدولة الموحدية بقوتها وهيبتها، ثم أضيفت إلى هؤلاء حشود من العرب الهلاليين الذين انضووا تحت لواء الدولة الكبيرة، ولم يخل الأمر منه قوات أندلسية ذات قدرة ومهارة.
ورغم وجود هذه القوات إلا أن هذه القوة العسكرية الموحدية كانت دائمًا مفككة، تتقصها القيادة الحازمة التي تقبض على الجيش قبضة محكمة، وتوجه الأعمال وفق خطة واحدة مرسومة، وكان أبو يوسف يعقوب المنصور من زعماء الموحدين القلائل الذين استطاعوا قيادة جيوشهم قيادة سللايمة حكيمة، وكان الرجل في نفسه كذلك رجلًا حازمًا موهوبًا في شئون الإدارة والقيادة، وكان شديد الإيمان فانتقل إيمانه إلى رجاله وكسبت جيوش الموحدين في أيامه قوة ضاربة كبرى.)). هـ الصلابي نقلًا عن مصادر متنوعة
وفاة المنصور الموحدي وبداية النهاية لدولة الموحدين


في نفس العام الذي تمت فيه الهدنة بين قشتالة وبين المسلمين، وفي سنة 595 هـ= 1199 م يلقى المنصور الموحدي ربه عن عمر لم يتعدى الأربعين سنة، تم له فيه حكم دولة الموحدين خمس عشرة سنة، منذ سنة 580 هـ= 1185م وحتى وفاته في سنة 595 هـ= 1199 م.
ومن بعده يتولى ابنه الناصر لدين الله أبو محمد عبد الله، وعمره آنذاك ثمان عشرة سنة فقط، ورغم أن صغر السن ليس به ما يشوبه في ولاية الحكم، خاصة وقد رأينا من ذلك الكثير، إلا أن الناصر لدين الله لم يكن على شاكلة أبيه في أمور القيادة.
كان المنصور الموحدي قد استخلف ابنه الناصر لدين الله قبل وفاته على أمل أن يمد الله في عمره فيستطيع الناصر لدين الله أن يكتسب من الخبرات ما يؤهله لأن يصبح بعد ذلك قائدا فذا على شاكلة أبيه، لكن الموت المفاجئ للمنصور الموحدي عن عمر لم يتجاوز الأربعين عاما بعد كان أن وضع الناصر لدين الله على رئاسة البلاد، وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره. وقد كان من الواجب على ال