كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 4:14 pm

دولة عبد المؤمن خليفة المهدي


الخبر عن دولة عبد المؤمن خليفة المهدي والخلفاء الأربعة من بيته ووصف لحالهم ومصائر أمورهم



لما هلك المهدي سنة اثنتين وعشرين كما ذكرناه وقد عهد بأمره من بعده لكبير صحابته عبد المؤمن بن علي الكومي المقدم ذكره ونسبه عند ذكر قومه، فقبر بمسجده لصق داره من تينملل. وخشي أصحابه من افتراق الكلمة وما يتوقع من سخط المصامدة ولاية عبد المؤمن لكونه من غير جلدتهم، فأرجأوا الأمر إلى أن تخالط بشاشة الدعوة قلوبهم، وكتموا موته، زعموا ثلاث سنين يموهون بمرضه، ويقيمون سنته في الصلاة والحزب الراتب. ويدخل صحابته إلى البيت كأنه اختصهم بعبادته، فيجلسون حفافي قبره ويتفاوضون في شؤونهم بمحضر أخته زينب، ثم يخرجون لإنفاذ ما أبرموه، ويتولاه عبد المؤمن بتسليمهم. حتى إذا استحكم أمرهم، وتمكنت الدعوة من نفوس كافتهم كشفوا حينئذ القناع عن حالهم، وتمالأ من بقي من العشرة على تقديم عبد المؤمن. وتولى كبر ذلك الشيخ أبو حفص، وأراد هنتاتة وسائر المصامدة عليه فأظهروا للناس موت المهدي، وعهده لصاحبه وانقياد بقية أصحابه لذلك.
وروى يحيى بن يغمور عن الإمام أنه يقول في دعائه إثر صلواته: اللهم بارك لي في الصاحب الأفضل فرضي الكافة وانقادوا وأجمعوا على بيعته بمدينة تينملل سنة أربع وعشرين، فقام بأمر الموحدين وأبعد في الغزوات فصبح تادلا، وأصاب منهم. ثم غزا درعة واستولى عليها سنة ست وعشرين. ثم غزا تاشعبوت وافتتحها وقتل واليها أبا بكر بن مزروال ومن كان معه من قومه غمارة بني ونام وبني مزردع.


ثم تسابق الناس إلى دعوتهم أفواجاً، وانتقض البرابر في سائر أقطار المغرب على لمتونة، وسرح علي بن يوسف ابنه تاشفين لقتالهم سنة ثلاث وثلاثين، فجاءهم من ناحية أرض السوس، واحتشد معه قبائل كزولة وجعلهم في مقدمته فلقيهم الموحدون بأوائل جبلهم وهزموهم. ورجع تاشفين ولم يلق حرباً، ودخل كزولة من بعدها في دعوة الموحدين. وأجمع عبد المؤمن على غزو بلاد المغرب، فعزا غزاته الطويلة منذ سنة أربع وثلاثين إلى سنة إحدى وأربعين، ولما يراجع فيها تينملل حتى انقضت بالفتح والاستيلاء على المغربين، خرج إليها من تينملل، وخرج تاشفين بعساكره يحاذيه في البسيط والناس يفرون منه إلى عبد المؤمن وهو ينتقل في الجبال في سعة من الفواكه للأكل، والحطب للدفء، إلى أن وصل إلى جبال غمارة، واشتعلت نار الفتنة والغلاء بالمغرب، وامتنعت الرعايا من المغرم، وألح الطاغية على المسلمين بالعدوة.
وهلك خلال ذلك علي بن يوسف أمير لمتونة وملك العدوتين سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وولي أمرهم تاشفين ابنه وهو في غزاته هذه، وقد أحيط به. وحدث بعد موت أبيه فتنة بين لمتونة ومسوفة، ففزع أمراء مسوفة مثل براز بن محمد ويحيى بن تاكغت ويحيى بن إسحاق المعروف بانكمار، وكان والي تلمسان. ولحقوا بعبد المؤمن فيمن إليهم من الجملة، ودخلوا في دعوته ونبذ إليهم لمتونة العهد، وإلى سائر مسوفة.
واستمر عبد المؤمن على حاله، فنازل سبتة وامتنعت عليه، وتولى كبر دفاعه عنها القاضي عياض الشهير الذكر. كان رئيسها يومئذ بدينه وأبوته ومنصبه. ولذلك سخطته الدولة آخر الأيام، حتى مات مغرباً عن سبتة بتادلا مستعملا في خطة القضاء بالبادية وتمادى عبد المؤمن في غزاته إلى جبال غياثة وبطوية فافتتحها، ثم نزل ملوية فافتتح حصونها. لنظر يوسف بن وانودين وابن يرمور فخرج إليهم محمد بن يحيى بن فانوا عامل تلمسان فيمن معه من عساكر لمتونو وزناتة فهزمهم الموحدون وقتل ابن فانوا. وانفض عسكر زناتة، ورجعوا إلى بلادهم.
وولى ابن تاشفين على تلمسان أبا بكر بن مزدلي، ووصل إلى عبد المؤمن بمكانه من الريف أبو بكر بن ماخوخ ويوسف بن يدر أمراء بني ومانوا، فبعث معهم ابن يغمور وابن وانودين في عسكرهم من الموحدين، فأثخنوا في بلاد بني عبد الواد وبني يلومي سبياً وأسراً، وأمدتهم عساكر لمتونة ومعهم الزبرتير قائد الروم فنزلوا منداس، واجتمعت عليهم زناتة في بني يلومي وبني عبد الواد، وشيخهم حمامة بن مطهر، وبني ينكاسن وبني ورسيفان وبني توجين، فأوقعوا ببني ومانوا واستنقذوا غنائمهم من أيديهم. وقتلوا أبا بكر بن ماخوخ في ستمائة من قومه. وتحصن الموحدون وابن وانودين بجبال سيرات، ولحق تاشفين بن ماخوخ بعبد المؤمن صريخاً على لمتونة وزناتة، فارتحل معه إلى تلمسان. ثم أجاز إلى سيرات وقصد محلة لمتونة وزناتة، فأوقع بهم ورجع إلى تلمسان فنزل ما بين الصخرتين من جبل بني ورنيد.
ونزل تاشفين باصطفصف ووصل مدده صنهاجة من قبل يحيى بن العزيز صاحب بجاية لنظر طاهر بن كباب من قواده، أمدوا به تاشفين وقومه لعصبية الصنهاجية. وفي يوم وصوله أشرف على معسكر الموحدين، وكان يدل بإقدام وبأس فزارى بلمتونة وأميرهم لقعودهم عن مناحزة الموحدين، وقال: إنما جئتكم لأمكنكم من صاحبكم عبد المؤمن هذا، وأرجع إلى قومي، فامتعض تاشفين لكلمته وأذن له في المناجزة، فحمل على القوم فركبوا وصمموا للقائه، فكان آخر العهد به وبعسكره. وكان تاشفين بعث من قبل ذلك قائده على الروم الزبرتير في عسكر ضخم كما قلناه، فأغار على بني سنوس وزناتة الذين كانوا في بسيطهم، ورجع بالغنائم فاعترضه الموحدون من معسكر عبد المؤمن فقتلوهم، وقتل الزبرتير وصلب.
ثم بعث بعثاً آخر إلى بلاد بني ومانوا فلقيهم تاشفين بن ماخوخ ومن كان معه من الموحدين وأوقعوا بهم. واعترضوا عسكر بجاية عند رجوعهم فنالوا منهم أعظم النيل. وتوالت هذه الوقائع على تاشفين فأجمع الرحلة إلى وهران، وبعث ابنه إبراهيم ولي عهده إلى مراكش في جماعة من لمتونة، وبعث كاتباً معه أحمد بن عطية. ورحل هو إلى وهران سنة تسع وثلاثين، وأقام عليها شهراً ينتظر قائد أسطوله محمد بن ميمون إلى أن وصله من المرية بعشرة أساطيل، فأرساها قريباً من معسكره. وزحف عبد المؤمن من تلمسان وبعث في مقدمته الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى. وبني ومانوا من زناتة فتقدموا إلى بلاد بني يلومي وبنى عبد الواد وبني ورسيفن وبني توجين وأثخنوا فيهم حتى دخلوا في دعوتهم.
ووفد على عبد المؤمن برؤسائهم، وكان منهم سيد الناس ابن أمير الناس شيخ بني يلومي فتلقاهم بالقبول، وسار في جموع الموحدين إلى وهران ففجعوا لمتونة بمعسكرهم ففضوهم، ولجأ تاشفين إلى رابطة هنالك فأحدقوا بها وأضرموا النيران حولها حتى غشيهم الليل، فخرج تاشفين من الحصن راكباً على فرسه فتردى من بعد حافات الجبل، وهلك لسبع وعشرين من رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وبعث برأسه إلى تينملل. ولجأ فل العسكر. إلى وهران فانحصروا مع أهلها. حتى جهدهم العطش ونزلوا جميعاً على حكم عبد المؤمن يوم الفطر من تلك السنة. وبلغ خبر مقتل تاشفين إلى تلمسان مع فل لمتونة، وفيهم أبو بكر بن ويحيى وسير بن الحاج وعلي بن فيلو، في آخرين من أعيانهم، ففر معهم من كان بها من لمتونة. وقدم عبد المؤمن فقتل من وجد بتاكرارت بعد أن كانوا بعثوا ستين من وجوههم، فلقيهم يصلين من مشيخة بني عبد الواد فقتلهم جميعاً.
ولما وصل عبد المؤمن إلى تلمسان استباح أهل تاكرارت لما كان أكثرهم من الحشم، وعفا عن أهل تلمسان، ورحل عنها لسبعة أشهر من فتحها بعد أن ولى عليها سليمان بن محمد بن وانودين، وقيل يوسف بن وانودين. وفيما نقل بعض المؤرخين أنه لم يزل محاصراً لتلمسان، والفتوح ترد عليه، وهناك وصلته بيعة سجلماسة. ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب، وترك إبراهيم بن جامع محاصراً لتلمسان، فقصد فاس سنة أربعين، وقد تحصن بها يحيى الصحراوي. ولحق بها من فل تاشفين من تلمسان فنازلها عبد المؤمن، وبعث عسكراً لحصار مكناسة، ثم رحل في أتباعه، وترك عسكراً من الموحدين على فاس، وعليهم الشيخ أبو حفص وأبو إبراهيم من صحابة المهدي العشرة فحاصروها سبعة أشهر.
ثم داخلهم ابن الجياني مشرف البلد، وأدخل الموحدين ليلا، وفر الصحراوي إلى طنجة وأجاز منها ابن غانية بالأندلس، وبلغ خبر فاس إلى عبد المؤمن وهو بمكانه من حصار مكناسة، فرجع إليها وولى عليها إبراهيم بن جامع، وولى على حصار مكناسة يحيى بن يغمور، ورحل إلى مراكش وكان إبراهيم بن جامع لما افتتح تلمسان ارتحل إلى عبد المؤمن وهو محاصر لفاس فاعترضه في طريقه المخضب بن عسكر أمير بني مرين بادسف ونالوا منه ومن رفقته، فكتب عبد المؤمن إلى يوسف بن وانودين بن عامل تلمسان أن يجهز إليهم العساكر، فبعثها صحبة عبد الحق بن منغفاد شيخ بني عبد الواد، فأوقعوا ببني مرين، وقتل المخضب أميرهم.
ولما ارتحل عبد المؤمن من فاس إلى مراكش وصلته في طريقه بيعة أهل سبتة، فولى عليهم يوسف بن مخلوف من مشيخة هنتاتة، ومر بسلا فافتتحها بعد مواقفة قليلة، ونزل منها بدار ابن عشرة، ثم تمادى إلى مراكش. وسرح الشيخ أبا حفص لغزو برغواطة فأثخن فيهم ورجع. ولقيه في طريقه ووصلوا جميعاً إلى مراكش وقد ضموا إليها جموع لمطة فأوقع بهم الموحدون وأثخنوا فيهم قتلا، واكتسحوا أموالهم وظعائنهم. وأقاموا على مراكش سبعة أشهر وأميرهم إسحاق بن علي بن يوسف بايعوه صبياً صغيراً عند بلوغ خبر أبيه. ولما طال عليهم الحصار وجهدهم الجوع برزوا إلى مدافعة الموحدين فانهزموا وتتبعهم الموحدون بالقتل، واقتحموا عليهم المدينة في أخريات شوال سنة إحدى وأربعين وقتل عامة الملثمين. ونجا إسحاق في جملته وأعيان قومه إلى القصبة حتى نزلوا على حكم الموحدين، وأحضر إسحاق بين يدي عبد المؤمن فقتله الموحدون بأيديهم وتولى كبر ذلك أبو حفص بن واكاك منهم وامحى أثر الملثمين واستولى الموحدون على جميع بلاد المغرب.
ثم خرج عليهم بناحية السوس ثائر من سوقة سلا يعرف محمد بن عبد الله بن هود وتلقب بالهادي، وظهر في رباط ماسة فأقبل إليه الشرار من كل جانب، وانصرفت إليه وجوه الأغمار من أهل الآفاق، وأخذ بدعوته أهل سجلماسة ودرعة وقبائل دكالة وركراكة وقبائل تامسنا وهوارة. وفشت ضلالته في جميع المغرب، فسرح إليه عبد المؤمن عسكراً من الموحدين لنظر يحيى انكمار المسوفي النازع إليه من إيالة تاشفين بن علي. ولقي هذا الثائر المآسي، ورجع منهزماً إلى عبد المؤمن، فسرح الشيخ أبا حفص عمر بن يحيى وأشياخ الموحدين، واحتفل في الاستعداد فنهضوا إلى رابطة ماسة. وبرز إليهم الثائر في نحو ستين ألفاً من الرجال وسبعمائة من الفرسان، فهزمهم الموحدون وقتل داعيتهم في المعركة مع أكثر أتباعه، وذلك في ذي الحجة سنة إحدى وأربعين. وكتب الشيخ أبو حفص بالفتح إلى عبد المؤمن من إنشاء أبي جعفر بن عطية الشهير الذكر، كان أبوه أبو أحمد كاتباً لعلي بن يوسف وابنه تاشفين، وتحصل في قبضة الموحدين فعفا عنه عبد المؤمن.
ولما نزل على فاس اعتزم أبو أحمد هذا على الفرار فقبض عليه في طريقه، واعتذر فلم يقبل عذره وقتل. وكان ابنه أحمد كاتباً لإسحاق بن علي بمراكش فشمله عفو السلطان فيمن شمله من ذلك الفل، وخرج في جملة الشيخ أبي حفص في وجهته هذه وطلبه للكتاب في ذلك، فأجاد واستحسن كتابه عبد المؤمن لما وقف عليه فاستكتبه أولا. ثم ارتفع عنده بخلاله فاستوزره، وبعد في الدولة صيته، وقاد العساكر وجمع الأموال وبذلها ونال من الرتبة عند السلطان ما لم ينله أحد في دولتهم إلى أن دلت عقارب السعاية إلى مهاده الوثير، فكان فيها حتفه ونكبه الخليفة سنة ثلاث وخمسين وقتله بمحبسه حسبما هو مشهور.
ولما انصرف الشيخ أبو حفص من غزاة ماسة أراح بمراكش أياماً. ثم خرج غازياً إلى القائمين بدعوة الماسي بجبال درن، فأوقع بأهل نفيس وهيلانة وأثخن فيهم القتل والسبي حتى أذعنوا بالطاعة ورجع. ثم خرج إلى هسكورة وأوقع بهم وافتتح معاقلهم وحصونهم. ثم نهض إلى سجلماسة فاستولى عليها ورجع إلى مراكش، ثم خرج ثالثة إلى برغواطة فحاربوه مدة ثم هزموه. واضطرمت نار الفتنة في المغرب، وانتقض أهل سبتة، وأخرجوا يوسف بن مخلوف التينمللي وقتلوه ومن كان معه من الموحدين وأجاز القاضي عياض البحر إلى يحيى بن علي بن غانية المسوفي الوالي بالأندلس فلقيه بالخضراء، وطلب منه والياً على سبتة فبعث معه يحيى بن أبي بكر الصحراوي الذي كان بفاس منذ منازلة عبد المؤمن لها. وذكرنا أنه لحق بطنجة فأجاز البحر إلى الأندلس ولحق بابن غانية بقرطبة وصار في جملته.
وبعثه ابن غانية إلى سبتة مع القاضي عياض كما ذكرناه. وقام بأمرها ووصل يده بالقبائل الناكثة لطاعة الموحدين من برغواطة ودكالة على حين هزيمتهم للموحدين كما ذكرناه. ولحق بهم من مكانه بسبتة وخرج إليهم عبد المؤمن بن علي سنة اثنين وأربعين فدوخ بلادهم واستأصل شأفتهم حتى انقادوا للطاعة وتبرأوا من يحيى الصحراوي ولمتونة، ورجع إلى مراكش لستة أشهر من خروجه، ووصلته الرغبة من مشيخة القبائل في يحيى الصحراوي فعفا عنه وصلحت أحوال المغرب. وراجع أهل سبتة طاعتهم فتقبل منهم، وكذلك أهل سلا فصفح عنهم وأمر بهم سورهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 4:19 pm


<H6 align=center>فتح الأندلس



فتح الأندلس وشؤونها

ثم صرف عبد المؤمن نظره إلى الأندلس، وكان من خبرها أنه اتصل بالملثمين مقتل تاشفين بن علي، ومنازلة الموحدين مدينة فاس. وكان علي بن عيسى بن ميمون قائد أسطولهم قد نزع طاعة لمتونة وانتزى بجزيرة قادس، فلحق بعبد المؤمن بمكانه من حصار فاس، ودخل في دعوته وخطب له بجامع قادس أول خطبة خطبت لهم بالأندلس عام أربعين وخمسمائة. وبعث أحمد بن قسي صاحب مرتلة ومقيم الدعوة بالأندلس أبا بكر بن حبيس رسولا إلى عبد المؤمن فلقيه على تلمسان وأدى كتاب صاحبه، فأنكر ما تضمنه من النعت بالمهدي، ولم يجاوب. وكان سداري بن وزير صاحب بطليوس وباجة وغرب الأندلس قد تغلب على أحمد بن قسي هذا، وغلبه على مرتلة فأجاز أحمد بن قسي البحر إلى عبد المؤمن بعد فتح مراكش لمداخلة علي بن عيسى بن ميمون ونزل بسبتة فجهزه يوسف بن مخلوف، ولحق بعبد المؤمن، ورغبه في ملك الأندلس، وأغراه بالملثمين فبعث معه عساكر الموحدين لنظر براز بن محمد المسوفي النازع إلى عبد المؤمن من جملة تاشفين، وعقد له على حرب من بها من لمتونة والثوار وأمده بعسكر آخر لنظر موسى بن سعيد، وبعده بعسكر آخر لنظر عمر بن صالح الصنهاجي ولما أجازوا إلى الأندلس نازلوا أبا الغمر بن عزون من الثوار بشريش، وكانت له مع رندة.
ثم قصدوا لبلة وبها من الثوار يوسف بن أحمد البطورجي فأعطاهم الطاعة ثم قصدوا مرتلة، وهي تحت الطاعة لتوحيد صاحبها أحمد بن قسي. ثم قصدوا شلب فافتتحوها وأمكنوا منها ابن قسي. ثم نهضوا إلى باجة وبطليوس فأطاعهم صاحبها سداي بن وزير. ثم رجع براز في عسكر الموحدين إلى مرتلة حتى انصرم فصل الشتاء فخرج إلى منازلة إشبيلية فأطاعه أهل طلياطة وحصن القصر، واجتمع إليه سائر الثوار وحاصروا إشبيلية براً وبحراً إلى أن اقتحموها في شعبان سنة إحدى وأربعين. وفر الملثمون بها إلى قرمونة وقتل من أدرك منهم. وأنى القتل على عبد الله بن القاضي أبي بكر بن العربي في هيعة تلك الدخلة من غير قصد. وكتبوا بالفتح إلى عبد المؤمن بن علي. وقدم عليه وفدهم بمراكش يقدمهم القاضي أبو بكر فتقبل طاعتهم وانصرفوا بالجوائز والإقطاعات لجميع الوفد سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
وهلك القاضي أبو بكر في طريقه ودفن بمقبرة فاس. وكان عبد العزيز وعيسى أخوا المهدي من مشيخة العسكر بإشبيلية فساء أثرهما في البلد واستطالت أيديهما على أهله، واستباحوا الدماء والأموال. ثم اعتزما على الفتك بيوسف البطروجي صاحب لبلة فلحق ببلده وأخرج الموحدين الذين بها وحول الدعوة عنهم. وبعث إلى طلياطة وحصن القص ووصل بالملثمين الذين كانوا بالعدوة، وارتد ابن قسي في مدينة شلب، وعلي بن عيسى بن ميمون بجزيرة قادس، ومحمد بن علي بن الحجام بمدينة بطليوس. وثبت أبو الغمر بن عزون على طاعة الموحدين بشريش ورندة وجهاتها. وتغلب ابن غانية على الجزيرة الخضراء، وانتقض أهل سبتة كما ذكرناه وضاقت أحوال الموحدين بإشبيلية فخرج منها عيسى وعبد العزيز أخوا المهدي وابن عمهما يصليتن بمن كان معهم. ولحقوا بجبل بيستر جاءهم أبو الغمر بن عزون واتصلت أيديهم على حصار الجزيرة حتى افتتحوا وقتلوا من كان بها من لمتونة ولحق أخوا المهدي بمراكش وبعث عبد المؤمن على إشبيلية يوسف بن سليمان في عسكر من الموحدين وأبقى براز بن محمد على الجباية فخرج يوسف ودوخ أعمال البطروجي بلبلة وطلياطة وعمل ابن قسي بشلب ثم أغار على طلبيرة وأطاعه عيسى بن ميمون صاحب شنتمرية وغزا معهم وأرسل محمد بن علي الحجام صاحب بطليوس بهداياه فتغلبت ورعيت له، ورجع يوسف إلى إشبيلية. وفي أثناء ذلك استغلظ الطاغية على يحيى بن علي بن غانية بقرطبة ولج على جهاته حتى نزل له عن بياسة وأبدة وتغلب على الأشبونة وطرطوشة ولاردة وأفراغة وشنتمرية
وغيرها من حصون الأندلس وطالب ابن غانية بالزيادة في ضريبته أو الإفراج له عن قرطبة فراسل ابن غانية براز بن محمد واجتمعا بأسجة وضمن له براز إمداد الخليفة على أن يتخلى عن قرطبة وقرمونة ويدال منها بجيان فرضي بذلك وتم العقد ووصل خطاب عبد المؤمن بإمضائه فارتحل ابن غانية إلى جيان ونازله الطاغية بها فغدر بأقماطه واعتقلهم بقلعة ابن سعيد وأفرج الطاغية عن جيان ولحق هو بغرناطة وبها ميمون بن بدر اللمتوني في جماعة من المرابطين قصده ابن غانية ليحمله على مثل حاله مع الموحدين فكان مهلكه بها بشعبان سنة ثلاث وسبعين وقبره بها معروف لهذا العهد. وانتهز الطاغية فرصته في قرطبة فزحف إليها، ودفع الموحدون بإشبيلية أبا الغمر بن عزون لحمايتها، ووصل إليه مدد يوسف البطروجي من لبلة. وبلغ الخبر عبد المؤمن فبعث إليها عسكراً من الموحدين لنظر يحيى بن يغمور. ولما دخلها أفرج عنها الطاغية لأيام من مدخله، وبادر الثوار إلى يحيى بن يغمور في طلب الأمان من عبد المؤمن. ثم تلاحقوا به بمراكش فتقبلهم وصفح لهم، ونهض إلى مدينة سلا سنة خمس وأربعين. واستدعى منها أهل الأندلس فوفدوا عليه وبايعوه جميعاً، وبايعه الرؤساء من الثوار على الانخلاع من الأمر مثل: سداراي بن وزير صاحب باجة، ويابورة والبطروجي صاحب لبلة، وابن عزون صاحب شريش ورندة، وابن الحجام صاحب بطلوس وعامل ابن منيب صاحب طابيرة. وتخلف ابن قسي وأهل شلب عن هذا الجمع، فكان سبباً لقتله من بعد. ورجع عبد المؤمن إلى مراكش وانصرف أهل الأندلس إلى بلادهم واستصحب الثوار فلم يزالوا بحضرته.

فتح إفريقية


فتح إفريقية وشؤونها

ثم بلغ عبد المؤمن ما هي عليه إفريقية من اختلاف الأمراء واستطالة العرب عليها بالعيث والفساد، وأنهم حاصروا مدينة القيروان وأن موسى بن يحيى الرياحي المرداسي دخل مدينة باجة وملكها، فأجمع الرحلة إلى غزو إفريقية بعد أن شاور الشيخ أبا حفص وأبا إبراهيم وغيرهما من المشيخة فوافقوه. وخرج من مراكش سنة ست وأربعين مورياً بالجهاد حتى انتهى إلى سبتة، واستوضح أحوال أهل الأندلس ثم رحل عن سبتة مورياً بمراكش، وأغذ السير إلى بجاية فدخل الجزائر على حين غفلة وخرج إليه الحسن بن علي صاحب المهدية فصحبه واعترضته جيوش صنهاجة بأم العلو فهزمهم وصبح بجاية من الغد فدخلهما. وركب يحيى بن العزيز البحر في أسطولين كان أعدهما لذلك، واحتمل فيها ذخائره وأمواله، ولحق بقسطنطينة إلى أن نزل بعد ذلك عنها على أمان عبد المؤمن واستقر بمراكش تحت الجراية والعناية إلى أن هلك رحمه الله.
ثم سرح عبد المؤمن عساكر الموحدين وعليهم ابنه عبد الله إلى القلعة، وبها جوشن بن العزيز في جموع صنهاجة فاقتحمها واستلحم من كان بها منهم، وأضرم النار ساكنها وقتل جوشن. ويقال إن القتلى بها كانوا ثمانية عشر ألفاً، وامتلأت أيدي الموحدين من الغنائم والسبي، وبلغ الخبر إلى العرب بإفريقية من الأثبج وزغبة ورياح وقسرة فعسكروا بظاهر باجة؛ وتدامروا على الدفاع عن ملكهم يحيى بن العزيز وارتحلوا إلى سطيف. وزحف إليهم عبد الله بن عبد المؤمن في الموحدين الذين معه. وكان عبد المؤمن قد قفل إلى المغرب ونزل متيجة فلما بلغه الخبر بعث المدد لابنه عبد الله والتقى الفريقان بسطيف واقتلوا ثلاثاً. ثم انفضت جموع العرب واستلحموا وسبيت نساؤهم واكتسحت أموالهم وأسر أبناؤهم.
ورجع عبد المؤمن إلى مراكش سنة سبع وأربعين، ووفد عليه كبراء العرب من أهل إفريقية طائعين فوصلهم ورجعهم إلى قومهم. وعقد على فاس لابنه السيد أبي الحسن واستوزر له يوسف بن سليمان. وعقد على تلمسان لابنه السيد أبي حفص، واستوزر له أبا محمد بن وانودين. وعلى سبتة للسيد أبي سعيد، واستوزر له محمد بن سليمان. وعلى بجاية للسيد أبي محمد عبد الله. واستوزر له يخلف بن الحسين. واختص ابنه عبد الله بولاية عهده. وتقلب بذلك كله ضمائر عبد العزيز ويحيى أخوي المهدي فلحقا بمراكش مضمرين الغدر، وأدخلوا بعض الأوغاد في شأنهم فوثبوا بعمر بن تافراكين وقتلوه بمكانه من القصبة. ووصل على أثرهما الوزير أبو جعفر بن عطية وعبد المؤمن على أثره فأطفأ نار تلك الثورة وقتل أخوا المهدي ومن داخلهم فيها والله أعلم.

بقية فتح الأندلس

وبلغه بمراكش سنة تسع وأربعين أن يحيى بن يغمور صاحب إشبيلية قتل أهل لبلة بما كان من غدر الوهبي لها، ولم يقبل معذرتهم في ذلك فسخط يحيى بن يغمور وعزله عن إشبيلية بأبي محمد عبد الله بن أبي حفص بن علي التينمللي، وعن قرطبة بأبي زيد بن بكيت وبعث عبد الله بن سليمان، فجاء بابن يغمور معتقلا إلى الحضرة وألزمه منزله إلى أن بعثه مع ابنه السيد أبي حفص إلى تلمسان واستقام أمر الأندلس. وخرج ميمون بن يدر اللمتوني عن غرناطة للموحدين فملكوها، وأجاز إليها السيد أبو سعيد صاحب سبتة بعهد أبيه عبد المؤمن إليه بذلك. ولحق الملثمون بمراكش ونازل السيد أبو سعيد مدينة المرية حتى نزل من كان بها من النصارى على الأمان. وحضر لذلك الوزير أبو جعفر بن عطية بعد أن أمدهم ابن مردنيش الثائر بشرق الأندلس والطاغية معه، وعجزوا جميعاً عن المدافعة. ثم وفد أشياخ إشبيلية سنة إحدى وخمسين ورغبوا من عبد المؤمن ولاية بعض أبنائه عليهم فعقد لابنه السيد أبي يعقوب عليها، وافتتح أمره بمنازلة علي الوهبي الثائر بطبرية ومعه الوزير أبو جعفر بن عطية، حتى استقام على الطاعة. ثم استولى على عمل ابن وزير وابن قسي، واستنزل تاشفين اللمتوني من مرتلة سنة اثنتين وخمسين، وكان الذي أمكن الملثمين منها ابن قسي واستتم الفتح. ورجع السيد إلى إشبيلية، وانصرف أبو جعفر بن عطية إلى مراكش فكانت نكبته ومقتله. واستوزر عبد المؤمن بعده عبد السلام الكومي كان يمت إليه بذمة صهر فلم يزل على وزارته.

بقية فتح إفريقية

لما بلغ عبد المؤمن سنة ثلاث وخمسين ما كان من إيقاع الطاغية بابنه السيد أبي يعقوب بظاهر إشبيلية، ومن استشهد من أشياخ الموحدين وحفاظهم، ومن الثوار مثل ابن عزون وابن الحجام، نهض يريد الجهاد واحتل سلا فبلغه انتقاض إفريقية، وأهمه شأن النصارى بالمهدية. فلما توافت العساكر بسلا استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب، وعقد ليوسف بن سليمان على مدينة فاس، ونهض يغذ السير حتى نازل المهدية ومن بها من نصارى أهل صقلية فافتتحها صلحاً سنة خمس وخمسين. واستنقذ جميع البلاد الساحلية مثل صفاقس وطرابلس من أيدي العدو.
وبعث ابنه عبد الله من مكان حصاره للمهدية إلى قابس فاستخلصها من يد بني كامل المتغلبين عليها من دهمان بعض بطون رياح. واستخلص قفصة من يد بني الورد، وزرعة من يد بني بروكسن، وطبرقة من يد علال وجبل زغوان من يد بني حماد بن خليفة وشقبنارية من يد بني عياد بن نصر الله. ومدينة الأربص من يد ملكها من العرب حسبما ذلك مذكور في أخبار هؤلاء الثوار في دولة صنهاجة.
ولما استكمل الفتح وثنى عنانه إلى المغرب سنة ست وخمسين بلغه أن الأعراب بإفريقية انتقضوا عليه، فرجع إليهم عسكراً من الموحدين، فنهضوا إلى القيروان، وأوقعوا بالعرب، وقتل كبيرهم محرز بن زياد الفارغي من بني علي إحدى بطون رياح.

أخبار ابن مردنيش الثائر بشرق الأندلس

كان بلغ عبد المؤمن وهو بإفريقية أن محمد بن مردنيش الثائر بشرق الأندلس خرج من مرسية ونازل جيان. وأطاعه واليها محمد بن علي الكومي. ثم نازل بعدها قرطبة ورحل عنها وغدر بقرمونة وملكها، ثم رجع إلى قرطبة. وخرج ابن بكيت لحربه فهزمه وقتله، فكتب إلى عماله بالأندلس بفتح إفريقية، وأنه واصل إليهم وعبر البحر إلى جبل الفتح. واجتمع إليه أهل الأندلس ومن بها من الموحدين ثم رجع إلى مراكش وبعث عساكره إلى الجهاد، ولقيهم الطاغية فهزموه. وتغلب السيد أبو يعقوب على قرمونة من يد ابن هشمك صهر ابن مردنيش. وكان السيدان أبو يعقوب صاحب إشبيلية وأبو سعيد صاحب غرناطة ارتحلا لزيارة الخليفة بمراكش، فخالف ابن همشك إلى مدينة غرناطة وغدر بها ليلا بمداخلة من بعض أهلها. واستولى عليها وانحصر الموحدون بقصبتها، وخرج عبد المؤمن من مراكش لاستنقاذها فوصل إلى سلا.
وقدم السيد أبا سعيد فأجاز البحر ولقيه عامل إشبيلية عبد الله بن أبي حفص بن علي، ونهضوا جميعاً إلى غرناطة، فنهض إليهم ابن همشك وهزمهم. ورجع السيد أبو سعيد إلى مالقة، وردفه عبد المؤمن بأخيه السيد أبي يعقوب في عساكر الموحدين، ونهضوا إلى غرناطة، وكان قد وصلها ابن مردنيش في جموع من النصارى مدداً لابن همشك، فلقيهم الموحدون بفحص غرناطة وهزموهم. وفر ابن مردنيش إلى مكانه من المشرق، ولحق ابن همشك بجيان فنازله الموحدون. وارتحل السيدان إلى قرطبة فأقاما بها إلى أن استدعى السيد أبو يعقوب إلى مراكش سنة ثمان وخمسين لولاية العهد، والإدالة به من أخيه محمد، فلحق بمراكش وخرج في ركاب أبيه الخليفة عبد المؤمن لما نهض للجهاد. وأدركته المنية بسلا في جمادى الآخرة من هذه السنة وقبر بتينملل إلى جانب المهدي والله أعلم.

دولة الخليفة يوسف بن عبد المؤمن

لما هلك عبد المؤمن أخذ البيعة على الناس السيد أبو حفص لأخيه أبي يعقوب باتفاق من الموحدين كافة، ورضي من الشيخ أبي حفص خاصة، واستقل في رتبة وزارته ورجعوا إلى مراكش. وكان السيد أبو حفص هذا وزيراً لأبيه عبد المؤمن، استوزره عند نكبة عبد السلام الكومي فرجعه من إفريقية سنة خمس وخمسين. وكان أبو العلى بن جامع متصرفاً بين يديه في رسم الوزارة إلى أن هلك عبد المؤمن فأخذ أبو حفص البيعه لأخيه أبي يعقوب. ثم هلك إثر وفاة عبد المؤمن ابنه السيد أبو الحسن صاحب فاس، والسيد أبو محمد صاحب بجاية في طريقه إلى الحضرة. ثم استقدم أبو يعقوب السيد أبا سعيد من غرناطة سنة ستين فقدم ولقيه السيد أبو حفص بسبتة.
ثم سرح الخليفة أبو يعقوب معه أخاه السيد أبا حفص إلى الأندلس في عساكر الموحدين لما بلغه من إلحاح ابن مردنيش على قرطبة، بعد أن احتشد معه قبائل العرب من زغبة ورياح والاثبج، فاجتاز البحر وقصد ابن مردنيش، وقد جمع جموعه وأولياءه من النصارى. ولقيهم عساكر الموحدين بفحص مرسية، فانهزم ابن مردنيش وأصحابه وفر إلى مرسية، ونازله الموحدون بها ودوخوا نواحيه. وانصرف السيد أبو حفص وأخوه أبو سعيد سنة إحدى وستين إلى مراكش وخمدت نار الفتنة من ابن مردنيش. وعقد الخليفة على بجاية لأخيه السيد أبي زكريا، وعلى إشبيلية للشيخ أبي عبد الله بن إبراهيم. ثم أدال منه بأخيه السيد أبي إبراهيم، وأقر الشيخ أبا عبد الله على وزارته. وعقد على قرطبة للسيد أبي إسحاق، وأقر السيد أبا سعيد على غرناطة ثم نظر الموحدون في وضع العلامة في المكتوبات بخط الخليفة فاختاروا: الحمد لله وحده لما وقفوا عليها بخط الإمام المهدي في بعض مخاطباته، فكانت علامتهم إلى آخر دولتهم.

فتنة غمارة

وفي سنة اثنتين وستين تحرك الأمير أبو يعقوب إلى جبال غمارة، لما كان ظهر بها من الفتنة التي تولى كبرها سبع بن منغفاد منهم. وناغاهم في الفتنة صنهاجة جيرانهم، فبعث الأمير أبو يعقوب عساكر الموحدين لنظر الشيخ أبي حفص، ثم تعاظمت فتن غمارة وصنهاجة فخرج إليهم بنفسه وأوقع بهم واستأصلهم وقتل سبع بن منغفاد وانحسم داؤهم، وعقد لأخيه السيد أبي علي الحسن على سبتة وسائر بلادهم. في سنة ثلاث وستين اجتمع الموحدون على تجديد البيعة واللقب بأمير المؤمنين، وخاطب العرب بإفريقية يستدعيهم إلى الغزو ويحرضهم. وكتب إليهم في ذلك قصيدة ورسالة مشهورة بين الناس، وكان من إجابتهم ووفودهم عليه ما هو معروف.

أخبار الأندلس

لما استوسق الأمر للخليفة أبي يعقوب بالعدوه وصرف نظره إلى الأندلس والجهاد، واتصل به ما كان من غدر العدو، دمره الله، بمدينة ترجالة. ثم مدينة يابرة ثم حصن شبرينة، ثم حصن جلمانية إزاء بطليوس، ثم مدينة بطليوس، فسرح الشيخ أبا حفص في عساكر من الموحدين احتفل في انتقائهم. وخرج سنة أربع وستين لاستنقاذ بطليموس من هوة الحصار، فلما وصل إلى إشبيلية بلغه أن الموحدين ببطليوس هزموا ابن الرنك الذي كان يحاصرهم بإعانة ابن أذفونش. وأن ابن الرنك تحصل في قبضتهم أسيراً، وفر جراندة الجليقي إلى حصنه، فقصد الشيخ أبو حفص مدينة قرطبة وبعث إليه إبراهيم بن همشك من جيان بطاعته وتوحيده ومفارقته صاحبه ابن مردنيش، لما حدث بينهما من الشحناء والفتنة، فألخ عليه ابن مردنيش بالحرب، وردد إليه الغزو، فبعث إلى الشيخ أبي حفص بطاعته.
وكتب الشيخ أبو حفص بذلك إلى الخليفة، وبما كان من عيث النصارى بجوانب الأندلس، فسرح أخاه ووزيره أبا حفص في عسكر الموحدين، فنهض من مراكش سنة خمس وستين، وفي جملته السيد أبو سعيد أخوه، فوصل إغغشبيلية وبعث أخاه أبا سعيد إلى بطليموس، فعقد الصلح مع الطاغية وانصرف، ونهضوا جميعاً إلى مرسية ومعهم ابن همشك فحاصروا ابن مردنيش. وثار أهل لورقة بدعوة الموحدين، فملكها السيد أبو حفص. ثم افتتح مدينة بسطة، وطاع ابن عمه محمد بن مردنيش صاحب المرية، فحص بذلك جناحه.
واتصل الخبر بالخليفة بمراكش، وقد توافت عنده جموع العرب من إفريقية صحبة السيد أبي زكريا صاحب بجاية والسيد أبي عمران صاحب تلمسان، وكان يوم قدومهم عليه يوماً مشهوداً، فاعترضهم وسائر عساكره، ونهض إلى الأندلس. واستخلف على مراكش السيد أبا عمران أخاه فاحتل بقرطبة سنة سبع وستين. ثم ارتحل بعدها إلى إشبيلية، ولقيه السيد أبو حفص هنالك منصرفاً من غزاته. وكان ابن مردنيش لما طال عليه الحصار ارتاب ففتك بهم، وبادر أخوه أبو الحجاج إلى الطاعة، وهلك هو في رجب من هذه السنة. ودخل ابنه هلال في الطاعة، وبادر السيد أبو حفص إلى مرسية فدخلها وخرج هلال في جملته، وبعثه إلى الخليفة بإشبيلية. ثم ارتحل الخليفة غازياً إلى بلاد العدو فنازل وبدة أياماً، وارتحل عنها إلى مرسية. ثم رجع إلى إشبيلية سنة ثمان وستين، واستصحب هلال بن مردنيش وأصهر إليه في ابنته، وولى عمه يوسف على بلنسية وعقد لأخيه السيد أبي سعيد على غرناطة.
ثم بلغه خروج العدو إلى أرض المسلمين مع القومس الأحدب، فخرج للقائهم وأوقع بهم بناحية قلعة رباح، وأثخن فيهم ورجع إلى إشبيلية، وأمر ببناء حصن بالقلعة ليحضن جهاتها، وقد كانت خراباً منذ فتنة ابن حجاج فيه مع كريب بن خلدون بمورة، أزمان المنذر بن محمد وأخيه عبد الله من أمراء بني أمية.
ثم انتقض ابن اذفونش وأغار على بلاد المسلمين، فاحتشد الخليفة وسرح السيد أبا حفص إليه فغزاه بعقر داره، وافتتح قنطرة السيف، وهزم جموعه في كل جهة. ثم ارتحل الخليفة من إشبيلية راجعاً إلى مراكش سنة إحدى وسبعين لخمس سنين من إجازته إلى الأندلس، وعقد على قرطبة لأخيه الحسن، وعلى إشبيلية لأخيه علي، وأصاب مراكش الطاعون فهلك من السادة أبو عمران وأبو سعيد وأبو زكريا، وقدم الشيخ أبو حفص من قرطبة فهلك في طريقه، ودفن بسلا.
واستدعى الخليفة أخويه السيدين أبا علي وأبا الحسن؛ فعقد لأبي علي على سجلماسة، ورجع أبو الحسن إلى قرطبة، وعقد لابني أخيه السيد أبي حفص: لأبي زيد منهما على غرناطة، ولأبي محمد عبد الله على مالقة. وفي سنة ثلاث وسبعين سطا بوزرائه بني جامع وغربهم إلى ماردة. وفي سنة خمس وسبعين عقد لغانم بن محمد بن مردنيش على أسطوله وأغزاه مدينة الأشبوبة، فغنم ورجع. وفيها كانت وفاة أخيه السيد الوزير أبي حفص بعدما أبلى في الجهاد وأبلغ في نكاية العدو. وقدم ابناه من الأندلس وأخبرا الخليفة بانتقاض الطاغية، واعتزم على الجهاد وأخذ في استدعاء العرب من إفريقية.
</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    السبت سبتمبر 25, 2010 4:24 pm


<H6 align=center>الخبر عن انتقاض قفصة واسترجاعها


كان علي ابن المعز ويعرف بالطويل، من أعقاب بني الزند ملوك قفصة قد ثار سنة خمس وتسعين كما ذكرناه في أخبارهم. وبلغ الخليفة خبره فنهض إليه من مراكش وصار إلى بجاية وسعى عنده بعلي بن المنتصر الذي كان عبد المؤمن استنزله من قفصه أنه يواصل قريبه الثائر بها ويخاطب العرب، فتقبض عليه، ووجدت مخاطبات عنده شاهدة بتلك السعاية واستصفى ما كان بيده، وارتحل إلى فقصة ونازلها. ووفدت عليه مشيخة العرب من رياح بالطاعة فتقبلهم ولم يزل محاصراً لقفصة إلى أن نزل على ابن المعز. وانكفأ راجعاً إلى تونس. وأنفذ عساكر العرب إلى المغرب، وعقد على إفريقية والزاب للسيد أبي علي أخيه وعلى بجاية للسيد أبي موسى فقفل إلى الحضرة.

معاودة الجهاد

لما قفل من فتح قفصة سنة سبع وسبعين وفد عليه أخوه السيد أبو إسحاق من إشبيلية، والسيد أبو عبد الرحمن يعقوب من مرسية وكافة الموحدين ورؤساء الأندلس يهنونه بالإياب فأكرم موصلهم وانصرفوا إلى بلادهم. واتصل به أن محمد بن يوسف بن وانودين غزا بالموحدين من إشبيلية إلى أرض العدو فنازل مدينة يابرة وغنم ما حولها وافتتح بعض حصونها ورجع إلى إشبيلية، وإن عبد الله بن إسحاق بن جامع قائد الأسطول بإشبيلية التقى بأسطول أهل أشبونة في البحر فهزمهم وأخذوا عشرين من قطائعهم مع السبي والغنائم.
ثم بلغ الخبر بأن اذفونس بن شانجة نازل قرطبة وشن الغارات على جهة مالقة ورندة وغرناطه. ثم نازل أسجة وتغلب على حصن شنغيلة. وأسكن بها النصارى وانصرف، فاستنفر السيد أبو إسحاق سائر الناس للغزو، ونازل الحصن نحو أربعين يوماً. ثم بلغه خروج أذفونش من طليطلة لمدده فانكفأ راجعاً. وخرج محمد بن يوسف بن وانودين من إشبيلية في جموع الموحدين ونازل طلبيرة، وبرز إليه أهلها فأوف وانصرف بالغنائم، فاعتزم الخليفة أبو يوسف على معاودة الجهاد، وولى على الأندلس أبناءه وقدمهم للاحتشاد، فعقد لابنه أبي إسحاق على إشبيلية كما كان، ولابنه السيد أبي يحيى على قرطبة ولابنه السيد أبي زيد الحرضاني على غرناطة ولابنه السيد أبي عبد الله على مرسية.
ونهض سنة تسع وسبعين إلى سلا، ووافاه بها أبو محمد بن أبي إسحاق بن جامع من إفريقية بحشود العرب. وسار إلى فاس، وبعث مقدمته هنتاتة وتيمنلل وحشود العرب، وأجاز البحر من سبتة في صفر من سنة ثمانين، فاحتل جبل الفتح، وسار إلى إشبيلية فوافته بها حشود الأندلس. وسخط محمد بن وانودين وغربه إلى حصن غافق، ورحل غازياً إلى شنترين فحاصرها أياماً. ثم أقلع عنها وأسحر الناس يوم إقلاعه، وخرج النصارى من الحصن فوجدوا الخليفة في غير أهبة ولا أستعداد، فأبلى في الجهاد هو ومن حضره، وانصرفوا بعد جولة شديدة. وهلك في ذلك اليوم الخليفة يقال من سهم أصابه في حومة القتال، وقيل من مرض طرقه عفا الله عنه.

دولة ابنه يعقوب المنصور

لما هلك الخليفة أبو يعقوب على حصن شنترين سنة ثمانين بويع ابنه يعقوب، ورجع بالناس إلى إشبيلية واستكمل البيعة. واستوزر الشيخ أبا محمد عبد الواحد بن أبي حفص، واستنفر الناس للغزو مع أخيه السيد أبي يحيى فأخذ بعض الحصون وأثخن في بلاد الكفار. ثم أجاز البحر إلى الحضرة ولقيه بقصر مصمودة السيد أبو زكرياء بن السيد أبي حفص قادماً من تلمسان مع مشيخة زغبة، ومضى إلى مراكش فقطع المناكر وبسط العدل وباشر الأحكام، وكان أول الأحداث في دولته شأن ابن غانية.

الخبر عن شأن ابن غانية

كان علي بن يوسف بن تاشفين لما تغلب العدو على جزيرة ميورقة وهلك واليها من موالي مجاهد وهو مبشر، وبقي أهلها فوضى، وقد كان مبشر بعث إليه بالصريخ، والعدو محاصر له. فلما أخذها العدو وغنم وأحرق وأقلع، وبعث علي بن يوسف والياً عليها وأنور بن أبي بكر من رجالات لمتونة، وبعث معه خمسمائة فارس من عسكره، فأرهف لهم حده، وأرادهم في بناء مدينة أخرى بعيدة من البحر فامتنعوا، وقتل مقدمهم فثاروا به وحبسوه. ومضوا إلى علي بن يوسف فأعفاهم منه، وولى عليهم محمد بن علي بن يحيى المسوفي المعروف بابن غانية. وكان أخوه يحيى على غرب الأندلس، وكان نزله بإشبيلية.
واستعمل محمد أخاه على قرطبة، فكتب إليه علي بن يوسف يأمره بصرف أخيه محمد إلى ولاية ميورقة، فارتحل إليها من قرطبة ومعه أولاده عبد الله وعلي وإسحاق والزبير وإبراهيم وطلحة، وكان عبد الله وإسحاق في تربية عمهما يحيى وكفالته فتبناهما. ولما وصل محمد بن علي بن غانية إلى ميورقة قبض على أنور وبعثه مصفداً إلى مراكش، وأقام على ذلك عشراً. وهلك يحيى بن غانية ولد ولى عبد الله ابن أخيه محمد على غرناطة، وأخاه إسحاق بن محمد على قرمونة. ثم هلك علي بن يوسف وضعف أمر لمتونة، وظهر عليهم الموحدون فبعث محمد عن ابنيه عبد الله وإسحاق فوصلا إليه في الأسطول وانقضى ملك لمتونة.
ثم عهد محمد إلى ابنه عبد الله فنافسه أخوه إسحاق، وداخل جماعة من لمتونة في قتله فقتلوه، وقتلوا أباه محمداً. ثم أجمعوا على الفتك به فارتاب بهم وداخل لب بن ميمون قائد البحر في أمرهم فكبسهم في منازلهم وقتلهم. وتمت بيعته سنة ست وأربعين وخمسمائة، وبقي أميراً لميورقة. واشتغل أول أمره بالبناء والغراسة، وضجر منه الناس لسوء ملكته، وفر عنه لب بن ميمون إلى الموحدين. ثم رجع آخراً إلى الغزو، وكان يبعث بالأسرى والعلوج للخليفة أبي يعقوب إلى أن هلك قبيل مهلكه سنة ثمانين.
وخئف من الولد محمداً وعلياً ويحيى وعبد الله والغازي وسير والمنصور وجبارة وتاشفين وطلحة وعمر ويوسف والحسن، فولى ابنه محمد وبعث إلى الخليفة أبي يعقوب بطاعته، فبعث هو علي بن الزبرتير لاختبار ذلك منه، وأحس بذلك أخوته فنكروه وتقبضوا عليه، وقدموا علياً منهم. وبلغهم مهلك الخليفة وولاية ابنه المنصور فاعتقلوا ابن الزبرتير وركبوا البحر في أسطولهم إلى بجاية. وولى على ميورقة أخاه طلحة، وطرق بجاية في أسطوله على حين غفلة وعليها السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن وكان خارجها في بعض مذاهبه فاستولوا عليها سنة إحدى وثمانين. وتقبضوا على السيد أبي الربيع والسيد أبي موسى عمران بن عبد المؤمن صاحب إفريقية، وكان بها مجتازاً واستعمل أخاه يحيى على بجاية ومضى إلى الجزائر فافتتحها، وولى عليها يحيى ابن أخيه طلحة، ثم إلى مليانة فولى عليها بدر بن عائشة. ونهض إلى القلعة ثم إلى قسطنطينة فنازلها. واتصل الخبر بالمنصور وهو بسبتة مرجعه من الغزو، فسرح السيد أبا زيد ابن عمه السيد أبي حفص، وعقد له على حرب ابن غانية. وعقد لمحمد بن أبي إسحاق بن جامع على الأساطيل، وإلى نظره أبو محمد بن عطوش وأحمد الصقلي.
وانتهى السيد أبو زيد إلى تلمسان، وأخوه يومئذ السيد أبو الحسن واليها، وقد أنعم النظر في تحصينها، ثم ارتحل بعساكره من تلمسان ونادى بالعفو في الرعية فثار أهل مليانة على ابن غانية فأخرجوه، وسبقت الأساطيل إلى الجزائر فملكوها وقبضوا على يحيى بن طلحة، وسيق يدر ابن عائشة من أم العلو فقتلوا جميعاً بشلف. وتقدم القائد أحمد الصقلي بأسطوله إلى بجاية فملكها ولحق يحيى بن غاينة بأخيه علي بمكانه من حصار قسطنطينة فأقلع عنها. ونزل السيد أبو زيد بتكلات. وهرج السيد أبو موسى من اعتقاله فلقيه هنالك. ثم ارتحل في طلب العدو فأفرج عن قسطنطينة، وخرج إلى الصحراء، واتبعه الموحدون إلى مقرة ونقاوس. ثم قفلوا إلى بجاية، واستقر السيد أبو زيد بها وقصد علي بن غانية قفصة فملكها، ونازل توزر فامتنعت عليه، ولحق بطرابلس. وخرج غزي الصنهاجي من جموع ابن غانية في بعض أحياء العرب فتغلب على أشير، وسرح إليهم السيد أبو زيد ابنه أبا حفص عمر، ومعه غانم بن مردنيش فأوقعوا بهم واستولوا على حللهم. وقتل غزي وسيق رأسه إلى بجاية ونصب بها، وألحق به عبد الله أخوه. وغرب بنو حمدون من بجاية إلى سلا لاتهامهم بالدخول في أمر ابن غانية. واستقدم الخليفة السيد أبا زيد من مكانه ببجاية، وقدم مكانه أخاه السيد أبا عبد الله وانصرت إلى الحضرة. وبلغ الخبر أثناء ذلك باستيلاء علي بن الزبرتير على ميورقة. وكان من خبره أن الأمير يوسف بن عبد المؤمن بعثه إلى ميورقة لدعاء بني غانية إلى أمره لما كان أخوهم محمد خاطبه بذلك. فلما وصل ابن الزبرتير، إليهم نكروا شأنه على أخيهم واجتمعوا دونه وتقبضوا عليه وعلى ابن الزبرتير، وقدموا عليهم أخاه علياً، وركبوا الأساطيل إلى بجاية. فلما خلا الجو منهم دبر ابن الزبرتير في أمره، وداخل مواليهم من العلوج في تخلية سبيله من معتقله على أن يخلي سبيلهم بأهليهم وولدهم إلى أرضهم فتم له مراده منهم، وثار بقفصة واستنقذ محمد بن إسحاق من مكان اعتقاله، ولحقوا جميعاً بالحضرة. وبلغ الخبر علي بن غانية بمكانه من طرابلس فبعث أخاه عبد الله إلى صقلية، وركب منها إلى ميورقة ونزل في بعض قراها. وعمل الحيلة في تملك البلد فاستولى عليه واضطرمت نار الفتنة بإفريقية.
ونازل علي بن غانية بلاد الجريد وتغلب على الكثير منها، وبلغ الخبر باستيلائه على قفصة فخرج إليه المنصور من مراكش سنة اثنين وثمانين، ووصل فاس فأراح بها، وسار إلى رباط تازى. ثم سار على التبعية إلى تونس، وجمع ابن غانية من إليه من الملثمين والأعراب، وجاء معه قراقش الغزي صاحب طرابلس، فسرح إليه المنصور عساكره لنظر السيد أبي يوسف بن السيد أبي حفص ولقيهم بغمرة فانفضت جموع الموحدين وانجلت المعركة عن قتل علي بن الزبرتير وأبي علي بن يغمور، وفقد الوزير عمر بن أبي زيد ولحق فلهم بقفصة فأثخنوا فيهم قتلاً، ونجا الباقون إلى تونس. وخرج المنصور متلافياً جبر الحال في هذه الوقائع، ونزل القيروان، وأغذ السير إلى الحامة فتثاور الفريقان وتزاحفوا فكانت الدبرة على ابن غانية وأحزابه، وأفلت من المعركة بدماء نفسه ومعه خليله قراقش؛ وأتى القتل على كثيرهم وصبح المنصور قابس فافتتحها ونقل من كان بها من حرم ابن غانية وذويه في البحر إلى تونس. وثنى العنان إلى توزر فافتتحها وقتل من وجد بها، ثم إلى قفصة فنازلها أياماً حتى نزلوا على حكمه. وأمن أهل البلد والأغراب أصحاب قراقش، وقتل سائر الملثمين ومن كان معهم من الحشود، وهدم أسوارها وانكفأ راجعاً إلى تونس؛ فعقد على إفريقية للسيد أبي زيد، وفصل إلى المغرب سنة أربع وثمانين ومر بالمهدية، وأسحر على طريق تاهرت، والعباس بن عطية أمير بني توجين دليله على تلمسان، فنكب بها عمه السيد أبا إسحاق لشيء بلغه عنه وأحفظه. ثم ارتحل إلى مراكش، ورفع إليه أن أخاه السيد أبا حفص والي مرسية الملقب بالرشيد وعمه السيد أبا الربيع والي تادلا عندما بلغهم خبر الوقيعة بغمرة حدثوا أنفسهم بالتوثب على الخلافة، فلما قدموا عليه للتهنئة أمر باعتقالهما برباط الفتح خلال ما استجلى أمرهما. ثم قتلهما وعقد للسيد أبي الحسن بن السيد أبي حفص على بجاية، وقصد يحيى بن غانية قسطنطينة فزحف إليه السيد أبو الحسن من بجاية فهزمه ودخل قسطنطينة، وارتحل ابن غانية إلى بسكرة فقطع نخلها وافتتحها عنوه. ثم حاصر قسطنطينة وامتنعت عليه فارتحل إلى بجاية وحاصرها، وكثر عيثه إلى أن كان من خبره ما نذكره إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

أخباره في الجهاد

لما بلغه تغلب العدو على قاعدة شلب، وأنه أوقع بعسكر إشبيلية وترددت سراياهم على نواحيها، وافتتح كثيراً من حصونها، وخاطبه السيد أبو يوسف بن أبي حفص صاحب إشبيلية بذلك. استنفر الناس للجهاد وخرج سنة ست وثمانين إلى قصر مصمودة فأراح به. ثم أجاز إلى طريف، وأغذ السير منها إلى شلب، ووافته بها حشود الأندلس فتركهم لحصارها. وخف إلى حصن طرش فافتتحه ورجع إلى إشبيلية. ثم رجع إلى منازلة شلب سنة سبع وثمانين فافتتحه. وقدم عليه ابن وزير بعد أن كان افتتح في طريقه إليه حصوناً أخرى. ثم قفل إلى حضرته بعد استكمال غزاته. وكتب بعهده لابنه الناصر.
وقدم عليه سنة ثمان وثمانين السيد أبو زيد صاحب إفريقية، ومعه مشيخة العرب من هلال وسليم فلقاهم مبرة وتكريماً، وانقلب وفدهم إلى بلادهم. ثم بلغه سنة تسعين استفحال ابن غانية بإفريقية وكثرة العيث والفساد بها، فاعتزم على النهوض إليها ووصل إلى مكناسة فبلغه من أمر الأندلس ما أهمه فصرف وجهه إليها، ووصل قرطبة سنة إحدى وتسعين فأراح بها ثلاثاً وأمداد الحشود تتلاحق به من كل ناحية. ثم ارتحل للقاء العدو ونزل بالأرك من نواحي بطليوس، وزحف إليه العدو من النصارى وأمراؤهم يومئذ ثلاثة: ابن أذفونش وابن الرنك ولببوج. وكان اللقاء يوم كذا سنة إحدى وتسعين. وأبو محمد ابن أبي حفص يومئذ على المطوعة، وأخوه أبو يحيى على العساكر والموحدين، فكانت الهزيمة المشهورة على النصارى واستلحم منهم ثلاثون ألفاً بالسيف.
واعتصم فلهم بحصن الأرك وكانوا خمسة آلاف من زعمائهم، فاستنزلهم المنصور على حكمه وفودي بهم عددهم من المسلمين. واستشهد في هذا اليوم أبو يحيى بن الشيخ أبي حفص بعد أن أبلى بلاء حسناً وعرف بنوه بعدها ببني الشهيد. وانكفأ المنصور راجعاً إلى إشبيلية. ثم خرج منها سنة اثنتين وتسعين غازياً إلى بلاد الجوف فافتتح حصوناً ومدناً وخربها، كان مها ترجالة وطلبيرة. وأطل على نواحي طليطلة فخرب بسائطها واكتسح مسارحها، وقفل إلى إشبيلية سنة ثلاث وتسعين فرفع إليه في القاضي أبي الوليد بن رشد مقالات نسب فيها إلى المرض في دينه وعقله. وربما ألف بعضها في خطه فحبس. ثم أطلق، وأشخص إلى الحضرة وبها كانت وفاته.
ثم خرج المنصور من إشبيلية غازياً إلى بلاد ابن أذفونش حتى احتل بساحة طليطلة، وبلغه أن صاحب برشلونة أمد ابن أذفونش بعساكره وأنهم جميعاً بفحص مجريط، فنهض إليهم. ولما أطل عليهم انفضت جموع ابن أذفونش من قبل القتال وانكفأ المنصور راجعاً إلى إشبيلية. ثم رغب إليه الملوك النصرانية في السلم فبذله لهم.
وعقد على إشبيلية للسيد أبي زيد ابن الخليفة. وعلى مدينة بطليوس للسيد أبي الربيع بن السيد أبي حفص، وعلى المغرب للسيد أبي عبد الله بن السيد أبي حفص. وأجاز إلى حفص. وأجاز إلى حضرته سنة أربع وتسعين فطرقه المرض الذي كان منه حمامه، وأوصى وصيته التي تناقلها الناس. وحضر لوصيته عيسى ابن الشيخ أبي حفص. وهلك رحمه الله سنة خمس وتسعين آخر ربيعها، والله تعالى أعلم.

الخبر عن وصول ابن منقذ بالهدية من قبل صاحب الديار المصرية

كان الفرنج قد ملكوا سواحل الشام في آخر الدولة العبيدية منذ تسعين سنة وملكوا بيت المقدس، فلما استولى صلاح الدين بن أيوب على ديار مصر والشام اعتزم على جهادهم. وكان يفتتح حصونها واحداً بعد واحد حتى أتى على جميعها. وافتتح بيت المقدس سنة ثلاث وثمانين وهدم الكنيسة التي بنوها عليها. وامتعضت أمم النصرانية من كل جهة، واعترضوا أسطول صلاح الدين في البحر فبعث صريخه إلى المنصور سنة خمس وثمانين يطلب إعانته بالأساطيل لمنازلة عكا وصور وطرابلس. ووفد عليه أبو الحارث عبد الرحمن بن منقذ بقية أمراء شيزر من حصون الشام. كانوا استبدوا به عند اختلال الدولة العبيدية. فلما استقام الأمر على يد صلاح الدين، وانتظم ملك مصر والشام، واستنزل بني منقذ هؤلاء ورعى لهم سابقتهم، وبعثه في هذه إلى المنصور بالمغرب بهدية تشتمل على مصحفين كريمين منسوبين، ووزن مائة درهم من دهن البلسان، وعشرين رطلا من العود، وستمائة مثقال من المسك والعنبر، وخمسين قوساً أعرابية بأوتارها، وعشرين من النصول الهندية وسروج عدة ثقيلة. ووصل إلى المغرب، ووجد المنصور بالأندلس فانتظره بفاس إلى حين وصوله، فلقيه وأدى إليه الرسالة فاعتذر له عن الأسطول وانصرف. ويقال أنه جهز له بعد ذلك مائة وثمانين أسطولا، ومنع النصارى من سواحل الشام.
</H6>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الأحد سبتمبر 26, 2010 12:08 pm

دولة الناصر بن المنصور

لما هلك المنصور قام بأمره ابنه محمد ولي عهده، وتلقب الناصر لدين الله. واستوزر أبا زيد بن يوجان، وهو ابن أخي الشيخ أبي حفص. ثم استوزر أبا محمد بن الشيخ أبي حفص، وعقد للسيد أبي الحسن بن السيد أبي حفص على بجاية وفوض إليه في شؤونها. وبلغه سنة ست وتسعين إجحاف العدو بإفريقية، وفساد الأعراب في نواحيها، ورجوع السيد أبي الحسن من قسطنطينة منهزماً أمام ابن غانية، فأنفذ السيد أبا زيد بن أبي حفص إلى تونس في عسكر من الموحدين لسد ثغورها. وأنفذ أبا سعيد بن الشيخ أبي حفص رديفاً له، وتغلب ابن غانية خلال ذلك على حصن المهدية. وثار بالسوس سنة ثمان وتسعين ثائر من كزولة يعرف بأبي قفصة، فسرح الناصر إليه عساكر الموحدين فقصدوا جموعه وقتل. وفي أيامه كان فتح ميورقة على ما يتلو من خبرها.
فتح ميورقة


وكان من خبرها أن محمد بن إسحاق لما فصل أخوته علي ويحيى إلى إفريقية، وولوا على ميورقة أخاهم طلحة، داخل محمد بعض الحاشية، وخرج من الاعتقال هو وابن الزبرتير، وقام بدعوة المنصور، وبعث بها مع ابن الزبرتير فبعث المنصور أسطوله مع أبي العلى بن جامع ليملك ميورقة، فأبى محمد عن ذلك. وراسل طاغية برشلونة في المدد بجند من النصارى يستخدمهم فأجابه، وانتقض عليه أهل ميورقة لذلك، وخشوا عادية المنصور فطردوا محمد بن إسحاق وولوا عليهم أخاه تاشفين. وبلغ ذلك علياً، وهو على قسطنطينة فبعث أخويه عبد الله والغازي فداخلوا بعض أهل البلد وعزلوا تاشفين وولي عبد الله وبعث المنصور أسطوله مراراً مع أبي العلى بن جامع. ثم مع يحيى ابن الشيخ أبي إبراهيم الهزرجي فامتنعوا منهم، وقتلوا منهم خلقاً كثيراً. وقوي أمره، وذلك سنة ثلاث وثمانين.
ثم لما هلك المنصور بعث الناصر أسطوله مع عمه السيد أبي العلى، والشيخ أبي سعيد بن أبي حفص فنازلوه وانخذل عنه أخوه تاشفين بالناس، ودخل البلد عنوة، واستفتحت وقتل. وانصرف السيد إلى مراكش، وولى عبد الله بن طاع الله الكومي. ثم ولى الناصر عليها أبا زيد، وجعل ابن طاع الله على قيادة البحر. وبعد السيد أبي زيد وليها السيد أبو عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن، ثم أبو يحيى بن علي بن أبي عمران التينمللي، ومن يده أخذها النصارى لسنة سبع وعشرين وستمائة.

خبر إفريقية وتغلب ابن غانية عليها وولاية أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص


لما هلك المنصور قوي أمر ابن غانية بإفريقية، وولى الناصر السيد أبا زيد والشيخ أبا سعيد بن أبي حفص، ويقال إن المنصور ولاهما، وكثر الهرج بإفريقية. وثار بالمهدية محمد بن عبد الكريم الركراكي، ودعا لنفسه ونازع ابن غانية والموحدين الأمر، وتسمى صاحب قبة الأديم محمد بن عبد الكريم. ونازل تونس وعاث في قراها سنة ست وتسعين. ونازل ابن غانية بقابس فامتنع عليه، وكان محمد بن مسعود البلط شيخ رياح من أشياعه فانتقض عليه، وراجع ابن غانية فلأتيح له الظهور على محمد بن عبد الكريم وقصده وهو على قفصة فهزمه. واتبعه إلى المهدية فنازله بها. وبعث إلى صاحب تونس إلى المدد بأسطوله فأمده فضاقت حال ابن عبد الكريم فسأل الأمان من ابن غانية فأمنه. وخرج إليه فتقبض عليه واستولى على المهدية سنة تسع وتسعين وقتله.
وبعث الناصر أسطوله في البحر مع عمه أبي العلى وعساكر الموحدين مع السيد أبي الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن. ونازلوا ابن عبد الكريم قبل استيلاء ابن غانية عليها، فاعتذر ابن عبد الكريم بأنه حافظ للحصن من العدو، ولا يمكنه إلا لثقة الخليفة. وانصرف السيد أبو الحسن إلى بجاية موضع عمله، وقسم العسكر بينه وبين أخيه السيد أبي زيد صاحب تونس وصلحت الأحوال. ثم إن ابن غانية لما تغلب على المهدية وعلى قراقثس الغزي صاحب عمل طرابلس، وقد مرت أخباره في أخبار ابن غانية. ثم تغلب بلاد الجريد، ثم نازل تونس سنة تسع وتسعين وافتتحها عنوة، وتقبض على السيد أبي زيد، وطالب أهل تونس بالنفقة التي أنفق وبسط عليهم العذاب. وتولى ذلك فيهم كاتبه ابن عصفور حتى هلك في الامتحان كثير من بيوتاتهم. ثم دخل في دعوته أهل بونة وبنزرت وشقبنارية والأربص والقيروان وتبسة وصفاقس وقابس وطرابلس. وانتظمت له أعمال إفريقية وفرق العمال وخطب للعباسي كما ذكرناه في أخباره. ثم ولى على تونس أخاه الغازي، ونهض إلى جبال طرابلس فأغرمهم ألف ألف دينار مكررة مرتين ورجع إلى تونس.
واتصل بالناصر كثرة الهرج بإفريقية واستيلاء ابن غانية عليها وحصول السيد أبي زيد في قبضته، فشاور الموحدين في أمره فأشاروا بمسألة ابن غانية. وأشار أبو محمد ابن الشيخ أبي حفص بالنهوض إليها والمدافعة عنها فعمل على رأيه، ونهض من مراكش سنة إحدى وستمائة. وبعث الأسطول في البحر لنظر أبي يحيى بن أبي زكرياء الهزرجي، فبعث ابن غانية ذخيرته وحرمه إلى المهدية مع علي بن الغازي بن محمد بن علي.
وانتقض أهل طرابلس على ابن غانية وأخرجوا عاملهم تاشفين بن الغازي بن محمد بن علي بن غانية. وقصدهم ابن غانية فاقتحمها وخربها.
ووصل أسطول الناصر إلى تونس فدخلوها وقتلوا من كان بها من أشياع ابن غانية، ونهض الناصر في أتباع ابن غانية فأعجزه ونازل المهدية، وبعث أبا محمد ابن الشيخ أبي حفص للقاء ابن غانية فلقيه بتاجرا فأوقع به وقتل أخاه جبارة. وكاتبه ابن اللمطي وعامله الفتح بن محمد. قال ابن نخيل: وكانت الغنائم من عسكره يومئذ ثمانية عشر ألفاً من أحمال المال والمتاع والخرثى والآلة. ونجا بأهله وولده وأطلق السيد أبو زيد الاعتقال بعد أن هم حرسه بقتله عند الهزيمة. ثم تسلم الناصر المهدية من يد علي بن الغازي المعروف بالحاج الكافي على أن يلحق بابن عمه فقبل شرطه ومضى لوجهه. ثم رجع من طريقه واختار التوحيد فقبل وناله من الكرامة والتقريب ما لا فوقه. وهلك في يوم العقاب الآتي ذكره. ثم قوض الناصر عن المهدية، واستعمل عليها محمد بن يغمور الهرغي، وعلى طرابلس عبد الله بن إبراهيم بن جامع، ورجع إلى تونس فأقام إلى سنة ثلاث وستمائة. وسرح أخاه السيد أبي إسحاق في عسكر من الموحدين لأتباع العدو فدوخوا ما وراء طرابلس. واستأصلوا بني دمر ومطماطة وجبال نفوسة وتجاوزها إلى سويقة بني مذكور. وقفل السيد أبو إسحاق بهم إلى أخيه الناصر بتونس وقد كمل الفتح. ثم اعتزم على الرحيل إلى المغرب وأجمع رأيه على تولية أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص وكان شيخ دولته وصاحب رأيه فامتنع، إلى أن بعث إليه الناصر في ذلك بابنه يوسف فأكبر مجيئه وأناب لذلك على أن يقيم بإفريقية ثلاث سنين خاصة خلال ما يستحكم صلاحها، وأن يحكم فيمن يقيم معه من العسكر فتقبل شرطه.
ورجع الناصر إلى مراكش فدخلها في ربيع سنة أربع وستمائة، وقدم عبد العزيز بن أبي زيد الهنتاتي على الأشغال بالعدوتين وكان على الوزارة أبو سعيد بن جامع وكان صديقاً لابن عبد العزيز. وعند مرجعه من إفريقية توفي السيد أبو الربيع بن عبد الله بن عبد المؤمن صاحب تلمسان وسجلماسة، والسيد أبو الحسن بن أبي حفص بن عبد المؤمن صاحب بجاية، وقد كان أبو الربيع هذا ولي بجاية من قبل وهو الذي جدد الرفيع والبديع من رياضها. وكان بنو حماد شيدوها من قبل فأصابهما الخراب وجددهما السيد أبو الربيع. وفي سنة خمس بعدها عقد للسيد أبي عمران بن يوسف بن عبد المؤمن على تلمسان، أدال به من السيد الحسن فوصل إلى تلمسان في عساكر الموحدين وتطوف بأقطارها.
وزحف إليه ابن غانية هنالك فانفض الموحدون وقتل السيد أبو عمران. وارتاع أهل تلمسان وأسرع السيد أبو زكرياء من فاس إليها فسكن نفوسهم خلال ما عقد الناصر لأبي زيد بن يوجان على تلمسان وسرحه في العساكر فنزل بها. وفر ابن غانية إلى مكانه من قاصية إفريقية، ومعه محمد بن مسعود البلط شيخ الدواودة من رياح، وغيره من أعراب رياح وسليم. واعترضهم أبو محمد بن أبي حفص فانكشفوا واستولى الموحدون على محلاتهم وما بأيديهم، ولحقوا بجهات طرابلس. ورجع عنهم سير بن إسحاق آخذاً بدعوة الموحدين. وفي هذه السنة عقد الناصر على جزيرة ميورقة لأبي يحيى بن أبي الحسن بن أبي عمران، أدال به من السيد أبي عبد الله بن أبي حفص، وعقد له على بلنسية، وعقد على مرسية لأبي عمران بن ياسين الهنتاتي، أدال به من أبي الحسن به واكاك. وعقد للسيد أبى زيد على كورة جيان، أدال به من أبي موسى بن أبي حفص، وعقد للسيد أبي إبراهيم بن يوسف على إشبيلية ولأبي عبد الله بن أبي يحيى ابن الشيخ أبي حفص على غرناطة إلى أن كان ما نذكر إن شاء الله تعالى.

أخباره في الجهاد


لما بلغ الناصر تغلب العدو على كثير من حصون بلنسية أهمه ذلك وأقلقه، وكتب إلى الشيخ أبي محمد بن أبي حفص يستشيره في الغزو فأبى عليه فخالفه، وخرج من مراكش سنة تسع ووصل إشبيلية واستقر بها واستعد للغزو. ثم خرج من إشبيلية وقصد بلاد أذفونش فافتتح قلعة شلبطرة وأثلج في طريقه. ونازل الطاغية قلعة رباح، وبها قادس وأخذ بمخنقه فصالحه على النزول، ووصل إلى الناصر فقتله وسار على التعبئة إلى الموضع المعروف بالعقاب. وقد استعد له الطاغية، وجاءه طاغية برشلونه مدداً فكانت الدبرة على المسلمين. وانكشفوا في يوم بلاء وتمحيص أواخر صفر سنة تسع وستمائة. وانكفأ راجعاً إلى مراكش فهلك في شعبان من السنة بعدها. وكان ابن أذفونش قد باطن ابن عمه الببوج صاحب ليون في أن يوالي للناصر ويجري الهزيمة على المسلمين ففعل ذلك. ثم رجعوا إلى الأندلس بعد الكائنة للإغارة على بلاد المسلمين فلقيهم السيد أبو زكرياء بن أبي حفص بن عبد المؤمن قريباً من إشبيلية فهزمهم وانتعش المسلمون بها واتصلت الحال على ذلك.

ثورة ابن الفرس


كان عبد الرحيم بن عبد الرمن بن الفرس من طبقة العلماء بالأندلس ويعرف بالمهر وحضر مجلس المنصور في بعض الأيام وتكلم بها حتى خشي عاقبته في عقده وخرج من المجلس فاختفى مدة ثم بعد مهلك المنصور ظهر في بلاد كزولة وانتحل الإمامة وادعى أنه القحطاني المراد في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يقود الناس بعصاه يملأها عدلا كما ملئت جوراً" إلى آخر الحديث،
فبعث الناصر إليه الجيوش فهزموه، وقتل وسيق رأسه إلى مراكش فنسب بها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الأحد سبتمبر 26, 2010 12:12 pm

دولة المستنصر بن الناصر

لما هلك محمد الناصر بويع ابنه يوسف سنة إحدى عشرة، وهو ابن ست عشرة سنة ولقب المستنصر بالله، وغلب عليه ابن جامع ومشيخة الموحدين فقاموا بأمره. وتأخرت بيعة أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص من إفريقية لصغر سن المستنصر. ثم وقعت المحاولة من الوزير ابن جامع وصاحب الأشغال عبد العزيز بن أبي زيد فوصلت بيعته، واشتغل المستنصر عن التدبير بما يقتضيه الشباب، وعقد للسادة على عمالات ملكه: فعقد للسيد أبي إبراهيم أخي المنصور، وتلقب بالظاهر، على فاس، وهو أبو المرتضى. وعقد على إشبيلية لعمه السيد أبي إسحاق الأحول. واستولى الفنش على المعاقل التي أخذها الموحدون، وهزم حامية الأندلس، ووفد رسوله ابن الفخار فحاوله ابن جامع في السلم فعقده. ثم صرف ابن جامع عن الوزارة بعد مهلك ابن أبي زيد بسعاية أبي بن يوجان، واستوزر أبا يحيى الهزرجي، وولى على الأشغال أبا علي بن أشرفي.
ثم رضي عن ابن جامع وأعاده، وعزل أبا زيد بن يوجان من ولاية تلمسان بأبي سعيد بن المنصور، وبعثه إلى مرسية فاعتقل بها. واستمرت أيام المستنصر في هدنة وموادعة إلى أن ظهر بنو مرين بجهات فاس سنة ثلاث عشره، فخرج إليهم واليها السيد أبو إبراهيم في جموع الموحدين فهزموه وأسروه. ثم عرفوه وأطلقوه، ثم وصل الخبر بمهلك أبي محمد بن أبي حفص صاحب إفريقية فولى عليها السيد أبا العلى أخا المنصور، وكان والياً بإشبيليه فعزل. وولى على إفريقية بسعاية ابن مثنى خاصة السلطان، فتوجه إليها كما نذكر في أخبار بني أبي حفص. وخرج بناحية فاس رجل من العبيديين انتسب للعاضد، وتسمى بالمهدي، فبعث السيد أبو إبراهيم أخو المنصور والي فاس إلى شيعته وبذل لهم المال فتقبضوا عليه، وساقوه إليه فقتل. وفي سنة تسع عشرة عقد المستنصر لعمه أبي محمد المعروف بالعادل على مرسية، وعزله عن غرناطة. وهلك سنة عشرين وقد التاثت الأمور فكان ما نذكر، والله تعالى أعلم.
الخبر عن دولة المخلوع أخي المنصور

لما هلك المستنصر في الأضحى من سنة عشرين اجتمع ابن جامع والموحدون وبايعوا للسيد أبي محمد عبد الواحد أخي المنصور، فقام بالأمر وأمر بمطالبة لبن أاشرفي بالمال. وكتب لأخيه أبي العلى بتجديد الولاية على إفريقية بعد أن كان المستنصر أوعز بعزله، فأدركته الولاية ميتاً فاستبد بها ابنه أبو زيد المشمر كما نذكره في أخبار إفريقية. وأنفذ المخلوع أمره بإطلاق ابن يوجان فأطلق. ثم صده ابن جامع عن ذلك وأنفذ أخاه أبا إسحاق في الأسطول ليغربه إلى ميورقة كما كان المستنصر أنفذ قبل وفاته. وكان الوالي بمرسية أبو محمد عبد الله بن المنصور فأغراه ابن يوجان بالتوثب على الأمر، وشهد له أنه سمع من المنصور العهد له بالخلافة من بعد الناصر. وكان الناس على كره ابن جامع. وولاة الأندلس كلهم بنو المنصور فأصغى إليه، وكان متردداً في بيعة عمه فدعا لنفسه وتسمى العادل. وكان أخوته أبو العلى صاحب قرطبة وأبو الحسن صاحب غرناطة وأبو موسى صاحب مالقة، فبايعوه سراً.
وكان أبو محمد بن أبي عبد الله محمد بن أبي حفص بن عبد المؤمن المعروف بالبياسي صاحب جيان، وعزله المخلوع بعمه أبي الربيع بن أبي حفص، فانتقض وبايع للعادل. وزحف مع أبي العلى صاحب قرطبة وهو أخو العادل إلى إشبيلية، وبها عبد العزيز أخو المنصور والمخلوع فدخل في دعوتهم. وامتنع السيد أبو زيد بن أبي عبد الله أخي البياسي عن بيعة العادل، وتمسك بطاعة المخلوع. وخرج العادل من مرسية إلى إشبيلية فدخلها مع أبي زيد بن يوجان، وبلغ الخبر إلى مراكش فاختلف الموحدون على المخلوع، وبادروا بعزل ابن جامع وتغريبه إلى هسكورة. وقام بأمر هنتاتة أبو زكرياء يحيى بن أبي يحيى الشهيد ابن أبي حفص، وبأمر تينملل يوسف بن علي، وبعث على أسطول البحر أبا إسحاق بن جامع وأنفذه لمنع الجواز من الزقاق. وكان أسر إلى ابن جامع حين خرج إلى هسكورة أن يحاول عليه من هنالك فلم يتم أمره، وقتل بمكان خفي ربيع سنة إحدى وعشرين، وبعث الموحدون بيعتهم إلى العادل والله أعلم.
الخبر عن دولة العادل بن المنصور

لما بلغت بيعة الموحدين للعادل وكتاب ابن زكرياء بن الشيهد بقصة المخلوع، قارن ذلك تغييره للبياسي فانتقض عليه، ودعا لنفسه ببياسة، وتلقب الظافر وشغل بشأنه. وبعث أخاه أبا العلى لحصاره فامتنع عليه، وبعث بعده أبا سعيد ابن الشيخ أبي حفص فامتنع عليه أيضاً. واختلفت الأحوال بالأندلس على العادل. وكثرت إغارة النصارى على إشبيلية ومرسية، وهو مقيم بها. وانهزمت جيوش الموحدين على طلياطة، وأغراه خاصته بابن يوجان فأخذ إلى سبتة. وعظم أمر البياسي بالأندلس وظاهره النصارى على شأنه، فأجاز العادل إلى العدوة وولى أخاه أبا العلى على الأندلس. ولما كان بقصر المجاز دخل عليه عبو بن أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص فقال له كيف حالك? فأنشد:
حال متى علم ابن منصور بهاجاء الزمان إليه منها تائبـا
فاستحسن ذلك وولاه أفريقية. وكتب للسيد أبي زيد ابن عمه بالقدوم، ووصل إلى سلا وأقام بها. وبعث عن شيوخ جشم، وكان لابن يوجان عناية واختصاص بهلال بن حميدان بن مقدم أمير الخلط، فتثاقل ابن جرمون أمير سفيان عن الوصول، واقتتل الخلط ، وبادر العادل إلى مراكش فدخلها واستوزر أبا زيد بن أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص، وتغير لابن يوجان ففسد باطنه. وتغلب على الدولة ابن الشهيد، ويوسف علي شيخا هنتاتة وتينملل. ثم خالفت هسكورة والخلط وعاثوا في نواحي مراكش وخرج إليهم ابن يوجان فلم يغن شيئاً، فخربوا بلاد دكالة، فأنفذ إليهم العادل عسكراً من الموحدين لنظر إبراهيم بن إسماعيل ابن الشي أبي حفص، وهو الذي كان نازع أولاد الشيخ أبي محمد بإفريقية كما نذكره فانهزم وقتل. وخرج ابن الشهيد ويوسف بن علي إلى قبائلهما للحشد ومدافعة هسكورة، فاتفقا على خلع العادل والبيعة ليحيى بن الناصر وقصدوا مراكش فاقتحموا عليه القصر ونهبوه، وقتل العادل خنقاً أيام الفطر سنة أربع وعشرين.
الخبر عن دولة المأمون بن المنصور


ومزاحمة يحيى بن الناصر له

كان المأمون لما بلغه انتقاض الموحدين والعرب على أخيه وتلاشي أمره دعا لنفسه بإشبيلية، فبويع وأجابه أكثر أهل الأندلس. وبايع له السيد أبو زيد صاحب بلنسية وشرق الأندلس. ثم كان ما قدمناه من انتقاض الموحدين على العادل وقتله بالقصر وبيعتهم ليحيى ابن أخيه الناصر، فكاتب ابن يوجان سراً وعمل على إفساد الدولة، فداخل هسكورة والعرب في الغارة على مراكش وهزموا عساكر الموحدين. وفطن ابن الشهيد لتدبير ابن يوجان فقتله بداره. وخرج يحيى بن الناصر إلى معتصمه كما ذكرناه فخلع الموحدون العادل وبعثوا ببيعتهم إلى المأمون.
وتولى كبر ذلك الحسن أبو عبد الله الغريغر والسيد أبو حفص بن أبي حفص فبلغ خبرهم إلى يحيى بن الناصر وابن الشهيد، فنزلوا إلى ماركش سنة ست وعشرين وقتلوهم. وبايع للمأمون صاحب فاس وصاحب تلمسان محمد بن أبي زيد بن يوجان وصاحب سبتة أبو موسى بن المنصور وصاحب بجاية ابن أخيه ابن الأطاس. وامتنع صاحب أفريقية وكان ذلك سبباً لاستبداد الأمير أبي زكريا على ما نذكر. ولم يبق على دعوة يحيى بن الناصر إلا أفريقية وسجلماسة.
وزحف البياسي إلى قرطبة فملكها، ثم زحف إلى إشبيلية فنازل بها المأمون والطاغية معه، بعد أن نزل له عن قجاطة وغيرها من حصون المسلمين فهزمهم المأمون بنواحي إشبيلية ولحق البياسي بقرطبة فثاروا به، ونجا إلى حصن المدور، فغدر به وزيره أبو يبورك. وجاء برأسه إلى المأمون بإشبيلية.
ثم ثار محمد بن يوسف بن هود وملك مرسية، واستولى على الكثير من شرق الأندلس كما ذكرناه في أخباره. وزحف إليه المأمون وحاصره فامتنع عليه فرجع إلى إشبيلية، ثم خرج سنة ست وعشرين إلى مراكش لما استدعاه أهل المغرب، وبعثوا إليه بيعاتهم وبعث إليه هلال بن حميدان أمير الخلط يستدعيه. واستمد الطاغية عسكراً من النصارى فأمده على شروط تقبلها منه المأمون، وأجاز إلى العدوة. وبادر أهل إشبيلية بالبيعة لابن هود، واعترضه يحيى بن الناصر فهزمه المأمون واستلحم من كان معه من الموحدين والعرب، ولحق يحيى بجبل هنتاتة. ثم دخل المأمون الحضرة، وأحضر مشيخة الموحدين وعدد عليهم فعلاتهم، وتقبض على مائة من أعيانهم فقتلهم، وأصدر كتابه إلى البلدان بمحو اسم المهدي من السكة والخطبة، والنعي عليه في النداء للصلاة باللغة البربرية، وزيادة النداء لطلوع الفجر وهو: "أصبح ولله الحمد" وغير ذلك من السنن التي اختص بها المهدي وعبد المؤمن، وجرى على سننها أبناؤه. فأوعز بالنهي عن ذلك كله. وشنع عليهم في وصفهم الإمام المهدي بالمعصوم، وأعاد في ذلك وأبدى. وأذن للنصارى القادمين معه في بناء الكنيسة بمراكش على شرطهم، فضربوا بها نواقيسهم. واستولى ابن هود بعده على الأندلس، وأخرج منها سائر الموحدين، وقتلهم العامة في كل قطر. وقتل السيد أبو الربيع ابن أخي المنصور كان المأمون تركه والياً بقرطبة. واستبد الأمير أبو زكريا ابن أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص بأفريقية، وخلع طاعته سنة سبع وعشرين فعقد للسيد أبي عمران ابن عمه محمد الحرضاني على بجاية مع أبي عبد الله اللحياني أخي الأمير أبي زكريا. وزحف إليه يحيى بن الناصر فانهزم، ثم ثانية كذلك، واستلحم من كان معه، ونصبت رؤوسهم بأسوار الحضرة. ولحق يحيى بن الناصر ببلاد درعة وسجلماسة.
ثم انتقض على المأمون أخوه أبو موسى ودعا لنفسه بسبتة وتسمى بالمؤيد، فخرج المأمون من مراكش وبلغه في طريقه أن قبائل بني فازاز ومكلاتة حاصروا مكناسة وعاثوا في نواحيها فسار إليها وحسم عاملها واستمر إلى سبتة فحاصرها ثلاثة أشهر، واستمد أخوه أبو موسى صاحب الأندلس ابن هود فأمده بأساطيله. وخالد يحيى بن الناصر المأمون إلى الحضرة فاقتحمها مع عرب سفيان وشيخهم جرمون بن عيسى، ومعهم أبو سعيد بن واندين شيخ هنتاتة وعاثوا فيها فأقلع المأمون عن سبتة يريد الحضره، وهلك في طريقه بوادي أم ربيع مفتتح سنة ثلاثين، ولحين إقلاعه دخل أخوه السيد أبو موسى في طاعة ابن هود، وأمكنه من سبتة فأداله منها والله تعالى أعلم.
الخبر عن دولة الرشيد بن المأمون

لما هلك المأمون بويع ابنه عبد الواحد ولقب بالرشيد، وكتموا موت أبيه وأغذوا السير إلى مراكش، واقيهم يحيى بن الناصر في طريقهم بعد أن استخلف بمراكش أبا سعيد بن وانودين فهزموه، وقتل أكثر من معه. وصبح الرشيد مراكش فامتنعوا عليه ساعة، ثم خرجوا أليه واستقاموا على بيعته. وكان وصل في صحبته عمه السيد أبو محمد سعد فحل من الدولة بمكان، وكان إليه التدبير والحل والعقد. وبعد استقرار الرشيد بالحضرة وصل إليه عمر بن وقاريط كبير الهساكرة بمن كان عنده من أولاد المأمون السيد وأخوته جاءوا من إشبيلية عند ثورة أهلها بهم، واستقروا بسبتة عند عمهم أبي موسى، ومنها إلى الحضرة عند استيلاء ابن هود على سبتة ومروا بهكسورة، وكان ابن وقاريط حذراً من المأمون ومعتقداً أن لا يعود إليه فتذمم بصحابة هؤلاء الولد، وقدم علياً لرشيد فتقبله، واعتلق بوصلة من السيد أبي محمد سعد وصحابة لمسعود بن حميدان كبير الخلط.
ولما هلك السيد أبو محمد لحق ابن وقاريط بقومه ومعتصمه وكشف وجه الخلاف، وأخذ بدعوة يحيى بن الناصر، واستنفر له قبائل الموحدين ونهض إليهم الرشيد سنة إحدى وثلاثين، واستخلف على الحضرة صهره أبا العلى إدريس وصعد إليهم الجبل، فأوقع بيحيى وجموعه بمكانهم من هزرجة واستولى على معسكرهم. ولحق يحيى بسجلماسة، وانكفأ الرشيد راجعاً إلى حضرته، واستأمن له كثير من الموحدين الذين كانوا مع يحيى بن الناصر فأمنهم ولحقوا بحضرته. وكان كبيرهم أبو عثمان سعيد بن زكريا الكدموي، وجاء الباقون على أثره وبسعيه بعد أن شرطوا عليه إعادة ما كان أزاله المأمون من رسوم المهدي فأعيدت. وقدم فيهم أبو بكر بن يعزى التينمللي رسولاً عن يوسف بن علي بن يوسف شيخ تينملل، ومحمد بن يزريكن الهنتاني رسولاً عن أبي علي بن عزوز، ورجعا إلى مرسليهما بالقبول، فقدما على الحضرة وقدم معهم موسى بن الناصر أخو يحيى وكبيره. وجاء على أثرهم أبو محمد بن أبي زكريا وأنسوا لإعادة رسوم الدعوة المهدية.
وكان مسعود بن حميدان الخلطي قد أغراه عمر بن وقاريط بالخلاف لصحبة بينهما، وكان مدلاً ببأسه وكثرة جموعه. يقال إن الخلط كانوا يومئذ يناهزون اثني عشر ألفاً سوى الرجل والأتباع والحشود، فمرض في الطاعة وتثاقل عن الوفادة. ولما علم بمقام الموحدين أجمع اعتراضهم وقتلهم تمكيناً للفرقة والشتات في الدولة، فأعمل الرشيد الحيلة في استدعائه، وصرف عساكره إلى حاحة لنظر وزيره السيد أبي محمد، حتى خلا لابن حميدان الجو، وذهب عنه الريب واستقدمه فأسرع اللحاق بالحضرة وقدم معه معاوية عم عمر بن وقاريط، فتقبض عليه وقتل لحينه. واستدعى مسعود بن حميدان إلى المجلس الخلافي للحديث فتقبض عليه وعلى أصحابه وقتلوا ساعتئذ بعد جولة وهيعة، وقضى الرشيد حاجة نفسه فيهم. واستقدم وزيره وعساكره من حاجة فقدموا ولما بلغ خبر مقتلهم إلى قومهم قدموا عليهم يحيى بن هلال بن حميدان، وأجلبوا على سائر النواحي، وأخذوا بدعوة يحبى واستقدموه من مكانه بقاصية الصحراء.
وداخلهم في ذلك عمر بن وقاريط وزحفوا لحصار الحضرة وخرجت العساكر لقتالهم ومعهم عبد الصمد بن يلولان فرجع ابن وقاريط في جموعه من العساكر فانهزموا، وأحيط بجند النصارى فقتلوا وتفاقم الأمر بالحضرة، وعدمت الأقوات. واعتزم الرشيد على الخروج إلى جبال الموحدين فخرج إليها. وسار منها إلى سجلماسة فملكها، واشتد الحصار على مراكش وافتتحها يحيى بن الناصر وقومه من هسكورة والخلط، وساء أثرهم فيها وتغيرت أحوال الخلافة. وتغلب على السلطان السيد أبو إبراهيم بن أبي حفص الملقب بأبي حاقة. وفي سنة ثلاث وثلاثين خرج الرشيد من سجلماسة بقصد مراكش وخاطب جرمون بن عيسى وقومه من سفيان، فأجاز وادي أم ربيع وبرز إليه يحيى في جموعه، والتقى الفريقان فانهزمت جموع يحيى واستحر القتل فيهم، ودخل الرشيد إلى الحضره ظافراً.
وأشار يحيى بن وقاريط على الخلط بالاستصراخ بابن هود صاحب الأندلس، والأخذ بدعوته فنكثوا بيعة يحيى، وبعثوا وفدهم إلى ابن هود صحبة عمر بن وقاريط فاستقر هنالك. وخرج الرشيد من مراكش وفر الخلط أمامه، وسار إلى فاس وسرح وزير السيد أبا محمد إلى غمارة وفازاز لجباية أموالهم. وكان يحيى بن الناصر لما نكث الخلط بيعته سته لحق بعرب المعقل فأجاوره ووعدوه النصرة، واشتطوا عليه في المطالب، وأسف بعضهم بالمنع فاغتاله في جهات تازى، وسيق رأسه إلى الرشيد بفاس فبعثه إلى مراكش وأوعز إلى نائبه بها أبي علي بن عبد العزيز بقتل العرب الذين كانوا في اعتقاله وهم: حسن بن زيد شيخ العاصم، وفائد وفائد ابنا عامر شيخا بني جابر، فقتلهم وانكفأ ،راجعاً إلى حضرته سنة أربع وثلاثين. وبلغه استيلاء صاحب درعة أبي محمد بن وانودين على جلماسة، وذلك أن الرشيد لما فصل من سجلماسة استخلف عليها يوسف بن علي يوسف التينمللي فاستعمل ابن خالته من بني مردنيش، وهو يحيى بن أرقم بن محمد مردنيش، فثارعليه ثائر من صنهاجة وقتله في خبائه. وقام ابنه أرقم يطلب الثأر، وبلغ منه ما أراد. ثم حدثته نفسه بالانتقاض خوفاً من عزلة الرشيد إياه فانتقض.
ونهض إليه الرشيد سنة اثنتين وثلاثين فلم يزل أبو محمد بن وانودين يعمل الحيلة في استخلاصها حتى تمكن منها وعفى عن أرقم. وكان ابن وقاريط لما فصل إلى ابن هود سنة أربع وثلاثين ركب البحر في أسطول ابن هود، وقصد سلا وبها السيد أبو العلى صهر الرشيد، فكاد أن يغلب عليها. وفي سنة خمس وثلاثين بايع أهل إشبيلية للرشيد ونقضوا طاعة ابن هود، وتولى كبر ذلك أبو عمر بن الجد وأشخص ببني حجاج إلى سبتة، ووصل وفدهم إلى الحضرة ومروا في طريقهم بسبتة، فاقتدى أهلها بهم في بيعة الرشيد.
وخلعوا أميرهم اليانشي الثائر بها على ابن هود وقدموا على الحضرة. وولى عليهم الرشيد أبا علي بن خلاص منهم. ولأيام من مقدمهم وصل عمر بن وقاريط معتقلاً من إشبيلية أغراهم بالقبض عليه القاضي أبو عبد الله المؤمناني، كان توجه رسولاً إلى ابن هود عن الرشيد، فأمكنهم من ابن وقاريط. وبعثه إلى الرشيد في وفد من رسله فاعتقله بأزمور وقتل وصلب برباط هسكورة، بعد أن طيف به على جمل وانصرف وفد إشبيلية وسبتة، واستقدم الرشيد رؤساء الخلط فتقبض عليهم وبعث عساكره فاستباحوا حللهم وأحياءهم ثم أمر بقتل مشيختهم وقتل معهم ابن وقاريط، وقطع دابرهم. وفي سنة ست وثلاثين وصلت بيعة محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر الثائر بالأندلس على ابن هود. وفي سنة سبع وثلاثين اشتدت الفتنة بالمغرب، وانتشر بنو مرين في بسائطه، وقاتلهم رياح بازغار وشيخهم عثمان بن نصر، فهزمهم بنو مرين وقتلوهم قتلاً ذريعاً. وكان الرشيد استقدم أبا محمد بن وانودين من سجلماسة سنة خمس وثلاثين، وعقد له على فاس وسجلماسة وغمارة ونواحيها من أرض المغرب، فكان هنالك. ولما انتشر بنو مرين بالمغرب زحف إليهم فهزموه، ثم زحف ثانية وثالثة فهزموه وأقام في محاربتهم سنتين، ورجع إلى الحضرة. واشتد عدوان بني مرين بالمغرب وألحوا على مكناسة حتى أعطوا الأتاوة لبني حمامة منهم فأسفوا بني عسكر بذلك، واتصل عيثهم في نواحيها. وفي سنة تسع وثلاثين قتل الرشيد كاتبه ابن المؤمناني لمداخلة له مع بعض السادة وهو عمر ابن عبد العزيز أخي المنصور، وقف على كتابه إليه بخطه. وغلظ الرسول بها فدفعها بدار الخليفة. وفي سنة أربعين بعدها كانت وفاة الرشيد غريقاً، زعموا في بعض حوائز القصر. ويقال إنه أخرج من الماء وحم لوقته وكان فيها مهلكه.
الخبر عن دولة السعيد بن المأمون

لما هلك الرشيد بويع أخوه أبو الحسن السعيد بتعيين أبي محمد بن وانودين وتلقب المعتضد بالله. واستوزر السيد أبا إسحاق بن السيد أبي إبراهيم ويحيى بن عطوش. وتقبض على جملة من مشيخة الموحدين، واستصفى أموالهم واستخلص لنفسه رؤساء العرب من جشم. واستظهر بجموعهم على أمره وكان شيخ سفيان كانون بن جرمون كبير مجلسه، ولأول بيعته انتقض عليه أبو علي بن خلاط البلنسي صاحب سبتة، وكذلك أهل إشبيلية وبايعوا جميعاً للأمير أبي زكريا صاحب أفريقية.
ثم انتقض عليه بسجلماسة عبد الله بن زكريا الهزرجي لمقالة كانت منه يوم بيعة الرشيد أسرها له فبايع للأمير أبي زكريا. ثم وصلته في هذه السنة هدية يغمراسن بن زيان صاحب تلمسان فنهض الأمير أبو زكريا صاحب أفريقية بسبب ذلك إلى تلمسان، واستولى عليها. ثم عقد عليها ليغمراسن حسبما نذكر في أخباره. وخرج السعيد من مراكش لتمهيد بلاد المغرب سنة اثنتين وأربعين وتغير لسعيد بن زكريا الكدميوي فتقبض عليه في معسكره بتانسفت وفر أخوه أبو زيد ومعه أبو سعيد العود الرطب، ولحقوا بسجلماسة فاستصفى أموالهم بمراكش، وارتحل بقصد سجلماسة وأخذ واليها عبد الله الزرجي في أسباب الامتناع، فغمر به أبو زيد بن زكريا الكدميوي وداخل أهل سجلماسة في الثورة عليه، وملك البلد. واستدعى السعيد لها فوصل وقتل الهزرجي.
وفر أبو سعيد العود الرطب إلى تونس. ثم رجع السعيد إلى المغرب وقتل سعيد بن زكريا ونزل المقرمدة من أحواز فاس. وعقد المهادنة مع بني مرين، وقفل إلى مراكش فتقبض على أبي محمد بن وانودين، واعتقله بأزمور. واعتقل معه يحيى بن مزاحم ويحيى بن عطوش لنظر ابن ماكسن، فأعمل الحيلة في الفرار من معتقله. وخلص ليلاً إلى كانون بن جرمون فأركبه وبعث معه من عرب سفيان من أوصله إلى قومه هنتاتة. وراسله لسعيد على أثرها وسكنه واعتذر له، وأسعفه بسكنى تافيوت من حصون جبلة بأهله وولده.
انتقض على السعيد كانون بن جرمون وسفيان، وخالفهم إليه بنو جابر والخلط، وخرج من مراكش واستوزر السيد أبا إسحاق بن السيد أبي إبراهيم إسحاق أخي المنصور. واستخلف أخاه أبا زيد على مراكش، وأخاهما أبا حفص عمر على سلا وفصل من مراكش سنة. وجمع له أبو يحيى بن عبد الحق جموع بني راشد وبني ورا وسفيان، حتى إذا تراءى الفريقان للقاء خالف كانون ابن جرمون الموحدين إلى أزمور.
واستولى عليها ورجع السعيد أدراجه في أتباعه، ففر كانون، واعترضه السعيد فأوقع به، واستلحم كثيراً من سفيان قومه، واستولى على ماله من مال وماشة. ولحق كانون في فله ببني مرين ورجع السعيد إلى الحضرة. وفي سنة ثلاث وأربعين ثارت للعامة بمكناسة على واليها من أبل السعيد فقتلوه. وحذر مشيختها من سطوته فحولوا الدعوة إلى الأمير أبي زكريا بن أبي حفص صاحب إفريقية، وبعثوا إليه بيعتهم، وكانت من إنشاء أبي المطرف بن عميرة، وذلك بمداخلة أبي يحيى بن عبد الحق أمير بني مرين ووفاقه لهم على ذلك. وشارطوا أبا يحيى بن عبد الحق بمال دفعوه إليه على الحماية.
ثم راجوا رأيهم وأوفدوا صلحاءهم ببيعتهم فرضي عنهم السعيد ورضوا عنه. وفي هذه السنة بعث أهل إشبيلية وأهل سبتة بطاعتهم للأمير أبي زكريا صاحب إفريقية. وبعث ابن خلاص بهديته مع ابنه في أسطول أنشأه لذلك فغرق عند إقلاعه من المرسى. وفي وأربعين كان سنة ست وأربعين كان استيلاء الطاغية على إشبيلية لسبع وعشرين من رمضان. ولما بلغ السعيد بيعة أهل إشبيلية وسبتة للأمير أبي زكريا إلى ما كان من تغلبه على تلمسان، وأخذ يغمراسن بدعوته، ثم ما كان من بيعة أهل مكناسة وأهل سجلماسة له أعمل نظره في الحركة إلى تلمسان ثم إلى إفريقية. وخرج من مراكش في ذي الحجة في سنة خمس وأربعين، ووافاه كانون بن جرمون فعاود الطاعة واستحشد سفيان وجاء في جملة السعيد مع سائر القبائل من جشم. ولما احتل السعيد بتازى وافاه وفد بني مرين عن أميرهم أبي يحيى بن عبد الحق، فأعطوه الطاعة وبعثوا معه عسكراً من قومهم مدداً له.
ثم سار السعيد إلى تلمسان فكان مهلكه بتامزردكت على يد بني عبد الواد في صفر سنة ست وأربعين حسبما نشرح في أخبارهم. ويقال إن ذلك كان بمداخلة من الخلط فاستولوا على المحلة وقتلوا عدوهم كانون، وانفض العسكر إلى المغرب وقد اجتمعوا إلى عبد الله بن السعيد، واعترضهم بنو مرين بجهات تازى، فقتلوا عبد الله بن السعيد ولحق الفل بمراكش فبايعوا للمرتضى كما نذكره.
الخبر عن دولة المرتضى ابن أخي المنصور

لما لحق فل العسكر بعد مهلك السعيد بمراكش اجتمع الموحدون على بيعة السيد أبي حفص عمر بن السيد أبي إبراهيم إسحاق أخي المنصور، واستقدموه لها من سلا فلقيه وافدهم بتامستا من طريقه ومعه أشياخ العرب فبايعوه وتلقب المرتضى. وعقد ليعقوب بن كانون على بني جابر ولعمه يعقوب بن جرمون على عرب سفيان بعد أن كان قومه قدموه عليهم، ودخل الحشرة فاستوزر أبا محمد بن يونس وتقبض علي حاشية السعيد. ثم وصل أخوه السيد أبو إسحاق من الفل أخذاً على طريق سجلماسة فاستوزره واستبد عليه. واستولى أبو يحيى بن عبد الحق وبنو مرين إثر مهلك السعيد على رباط تازى من يد السيد أبي علي أخي أبي دبوس وأخرجوه فلحق بمراكش. ثم استولوا بعدها على مدينة فاس سنة سبع وأربعين كما نذكره في أخبارهم بعد.
وفي هذه السنة ثار بسبتة أبو القاسم العزفي وأخرج ابن الشهيد الوالي على سبتة من قرابة الأمير أبي زكريا صاحب إفريقية وحول الدعوة للمرتضى حسبما نذكر في أخبار الدولة الحفصية وأخبار بني الغزي. وفي سنة تسع وأربعين وفد على المرتضى موسى بن زيان الونكاسي وأخوه على من قبائل بني مرين وأغروه بقتال بني عبد الحق فخرج إليهم. ولما انتهى إلى أمان يملولن أشاع يعقوب بن جرمون قضية الصلح بينهما فأصحوا راحلين، وقد استولى الجزع على قلوبهم فانفضوا ووقعت الهزيمة من غير قتال. ووصل المرتضى إلى الحضرة فعزل أبا محمد بن يونس عن الوزارة لشيء بلغه عنه، وأسكنه بجبلة مع حاشيته وفر من جملته علي بن يدر إلى السوس سنة إحدى وخمسين، وجاهز بالعناد. وسرح إليه السلطان عسكراً من الجند فرجعوا عنه ولم يظفروا به. وتقاقم أمره سنة اثنين وخمسين. وجمع أعراب الشبانات وبني حسان وحمل أموال ونازل تارودنت فحاصر من كان بها. وسرح المرتضى إليه عسكراً من الموحدين فأفرج عنها. ثم رجع بعد قفولهم إلى حاله، وعثر على خطابه لقريبة ابن يونس وكتاب ابن يونس إليه بخطه، فاعتقل هو وأولاده ثم قتل.
وفي هذه السنة استدعى مشيخة الخلط إلى الحضرة وقتلوا لما كان منهم في مهلك السعيد. وفيها خرج أبو الحسن بن يعلو في معسكر من الموحدين إلى تامستا ليكشف أحوال العرب، ومعه يعقوب بن جرمون، وعهد إليه المرتضى بالقبض على يعقوب بن محمد بن قيطون شيخ بني جابر، فتقبض عليه وعلى وزيره ابن مسلم وطير بهما إلى الحضرة معتقلين.
وفي سنة ثلاث وخمسين خرج المرتضى من مراكش لاسترجاع فاس ونواحيها من أيدي بني مرين المتغلبين عليها فوصل إلى بني بهلول، وزحف إليه بنو مرين وأميرهم أبو يحيى فكانت الهزيمة على الموحدين بذلك الموضع. ورجع المرتضى مفلولاً إلى مراكش، ووادع بني مرين من بعد ذلك سائراً أيامه. واستبد العزفي بسبتة، وابن الأمير بطنجة كما نذكره في أخبارهم.
وفي سنة خمس وخمسين بعث المرتضى إلى السوس عسكراً من الموحدين لنظر أبي محمد بن أصناك فلقيهم علي بن يدر وهزمهم واستبد بأمره في السوس. وفي هذه السنة استولى أبو يحيى بن عبد الحق على سجلماسة، وتقبض على واليها عبد الحق بن أصكو بمداخلة من خديم له يعرف بمحمد القطراني، كان أبوه تاجراً في القطران بنواحي سلا، فصرف عبد الحق ابنه محمد هذا في مهمة وقربه من بين أهل خدمته، وحدثته نفسه بالثورة فاستمال عرب المعقل أولا بالمشاركة في حاجتهم عند مخدومه، والإحسان إليهم حتى اشتملوا عليه.
ثم داخل أبا يحيى بن عبد الحق في تمكينه من البلد فجاء بجملته، وقدم وفده إلى البلد رسلا في بعض الحديث فتقبض محمد القطراني على عبد الحق بن أصكو وأخرجه إلى أبي يحيى بن عبد الحق، فقاده وسرحه إلى مراكش. وكان القطراني شرط على أبي يحيى أن يكون والي سجلماسة فأمضى له شرطه، وأنزل معه بها من رجالات بني مرين، حتى إذا هلك أبو يحيى بن عبد الحق أخرجهم محمد القطراني واستبد بأمر سجلمانة وراجع دعوة المرتضى واعتذر إليه، واشترط عليه الاستبداد فأمضى له شرطه إلا في الأحكام الشرعية.
وبعث أبا عمر بن حجاج قاضياً من الحضرة، وبعض السادات للسكنى في القصبة، وقائداً من النصارى بعسكر للحماية، فعمل ابن حجاج الحيلة في قتل القطراني وتولاه قائد النصارى. واستبد السيد بأمر سجلماسة بدعوة المرتضى، واستفحل أمر بني مرين أثناء ذلك. ونزل يعقوب بن عبد الحق بسائط تامستا فسرح إليهم المرتضى عسكر الموحدين لنظر يحيى بن وانودين فأجفلوا إلى وادي أم ربيع، واتبعهم الموحدون فرجعوا إليهم، وغدر بهم بنو جابر فانهزم الموحدون بأم الرجلين. ولحق شيخ الخلط علي بن أبي علي ببني مرين وارتحلوا إلى أوطانهم.
وكان المرتضى قدم يعقوب بن جرمون على قبائل سفيان وكان يعقوب ابن أخيه كانون يناهضه في رياسة قومه، وغص به فقتله. وثار به أخواه مسعود، وعلي بعد حين فقتلاه. وولى المرتضى مكانه ابنه عبد الرحمن، فاستوزر يوسف بن وارزك ويعقوب بن علوان. وشغل بلذاته وتصدى لقطع السابلة ثم نكث الطاعة ولحق ببني مرين فولى مكانه عمه عبيد الله بن جرمون ويكنى بأبي زمام. وعقد له المرتضى، ثم أدال منه بأخيه مسعود لعجزه. ووفد على المرتضى عواج بن هلال من أمراء الخلط نازعاً إلى طاعته ومفارقاً لبني مرين، فأنزل مع أصحابه بمراكش وجاء على أثره عبد الرحمن بن يعقوب بن جرمون فتقبض على عواج ودفعه إلى علي بن أبي علي فقتله، وكان تقبض معه على عبد الرحمن بن يعقوب ووزيريه فقتلوا جميعاً واستبد برياسة سفيان مسعود بن كانون وبرئاسة بني جابر إسماعيل بن يعقوب بن قيطون.
ونجي سنة ستين عند رجوع يحيى بن وانودين من واقعة أم الرجلين خرج عسكر من الموحدين إلى السوس لنظر محمد بن علي أزلماط. ولقبه علي بن يدر فهزم جموعه وقتله، وعقد المرتضى من بعده على حرب علي بن يدر للوزير أبي زيد بن بكيت، وسرح معه. عسكراً من الجند، وكان فيهم دنلب من زعماء النصرانية، فدارت الحرب بين الفريقين، ولم يكن للموحدين فيها ظهور على كثرتهم وقوة جلدهم وحسن بلائهم، قعد بهم عن ذلك تكاسل دنلب وخروجه عن طاعة الوزير. وكتب بذلك للمرتضى فاستقدمه، وأمر أبا زيد بن يحيى الكدميوي باعتراضه في طريقه وقتله. وفي سنة اثنتين وستين أقبل يعقوب بن عبد الحق في جموع بني مرين فنازلوا مراكش واتصلت الحرب بينهم وبين الموحدين بظاهرها أياماً هلك فيها عبد الله أنعجوب بن يعقوب، فبعث المرتضى إلى أبيه بالتعزية ولاطفه وضرب له أتاوة يبعث بها إليه في كل عام فرضي وارتحل عنهم.
الخبر عن انتقاض أبي دبوس وتغلبه علي مراكش ومهلك المرتضى وما كان في دولته من الأحداث

لما ارتحل بنو مرين عن مراكش بعد مهلك أنعجوب فر من الحضرة قائد حروبه السيد أبو العلى الملقب بأبي دبوس بن السيد أبي عبد الله محمد بن السيد أبي حفص بن عبد المؤمن لسعاية تمكنت فيه عند المرتضى، وصحبه ابن عمه السيد أبو موسى عمران بن عبد الله بن الخليفة، فلحقا بمسعود بن كلداسن كبير هسكورة فأجاره. ثم لحق بيعقوب بن عبد الحق بفاس صريخاً به على شأنه واشترط له المقاسمة في العمالة والذخيرة فأمده بالمال، يقال خمسة آلاف دينار عشرية. وأوعز إلى علي بن أبي علي الخلطي بمظاهرته وأعطاه الآلة. ورجع إلى علي بن أبي علي الخلطي فأمد بقومه. ثم سار إلى هسكورة ونزل على صاحبه مسعود بن كلداسن فأطاعه قبائل هسكورة وهزرجة.
وبعث إليه عزوز بن يبورك كبير صنهاجة في ناحية أزمور، وكان منحرفاً عن طاعة المرتضى إلى جملة يعقوب بن عبد الحق، ووفد عليه جماعة من السادة والموحدين والجند والنصارى. وارتاب المرتضى بمسعود بن كانون شيخ سفيان وبإسماعيل بن قيطون شيخ بني جابر فتقبض عليهما واعتقلهما، وصار الكثير من قومهما إلى أبي دبوس. وقتل إسماعيل بن قيطون في معتقله فانتقض أخوه ثائراً ولحق بهم، وحذر علوش بن كانون مثلها على أخيه فاتبعهم، وزحف أبو العلى إلى مراكش. ولما بلغ أغمات وجد بها الوزير أبا زيد بن بكيت في عسكر لحمايتها فناجزه الحرب فانهزم ابن بكيت وقتل عامة أصحابه. وسار أبو دبوس إلى مراكش، وأغار علوش بن كانون على باب الشريعة والناس في صلاة الجمعة، وركز رمحه بمصراعه.
ودخلت سنة خمس وستين والمرتضى بمراكش غافل عن شأن أبي دبوس، والأسوار خالية من الحراس والحامية، فقصد أبو دبوس باب أغمات فتسور البلد من هنالك، ودخلها على حين غفلة. وقصد القصبة فدخلها من باب الطبول وفر المرتضى ومعه الوزيران أبو زيد بن يعلو الكومي وأبو موسى بن عزوز الهنتاتي، فلحقوا بهنتاتة وألفوهم قد بعثوا بطاعتهم فرحل إلى كدميوة ومر في طريقه بعلي بن زكداز الوتكاسي، كان نزع إليه عن قومه ولم يفد عليه بعد، فنزل به المرتضى ورحل معه علي بمن معه إلى كدميوة، وكان فيها وزيره أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الكريم، فأراد النزول عليه فمنعه ابن سعد الله، فسار إلى شفشاوة، ووجد بها عدداً من الظهر فمنحها علي بن زكداز. وكتب إلى ابن وانودين بمسكره من حاحة. وإلى عطوش بمعسكره من ركراكة باللحاق به فأقلعا إلى الحضرة.
وخاطب أبو دبوس علي بن زكداز يرغبه في القدوم عليه، فارتاب المرتضى لذلك ولحق بأزمور فتقبض عليها واليها ابن عطوش. وكان أصهره واعتقله وطير الخبر إلى أبي دبوس، فأمر وزيره السيد أبا موسى أن يكاتبه في كشف أماكن الذخيرة، فأجابه بإنكار أن يكون ذخر شيئاً عندهم، والحلف على ذلك. وسألهم بالرحم فعطف أبو دبوس عليه، وجنح إلى الإبقاء. وبعث وزيره السيد أبا مسعود بن كانون في إزعاجه إليه.
ثم بدا له في استحيائه بإشارة بعض السادات، فكتب خاله إلى السيد أبي موسى بقتله، واستقل أبو دبوس بالأمر وتلقب الواثق بالله والمعتمد على الله. واستوزر السيد موسى وأخاه السيد أبا زيد وبذل العطاء ونظر في الولايات ورفع المكوس عن الرعية وحدث بينه وبين مسعود بن كلداسن وحشة فارتحل إليه لإزالتها. وقدم عبد العزيز بن عطوش سفيراً إليه في ذلك. وبلغه أن يعقوب بن عبد الحق نزل تامستا فأوفد عليه حميدي بن مخلوف الهسكوري بهدية فقبلها، وأكد بينهما العهد وانكفأ راجعاً إلى وطنه. ورجع حميدي إلى الواثق، ووافق وصول عبد العزيز بن عطوش بطاعة مسعود بن كلداسن، فرجع أبو دبوس إلى مراكش بعد أن عقد لأبي موسى بن عزوز على بلاد حاحة. وبلغه في طريقه عن عبد العزيز بن السعيد أنه حدث نفسه بالملك، وإن ابن بكيت وابن كلداسن داخلوه في ذلك. وساءل عن ذلك السيد أبا زيد بن السيد أبي عمران خليفته، وأخبره بما سمع، وأمره بالقبض عليه وقتله، فأنفذ ذلك.
ثم ارتحل إلى السوس لتمهيده، وحسم علل ابن يدر فيه. وقدم يحيى بن وانودين لاستنفار قبائل السوس من كزولة ولمطة وكنفيسة وصناكة وغيرهم وسار يتقرى المنازل ويستنفر القبائل، ومر بتارودنت فوجدها قفراً خلاء إلا قلائل من الدور بخارجها. ونزل على حميدي صهر علي بن يدر وقريبه بحصن تيسخت على وادي السوس، كان لصنهاجة فغلبهم عليه ابن يدر وملكه فنازله أبو دبوس وحاصره أياماً، وهزم فيها جموعه وداخل حميدي علي بن زكداز في إفراج أبي دبوس على سبعين ألف دينار يؤديها إليه، فأعجله الفتح عن ذلك ونجا بدمائه إلى بيته. وطولب بالمال، وبقي معتقلا عند ابن زكداز، وامتنع ابن يدر بحصنه. ثم أطاع ووصلت رسله بطاعته، فانصرف الواثق إلى حضرته ودخلها سنة خمس وستين. وبلغه الخبر بانتقاض يعقوب بن عبد الحق وأنه زاحف إلى... فبعث بهديته إلى تلمسان صحبة أبي الحسن بن قطرال وابن أبي عثمان رسول يغمراسن، وخرج بهم من مراكش ابن أبي مديون السكاسني دليلا. وسلك بهم على القفر إلى سجلماسة، وبها يحيى بن يعمراسن، فبعثهم مع بعض المعقل إلى أبيه فألفوه بجهة مليانة، فأقام أبو قطرال بتلمسان ينتظره. وكان يعقوب بن عبد الحق لما بلغه ذلك نهض إلى مراكش بجيوش بني قرين وعسكر المغرب، ونزل بضواحي مراكش وأطاعه أهل النواحي ونهض إليه أبو دبوس في عساكر الموحدين فاستجره يعقوب إلى وادي أغفو، ثم ناجزه الحرب فاختل مصافه وغر عسكره وانهزم يريد مراكش، والقوم في أتباعه فأدرك وقتل. وبادر يعقوب بن عبد الحق فدخل مراكش في المحرم فاتح سنة ثمان وستين وفر بقية المشيخة من الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا بايعوا عبد الواحد بن أبي دبوس، وسموه المعتصم مدة خمسة أيام وخرج في جملتهم، وانقرض أمر بني عبد المؤمن والبقاء لله وحده.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الأحد سبتمبر 26, 2010 12:18 pm

الخبر عن هسكورة


وأما هسكورة وهم أكثر قبائل المصامدة، وفيهم بطون كثيرة أوسعها بطن هسكورة. وأما سواهم من بطون كنفيسة فأنفقتهم الدولة بما تولوا من مشايعتها وإبرام عقدتها، فهلك رجالاتهم في إنفاقها سبل الأمم قبلهم في دولتهم. وأما هسكورة فكان لهم بين الموحدين مكان واعتزاز بكثرتهم وغلبهم إلا أنهم كانوا أهل بدو ولم يخالطوهم في ترفهم ولا أنعموا في نعيمهم. وكان جبلهم الذي أوطنوه من حالة دون القنة منها والذروة. واعتصموا منه بالآفاق الغدد واليفاع الأشم والطود الشاهق، قد لمس الأفلاك بيده ونظم النجوم في مفرقه وتلفع بالسحاب في مروطه، وآوى الرياح العواصف الدجوة وألقى إلى خبر السماء بإذنه، وأظل على البحر الأخضر بشماريخه، واستدبر القفر من بلاد السوس بظهره، وأقام سائر جبال درن في حجره.
ولما انقرض أمر الموحدين وتغلب بنو مرين على المصامدة أجمع، وساموهم خطة الخسف في وضع الضرائب، والمغارم عليهم فاستكانوا لعزهم وأعطوهم يد الطواعية، واعتصم هسكورة هؤلاء بمعقلهم واعتزوا فيه بمنعتهم؛ فلم يغمسوا في خدمتهم يداً ولا أعطوهم مقاداً ولا رفعوا بدعوتهم راية إنما هي منابذة لأمرهم وامتناع عليهم سائر الأيام. فإذا زحفت الحشود وتمرست بهم العساكر دافعوهم بطاعة معروفة وأتاوة غير ملتزمة ورئيسهم مع ذلك يستخلص جبايتهم لنفسه ويدفعهم في المضايق لحمايته، وربما تخطاهم إلى بعض قبائل الجبل ومن قاربه من أهل بسائط السوس يعسكر بذلك للرجل من قومه هكسورة وكنفيسة، وبالحشد من العرب الموطنين بأرض السوس.
وسفيان وهم بطن الحارث ومن المعقل وهم بطن الشبانات، وكان رئيسهم في ما ذكرنا - بعد انقراض عبد المؤمن بن يوسف، وتحرير لسان الأعجمين - هو عبد الواحد، وكان له في الاستبداد والصرامة ذكر. وهلك سنة ثمانين وستمائة، وكان منتحلاً للعلم واعية له جماعة لكتبه ودواوينه حافظاً لفروع الفقه. يقال إن الأحاديث المدونة كانت من محفوظاته، محباً في الفلسفة مطالعاً لكتبها حريصاً على نتائجها من علم الكيمياء والسيمياء والسحر والشعوذة، مطلعاً على الشرائع القديمة والكتب المنزلة بكتب التوراة.
ويجالس أحبار اليهود حتى لقد اتهم في عقيدته ورمي بالرغبة عن دينه. ثم ولي من بعده ابنه عبد الله، وكان مقتفياً سنن أبيه في ذلك، وخصوصاً في انتحال السحر والاستشراف إلى صنعة الكيمياء. ولما فرغ السلطان أبو حسن من شأن أخيه عمر، وسكن فتنة المغرب، ودوخ أقطاره وحل معتصمه بالعساكر وأوطأ ساحاته لكتائب رجاله دون من يمده من أعراب السوس من ورائه، بما كان من تغلبه على بلادهم واقتضائه بطاعتهم وإنزال عماله بالعساكر بينهم، فلاذ منه عبد الله السكسيوي بطاعة معروفة، رهن فيها ابنه، واشترط للسلطان الهدية والضيافة فتقبل منه، ومنحه جانب الرضى.
ولما كانت نكبة السلطان بالقيروان، واضطراب المغرب فتنة وخلا جو البلاد المراكشية من المشايخ اجتمع رأي الملأ من المصامدة على النزول إلى مراكش، وأحكموا عقد الاتفاق بينهم وأجمعوا تخريبها بما كانت داراً للإمرة ولمقام الكتائب المجمرة، وزعم عبد الله السكسيوي هذا بإنفاذ ذلك فيها، وضمن هو تخريب المساجد لتجافيهم عنها فكانت مذكورة على الأيام. ثم انحل عزمهم وافترقت جماعتهم وكلمتهم بما كانت من استقامة الدولة بفاس واجتماع بني مرين على السلطان أبي عنان كما يذكر بعد فانحجر كل منهم بوجاره.

ولما فرغ أبو عنان من شأن أبيه، واستولى على المغرب الأوسط وغلب عليه بنو عبد الواد. ولحق أخوه أبو الفضل بن مطرح اغترابه في الأندلس بالطاعة يروم الإجازة إلى المغرب لطلب حقه، فأركبه السفير إلى مراحل السوس فنزل به، ولحق بعبد الله السكسيوي فأواه وظاهره على أمره. فجرد أبو عنان العزائم إليهم وعقد لوزيره فارس بن ميمون بن وادرار على حربهم. واستخرج جيوش المغرب وأناخ بساحته سنة أربع وخمسين واختط بسفح الجبل مدينة لحصاره سماها القاهرة. وأخذت بمخنقه وزاحت بمناكبها أركان معقله حتى لاذت للسلم، واشترط أن ينبذ العهد إلى أبي الفضل المصري عنده يذهب حيث يشاء فتقبل منه، وعقد له سلماً على عادته وأفرج عنه. وخرج على عبد الله السكسيوي لأيام السلطان أبي سالم ابنه محمد المعروف في لغتهم أيزم ومعناه الأسد، فغلبه على أمره ولحق عبد الله بعامر بن الهنتاتي كبير المصامدة لعهده وعامل السلطان عليهم، فاستجاش به ووعده عامر النصرة وأمهله عاماً ونصه حتى وفد على سلطان، واستوهب في ذلك.
ثم أجمع على نصره من عدوه فجمع له الناس وخاطب أهل ولايته أن يكون معه يداً. وزحف عبد الله حتى نزل بالقاهرة، وأخذ بمخنق أبيه وأشياعه. ثم داخله بعض بطانته ودله على بعض العورات اقتحم منها الجبل وثاروا بابنه أيزم فصاح به عبد الله وقومه. وفر محمد أمامهم فأدرك بتلاسف من نواحي الجبل وقتل واسترجع عبد الله ملكه، واستقلت قدمه إلى أن مكر به ابن عمه يحيى بن سليمان حين بلغ استبداد الوزير عمر بن عبد الله على سلطان المغرب واستبداد عامر بن محمد بولاية مراكش وثأر منه يحيى هذا بأبيه سليمان وهو عم عبد الله، وكان قتله أيام إمارته الأولى. وأقام مملكاً على سكسيوة إلى سنة خمس وسبعين فثار عليه أبو بكر بن عمر بن خرو فقتله بأخيه عبد الله، واستقل بأمر سكسيوة ومن إليهم. ثم خرج عليهم لأعوام من استقلاله ابن عم له من أهل بيته لم ينقل لي من تعريفه إلا أن اسمه عبد الرحمن، لأن ثورته كانت بعد رحلتي الثانية من المغرب سنة ست وسبعين، فأخبرني الثقة بأمره وأنه ظفر بأبي بكر بن عمر وقتله. واستبد بأمر الجبل إلى هذا العهد فيما زعم وهو سنة تسع وسبعين. ثم بلغني سنة ثمان وثمانين أن عبد الرحمن هذا ويعرف بأبي زيد بن مخلوف بن عمر آجليد قتله يحيى بن عبد الله بن عمر، واستبد بأمر هذا الجبل وهو الآن مالكه، وهو أخو أيزم بن عبد الله. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
بقية قبائل المصامدة

وأبا بقية قبائل المصادمة من سوى هؤلاء السبع مثل هيلانة وحاحة ودكاكة وغيرهم ممن أوطن هضاب الجبل أو ساحته فهم أمم لا تنحصر. ودكالة منهم في ساحة الجبل من جانب الجوف مما يلي مراكش إلى البحر من جانب الغرب. وهناك رباط آسفي المعروف ببني ماكر من بطونهم وبين الناس اختلاف في انتسابهم في المصامدة أو صنهاجة وتجاورهم من جانب الغرب في بسيط ينعطف ما بين ساحل البحر وجبل درن في بسيط هناك يفضي إلى السوس، يعمره من حاحة هؤلاء خلق أكثرهم في خمر الشعراء من الشجر المعروف بأرجان، يتحصنون بملتفها وأدواحها، ويعتصرون الزيت لأدامهم من ثمارها. وهو زيت شريف طيب اللون والرائحة والطعم يبعث منه العمال إلى في دار الملك في هداياهم فيطوفون به.
وبآخر مواطنهم مما يلي أرض السوس، وفي القبلة عن جبل درن دنست وبها معظم هذه الشعراء ينزلها رؤساؤهم، ورياستهم في بطن منهم يعرفون بمغراوة، وكان شيخهم لعهد السلطان أبي عنان إبراهيم بن حسين بن حماد بن حسين، وبعده ابنه محمد بن إبراهيم بن حسين، وبعده ابن عمهم خالد بن عيسى بن حماد. واستمرت رياسته عليهم إلى أعوام ست وسبعين وسبعمائة أيام استيلاء السلطان عبد الرحمن بن بطوسن على مراكش، فقتله شيخ بني مرين علي بن عمر الورتاجي من بني ويغلان منهم وما أدري لمن صارت رياستهم من بعده وهم دكالة جميعاً أهل مغرم واسع وجباية موفورة فيما علمناه، ولله الخلق والأمر وهو خير الوارثين.
كان الواثق جهز لحرب أحد أمراء المصامدة، فكان وزيره داخله في ذلك السيد أبا زيد بن السيد أبي عمران خليفته وأخبره بما سمع، وأمره بالقبض عليه وقتله فأنفذ ذلك. ثم ارتحل إلى السوس لتمهيده، وحسم هلال بن يدر فيه علله، وقدم يحيى بن وانودين لاستنفار قبائل السوس من كزولة ولمطة وصناكة وغيرهم، وسار يتعدى المنازل ويستنفر القبائل وهو بتارودنت فوجدها قفراً خلاء إلا قليلاً من الدور بخارجها. ونزل على حميدين صهر علي بن يدر وقريبه بحصن تيسخت على وادي السوس، كان لصنهاجة فغلبهم عليه ابن يدر وملكه فنازله أبو دبوس وحاصره أياماً وهزم فيها جموعه.
وداخل محمد بن علي بن زكدان في إفراج أبي دبوس على سبعين ألف دينار يؤديها إليه، فأعجله الفتح من ذلك ونجا بدمائه إلى بيته، وطولب بالمال وبقي معتقلاً عند ابن زكدان، وامتنع علي بن يدر بحصنه، ثم أطاع ووصلت رسله بطاعته فانصرف الواثق إلى حضرته ودخلها سنة خمس وستين، وبلغه الخبر بانتقاض يعقوب بن عبد الحق وأنهى إليه فبعث بمرتبه إلى تلمسان صحبة أبي الحسن بن قطران وابن أبي عثمان رسول يغمراسن. خرج إليهم من مراكش ابن أبي مديون الونكاسي دليلاً وسلك بهم على الثغر إلى سجلماسة، وبها يحيى بن يغمراسن فبعثهم مع بعض المعقل إلى أبيه، وألفوه بجهة مليانة فأقام ابن قطرال بتلمسان ينتظره. وكان يعقوب بن عبد الحق لما بلغه ذلك نهض إلى مراكش بجيوش بني مرين ونزل بضواحي مراكش وأطاعه على النواحي ونهض إليه أبو دبوس بعساكر الموحدين فاستجرة يعقوب إلى وادي أعفر. ثم ناجزه الحرب فاختل مصافه وفر عسكره وانهزم يريد مراكش والقوم في أتباعه فأدرك وقتل. وبادر يعقوب بن عبد الحق فدخل مراكش في المحرم فاتح سنة ثمان وستين وفر بقية المشيخة من الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا بايعوا عبد الحق أحد بني أبي دبوس وسموه متصم مدة من خمسة أيام وخرج في جملتهم وانقرض مر بني عبد المؤمن والبقاء لله وحده.
بقايا قبائل الموحدين


الخبر عن بقايا قبائل الموحدين من المصامدة بجبال درن بعد انقراض دولتهم بمراكش وتصاريف أحوالهم لهذا العهد

لما دعى المهدي إلى أمره في قومه من المصامدة بجبال درن، وكان أصل دعوته نفي التجسيم الذي إليه مذهب أهل المغرب باعتمادهم ترك التآويل في المتشابه من الشريعة، وصرح بتكفير من أبى ذلك أخذاً بمذهب التكفير بالمثال. فسمى لذلك دعوته دعوة التوحيد، وأتباعه بالموحدين، نعياً على الملثمين مثال مذاهبهم إلى اعتقاد الجسمية، وخص بالمزية من دخل في دعوته قبل تمكنها، وجعل علامة تمكنها فتح مراكش، فكان إنما اختص بهذا اللقب أهل السابقة قبل ذلك الفتح. وكان أهل تلك السابقة. قبل فتح مراكش ثماني قبائل، سبعة من المصامدة: هرغة وهم قبيلة الإمام المهدي، وهنتاتة، وتينملل وهم الذين بايعوه مع هرغة على الإجارة والحماية، وكنفيسة، وهزرجة وكدميرة ووريكة.
وثمانية قبائل الموحدين: كومية قبيلة عبد المؤمن كبير صحابته، دخلوا في دعوته قبل الفتح فكانت لهم المزية بسابقة عبد المؤمن وسابقتهم فاختص هؤلاء القبائل بمزية هذه السابقة واسمها. وقاموا بالأمر وحملوا سريره وأنفقوا في مذاهبه وممالكه في سائر الأقطار على نسبة قربهم من صاحب الأمر وبعدهم. وبقي من بقي منهم بجبالهم ومعاقلهم بقية حتوف. وجرت عليهم ذيل زناتة من بعد الملك أذيال الغلب والقهر حتى ألقوهم بالأتاوات وانتظموا في عداد الغارمين من الرعايا، وصاروا يولون عليهم من زناتة ومن رجالاتهم أخرى، وفي ذلك عبرة وذكرى لأولي الألباب والملك لله يؤتيه من يشاء.
هرغة

فأما هرغة وهم قبيل الإمام المهدي قد دثروا وتلاشوا وانتفقوا في القاصية من كل وجه، لما كانوا أشد القوم بلاء في القيام بالدعوة، وأصلاهم لنارها بقرابتهم من صاحبها وتعصبهم على أمره. ولم يبق منهم إلا أخلاط وأوشاب أمرهم إلى غيرهم من رجالات المصامدة لا يملكون عليهم منه شيئاً.
تينملل

وكذا تينملل إخوانهم في التعصب على دعوة المهدي والاشتمال عليه والقيام بأمره حتى تهيز إليهم وبنى داره ومسجده بينهم، فكان حظهم من الفناء بمقدار حظهم من الاستيلاء، وأبعدوا في ممالك الدولة وعمالاتها فانقرض رجالاتهم، وملك غيرهم من المصامدة أمرهم عليهم، وقبر الإمام بينهم لهذا العهد على حاله من التجلة والتعظيم وقراءة القرآن عليه أحتزاباً بالغدو والعشي، وتعاهده بالزيارة وقيام الحجاب دون الزائرين من الغرباء لتسهيل الإذن، واستشعار الأبهة وتقديم الصدقات بين أيدي زيارته على الرسم المعروف في احتفال الدولة، وهم مصممون مع ذلك وكافة المصامدة أن الأمر سيعود، وإن الدولة ستظهر على أهل المشرق والمغرب وتملأ الأرض كما وعدهم المهدي لا يشكون في ذلك ولا يستريبون فيه.
هنتاتة وأما هنتاتة وهم تلو القبيلتين في الأمر، وكل من بعدهم فإنما جاء على أثرهم وتبعاً لهم، بما كانوا عليه من الكثرة والبأس ومكان شيخهم أبي حفص عمر بن يحيى من صحابة الإمام والاعتزاز على المصامدة. وكانت لهم بأفريقية دولة كما نذكره، فأنفقت الدولتان منهم عوالم في سبيل الاستظهار بهم، وبقي بموطنهم المعروف بهم من جبال درن، وهو الجبل المتاخم لمراكش على توسط من الاستبداد والخضوع. ولهم في قومهم مكان بامتناع معقلهم وإطلاله على مراكش. ولما تغلب بنو مرين على المصامدة، وقطعوا عنهم أسباب الدعوة كان لرؤسائهم أولاد يونس انحياش إليهم بما كانوا مسخوطين في آخر دولة بني عبد المؤمن، فاختصوهم بالأثرة والمخالصة.
وكان علي بن محمد كبيرهم لعهد السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق خالصة له من بين قومه. وهلك سنة سبع وسبعين على يد ابن الملياني الكاتب بكتاب لبس فيه، وأنفذه عن السلطان لابنه أمير مراكش بقتل رهط من مشيخة المصامدة في اعتقاله، كان منهم: علي بن محمد فقام السلطان لها في ركائبه، وندم على ما فرط من أمره في إفلات ابن الملياني على ما نذكره من أمر هذه الواقعة في أخبار السلطان يوسف بن يعقوب.
ولما ولي السلطان أبو سعيد وانقطع عن المصامدة ما كان لهم من أثر الملك والسلطان، وانقادوا للدولة رجع بنو مرين إلى التولية عليهم من رجالاتهم، وتداولوا بينهم في ذلك واختار السلطان بعد صدر من دولته موسى بن علي بن محمد للولاية على المصامدة وجبايتهم، فعقد له وأنزله مراكش فاضطلع بهذه الولاية سنين رسخت فيها قدمه، وأورثها أهل بيته، وصار لهم بها في الدولة مكان انتظموا به في الولاية، وترشحوا للوزارة.
ولما هلك موسى عقد السلطان من بعده لأخيه محمد، وأجراه على سننه إلى أن هلك فاستعمل السلطان بنيه في وجوه خدمته، وعقد لعامر منهم على قومه. ولما ارتحل السلطان أبو الحسن إلى أفريقية صحبة عامر فيمن صحبه من أمراء المصامدة وكافة الوجوه، حتى إذا كانت نكبة القيروان سنة تسع وأربعين وسبعمائة عقد له على الشرطة بتونس على رسم الموحدين من تنويه الخطة وسعة الرزق. واستنام إليه فيها فكفاه مهمها. ولما فصل من تونس ركب الكثير من حرمه وحظاياه السفن لنظر عامر هذا، حتى إذا غرق الأسطول بالسلطان أبي الحسن بما أصابهم من عاصف الريح رمى الموج بالسفينة التي كانوا بها إلى المرية من ثغور الأندلس، فأنزل بها كرائم السلطان لنظره وبعث عنهن ابنه أبو عنان المستبد على أبيه بملك المغرب، فامتنع من إسلامهن إليه وفاء بأمانته في خدمتهم.
وخلص السلطان أبو الحسن بعد النكبة البحرية إلى الجزائر سنة خمسين، وزحف إلى بني عبد الواد ففلوه ونهض إلى المغرب، وسلك إليه القفر حتى نزل بسجلماسة فقصده أبو عنان فخرج عنها إلى مراكش وقام بدعوته المصامدة وعرب جشم، فاحتشد، ولقي ابنه أبا عنان بجهات أم ربيع فكانت الدبرة عليه، ونجا إلى جبل هنتاتة. وكان عبد العزيز بن محمد شيخاً عليهم منذ مغيب عامر، وكان في جملته، وخلص معه فأنزله عبد العزيز بداره، وتدامر هو وقومه على إجارته والموت عونه فاعتصم بمعقلهم. وجاء السلطان أبو عنان في كافة بني مرين إلى مراكش فخيم بظاهرها واحتشد لحصارهم أشهراً حتى هلك السلطان أبو الحسن كما نذكره بعد، فحملوه على الأعواد ونزلوا على حكم أي عنان فكرمهم ورعى لهم وسيلة هذا الوفاء، وعقد لعبد العزيز على إمارته، واستقدم عامراً كبيره من مكانه بالمرية، فقدم بمن لأمانته من حظايا السلطان وحرمه فلقاه السلطان مبرة وتكريماً، وأناله من اعتنائه حظاً.
وتخلى له أخوه عبد العزيز عن الأمر فأقره نائباً. ثم عقد السلطان لعامر سنة أربع وخمسين على سائر المصامدة، واستعمله لجبايتهم فقام بها مضطلعاً، وكفاه مهم الأعمال المراكشية حتى عرف عناءه فيها وشكر له كفايته. وهلك السلطان أبو عنان، واستبد على ابنه السعيد وزيره الحسن بن عمر الفودودي وكان ينفس عليه ما كان له من الترشيح للرتبة، وبينهما في ذلك شحناء، فخشي بادرته وخرج من مراكش إلى معقله في جبل هنتاتة، وحمل معه ابن السلطان أبي عنان الملقب بالمعتمد. وكان أبوه عقد له يافعاً قبيل وفاته على مراكش لنظر عامر فخلص به إلى الجبل، حتى إذا استوت قدم السلطان أبي سالم في الأمر، واستقل بملك المغرب سنة ستين. وفد عليه عامر بن محمد مع رسله إليه، وأوفد ابن أخيه محمد المعتمد فتقبل السلطان وفادته، وشكر وفاءه، وأقام ببابه مدة. ثم عقد له على قومه، ثم استنفره معه إلى تلمسان، ولم يزل مقيماً ببابه إلى قبيل وفاته فأنفذه لمكان إمارته.
ولما هلك السلطان أبو سالم واستبد بالمغرب بعده عمر بن عبد الله بن علي على ما نذكره، وكانت بينه وبين عامر بباب السلطان صداقة وملاطفة وصل يده بيده، وأكد العهد معه على سد تلك الفرجة، وعول عليه في حوط البلاد المراكشية وأن لا يؤتى من قبله، وكان زعيماً بذلك، وعقد له على الأعمال المراكشية وما إليها إلى وادي أم ربيع. وفوض إليه أمر تلك الناحية، واقتسما المغرب شق الأبلمة وخلص إليه الأعياص من ولد السلطان أبي سعيد أبو الفضل بن السلطان أبي سالم، وعبد المؤمن بن السلطان أبي علي، فاعتقل عبد المؤمن وأمكن أبا الفضل من إمارته على ما نذكر بعد.
وساءت الحال بينه وبين عمر ونهض إليه من فاس بجموع بني مرين وكافة العسكر، واعتصم بجبلة وقومه واستبد على الأميرين عنده. وحل عبد المؤمن من معتقله يجاجئ به بني مرين لما كانوا يؤملون من ولايته واستبداده لما أسفهم من حجر الوزراء لملوكهم. فلما رأوا استبداد عامل عليه أعرضوا عنه، وانعقد السلم بينه وبين عمر بن عبد الله على ما كان عليه من مقاسمته إياه في أعمال المغرب، ورجع. واستقل عامر بناحية مراكش وأعمالها، حتى إذا هلك عمر بن عبد الله بيد عبد العزيز ابن السلطان أبي الحسن كما نذكره، حدثت أبا الفضل ابن السلطان أبي سالم نفسه بالهتك بعامر بن محمد، كما فتك عمه بعمر بن عبد الله. ونذر بذلك فاحتمل كرائمه وصعد إلى داره بالجبل، ففتك أبو الفضل بعبد المؤمن ابن عمه، كان معتقلاً بمراكش. واستحكمت لذلك السفرة بينه وبين عامر بن محمد. وبعث إلى السلطان عبد العزيز فنهض من فاس في جموعه سنة تسع وستين.
وفر أبو الفضل فلحق بتادلا، وتقبض عليه عمه السلطان عبد العزيز وقتله كما نذكر في أخباره. وطلب عامراً في الوفادة فخشيه على نفسه واعتصم بمعقله فرجع إلى حضرته، واستجمع عزائمه. وعقد على مراكش وأعمالها لعلي بن أجانا من صنائع دولتهم، وأوعز إليه بمنازلة عامر فدافعه عامر وقومه عن معتصمه، وأوقع به وتقبض على طائفة من بني مرين وصنائع السلطان في المعركة أودعهم سجنه، فحرك بها عزائم السلطان، ونهض إليه في قومه من بني مرين وعساكر المغرب، وأحاط به ونازله حولا كريتا.
ثم تغلب عليه سنة إحدى وسبعين، وانفضت جموعه. وتقبض عليه عند اقتحام فسيق أسيراً إلى السلطان فقيده، وقفل به إلى الحضرة. ولما قضى نسك الفطر من سنته أحضره ووبخه. ثم أمر به فتل إلى مصرعه، وامتحن جلداً بالسياط وضرباً بالمقارع حتى فاض عفى الله عنه. وعقد السلطان على قومه لفارس ابن أخيه عبد العزيز، كان نزع إليه بين يدي مهلك عمه وعفا عن ابنه أبي يحيى بسابقته إلى الطاعة قبيل اقتحام الجبل عليهم، أشار عليه بذلك أبوه نظراً له فظفر من السلامة بحظ، وأصاره السلطان في جملته.
ثم هلك بعد ذلك فارس بن عبد العزيز، واضطرم المغرب فتنة بعد مهلك السلطان عبد العزيز سنة أربع وسبعين. وصارت أعمال مراكش في إيالة السلطان عبد الرحمن بن علي الملقب بأبي يفلوسن ابن السلطان أبي علي. ونزع إليه أبو يحيى بن عامر فعقد له على قومه. ثم اتهمه باحتجاز الأموال منذ عهد أبيه، وشره إلى استصفائه، ونفر به ابن عامر فلحق ببعض قبائل المصامدة جيرانهم بأطراف السوس، ونزل عليهم. وكان مهلكه فيهم أعوام ثمانين وسبعمائة والله وارث الأرض ومن عليها.
كدميوة

وأما كدميوة وكانوا تبعاً لهنتاتة وتينملل في الأمر، وجبلهم لصق جبل هنتاتة. وكان رؤساؤهم لعهد الموحدين بنو سعد الله. ولفا تغلب بنو مرين على المصامدة، ووضعوا عليهم الضرائب، وامتنع يحيى بن سعد الله بعض الشيء بحصن تافركا وتيسخت من جبلهم، وخالفه عبد الكريم بن عيسى وقومه إلى طاعة بني مرين، واختلفت إليهم العساكر إلى أن هلك يحيى بن سعد الله سنة أربع وتسعين وستمائة، وعساكر يوسف بن يعقوب مجهزة على حصاره، فهدموا حصونه، وأذلوا من قومه. واستخلص السلطان يوسف بن يعقوب عبد الكريم بن عيسى منذ عهد أبيه فعقد له عليهم. ثم تقبض على أمراء المصامدة، واعتقله فيمن اعتقل منهم، حتى إذا فعل ابن الملياني فعلته في استهلاكهم لعداوة عمه بتلبيس الكتاب على لسان السلطان لابنه على أمير مراكش، فقتل عبد الكريم فيمن قتل منهم، وقتل معه بنوه عيسى وعلي ومنصور، وابن أخيه عبد العزيز بن محمد. وامتعض السلطان لذلك وأفلت ابن الملياني من عسكره لحصار تلمسان فدخلها. ثم قام بأمر كدميوة عبد الحق بن.. من بيت بني سعد الله أيام السلطان أبي الحسن وابنه أبي عنان. وكانت بينه وبين عامر بن محمد فتنة جرها لصق العمالة، شأن المجتورين من القبائل، وقديم العداوة بين السلف. فلما استفحل أمر عامر بالولاية على مراكش وسائر المصامدة، نبذ إلى عبد الحق العهد ونحلة الخلاف والمداخلة للسكسيوي شيخ الفتنة المستعصي منذ أول الدولة، فصمد إليه سنة سبع وخمسين وسبعمائة في قومه ومسالح السلطان التي كانت بمراكش لنظره، فافتتح عليه معقله عنوة وقتله. واستولى على كدميوة ولحق بنو سعد الله بفاس، وأقاموا بها، حتى إذا خاض السلطان أبو سالم البحر إلى ملكة بعد أخيه أبي عنان ونزل بغمارة، نزع إليه يوسف بن سعد الله واعتقد منه ذمة بسابقته تلك. فلما استولى على البلد الجديد واستقل بسلطانه، عقد له على قومه رعياً لوسيلته فأقام في ولايته مدة السلطان أبي سالم. وكان عامل مراكش محمد بن أبي العلى من حاشية السلطان. وبيوت الولاة بالمغرب معولا فيها على مظاهرته.
ولما هلك السلطان أبو سالم واستبد عمر بن عبد الله على الملوك بعده، بادر لحين ثورته بالعقد لعامر على أعمال مراكش ليستظهر به، وطير إليه الكتاب بذلك فنزل إلى مراكش وقتل بها يوسف بن سعد الله، ونكب بأبي العلى ثم قتله وألحقه بأبي عبد الحق. وذهبت الرئاسة من كدميوة برهة من الدهر، ثم رجعت إليهم في بني سعد الله، والله قادر على ما يشاء وبيده تصاريف الأمور.
وريكة

وأما وريكة فهم مجاورون لهنتاتة، وبينهم فتنة قديمة وحرب متصلة ودماء مطلولة، كانت بينهم سجالا. وهلك فيها من الفريقين أمم إلى أن غلبهم هنتاتة باعتزازهم بالولاية، فخضدوا منهم الشوكة وأصاروهم في الجملة والله وارث الأرض ومن عليها.
بنو يدر أمراء السوس


الخبر عن بني يدر أمراء السوس من الموحدين بعد انقراض بني عبد المؤمن وتصاريف أحوالهم


كان أبو محمد بن يونس من علية وزراء الموحدين من هنتاتة، وكان المرتضى قد استوزره، ثم سخطه وعزله سنة خمسين وستمائة وألزمه داره بتامصلحت، وفر عنه قومه وحاشيته وقرابته. وكان من أهل قرابته علي بن يدر من بني باداس ففر إلى السوس وجاهر بالخلاف سنة إحدى وخمسين، ونزل بحصن تانصاصت سفح الجبل حيث يدفع والي السوس من درن، وشيده وحصنه، وتغلب على حصن تيسخت من أيدي صنهاجة وشيده، وأنزل فيه ابن عمه حمدين. ثم تغلب على بسيط السوس وجأجأ ببني حسان من أعراب المعقل من مواطنهم من نواحي ملوية إلى بلاد الريف، فارتحلوا إليه وعاث بهم في نواحي السوس، وأطاع له كثير من قبائله فاستوفى جبايتهم. وأجلب على عامل الموحدين بتارودنت، وضيق عليه المسالك، وتفاقم أمره. واتهم الوزير أبو محمد بن يونس بمداخلته، وعثر على كتابه إلى علي بن يدر فأمر للمرتضى باعتقاله وقتله سنة اثنتين وخمسين. وأغزى أبا محمد بن أصناك إلى بلاد السوس في عسكر الموحدين والجند، وعقد له عليها فنزل تارودنت وتحصن علي بن يدر بتيونيوين، وزحف إليه ابن أصناك في عسكره فهزمه ابن يدر وقتل كثيراً منهم، ورجع إلى مراكش مفلولا. وأقام علي بن يدر على حاله من الخلاف، وأغزاه المرتضى محمد بن علي أزلماط في عسكر من الموحدين سنة ستين فهزمهم وقتل ابن زلماط، فعقد المرتضى من بعده على السوس لوزيره أبي زيد بن بكيت فزحف إليه، ودارت الحرب بينهما ملياً، وانقلب من غير ظفر. واستفحل أمر ابن يدر ببلاد السوس واستخدم الأعراب من بني الشبانات وذوي حسان. وأطاعته القبائل من كزولة ولمطة وزكن ولخس من شعوب لمطة وصناكة. وجبى الأموال واستخدام الرجال يقال كان جنده ألف فارس وكان بينه وبين كزولة فتن وحروب يستظهر في أكثرها بذوي حسان.
ولما استولى أبو دبوس على مراكش سنة خمس ومئتين، وفرغ من تمهيد ملكه بها اعتزم على الحركة إلى السوس ورحل من مراكش، وقدم بين يديه يحيى بن وانودين لاحتشاد القبائل، ومر بالجبل ثم أسهل من تامسكروط إلى بسيط السوس، ونزل على بني باداس قبيلة ابن يدر على فرسخين من تيونيوين. وقصد تيزخت ومر بتارودنت وعاين أثر الخراب الذي بها من عيث ابن يدر ولما بلغ حصن تيزخت خيم بساحته وحشر أمماً من القبائل لحصاره، وكان به حمدين ابن عم علي بن يدر فحاصره أياماً. ولما اشتد عليه الحصار داخل علي بن زكداز من مشيخة بني مرين كان في جملة أبي دبوس فداخله في الطاعة، وتقبل السلطان طاعته على النزول عن حصنه.
ثم أعجلته الحرب واقتحم عليهم الجبل ولجوا إلى الحصن، وفر حمدين إلى بيت علي بن زكداز فأمره السلطان باعتقاله. واستولى السلطان على الحصن وأنزل به بعض السادات لولايته. وارتحل أبو دبوس إلى محاصرة علي بن يدر فحاصره أياماً، ونصب عليه المجانيق. ولما اشتد عليه الحصار رغب في الإقالة ومعاودة الطاعة فتقبل وأقلع السلطان عن حصاره وقفل إلى حضرته. ولما استولى بنو مرين على ماركس سنة ثمان وستين استبد علي بن يدر بملك السوس، واستولى على تارودنت وإيفري وسائر أمصاره وقواعده ومعاقله وأرهف حده للأعراب. فزحفرا إليه، وكانت عليه الدبرة وقتل سنة ثمان وستين، وقام بأمره علي ابن أخيه عبد الرحمن بن الحسن مدة. ثم هلك وقام بأمرهم أخوه علي بن الحسن بن يدر. ولما صار أبو علي ابن السلطان أبي سعيد إلى ملك سجلماسة بصلح عقده مع أبيه كما نذكر في أخبارهم، فنزلها وشيد ملكه بها، واستخدم كافة عرب المعقل فرغبوه في ملك السوس وأطمعوه في أموال ابن يدر فغزاه من سجلماسة. وفر ابن يدر أمامه إلى جبال نكيسة. واستولى السلطان أبو علي على حصنه تانصاصت وصائر أمصار السوس، واستصفى ذخيرته وأمواله، ورجع إلى سجلماسة.
ثم استولى السلطان أبو الحسن من بعد ذلك عليه وانقرض ملك بني يدر. ولحق به عبد الرحمن بن علي بن الحسن، وصار في جملته. وأنزل السلطان بأرض السوس مسعود بن إبراهيم بن عيسى اليرنياني من طبقة وزرائه، وعقد له على تلك العمالة إلى أن هلك. وعقد لأخيه حسون من بعده إلى أن كانت نكبة القيروان. وهلك حسون وانفض العسكر من هنالك، وتغلب عليه العرب من بني حسان والشبانات، ووضعوا على قبائله الأتاوات والضرائب. ولما استبد أبو عنان بملك المغرب من بعد أبيه أغزى عساكره السوس لنظر وزيره فارس بن ودرار سنة ست وخمسين فملكه، واستخدم القبائل والعرب من أهله، ورتب المسالح بأمصاره وقفل إلى مكان وزارته فانفضت المسالح ولحقت به.
وبقي عمل السوس ضاحياً من ظل الملك لهذا العهد، وهو وطن كبير في مثل عرض البلاد الجريدية وهوائها المتصلة من لدن البحر المحيط إلى نيل مصر الهابط من وراء خط الاستواء في القبلة إلى الإسكندرية. وهذا الوطن، قبلة جبال درن ذو عمائر وقرى ومزارع وفدن وأمصار وجبال وحصون، يخترقه وادي السوس ينصب من باطن الجبل إلى ما بين كلاوة وسكسيوة، ويدفع إلى بسيطه، ثم يمر مغرباً إلى أن ينصب في البحر المحيط والعمائر متصلة حفافي هذا الوادي ذات الفدن والمزارع وأهلها يتخذون فيها قصب السكر. وعند مصب هذا الوادي من الجبل في البسيط مدينة تارودنت. وبين مصب هذا الوادي في البحر ومصب وادي ماسة مرحلتان إلى ناحية الجنوب على ساحل البحر، وهنالك رباط ماسة الشهير المعروف بتردد الأولياء وعبادتهم. وتزعم العامة أن خروج الفاطمي منه.
ومنه أيضاً إلى زوايا أولاد بنو نعمان مرحلتان في الجنوب كذلك على ساحل البحر، وبعدها على مراحل مصب الساقية الحمراء وهي منتهى مجالات المعقل في مشاتيهم. وفي رأس وادي السوس جبل زكندر قبلة جبل الكلاوي. وفي قبلة جبال درن جبال نكيسة تنتهي إلى جبال درعة ويعرف الآخر منها في الشرق بابن حميدي ويصب من جبال نكيسة وادي نول ويمر مغرباً إلى أن يصب في البحر. وعلى هذا الوادي بلد تاكاوصت محط الرقاق والبضائع بالقبلة، وبها سوق في يوم واحد من السنة يقصده التجار من الآفاق، وهو من الشهرة لهذا العهد بمكان. وبلد إيفري بسفح جبل نكيسة بينها وبين تاكاوصت مرحلتان، وأرض السوس مجالات لكزولة ولمطة. فلمطة منهم مما يلي درن وكزولة مما يلي الرمل والقفر. ولما تغلب المعقل على بسائطه اقتسموها مواطن، فكان الشبانات أقرب إلى جبال درن. وصارت قبائل لمطة من أحلافهم، وصارت كزولة من أحلاف ذوي حسان. والأمر على ذلك لهذا العهد وبيد الله تصاريف الأمور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الأحد سبتمبر 26, 2010 1:05 pm

دولة بني أبي حفص


الخبر عن دولة بني أبي حفص ملوك إفريقية من الموحدين ومبدأ أمرهم وتصاريف أحوالهم


قد قدمنا أن قبائل المصامدة بجبل درن وما حوله كثير مثل: هنتاتة وتينملل وهرغة وكنفيسة وسكسيوة وكدميوة وهزرجة ووريكة وهزميرة وركراكة وحاحة وبني ماغوس وكلاوة، وغيرهم ممن لا يحصى. وكان منهم قبل الإسلام وبعده رؤساء وملوك. وهنتاتة هؤلاء من أعظم قبائلهم وأكثرها جمعاً وأشدها قوة، وهم السابقون للقيام بدعوة الإمام المهدي والممهدون لأمره وأمر عبد المؤمن من بعده، كما ذكرناه في أخباره. واسم هنتات جدهم بلسان المصامدة بنتي، وكان كبيرهم لعهد الإمام المهدي الشيخ أبو حفص عمر، ونقل البيذق أن اسمه بلسانهم فاصكات.
وهنتاتة لهذا العهد يقولون أنه اسم جده وكان عظيماً فيهم متبوع غير مدافع، وهو أول من بايع للإمام المهدي من قومه، فجاء يوسف بن وانودين وأبو يحيى بن بكيت وابن يغمور وغيرهم منهم على أثره. واختص بصحابة المهدي فانتظم في العشرة السابقين إلى دعوته. وكان تلو عبد المؤمن فيهم، ولم يكن مزية عبد المؤمن عليه إلا من حيث صحابة المهدي.

وأما في المصامدة فكان كبيرهم غير مدافع، وكان يسمى بين الموحدين بالشيخ كما كان المهدي يسمى بالإمام، وعبد المؤمن بالخليفة. سمات لهؤلاء الثلاثة من بين أهل الدعوة تدل على اشتراكهم في الجلالة. وأما نسبه فهو عمر بن يحيى بن محمد بن وانودين بن علي بن أحمد بن والال بن إدريس بن خالد بن إليسع بن إلياس بن عمر بن وافتن بن محمد بن نحية بن كعب بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، هكذا نسبه ابن نخيل وغيره من الموحدين. ويظهر منه أن هذا النسب القرشي وقع في المصامدة والتحم به، واشتملت عليه عصبيتهم شأن الأنساب التي تقع من قوم إلى قوم وتلتحم بهم كما قلناه أول الكتاب.
ولما هلك الإمام وعهد بأمره إلى عبد المؤمن، وكان بعيداً عن عصبية المصامدة، إلا ما كان له من أثرة المهدي واختصاصه فكتم موت المهدي وعهد عبد المؤمن ابتلاء لطاعة المصامدة. وتوقف عبد المؤمن عن ذلك ثلاث سنين، ثم قال له أبو حفص نقدمك كما كان الإمام يقدمك فاعلم أن أمره منعقد. ثم أعلن بيعته وأمضى عهد الإمام بتقديم وحمل المصامدة على طاعته فلم يختلف عليه اثنان. وكان الحل والعقد في المهمات إليه سائر أيام عبد المؤمن وابنه يوسف، واستكفوا به نوائب الدعوة فكفاهم مهمها. وكان عبد المؤمن يقدمه في المواقف فيجلي فيهم. وبعثه على مقدمته حين زحف إلى المغرب الأوسط قبل فتح مراكش سنة سبع وثلاثين، وزناتة كلهم مجتمعون بمنداس لحرب الموحدين مثل: بني ومانوا وبني عبد الواد وبني ورسيفان وبني توجين وغيرهم، فحمل زناتة على الدعوة بعد أن أثخن فيهم. ولأول دخول عبد المؤمن لمراكش خرج عليه الثائر بماسة، وانصرفت إليه وجوه الغوغاء وانتشرت ضلالته في النواحي وتفاقم أمره، فدفع لحربه الشيخ أبا حفص فحسم داءه ومحا أثر غوايته.
ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية حركته الأولى لم يقدم شيئاً على استشارة أبي حفص. ولما رجع منها وعهد إلى ابنه محمد خالفه الموحدون، ونكروا ولايته ابنه فاستدعى أبا حفص من مكانه بالأندلس، وحمل الموحدين على البيعة له. وأشار بقتل يصلاتي الهرغي رأس المخالفين في شأنه فقتله، وتم أمر العهد لابنه محمد.
ولما اعتزم عبد المؤمن على الرحلة إلى إفريقية سنة أربع وخمسين حركته الثانية لفتح المهدية استخلف الشيخ أبا حفص على المغرب، وينقل من وصاة عبد المؤمن لبنيه أنه لم يبق من أصحاب الإمام إلا عمر بن يحيى ويوسف بن سليمان. فأما عمر فإنه من أوليائكم، وأما يوسف فجهزه بعسكرة إلى الأندلس تستريح منه. وكذلك فافعل بكل من تكرهه من المصامدة. وأما ابن مردنيش فاتركه ما تركك وتربص به ريب المنون، واخل إفريقية من العرب وأجلهم إلى بلاد المغرب، وأذخرهم لحرب ابن مردنيش إن احتجت إلى ذلك.
ولما ولي يوسف بن عبد المؤمن تخلف الشيخ أبو حفص عن بيعته، ووجم الموحدون لتخلفه حتى استنبل غرضه في حكم أمضاه بمقعد سلطانه، وأعجب بفضله فأعطاه صفقة يمينه، وأعلن بالرضى بخلافته، فكانت عند يوسف وقومه من أعظم البشائر، وتسمى لها بأمير المؤمنين سنة ثلاث وستين.
ولما ولي يوسف بن عبد المؤمن، وتحركت الفتنة بجبال غمارة وصنهاجة التي تولى كبرها سبع بن منغفاد سنة اثنتين وستين، عقد للشيخ أبي حفص على حربهم فجلى في ذلك. ثم خرج بنفسه فأثخن فيهم، وكمل الفتح كما ذكرناه. ولما بلغه سنة أربع وستين تكالب الطاغية على الأندلس وغمره بمدينة بطليوس، واعتزم على الإجازة لحمايتها قدم عساكر الموحدين إليها لنظر الشيخ أبي حفص، ونزل قرطبة، وأمر من كان بالأندلس من السادة أن يرجعوا إلى رأيه فاستنقذ بطليوس من هوة الحصار، وكانت له في الجهاد هنالك مقامات مذكورة.
ولما انصرف من قرطبة إلى الحضرة سنة إحدى وسبعين هلك عفا الله عنه في طريقه بسلا ودفن بها، وكان أبناؤه من بعده يتناولون الإمارة بالأندلس والمغرب وإفريقية مع السادة من بني عبد المؤمن، فولى المنصور ابنه أبا سعيد على إفريقية لأول ولايته، وكان من خبرة مع عبد الكريم المنتزي بالمهدية ما ذكرناه. واستوزر أبا يحيى بن أبي محمد بن عبد الواحد، وكان في مقدمته يوم الأركة سنة إحدى وتسعين فجلى عن المسلمين، وكان له في ذلك الموقف من الصبر والثبات ما طار له به ذكر. واستشهد في ذلك الموقف وعرف أعقابه ببني الشهيد آخر الدهر، وهم لهذا العهد بتونس.
ولما نهض الناصر إلى إفريقية سنة إحدى وستمائة، لما بلغه من تغلب ابن غانية على تونس فاسترجعها، ثم نازل المهدية فتعاوت عليه ذئات الأغراب. وجمعهم ابن غانية ونزل قابس، فسرح الناصر إليهم أبا محمد عبد الواحد ابن الشيخ أبي حفص في عسكر من الموحدين، فأوقع بابن غانية بتاجرا من نواحي قابس سنة اثنتين وستمائة، وقتل جبارة أخو ابن عانية، وأثخن فيهم قتلا وسبياً، واستنقذ منهم السيد أبا زيد بن يوسف بن عبد المؤمن الوالي كان بتونس، وأسره ابن غانية، ورجع إلى الناصر بمكانه من حصار المهدية، فكانت سبباً في فتحها. وكان ذلك مما حمل الناصر على ولاية الشيخ أبي محمد بإفريقية حسبما نذكره إن شاء الله.

امارة ابن الشيخ أبي حفص بإفريقية


الخبر عن إمارة أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص بإفريقية وهي أولية أمرهم بها


لما تكالب ابن غانية وأتباعه على إفريقية واستولى على أمصارها، وحاصر تونس وملكها، وأسر السعيد أبا زيد أميرها، ونهض الناصر من المغرب سنة إحدى وستمائة كما ذكرناه فاسترجعها من أيديهم وشردهم عن نواحيها. وخيم على المهدية يحاصرها، وقد أنزل ابن غانية ذخيرته وولده بها وأجلب في جموعه خلال ذلك على قابس، فسرح الناصر إليه الشيخ أبا محمد هذا في عساكر الموحدين. وزحف إليهم بتاجرا من جهات قابس فهزمهم واستولى على معسكرهم وما كان بأيديهم، وأثخن فيهم بالقتل والسبي، واستنقذ السيد أبا زيد من أسرهم، ورجع إلى الناصر بعسكره من حصار المهدية ظافراً ظاهراً. وعاين أهل المهدية يوم مقدمه بالغنائم والأسرى فبهتوا وسقط في أيديهم، وسألوا النزول على الأمان. وكمل فتح المهدية، ورجع الناصر إلى تونس فأقام بها حولا إلى منتصف سنة ثلاث وستمائة. وسرح أثناء ذلك أخاه السيد أبا إسحاق ليتتبع المفسدين، ويمحو مواقع عيثهم فدوخ ما وراء طرابلس، وأثخن في بني دمر ومطماطة ونفوسة، وشارف أرض سرت وبرقة، وانتهى إلى سويقة ابن مذكور. وفر ابن غانية إلى صحراء برقة وانقطع خبره. وانكفأ السيد راجعاً إلى تونس. واعتزم الناصر على الرحلة إلى المغرب وقد أفاء على إفريقية ظل الأمر، وضرب عليهم سرادق الحماية. وبدا له أن ابن غانية سيخالفه إليها، وأن مراكش بعيد عن الصريخ، وأنه لا بد من رجل يسد فيها مسد الخلافة ويقيم بها سوق الملك، فوقف اختياره على أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص، ولم يكن ليبعدوه لما كان عليه هو وأبوه في دولتهم من الجلالة، وأن أمر بني عبد المؤمن إنما تم بوفاق الشيخ أبي حفص ومظاهرته، وأنا أباه المنصور كان قد أوصى الشيخ أبا محمد به وبأخوته. وكان يوليه صلاة الصبح إذا حضر شغل وأمثال ذلك.
وسرى الخبر بذلك إلى أبي محمد فامتنع، وشافهه الناصر به فاعتذر، فبعث إليه ابنه يوسف فأكرم موصله. وأجاب على شريطة اللحاق بالمغرب بعد قضاء مهمات إفريقية في ثلاث سنين، وأن يختار عليهم من رجالات الموحدين، وأن لا يتعقب عليه في تولية ولا عزل، فقبل شرطه فنودي في الناس بولايته، ورفعت بين الموحدين رايته. وارتحل الناصر إلى المغرب، ورجع عنه الشيخ أبو محمد من باجة فقعد مقعد الإمارة بقصبة تونس في السبت العاشر من شوال سنة ثلاث وستمائة، وأنفذ أوامره، واستكتب أبا عبد الله محمد بن أحمد بن نخيل ورجع ابن غانية إلى نواحي طرابلس، فجمع أحزابه وأتباعه من العرب من سليم وهلال.
وكان فيهم محمد بن مسعود البلط في قومه من الدواودة، وعاودوا عيثهم، وخرج إليهم أبو محمد سنة أربع وستمائة في عساكر الموحدين. وتحيز إليه بنو عوف من سليم وهم: مرادس وعلاق فلقيهم بشبرو، وتواقعوا واحتربوا عامة يومهم، ونزل الصبر. ثم انفض عسكر ابن غانية آخر النهار، واتبعهم الموحدون والعرب واكتسحوا أموالهم، وأفلت ابن غانية جريحاً إلى أقصى مفره. ورجع أبو محمد إلى تونس بالظفر والغنيمة. وخاطب الناصر بالفتح واستنجاز وعده في التحول عن الولاية فحاطته بالشكر والعذر بمهمات المغرب عن إدالته، وأنه يستأنف النظر في ذلك. وبعث إليه بالمال والخيل والكساء للإنفاق والعطاء. كان مبلغها مائتا ألف دينار اثنتان وألف وثمان مائة كسوة، وثلاثمائة سيف، ومائة فرس، غير ما كان أنفذ إليه من سبتة وبجاية، ووعده بالزيادة. وكان تاريخ الكتب سنة خمس فاستمر أبو محمد على شأنه وترادفت الوقائع بينه وبين يحيى الميورقي كما نذكره.

وقيعة تاهرت وما كان من أبي محمد في تلافيها واستنقاذ غنائمها


كان يحيى بن غانية لما أفلت من وقيعة شبرو بدا له ليقصدن بلاد زناتة بنواحي تلمسان، وقارن ذلك وصول السيد أبي عمران بن موسى بن يوسف بن عبد المؤمن والياً عليها من مراكش، وخروجه إلى بلاد زناتة لتمهيد أنحائهم وجباية مغارمهم. وكتب إليه الشيخ أبو محمد نذيراً بشأنه، وأن لا يتعرض له وأنه في أتباعه فأبى من ذلك، وارتحل إلى تاهرت وصحبه بها ابن غانية فانفض معسكره. وفرت زناتة في حصونها، وقتل السيد أبو عمران. واستبيحت تاهرت فكان آخر العهد بعمرانها، وامتلأت أيديهم من الغنائم والسبي، وانقلبوا إلى إفريقية فاعترضهم الشيخ أبو محمد بموضع فأوقع بهم واستنقذ الأسرى من أيديهم، واكتسح سائر مغانمهم، وقتل فيها كثير من الملثمين. ولحق فلهم بناحية طرابلس إلى أن كان من أمرهم ما نذكره.

واقعة نفوسة ومهلك العرب والملثمين بها


كان ابن غانية بعد واقعة شبرو واستفتاح أبي محمد تاهرت من يده خلص إلى جهات طرابلس، وتلاحق به فل الملثمين وأوليائه من العرب.
وكان المجلي معه في مواقفة الدواودة من رياح، وكبيرهم محمد بن مسعود فتدامروا واعتزموا على معاودة الحرب، وتعاقدوا الثبات والصبر وانطلقوا يستألفون الأعراب من كل ناحية، حتى اجتمع إليهم من ذلك أمم كان فيهم من رياح وزغب والشريد وعوف ودباب ونفاث. واختلفوا في الاحتشاد وأجمعوا دخول إفريقية فبادرهم أبو محمد قبل وصولهم إليها. وخرج من تونس سنة ست وأغذ السير إليهم، وتزاحفوا عند جبل نفوسة، واشتدت الحرب. ولما حمي الوطيس ضرب أبو محمد بنتيه وفساطيطه. وتحيز إليه بعض الفرق من بني عوف بن سليم واحتل مصاف ابن غانية. واتبعه الموحدون إلى أن دخل في غيابات الليل وامتلأت أيديهم بالأسرى والغنائم، وسيقت ظعائن العرب. وقد كانوا قدموها بين يديهم للحفيظة واللياذ في الكر والفر فأصبحت مغنماً للموحدين وربات خدورهم سبياً.
وهلك في المعركة خلق من الملثمين وزناتة والعرب، كان فيهم عبد الله بن محمد بن مسعود البليط بن سلطان وشيخ الدواودة، وابن عمه حركات بن أبي شيخ بن عساكر بن سلطان وشيخ بني قرة وجرار بن ويغزن كبير مغراوة ومحمد بن الغازي بن غانية في آخرين من أمثالهم. وانصرف ابن غانية مهيض الجناح مفلول الحد محفوفاً بالبأس من جميع جهاته، وانقلب أبو محمد والموحدين أعزة ظاهرين، واستفحل أمر أبي محمد بإفريقية وحسم علل الفساد منها واستوفى جبايتها. وطالت مواقف حروبه ولم تهزم له فيها راية. وهلك الناصر وولي ابنه يوسف المستنصر، واستبد عليه المشيخة لمكان صغره، وشغلوا بفتنة بني مرين وظهورهم بالمغرب، فاستكفى بالشيخ أبي محمد في إفريقية وعول على غنائه فيها، وضبطه لأحوالها وقيامه بملكها فأبقاه على عملها، وسرب إليه الأموال لنفقاتها وأعطياتها، ولم يزل بها إلى أن هلك سنة ثمان عشرة.

الخبر عن مهلك الشيخ أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص وولاية ابنه عبد الرحمن


كانت وفاة الشيخ أبي محمد فاتح سنة ثمان عشرة. ولما هلك ارتاع الناس لمهلكه، وافترق الموحدون في الشورى فريقين بين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي محمد وإبراهيم ابن عمه إسماعيل ابن الشيخ أبي حفص، فترددوا ملياً ثم اتفقوا على الأمير أبي زيد عبد الرحمن ابنه، وأعطوه صفقة أيمانهم، وأقعدوه بمجلس أبيه في الإمارة، فسكن الثائر وشمر للقيام بالأمر عزائمه. وأفاض العطاء وأجاز الشعراء. واستكتب أبا عبد الله بن أبي الحسين، وخاطب المستنصر بالشأن. وخرج في عساكره لتمهيد النواحي وحماية الجوانب إلى أن وصل كتاب المستنصر بعزل لثلاثة أشهر من ولايته حسبما نذكره، فارتحل إلى المغرب ومعه أخوانه. وكاتبه ابن أبي الحسين ولحق بالحضرة.

ولاية ابي العلا وابنه على افريقية


الخبر عن ولاية السيد أبي العلا على إفريقية وابنه أبا زيد من بعده وأخبارهم فيها واعتراضاتهم في الدولة الحفصية
لما بلغ الخبر إلى مراكش بمهلك أبي محمد بن أبي حفص، وقارن ذلك عزلة السيد أبي العلا من إشبيلية، ووصوله إلى الحضرة مسخوطاً: وهو أبو العلا إدريس بن يوسف عبد المؤمن أخو يعقوب المنصور، وعبد الواحد المخلوع المبايع له بعد ذلك. وعول على الوزير ابن المثنى في جبر حاله فسعى له عند الخليفة، وعقد له على إفريقية، ووصل الخطاب بولايته ونيابة إبراهيم بن إسماعيل ابن الشيخ أبي حفص عنه خلال ما يصل، واستقدم أبناء الشيخ أبي محمد إلى الحضرة. وقرئ الكتاب شهر ربيع الأول من سنة ثماني عشرة، فقام الشيخ بالنيابة في أمره، واستعمل أحمد المشطب في وزارته، وغلب عليه بطانته، وأساء في الموالاة لقرابته. واختص أبناء الشيخ أبا محمد بقبيحة، وظن امتداد الدولة له. ووصل السيل أبو العلا شهر ذي القعدة من السنة، فنزل بالقصبة ونزل ابنه السيد أبا زيد بقصر ابن فاخر من البلد، ورتب الأمور ونهج السنن.
ولشهر من وصوله تقبض على محمد بن نخيل كاتب الشيخ أبي محمد، وعلى أخويه أبي بكر ويحيى، واستصفى أموالهم واحتاز عقارهم وضياعهم. وكان المستنصر عهد إليه بذلك، لما كان أسفه بفلتات من القول والكتاب تنمى إليه أيام رياسته في خدمة أبي محمد، فاعتقلهم السيد أبو العلا، ثم قتله وأخاه يحيى لشهر من اعتقالهما بعد أن فر من سجنه وتقبض فقتل. ونقل أبو بكر إلى مطبق المهدية فأردع به.
وخرج السيد أبو العلا من تونس سنة تسع عشرة في عساكر الموحدين إلى نواحي قابس لقطع أسباب ابن غانية منها، فنزل قصر العروسيين، وسرح ولده السيد أبا زيد في عسكر من الموحدين إلى درج وغدامس من بلاد الصحراء لتمهيدها وجبايتها. وقدم بين يده عسكراً. آخراً لمنازلة ابن غانية بودان، وواعدهم هناك منصرفه من غدامس فأرجف بهم العرب في طريقهم بمداخلة ابن غانية. ومال بذله في ذلك فانفض العسكر، وزحفوا إلى قابس. وأهمل السيد أبو زيد في غدامس إليهم فلقيه خبر مفرهم. فلحق بأبيه وأخبره بالجلى في أمرهم، فسخط قائد العسكر وهم بقتله. وطرق السيد أبا العلا المرض فرجع إلى تونس. وبلغه أن ابن غانية نهض من ودان إلى الزاب، وأن أهل بسكرة أطاعوه فسرح السيد أبا زيد في عساكر الموحدين إليه، ودخل ابن غانية الرمل فأعجزهم.
ورجع السيد أبو زيد إلى بسكرة فأنزل بهم عقابه من النهب والتخريب، ورجع إلى تونس. ثم بلغه أن ابن غانية قد رجع إلى جوانب إفريقية، واجتمع إليه أخلاط من العرب والبربر، فسرح السيد أبا زيد إليه في العساكر ونزل بالقيروان، وخالفه ابن غانية إلى تونس فقصده السيد أبو زيد ومعه العرب وهوارة بظعائنهم ومواشيهم. وتزاحفوا بمجدول فاتح إحدى وعشرين، واشتد القتال وعضت الموحدون الحرب، وأبلى هوارة وشيخهم بعرة ابن حناش بلاء جميلا. وضرب بنتيه وتناغوا في الثبات والصبر فانهزم الملثمون وانجلت المعركة عن حصيد من القتلى من أصحاب ابن غانية، واستولى الموحدون على معسكرهم.
وكان بلغ السيد أبا زيد خبر مهلك أبيه السيد أبي العلا بتونس في شعبان سنة عشرين. فلما فرغ من مواقعة ابن غانية رجع إلى تونس وأقصر عن متابعته. وخاطب المستنصر بمهلك أبيه وواقعه الملثمين، وكان المستنصر قد عزله واستبدل منة بأبي يحيى بن أبي عمران التينمللي صاحب ميورقة، ولم يصل إليه الخبر بعزله بعد. وهلك الملك المستنصر إثر ذلك سنة عشرين، وولي عبد الواحد المخلوع ابن يوسف بن عبد المؤمن فنقض تلك العقدة، وكتب إلى السيد أبي زيد بالإبقاء على عمله، ونقض ما أصدر المستنصر من عزله، فأرسل عنانه في الولاية، وبسط يده في الناس بمكروهه، وتنكرت له الوجوه، وانحرف عنه الناس، بما كانوا عليه من الصاغية لأبي محمد بن أبي حفص وولده، إلى أن عزل واستبدل بهم كما نذكره، وركب البحر بذخائره وأهله فلحق بالحضرة.

الخبر عن ولاية أبي محمد عبد الله


بن أبي محمد ابن الشيخ أبي حفص وما كان فيها من الأحداث


لما هلك المخلوع وولي العادل، ولى على إفريقية أبا محمد عبد الله بن أبي محمد عبد الواحد. وولى على بجاية يحيى بن الأطاس التينمللي، وعزل عنها ابن يغمور. وكتب إلى السيد أبي زيد بالقدوم. وكتب أبو محمد عبد الله إلى ابن عمه موسى بن إبراهيم ابن الشيخ أبي حفص بالنيابة عنه خلال ما يصل، فخرج السيد أبو زيد في ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين، واستقل أبو عمران موسى بأمر إفريقية، واستمرت نيابته عليها زهاء ثمانية أشهر. وخرج أبو محمد عبد الله من مراكش إلى إفريقية.
ولما انتهى إلى بجاية قدم بين يديه أخاه الأمير أبا زكريا ليعترضه طبقات الناس للقائه، فوصل إلى تونس في شعبان من هذه السنة بعد أن أوقع في طريقه بولهاصة. وكان أولاد شداد رؤساؤهم قد جمعوا لاعتراضه بناحية بونة، فسرح أخاه الأمير أبا زكريا لحسم دائهم ولخروج الطبقات من أهل الحضرة للقائه فكان كذلك. وخرج في رمضان من سنته، وخرج معه الناس على طبقاتهم فلقوه بسطيف، ووصل إلى الحضرة في ذي القعدة من آخر السنة، وتزحزح أبو عمران عن النيابة. ثم لحقه من المغرب أخوه أبو إبراهيم في صفر سنة أربع وعشرين، فعقد له على بلاد قسطيلية وعقد لأخيه الأمير أبي زكريا على قابس وما إليها، وذلك في جمادى من هذه السنة.
وبعد استقراره بتونس بلغه أن ابن غانية دخل بجاية عنوة، ثم تخطى كذلك إلى تدلس، وأنه عاث في تلك الجهات فرحل من تونس وعقد لأخويه كما ذكرناه. وأغذ السير إلى فحص أبة فصبح به هوارة، وقد كان بلغه عنهم السعي في الفساد، فأطلق فيهم أيدي عسكره، واعتقل مشايخهم وأنفذهم إلى المهدية. ثم مر في أتباع ابن غانية، فانتهى إلى بجاية، وسكن أحوالها، ثم إلى متيحة ومليانة فأدركه الخبر أن ابن غانية قصد سجلماسة فانكفأ راجعاً إلى تونس ودخلها في رمضان سنة أربع وعشرين، ولم يزل مستبداً بإمارته إلى أن ثار عليه الأمير أبو زكريا، وغلبه على الأمر كما نذكر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الإثنين سبتمبر 27, 2010 8:29 pm

الخبر عن ولاية الأمير أبي زكريا


ممهد الدولة لآل أبي حفص بإفريقية ورافع الراية لهم بالملك وأولية ذلك وبدايته

لما قتل العادل بمراكش سنة أربع وعشرين، وبويع المأمون بالأندلس بعث إلى أبي محمد عبد الله بتونس ليأخذ له البيعة على من بها من الموحدين. وكان المأمون قد فتح أمره بالخلاف، ودعا لنفسه قبل موت أخيه العادل بأيام، فامتنع أبو محمد ورد رسله إليه، فكتب بذلك لأخيه الأمير أبي زكريا وهو بمكانه من ولاية قابس. وعقد له على إفريقية فأخذ له البيعة على من إليه، وداخله في شأنها ابن مكي كبير المشيخة بقابس. واتصل ذلك بأبي محمد فخرج من تونس إليهم. ولما انتهى إلى القيروان نكر عليه الموحدون نهوضه إلى حرب أخيه، وانتقضوا عليه وعزلوه. وطير بالخبر إلى أخيه في وفد منهم فألفوه معملا في اللحاق برخاب بن محمد وأعراب طرابلس، فبايعوه ووصلوا به إلى معسكرهم. وخلع أبو محمد نفسه، ثم ارتحل الأمير أبو زكريا إلى تونس فدخلها في رجب من سنة خمس وعشرين، وأنزل أخاه أبا محمد بقصر ابن فاخر، وتقبض على كاتبه أبي عمرو طرا من الأندلس. واستكتبه أبو محمد فغلب على هواه، وكان يغريه بأخيه، فبسط الأمير أبو زكريا عليه العذاب إلى أن هلك. ثم بعث أخاه أبا محمد في البحر إلى المغرب فاستبد بملكه، واستوزر ميمون بن موسى الهنتاتي، واستقامت أموره.
الخبر عن استبداد الأمير أبي زكريا بالأمر لبني عبد المؤمن


لما اتصل به ما أتاه المأمون من قتل الموحدين بمراكش، وخصوصاً هنتاتة وتينملل. وكان منهم أخواه أبو محمد عبد الله المخلوع وإبراهيم، وأنه أشاع النكير على المهدي في العصمة، وفي وضع العقائد والنداء للصلوات باللسان البربري، وإحداث النداء للصبح وتربيع شكل الدرهم وغير ذلك من سننه. وأنه غير رسوم الدعوة، وبذل أصول الدولة. وأسقط اسم الإمام من الخطبة والسكة وأعلن بلعنه. ووافق بلوغ الخبر بذلك وصول بعض العمال إلى تونس بتولية المأمون فصرفهم، وأعلن بخلعه سنة ست وعشرين. وحول الدعوة إلى يحيى ابن أخيه الناصر المنتزي عليه بجبال الهساكرة. ثم اتصل به بعد ذلك عجز يحيى واستقلاله، فأغفله واقتصر على ذكر الإمام المهدي، وتلقب بالأمير ورسم علامته به في صدور مكتوباته. ثم جدد البيعة لنفسه سنة أربع وثلاثين، وثبت ذكره في الخطبة بعد ذكر الإمام مقتصراً على لفظ الأمير لم يجاوزه إلى أمير المؤمنين.
فزحزحهم عن ذلك وأبى عنه، ولم يزل على ذلك إلى آخر دولته
الخبر عن فتح بجاية وقسطنطينة


لما استقل الأمير أبو زكريا بالأمر بتونس، وخلع بني عبد المؤمن، نهض إلى قسطنطينة سنة ست وعشرين، فنزل بساحتها وحاصرها أياماً. ثم داخله ابن علناس في شأنها وأمكنه من غرتها فدخلها، وتقبض على واليها السيد ابن السيد أبي عبد الله الخرصاني بن يوسف العشري. وولى عليها ابن النعمان. ورحل إلى بجاية فافتتحها، وتقبض على واليها السيد أبي عمران ابن السيد أبي عبد الله الخرصاني وصيرهما معتقلين في البحر إلى المهدية. وأجريت عليهما هنالك الأرزاق، وبعث بأهلهما وولدهما مع ابن أوماز إلى الأندلس، فنزلوا بإشبيلية. وبعث معهما إلى المهدية في الاعتقال محمد بن جامع وابنه وابن أخيه جابر بن عون بن جامع من شيوخ مرداس عوف، وابن أبى الشيخ بن عساكر من شيوخ الدواودة، فاعتقلوا بمطبق المهدية وكان أخوه أبو عبد الله اللحياني صاحب أشغال بجاية فصار في جملته، وولاه بعدها الولايات الجليلة، وكان يستخلفه بتونس في مغيبه. وفي هذه السنة تقبض على وزيره ميمون بن موسى واستصفى أمواله، وأشخصه إلى قابس فاعتقل بها مدة. ثم غربه إلى الإسكندرية، واستوزر مكانه أبا يحيى بن أبي العلا بن جامع، إلى أن هلك؛ فاستوزر بعده أبا زيد ابن أخيه الآخر محمد إلى أن هلك.

الخبر عن مهلك ابن غانية


وحركة السلطان إلى بجاية وولاية ابنه الأمير أبي يحيي زكريا عليها


لما استقل الأمير أبو زكريا بإفريقية وخلع طاعة بني عبد المؤمن صرف عزمه أولا إلى مدافعة يحيى بن غانية عن نواحي أعماله فكانت له في ذلك مقامات مذكورة، وشرده عن جهات طرابلس والزاب وواركلا. واختط بواركلا المسجد لما نزلها في أتباعه، وأنزل بالأطراف عساكره وعماله لمنعها دونه. ولم يزل ابن غانية وأتباعه من العرب من أفاريق سليم وهلال وغيرهم على حالهم من التشريد والجلاء، إلى أن هلك سنة إحدى وثلاثين وستمائة، وانقطع عقبه فانقطع ذكره، ومحا الله آثار فتنته من الأرض. واستقام أمر الدولة ونبضت منها عروق الاستيلاء واتساع نطاق الملك. ونهضت عزائمه إلى تدويخ أرض المغرب فخرج من تونس سنة اثنتين وثلاثين يوم بلاد زناتة بالمغرب الأوسط. وأغذ السير إلى بجاية فتلوم بها. ثم ارتحل إلى الجزائر فافتتحها وولى عليها. ثم نهض منها إلى بلاد مغراوة فأطاعه بنو منديل بن عبد الرحمن. وجاهر بنو توجين بخلافه فنزل البطحاء وأوقع بهم. وتقبض على رئيسهم عبد القوي بن العباس فاعتقله، وبعث به إلى تونس ودوخ المغرب الأوسط وقفل راجعاً إلى حضرته. وعقد مرجعه من المغرب لابنة الأمير أبي يحيى زكريا علي بجاية وأنزله بها. واستوزر له يحيى بن صالح بن إبراهيم الهنتاتي وجعل شواره لعبد الله بن أبي تهدى، وجبايته لعبد الحق بن ياسين، وكلهم من هنتاتة. وكتب إليه بوصيته مشتملة على جوامع الخلال في الدين والملك والسياسة، يجب إثباتها لشرف مغزاها وغرابة معناها ويأتي نصها فيما بعد.

الخبر عن سطوة السلطان بهوارة


كان لهوارة هؤلاء بإفريقية ظهور وعدد منذ عهد الفتح، وكانت دولة العبيديين قد جرت عليهم بكلكلها لما كان منهم في فتنة أبي يزيد كما نذكره في أخبارهم. وبقي منهم فل بجبل أوراس وما بعده من بلاد إفريقية وبسائطها إلى أبة ومرماجنة وسبيبة وتبرسق. ولما انقرض ملك صنهاجة بالموحدين وتغلب الأعراب من هلال وسليم على سائر النواحي بإفريقية، وكثروا ساكنها، وتغلبوا عليهم أخذ هذا الفل بمذهب العرب وشعارهم وشارتهم في اللبوس والزي والظعون وسائر العوائد. وهجروا لغتهم العجمية إلى لغتهم، ثم نسوها كأن لم تكن لهم، شأن المغلوب في الاقتداء بغالبه. ثم كان لهم انحياش أول الدولة إلى الطاعة بغلب عبد المؤمن وقومه. فلما استبد الأمير أبو زكريا، وانقلبت الدولة إلى بني أبي حفص ظهر منهم التياث في الطاعة، وامتناع عن المغرم، وأضرار بالسابلة، فاعتمل السلطان في أمرهم. وخرج من تونس سنة ست وثلاثين مورياً بالغزو إلى أهل أوراس، وبعث في احتشادهم فتوافدوا في معسكره. ثم صبحهم في عسكره من الموحدين والعرب ففتك بهم قتلا وسبياً، واكتسح أموالهم وقتل كبيرهم أبو الطيب بعرة ابن حناش وأفلت من أفلت منهم ناجياً بنفسه، عارياً من كسبه، فألانت هذه البطشة من حدهم وخضدت من شوكتهم، واستقاموا على الطاعة بعد.

الخبر عن ثورة الهرغي بطرابلس ومآل أمره


كان هذا الرجل من مشيخة الموحدين وهو يعقوب بن يوسف بن محمد الهرغي ويكنى بأبي عبد الرحمن، وكان الأمير أبو زكرياء وقد عقد له على طرابلس وجهاتها، وسرح معه عسكراً من الموحدين لحمايتها من أعراب دباب من بني سليم، فقام بأمرها واضطلع بجباية رعاياها. واستخدم العرب والبربر الذين بساحتها وكان بينه وبين الجوهري مصدوقة ود. فلما قتل الجوهري سنة تسع وثلاثين كما قدمناه استوحش لها يعقوب الهرغي واستقدمه السلطان فتلكأ، وبعث عنه أخاه ابن أبي يعقوب فازداد نفاره، وحدثته نفسه بالاستبداد لما كان أثرى من الجباية وشعر لها أهل البلد. فانطلقوا وهم يتخافون أن يعاجلوه قبل مداخلته العرب في أمره، فتقبضوا عليه وعلى أخيه وعلى أتباعهما ليلة أجمعوا الثورة في صباحها. وطيروا بالخبر إلى الحضرة فنفذ الأمر بقتلهم فقتلوا، وبعث برؤوسهم إلى باب السلطان، ونصبت أشلاؤهم بأسوار طرابلس، وأصبحوا عبرة للمعتبرين وأنشد الشعراء في التهنية بهم وقامت للبشائر سوق لكائنتهم.
وكان ممن قتل معه محمد ابن قاضي القضاة بمراكش أبي عمران بن عمران.
وصل علقا إلى تونس وقصد طرابلس فاتصل بهذا الهرغي، ونمى عنه أنه أنشأ خطبة ليوم البيعة فكانت سائقة حتفه. وكان بالمهدية رجل من الدعاة يعرف بأبي حمراء اشتهر بالنجدة في غزو البحر وقدم على الأسطول فردد الغزو حتى هابه الغزى من أمم الكفر، وأمنت سواحل المسلمين من طروقهم. وطار له فيها ذكر ونمي أنه كان مداخلاً للجواهري والهرغي، وأن القاضي بالمهدية أبا زكرياء البرقي اطلع على دسيستهم في ذلك، فنفذ الأمر السلطاني للوالي بها أبي علي بن أبي موسى بن أبي حفص بقتل ابن أبي الأحمر، وإشخاص القاضي إلى الحضرة معتقلاً، فأمضى عهده. ولما وصل البرقي إلى تونس فحص السلطان عن شأنه فبرئ من مداخلتهم، فسرحه وأعاده إلى بلده. وقتل بالحضرة رجل آخر من الجند اتهم بمداخلتهم وسعايته في قيامهم، وكان له تعلق برحاب بن محمود أمير دباب، فأوعز السلطان إلى بعض الدعار من زناتة، فقتله غيلة ثم أهدر دمه. وتتبع أهل هذه الخائنة بالقتل حتى حسم الداء، ومحا شوائب الفتنة.

الخبر عن بيعة بلنسية ومرسية وأهل شرق الأندلس ووفدهم


لما استقل أبو جميل زيان بن أبي الحملات مدافع بن أبي الحجاج بن سعد ابن مردنيش بملك بلنسية، وغلب عليها السيد أبا زيد ابن السيد أبي حفص، وذلك عند خمود ريح بني عبد المؤمن بالأندلس، وخروج ابن هود على المأمون، ثم فتنته هو مع ابن هود، وثورة ابن الأحمر بأرجونة، واضطراب الأندلس بالفتنة. وأسف الطاغية إلى ثغور الأندلس من كل جانب. وزحف ملك أرغون إلى بلنسية فحاصرها وكانت للعدو سنة ثلاث وثلاثين سبع محلات لحصار المسلمين: اثنتان منها على بلنسية، وجزيرة شقر وشاطبة. ومحلة بجيان ومحلة بطبيرة ومحلة بمرسية ومحلة بلبلة، وأهل جنوة من وراء ذلك على سبتة.
ثم تملك طاغية قشتالة مدينة قرطبة، وظفر طاغية أرغون بالكثير من حصون بلنسية والجزيرة، وبنى حصن أنيشة لحصار بلنسية. وأنزل بها عسكره وانصرف، فاعتزم زيان بن مردنيش على غزو من بقي بها من عسكره، واستنفر أهل شاطبة وشقر وزحف إليهم فانكشف المسلمون، وأصيب كثير منهم. واستشهد أبو الربيع بن سالم شيخ المحدثين بالأندلس، وكان يوماً عظيماً، وعنواناً على أخذ بلنسية ظاهراً. ثم ترعدت عليها سرايا العدو. ثم زحف إليها طاغية أرغون في رمضان سنة خمس وثلاثين فحاصرها واستبلغ في نكايتها. وكان بنو عبد المؤمن بمراكش قد فشل ريحهم، وظهر أمر بني أبي حفص بأفريقية، فأمل ابن مردنيش وأهل شرق الأندلس الأمير أبا زكرياء للكرة، وبعثوا إليه بيعتهم، وأوفد عليه ابن مردنيش كاتبه الفقيه أبا عبد الله بن الأبار صريخاً، فوفد وأدى بيعتهم في يوم مشهود بالحضرة،
وأنشد يستصرخه فيها للمسلمين وهي هذه: أدرك بخيلك خيل الـلـه أنـدلـسـا إن السبيل إلى منـجـاتـهـا درسـا
لها من عزيز النصر ما التـمـسـت فلم يزل منك عز النصر ملتـمـسـا
عاش مما تعانـيه حـشـاشـتـهـا فطالما ذاقت البلوى صبـاح مـسـا
للجزيرة أضحـى أهـلـهـا جـزراً للنائبات وأمسى جـدهـا تـعـسـا
كل شـارقة إلـمـــام بـــائقة يعود مأتمها عند الـعـدى عـرسـا
وكـل غـاربة أجـحـاف نـــائبة تثني الأمان حذاراً والـسـرور أسـا
قاسم الروم لا نالت مـقـاسـمـهـم إلا عقائلها المـحـجـوبة الأنـسـا
وفي بلنسـية مـنـهـا وقـرطـبة ما يذهب النفس أو ما ينزف النفسـا
مدائن حلها الأشراك مـبـتـسـمـاً جذلان وارتحل الإيمان مـنـبـئسـا
وصيرتها العوادي عـائثـات بـهـا يستوحش الطرف منها ضعف ما أنسا
ما للمساجد عادت لـلـعـدى بـيعـاً وللنـداء يرى أثـنـاءهـا جـرسـا
لهفاً عليها إلى استرجـاع فـائتـهـا مدارساً للمثاني أصـبـحـت درسـا
وأربعاً غنمت أيدي الـربـيع بـهـا ما شئت خلع من موشـية وكـسـا
كانت حـدائق لـلأحـداق مـونـقة فصوخ النضر من أدواحها وعـسـا
وحال ما حولها من منظـر عـجـب يستوقف الركب أو يستركب الجلسـا
سرعان ما عاث جيش الكفر واحربـاً عيث الدبا في مغانيها التي كـبـسـا
وابتز بزتـهـا مـمـا تـحـيفـهـا تحيف الأسد الضاري لما افتـرسـا
فأين عيش جنينـاه بـهـا خـضـراً وأين غصن جنيناه بـهـا سـلـسـا
محا محاسنـهـا طـاغ أتـيح لـهـا ما نام عن هضمها حيناً وما نعـسـا
ورج أرجاءها لـمـا أحـاط بـهـا فغادر الشم من أعلامهـا خـنـسـا
خلا له الجـو وامـتـدت يداه إلـى إدراك ما لم تنل رجلاه مختـلـسـا
وأكثر الزعم بالتثـلـيث مـنـفـرداً ولو رأى راية التوحيد مـا نـبـسـا
صل حبلها أيها المولى الرحيم فـمـا أبقى المراس لها حبلا ولا مـرسـا
وأحي ما طمست منها العـداة كـمـا أحييت من دعوة المهدي ما طمـسـا
أيام صرت لنضر الحق مسـتـبـقـاً وبت من نور ذاك الهدي مقتـبـسـا
وقمت فيها لأمر اللـه مـنـتـصـراً كالصارم اهتز أو كالعارض انبجسـا
تمحو الذي كتب التجسيم مـن ظـلـم والصبح ماحية أنواره الـغـلـسـا
هذي رسائلها تدعـوك مـن كـتـب وأنت أفضل مرجـو لـمـن يئسـا
وافتك جـارية بـالـنـخـح راجـية منك الأمير الرضي والسيد النـدسـا
خاضت خضارة يعلوها ويخفضـهـا عبابه فتعاني الـلـين والـشـرسـا
وربما سـبـحـت والـريح عـاتـية كما طلبت بأقصى شدة الـفـرسـا
تؤم يحيى ين عبد الواحـد بـن أبـي حفص مقبلة من تربـه الـقـدسـا
ملك تقلدت الأمـلاك طـاعـتـه دنياً ودنيا فغشاها الرضي لبـسـا
من كل غاد على يمناه مستـلـمـا وكل صاد إلى نعماه ملـتـمـسـا
مؤيد لو رمى نجـمـاً لأثـبـتـه ولو دعا أفقاً لبى وما احتـبـسـا
إمارة تحمل الـمـقـدار رأيتـهـا ودولة عزها يستصحب القعـسـا
يبدي النهار بها من ضوئه شـنـبـا ويطلع الليل من ظلمائه لـعـسـا
كأنه البدر والـعـلـياء حـالـتـه تحف من حوله شهب القنا حرسـا
له الثرى والثريا خـطـتـان فـلا أعز من خطتيه ما سـمـا ورسـا
يا أيها الملك المنصور أنـت لـهـا علياء توسع أعداء الهدى تعـسـا
وقد تواترت الأنـبـاء إنـك مـن يحيى بقتل ملوك الصفر أندلـسـا
طهر بلادك منهم إنـهـم نـجـس ولا طهارة ما لم تغسل النجـسـا
وأوطئ الفيلق الجـرار أرضـهـم حتى يطأطئ رأس كل من رأسـا
وانصر عبيداً بأقصى شرقها شرقت عيونهم أدمعا تهمي زكاً وخـسـا
هم شيعة الأمر وهي الدار قد نهكت داء متى لم تباشر حسمه انتكـسـا
أملأ هنيئاً لك التمكين ساحـتـهـا جرداً سلاهب أو خطـية دعـسـا
واضرب لها موعداً بالفتح ترقـبـه لعل يوم الأعادي قد أتى وعـسـا
فأجاب الأمير أبو زكرياء داعيتهم، وبعث إليهم أسطوله مشحوناً بمدد الطعام والأسلحة والمال، مع أبي يحيى بن يحيى ابن الشهيد أبي إسحاق بن أبي حفص.
وكانت قيمة ذلك مائة ألف دينار. وجاءهم الأسطول بالممد وهم في هذا الحصار، فنزل بمرسى دانية واستفرغ الممد بها ورجع بالناض إذا لم يخلص إليه من قبل ابن مردنيش من يتسلمه. واشتد الحصار على أهل بلنسية، وعدمت الأقوات وكثر الهلاك من الجوع، فوقعت المراوضة على إسلام البلد فتسلمها جاقمة ملك أركون في صفر سنة ست وثلاثين، وخرج عنها ابن مردنيش إلى جزيرة شقر، فأخذ البيعة على أهلها للأمير أبي زكريا. ورجع ابن الأبار إلى تونس، فنزل على السلطان وصار في جملته، وألح العدو على حصار ابن مردنيش بجزيرة شقر، وأزعجه عنها إلى دانية فدخلها في رجب من سنته، وأخذ عليهم البيعة للأمير أبي زكرياء.
ثم داخل أهل مرسية، وقد كان بويع بها أبو بكر عزيز بن عبد الملك بن خطاب في مفتتح السنة، فافتتحها عليه في رمضان من سنته وقتله، وبعث ببيعتهم إلى الأمير أبي زكرياء. وانتظمت البلاد الشرقية في طاعته، وانقلب وفد ابن مردنيش إليه من تونس بولايته على عمله سنة سبع وثلاثين، ولم يزل بها إلى أن غلبه ابن هود على مرسية، وخرج عنها إلى لقنت الحصون سنة ثمان وثلاثين، إلى أن أخذها طاغية برشلونة من يده سنة أربع وأربعين، وأجاز إلى تونس، والبقاء لله.

الخبر عن المجوسي وأوليته ومآل أمره
اسم هذا الرجل: محمد بن محمد الجوهري، وكان مشتهراً بخدمة ابن أكمازير الهنتاتي والي سبتة وغمارة من أعمال المغرب. وكان حسن الضبط مترامياً إلى الرياسة. ولما ورد على تونس وتعلق بأعمال السلطان نظر فيما يزلفه ويرفع من شأنه فوجد جباية أهل الخيام بأفريقية من البرابرة الموطنين مع الأعراب غير منضبطة ولا محصلة في ديوان، فنبه على أنها مأكلة للعمال ونهبة للولاة، فدفع إليها فأنمى جبايتها وقرر ديوانها، وصارت عملاً منفرداً يسمى عمل العمود وطار له بذلك بين العمال ذكر، جذب له السلطان أبو زكرياء بضبعه، وعول على نصيحته وأثره باختصاصه. ووافق ذلك موت أبي الربيع الكنفيتي المعروف بابن الغريغر صاحب الأشغال بالحضرة، فاستعمل مكانه وكان لا يلي ذلك الخطة إلا كبير من مشيخة الموحدين فرشحه السلطان لها لكفايته وعنائه، فظفر منها بحاجة نفسه، واعتدها ذريعة إلى أمنيته، فاتخذ شارة أرباب السيوف، وارتبط الخيل واتخذ الآلة في حروبه مع أهل البادية إذا احتاج إليها.
وأسف أثناء ذلك أبا علي بن النعمان وأبا عبيد الله بن أبي الحسن بعدم الخضوع لهما، فنصبا له وأغريا به السلطان وحفراه غائلة عصيانه. وكان فيه إقدام أوجد به السبيل على نفسه، ويحكى أن السلطان استشاره ذات يوم في تقويم بعض أهل الخلاف والعصيان فقال له: عندي ببابك ألف من الجنود أرم بها من تشاء من أمثالهم، فأعرض عنه السلطان واعتدها عليه. وجعلها مصداقاً لما نمي عنه. ولما قدم عنه عبد الحق بن يوسف بن ياسين على الأشغال ببجاية مع زكرياء ابن السلطان، أظهر له الجوهري أن ذلك بسعايته، وعهد إليه بالوقوف عند أمره والعمل بكتابه فألقى عبد الحق ذلك إلى الأمير أبي زكرياء فقام لها وقعد، وأنف من استبداد الجوهري عليه. ولم تزل هذه وأمثالها تعد عليه حتى حق عليه القول فسطا به الأمير أبو زكرياء وتقبض عليه سنة تسع وثمانين، ووكل امتحانه إلى أعدائه ابن برعان والندرومي، فتجلد على العذاب وأصبح في بعض أيامه ميتاً بمحبسه. ويقال خنق نفسه وألقي شلوه بقارعة الطريق فتفنن أهل الشمات في العيث به، وإلى الله المصير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الإثنين سبتمبر 27, 2010 8:32 pm

الخبر عن فتح تلمسان ودخول بني عبد الواد في الدعوة الحفصية
كان الأمير أبو زكرياء منذ استقل بأمر أفريقية واقتطعها عن بني عبد المؤمن كما ذكرناه متطاولاً إلى ملك الحضرة بمراكش والاستيلاء على كرسي الدعوة. وكان يرى أن بمظاهرة زناتة له على شأنه يتم له ما يسمو إليه من ذلك، فكان يداخل أمراء زناتة فيه ويرغبهم ويراسلهم بذلك على الأحياء من بني مرين وبني عبد الواد وتوجين ومغراوة. وكان يغمراسن منذ تقلد طاعة آل عبد المؤمن أقام دعوتهم بعمله متحيزاً إليهم سلماً لوليهم وحرباً على عدوهم. وكان الرشيد منهم قد ضاعف له البر والخلوص، وخطب منه مزيد الولاية والمصافاة، وعاوده الإتحاف بأنواع الألطاف والهدايا تغمناً لمسراته، وميلاً إليه عن جانب أقتاله بني مرين المجلبين على المغرب والدولة، فاستكبر السلطان أبو زكرياء اتصال الرشيد هذا بيغمراسن وآله، وهم جواره بالمحل القريب. وبينما هو على ذلك إذ وفد عليه عبد القوي أمير بني توجين وبعض ولد منديل بن عبد الرحمن أمراء مغراوة صريخاً على يغمراسن فسهلوا له أمره، وسولوا له الاستبداد على تلمسان. وجمع كلمة زناتة، وإعداد ذلك ركاباً لما يرومه من امتطاء ملك الموحدين بمراكش وانتظامه في أمره وسلماً لارتقاء ما يسمو إليه من ملكه، وباباً لولوج المغرب على أهله، فحركه أملاؤهم وهزه إلى النعرة صريخهم، وأهاب بالموحدين وسائر الأولياء والعساكر إلى الحركة على تلمسان. واستنفر لذلك سائر البدو من الأعراب الذين في طاعته من بني سليم ورياح بظعنهم، فأهطلوا لداعيه.
ونهض سنة تسع وثلاثين في عساكر ضخمة وجيوش وافرة. وسرح إمام حركته عبد القوي بن العباس وأولاد منديل بن محمد لحشد من بأوطانهم من أحياء زناتة وذؤبان قبائلهم وأحياء زغبة أحلافهم فى العرب. وضرب معهم موعداً لموافاتهم في تخوم بلادهم. ولما نزل صحراء زاغر قبلة تيطري منتهى مجالات رياح وبني سليم من المغرب، تثاقل العرب عن الرحلة بظعنهم في ركاب السلطان، وتلووا بالمعاذير فألطف الأمير أبو زكرياء الحيلة. زعموا في استنهاضهم وتنبيه عزائمهم، فارتحلوا معه حتى نازل تلمسان بجميع عساكر الموحدين وحشود زناتة وظعن العرب بعد أن كان قدم إلى يغمراسن الرسل من مليانة بالأعذار والدعاء إلى الطاعة، فرجعهم بالخيبة. ولما حلت عساكر الموحدين بساحة البلد، وبرز يغمراسن وجموعه للقاء بصحبتهم ناشئة السلطان بالنبل، فانكشفوا ولاذوا بالجدران وعجزوا عن حماية الأسوار، فاستمكنت المقاتلة من الصعود. ورأى يغمراسن أن قد أحيط بالبلد فقصد باب العقبة من أبواب تلمسان ملتقاً في ذويه وخاصته. واعترضه عساكر الموحدين فصمم نحوهم وجندل بعض أبطالهم فأفرجوا له، ولحقوا بالصحراء ونسلت الجيوش إلى البلد من كل حدب، فاقتحموه وعاثوا فيه بقتل النساء والصبيان واكتساح الأموال.
ولما تجلى غشي تلك الهيعة، وحسر تيار الصدمة، وخمدت نار الحرب، راجع الموحدون بصائرهم وأنعم الأمير أبو زكرياء نظره فيمن يقلده أمر تلمسان والمغرب الأوسط، وينزله بثغرها لإقامة دعوته الدائلة من دعوة بني عبد المؤمن والمدافعة عنها. واستكبر ذلك أشرافهم وتدافعوه وتبرأ أمراء زناتة ضعفاً عن مقاومة يغمراسن علماً بأنه الفحل الذي لا يقرع أنفه، ولا يطرق غيله ولا يصد عن فريسته.
وسرح يغمراسن الغارات في نواحي المعسكر فاختطف الناس من حوله، واطلعوا من المراقب عليه. ثم بعث وفده متطارحين على السلطان في الملامة والاتفاق، واتصال اليد على صاحب مراكش طالب الوتر في تلمسان وأفريقية. وأن يفرده بالدعوة الموحدية فأجابه إلى ذلك. ووفدت أمه سوط النساء للاشتراط والقبول فأكرم موصلها وأسنى جائزتها، وأحسن وفادتها ومنقلبها، وسوغ ليغمراسن في شرطه بعض الأعمال بأفريقية، وأطلق أيدي عماله على جبايته، وارتحل إلى حضرته لسبع عشرة ليلة من نزوله.
وفي أثناء طريقه وسوس إليه الموحدون باستبداد يغمراسن، وأشاروا بإقامة منافسيه من زناتة وأمراء المغرب الأوسط شجى في صدره، ومعترضاً عن مرامه، وإلباسهم ما لبس من شارة السلطان وزيه، فأجابهم وقلد كلا من عبد القوي بن عطية التوجيني، والعباس بن منديل المغراوي ومنصور المليكشي أمر قومه ووطنه، وعهد إليهم بذلك وأذن لهم في اتخاذ الآلة والمراسم السلطانية على سنن يغمراسن قريعهم، فاتخذوه بحضرته وبمشهد من ملأ الموحدين. وأقاموا مراسمها ببابه. وأغذ السير إلى تونس قرير العين بامتداد ملكه، وبلوغ وطره والإشراف على إذعان المغرب لطاعته وانقياده لحكمه، وإدالة دعوة بني عبد المؤمن فيه بدعوته، فدخل الحضرة واقتعد أريكته وأنشده الشعراء في الفتح، وأسنى جوائزهم وتطاولت إليه أعناق الآفاق كما نذكره.

الخبر عن دخول أهل الأندلس في الدعوة الحفصية ووصول بيعة إشبيلة وكثير من أمصارها
كان بإشبيلية أبو مروان أحمد الباجي من أعقاب أبي الوليد وأبو عمرو بن الجد من أعقاب الحافظ أبي بكر الطائر الذكر، ورثا التجلة عن جدهما وأجراهما الخلفاء على سننهم. وكانا مسمتين وقورين متبوعين من أهل بلدهما مطاعين في أفقهما. وكان السادة من بني عبد المؤمن يعولون على شوراهما في مصرهما. وكان بعدوة الأندلس التياث في الملك منذ وفاة المستنصر، وانتزى بها السادة وافترقوا. وثار بشرق الأندلس ابن هود وزيان بن مردنيش، وبغربها ابن الأحمر. وغلب ابن هود الموحدين وأخرجهم عنها. وملك ابن هود إشبيلية سنة ست وعشرين واعتقل من كان بها من الموحدين. ثم انتقضوا عليه سنة تسع بعدها وأخرجوا أخاه أبا النجاة سالماً، وبايعوا الباجي وتسمى بالمعتضد، واستوزر أبا بكر بن صاحب الرد، ودخلت في بيعته قرمونة وحاصره ابن هود فوصل الباجي يده بمحمد بن الأحمر الثائر بأرجونة وجيان بعد أن ملك قرطبة.
وزحف ابن هود إليهم فلقوه وهزموه، ورجعوا ظافرين، فدخل الباجي إلى إشبيلة وعسكر بخارجها، ثم انتهز فرصته في إشبيلية وبعث قريبه ابن أشقيلولة مع أهل أرجونة والنصارى إلى فسطاط الباجي فتقبضوا عليه وعلى وزيره وقتلوهما سنة إحدى وثلاثين. ودخل ابن الأحمر إشبيلية، ولشهر من دخوله إليها ثار عليه أهلها ورجعوا إلى طاعة ابن هود، وولى عليهم أخاه أبا النجاة سالماً. ولما هلك محمد بن هود سنة خمس وثلاثين صرف أهل إشبيلية طاعتهم إلى الرشيد بمراكش، وولوا على أنفسهم محمد بن السيد أبي عمران الذي قدمنا أنه كان والياً بقسطنطينة، وأن الأمير أبا زكرياء غلبه عليها واعتقله، وبعث ولده إلى الأندلس فربي محمد هذا في كفالة أمه بإشبيلية. ولما سار أهل إشبيلية للرشيد قدموه على أنفسهم، وتولى كبر ذلك أبو عمرو بن الجد، وبعثوا وفدهم إلى الحضرة فأقر السيد أبا عبد الله على ولايتهم. واستمرت في دعوة الرشيد إلى أن هلك سنة أربعين. وقد ملك الأمير أبو زكرياء تلمسان وأشرف على أعمال المغرب، فاقتدوا بمن تقدم إلى بيعته من أهل شرق الأندلس ببلنسية ومرسية، وبايعوا للأمير أبي زكرياء بن أبي محمد بن أبي حفص واقتدى بهم أهل شريش وطريف، وبعثوا إليه وفدهم ببيعته سنة إحدى وأربعين. وسألوا منه ولاية بعض أهل قرابته فولى عليهم أبا فارس ابن عمه يونس ابن الشيخ أبي حفص، فقدم إشبيلية وقام بأمرها، وسلم له ابن الجد في نقضها وإبرامها.
ثم انتقض عليه سنة ثلاث وأربعين وطرده من البلد إلى سبتة واستبد بأمر إشبيلية، ووصل يده بالطاغية. وعقد له السلم وضرب على أيدي أهل المغاورة من الجند وأسقطهم من ديوانه فقتلوه بإملاء قائدهم شفاف واستقل بأمر إشبيلية. ورجع أبا فارس بن أبي حفص وولاه بدعوة الأمير أبي زكرياء فسخطهم الطاغية لذلك وانتقض عليهم وملك قرمونة ومرشانة. ثم زحف إلى حصرهم وسألوه الصلح فامتنع. وصار أمر البلد شورى بين القائد شفاف وابن شعيب ويحيى بن خلدون ومسعود بن خيار وأبي بكر بن شريح، ويرجعون في أمرهم آخراً إلى الشيخ أبي فارس بن أبي حفص.
وأقاموا في هذا الحصار سنتين ونازلهم ابن الأحمر في جملة الطاغية، وبعث إليهم الأمير أبو زكرياء المدد، وجهز له الأسطول لنظر أبي الربيع بن الغريغر التينمللي. وأوعز له إلى سبتة بتجهيز أسطولهم معه فوصل إلى وادي إشبيلية، وغلبهم أسطول الطاغية على مرسية فرجع. واستولى العدو عليها صلحاً سنة ست وأربعين بعد أن أعانهم ابن الأحمر بمدده وميرته. وقدم الطاغية على أهل الدخن بها عبد الحق بن أبي محمد البياسي من آل عبد المؤمن، والأمر لله.

الخبر عن بيعة أهل سبتة وطنجة وقصر ابن عبد الكريم وتصاريف أحوالهم ومآل أمرهم
كان أهل سبتة بعد إقلاع المأمون عنهم، ونزول أخيه موسى عنها لابن هود قد انتقضوا وأخرجوا عنهم القشتيني والي ابن هود، وقدموا عليهم أحمد الينشتي وتسمى بالموفق. ثم رجعوا إلى طاعة الرشيد عندما بايعه أهل إشبيلية سنة خمس وثلاثين. وتقبضوا على الينشتي وابنه وأدخلوا السيد أبا العباس ابن السيد أبي سعيد، كان والياً بغمراة فولوه عليهم. ثم عقد الرشيد على ديوان سبتة لأبي علي بن خلاص، كان من أهل بلنسية واتصل بخدمة الرشيد فجلى فيها، ودفعه إلى الأعمال فضبطها فولاه سبتة فاستقل بها. وولى على طنجة يوسف ابن الأمير قائداً على الرحل الأندلسي وضابطاً لقصبتها.
حتى إذا هلك الرشيد سنة أربعين، وقد استفحل أمر الأمير أبي زكرياء بأفريقية، واستولى على تلمسان وبايعه الكثير من أمصار الأندلس، فصرف ابن خلاص وجهه إليه.
وكان قد اقتنى الأموال واصطنع الرجال فدخل في دعوته، وبعث الوفد ببيعته. واقتدى به في ذلك أهل قصر ابن عبد الكريم فبعثوا بيعتهم للأمير أبي زكريا. وعقد لابن خلاص على سبتة وما إليها، فبعث بالهدية إليه في أسطول أنشأه لذلك سماه الميمون، وأركب ابنه أبا القاسم فيه وافداً على السلطان، ومعه الأديب إبراهيم بن سهل، فعطب عند إقلاعه. ولما رجع الأسطول من إشبيلية كما قدمناه على بقية هذا العطب وحزن أبي علي بن خلاص على ابنه، رغب من قائده أبي الربيع بن الغريغر أن يحمله بجملته إلى الحضرة، فانتقل بأهله واحتمل زخيرته. ولما مر الأسطول بمرسى وهران نزل بساحلها فأراح، وأحضر له تين فأكله فأصابه مغص في معاه هلك منه فجاءة سنة ست وأربعين. وعقد السلطان على سبتة لأبي يحيى بن زكريا ابن عمه أبي يحيى الشهيد ابن الشيخ أبي حفص. وبعث معه على الجباية أبا عمر بن أبي خالد الإشبيلي، كان صديقاً لشفاف وعدواً لابن الجد. ولما قتل شفاف لحق بالحضرة فولاه الأمير أبو زكرياء أشغال سبتة، واستمرت الحال إلى أن كان من استبداد العزفي بسبتة ما نذكره.

الخبر عن بيعة المرية
لما هلك محمد بن هود بالمرية سنة خمس وثلاثين كما ذكرناه واسبتد وزيره أبو عبد الله محمد بن الرميمي بها، وضبها لنفسه وضايقه ابن الأحمر فبعث ببيعته سنة أربعين إلى الأمير أبي زكرياء حين أخذ أهل شرق الأندلس بطاعته. ولم يزل ابن الأحمر يحاصره إلى أن تغلب عليه سنة ثلاث وأربعين كما ذكرناه في أخباره. وخرج منها إلى سبتة بأهله وذخيرته، وأحله أبو علي بن خلاص محل البر والتكرمة، وأنزله خارج المدينة في بساتين بنيونش، وأجمع الثورة بأبي خلاص، فنذر به وتغير له. قلما رجع الأسطول من إشبيلية ركبه الرميمي ولحق بتونس، فنزل على الأمير أبي زكرياء وحل من حضرته محل التكرمة. واستوطن تونس، وتملك بها الضياع والقرى، وشيد القصور إلى أن هلك والبقاء لله وحده.

الخبر عن بيعة ابن الأحمر
كان محمد بن الأحمر قد انتزى على ابن هود ببلده أرجونة، وتملك جيان وقرطبة وإشبيلية وغرب الأندلس وطالت فتنته مع ابن هود وراجع طاعته. ثم انتقض عليه وبايع للرشيد سنة ست وثلاثين عندما بايعه أهل إشبيلية وسبته، فلم يزلا على ذلك إلى أن هلك الرشيد على حين استفحال ملك الأمير أبي زكرياء بإفريقية وتأميله للنصرة والكرة، فحول ابن الأحمر إليه الدعوة، وأوفد بها أبا بكر بن عياش من مشيخة مالقة فرجعهم الأمير أبو زكرياء بالأموال للنفقات الجهادية. ولم يزل يواصلها لهم من بعد ذلك إلى أن هلك سنة سبع وأربعين، فأطلق ابن الأحمر نفسه من عقال الطاعة واستبد بسلطانه.

الخبر عن بيعة سجلماسة وانتقاضها
كان عبد الله بن زكريا الهزرجي من مشيخة الموحدين والياً بسلجماسة لبني عبد المؤمن. ولما هلك الرشيد وبويع أخوه السعيد سنة أربعين، ونميت إليه عن الهزرجي عظيمة من القول خشن بها صدره وبعث إليه مستعتباً فلم يعتبه. ومزق كتابه فخشيه الهزرجي على نفسه، واتصل به ما كان من استيلاء الأمير أبي زكرياء على تلمسان ونواحيها، فخاطبه بطاعته وأوفد عليه بيعته، فعقد له الأمير أبو زكرياء على سجلماسة وأنحائها، وفوض إليه في أمرها ووعده بالمدد من المال والعسكر لحمايتها. وخطب له عبد الله بسجلماسة، وفر إليه من مراكش أبو زيد الكدميوي بن واكاك، وأبو سعيد العود : الرطب، فلحق بتونس. وأقام أبو زيد معه بسجلماسة. وزحف إليه السعيد سنة إحدى وأربعين، وقيل سنة أربعين، ومن معسكره كان مفر أولئك، المشيخة. وخاطب السعيد أهل سجلماسة وداخلهم أبو زيد الكدميوي فغدروا بالهزرجي وثاروا به، فخرج من سجلماسة وأسلمها وقام بأمرها أبو زيد الكدميوي. وطير بالخبر إلى السعيد فشكر له فعلته، وغفر له سالفته. وتقبض على عبد الله الهزرجي بعض الأعراب، وأمكن منه السعيد فقتله وبعث برأسه إلى سجلماسة فنصب بها، ورجع من طريقه إلى مراكش وأقامت سجلماسة على دعوة عبد المؤمن إلى أن كان من خبرها ما نذكره في موضعه.

الخبر في بيعة مكناسة وما تقدمها من طاعة بني مرين
كان بين بني عبد الواد وبين بني مرين منذ أوليتهم وتقلبهم في القفار فتن وحروب، ولكل منهما أحلاف في المناصرة وأشياع. فلما التاثت دولة بني عبد المؤمن غلب كل منهما على موطنه، وكانت السابقة في ذلك لبني عبد الواد لبعدهم عن حضرة مراكش حيث محشر العساكر ويعسوب القبائل. ولما استبد الأمير أبو زكرياء بأمر إفريقية، ودوخ المغرب الأوسط وافتتح تلمسان، وأطاعه بنو عبد الواد، حذر بنو مرين حينئذ غائلتهم. وخافوا أن يظاهرهم الأمير أبو زكرياء عليهم، فألانوا له في القول ولاطفوه على البعد بالطاعة، وخاطبوه بالتمويل، وأوجبوا له حق الخلافة، ووعدوه أن يكونوا أنصاراً لدعوته وأعواناً في أمره، ومقدمة في عسكره إلى مراكش وزحفه. وحملوا من تحت أيديهم من قبائل المغرب وأمصاره على طاعتهم، والاعتصام ببيعتهم ولم تزل المخاطبات بينهم وفي الأمير أبي زكرياء في ذلك من أميرهم عثمان بن عبد الحق وأخيه محمد من بعده. ورسلهم تفد عليه بذلك مرة بعد أخرى إلى أن هلك الرشيد. وقد استولى الأمير أبو زكرياء على تلمسان، ودخل في دعوته قبائل زناتة بالمغرب الأوسط واستشرف أهل الأمصار من العدوتين إلى إيالته. وكان أهل مكناسة قد اعتصموا بوصلة الأمير أبي يحيى بن عبد الحق، وجاءهم وال من مراكش وأساء فيهم السيرة فتوثبوا به وقتلوه. وبعثوا إلى الأمير أبي يحيى بن عبد الحق، فحملهم على بيعة الأمير أبي زكرياء فأنفذوها من إنشاء قاضيهم أبي المطرف بن عميرة سنة ثلاث وأربعين. وضمن أبو يحيى بن عبد الحق حمايتهم خلال ما يأتيهم أمر السلطان من تونس ومدده. وبلغ الخبر إلى السعيد فأرهف حده واعتزم على النهوض إليهم فخامهم الرعب، وراجعوا طاعته وأوفدوا صلحاءهم وعلماءهم في الإقالة واغتفار الجريرة، فتقبل ذلك إلى أن كان من حركته بعد ذلك ومهلكه ما هو معروف.

الخبر عن مهلك الأمير أبي يحيي زكرياء
ولي العهد بمكان إمارته من بجاية وتصيير العهد إلى أخيه محمد كان الأمير أبو زكرياء قد عقد لابنه أبي يحيى زكرياء على ثغر بجاية قاعدة ملك بني حماد، وجعل إليه النظر في سائر أعمالها من الجزائر وقسطنطينة وبونة والزاب سنة ثلاث وثلاثين كما ذكرناه، فاستقل بذلك، وكان بمكان من الترشيح للخلاف بنفسه وجلاله، وانتظامه في سلك أهل العلم والدين وإيناس العدل. فولاه الأمير أبو زكرياء عهده سنة ثمان وثلاثين، وأحضر الملأ لذلك وأشهدهم في كتابه، وأوعز بذكره في الخطبة على المنابر مع ذكره. وكتب إليه بالوصية التي تداولها الناس من كلامه ونصها: اعلم سددك الله وأرشدك، وهداك لما يرضيه وأسعدك، وجعلك محمود السيرة، مأمون السريرة. إن أول ما يجب على من استرعاه الله في خلقه، وجعله مسؤولا عن رعيته في جل أمرهم ودقه، أن يقدم رضى الله عز وجل في كل أمر يحاوله، وأن يكل أمره وحوله وقوته لله، ويكون عمله وسعيه وذبه عن المسلمين، وحربه وجهاده للمؤمنين، بعد التوكل عليه، والبراءة من الحول والقوة إليه. ومتى فاجأك أمر مقلق، أو ورد عليك نبأ مرهق، فريض لبك، وسكن جأشك، وارع عواقب أمر تأتيه، وحاوله قبل أن ترد عليه وتغشيه. ولا تقدم إقدام الجاهل، ولا تحجم إحجام الأخرق المتكاسل. واعلم أن الأمر إذا ضاق مجاله، وقصر عن مقاومته رجاله، فمفتاحه الصبر والحزامة والأخذ مع عقلاء الجيش ورؤسائهم، وفي التجارب من نبهائهم. ثم الإقدام عليه، والتوكل على الله فيما لديه، والإحسان لكبير جيشك وصغيره الكثير على قدره، والصغير على قدره. ولا تلحق الحقير بالكبير فتجري الحقير على نفسك، وتغلطه في نفسه وتفسد نية الكبير وتؤثره عليك، فيكون إحسانك إليه مفسدة في كلا الوجهين، ويضيع إحسانك وتشتت نفوس من معك.
واتخذ كبيرهم أباً وصغيرهم ابناً، وأخفض لهم جناح الذل من الرحمة، وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين. واتخذ نفسك صغيرة، وذاتك حقيرة، وحقر أمورك، ولا تستمع أقوال الغالطين المغلطين، بأنك أعظم الناس قدراً، وأكثرهم بذلا، وأحسنهم سيرة وأجملهم صبراً، فذاك غرور وبهتان وزور.
واعلم أن من تواضع لله رفعه الله. وعليك بتفقد أحوال رعيتك والبحث عن عمالهم والسؤال عن سير قضاتهم فيهم، ولا تنم عن مصالحهم، ولا تسامح أحداً فيهم. ومهما دعيت لكشف ملمة فاكشفها عنهم، ولا تراع فيهم كبيراً ولا صغيراً إذا عدل عن الحق. ولا تراع في فاجر ولا متصرف إلا ولا ذمة، ولا تقتصر على شخص واحد في مسائل الرعية والمتظلمين. ولا تقف عند مراده في أحوالهم.
واتخذ لنفسك ثقاة صادقين مصدقين، لهم في جانب الله أوفر نصيب، وفي رفع مسائل خلقه إليك أسرع مجيب. وليكن سؤالك لهم أفذاذ، فإنك متى اقتصرت على شخص واحد في نقله ونصحه، حمله الهوى على الميل، ودعته الحمية إلى تجنب الحق، وترك قول الصدق. وإذا رفع إليك أحد مظلمة، وأنت على طريق، فادعه إليك وسله حتى يوضح قصته لك. وجاوبه جواب مشفق مصغ إلى قوله، مصيخ إلى نازلته ونقله، ففي إصاختك له وحنوك عليه أكبر تأنيس، وللسياسة والرئاسة في نفوس الخاصة والعامة، والجمهور أعظم تأسيس.
واعلم أن دماء المسلمين وأموالهم حرام على كل مؤمن بالله واليوم الآخر إلا في حق أوجبه الكتاب والسنة، وعضدته أقاويل الشرعية والحجة، أو في مفسد عائث في طرقات المسلمين وأموالهم جار على غيه في فساد صلاحهم وأحوالهم، فليس إلا السيف فإن أثره عفاء ووقعه لداء الأدمغة الفاسدة دواء، ولا تقل عثرة حسود على النعم، عاجز عن السعي، فإن إقالته تحمله على القول، والقول يحمله على الفعل، ووبال عمله عائد عليك. فاحسم داءه قبل انتشاره، وتدارك أمره قبل إظهاره، واجعل الموت نصب عينيك، ولا تغتر بالدنيا وإن كانت في يديك. لا تنقلب إلى ربك إلا بما قدمته من عمل صالح ومتجر في مرضاته رابح.
واعلم أن الإيثار أربح المكاسب وأنجح المطالب، والقناعة مال لا ينفد. وقد قال بعض المفسرين في قوله عز من قائل: "وتركنا عليه في الآخرين" إنه النبأ الحسن في الدنيا على ما خلد فيها من الأعمال المشكورة، والفعلات الصالحة المذكورة. فليكفك من دنياك ثوب تلبسه وفرس تذب به عن عباده. وأرجو بك متى جعلت وصيتي هذه نصب عينيك، لم تعدم من ربك فتحاً ييسره على يديك، وتأييداً ملازماً لا يبرح عنك إلا إليك، بمن الله وحوله وطوله. والله يجعلك ممن سمع فوعى، ولبى داعي الرشد إذا دعا، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
تمت الوصية المباركة، فعظم ترشيح الأمير أبي يحيى لذلك، وعلا في الدولة كعبه، وقوي عند الكافة تأميله، وهو بحالة من النظر في العلم والجنوح للدين، إلى أن هلك سنة ست وأربعين، فأسى له السلطان، واحتفل الشعراء في ريائه وتأبينه، فكانوا يثيرون بذلك شجو السلطان، ويبعثون حزنه، وعقد العهد من بعده لأخيه الأمير أبي عبد الله محمد، بحضور الملأ، وإيداع الخاصة كتابهم بذلك في السجل، إلى أن كان من خلافته ما نذكره بعد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 11:47 am

الخبر عن مهلك السلطان أبي زكرياء وما كان عقبه من الأحداث
كان السلطان أبو زكرياء قد خرج من تونس إلى جهة قسطنطينة للإشراف على أحوالها، ووصل إلى باغاية فعرض العساكر بها، ووافته هنالك الدواودة، وشيخهم موسى بن محمد. وكان منه اضطراب في الطاعة فاستقام. وأصاب السلطان هنالك المرض فرجع إلى قسطنطينة. ثم أبل من مرضه، ووصل منها إلى بونة، فراجعه المرض. ولما نزل بظاهر بونة اشتد به مرضه. وهلك لسبع بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين لاثنتين وعشرين سنة من ولايته، ودفن بجامع بونة. ثم نقل شلوه بعد ذلك إلى قسطنطينة سنة ست وستين بين يدي حصار النصارى تونس. وبويع إثر مهلكة ابنه ولي عهده أبو عبد الله محمد كما نذكره. وطار خبر مهلكه في الآفاق، فانتقض كثير من أهل القاصية، ونبذوا الدعوة الحفصية، وعطل ابن الأحمر منابره من الدعوة الحفصية. وتمسك بها يغمراسن بن زيان صاحب المغرب الأوسط، فلم يزالوا عليها حيناً من الدهر، إلى أن انقطعت في حصار تلمسان كما نذكره. ولما بلغ الخبر بمهلكه إلى سبتة، وكان بها أبو يحيى ابن الشهيد من قبل الأمير أبي زكرياء كما نذكره، وأبو عمرو بن أبي خالد، والقائد شفاف، فثارت العامة وقتل ابن أبي خالد وشفاف، وطردوا ابن الشهيد فلحق بتونس. وتولى كبر هذه الثورة حجبون الرنداحي بمداخلة أبي القاسم العزفي. واتفق الملأ على ولاية العزفي، وحولوا الدعوة للمرتضى، وذلك سنة سبع وأربعين. وتبعهم أهل طنجة في الدعوة، واستبد بها ابن الأمير، وهو يوسف بن محمد بن عبد الله بن أحمد الهمداني، كان والياً عليها من قبل أبي علي بن خلاص. فلما صار الأمر للعزفي والقائد حجبون الرنداحي، خالفهم هو إلى الدعوة الحفصية، واستبد عليهم. ثم خطب للعباسي وأشرك نفسه معه في الدكاء، إلى أن قتله بنو مرين غدراً كما نذكره، وانتقل بنوه إلى تونس ومعهم صهرهم القاضي أبو الغنم عبد الرحمن بن يعقوب من جالية شاطبة، انتقل هو وقومه إلى طنجة أيام الجلاء، فنزلوا بها وأصهر إليهم الأمير، وارتحلوا معهم إلى تونس. وعرف دين القاضي أبي القاسم وفضله ومعرفته بالأحكام والوثائق، واستعمل في خطة القضاء بالحضرة أيام السلطان، وكان له في ذكر.
ولما بلغ الخبر بمهلك الأمير أبي زكرياء إلى صقلية أيضاً، وكان المسلمون بها في مدينة بلرم قد عقد لهم السلطان مع صاحب الجزيرة على الإشراك في البلد والضاحية، فتساكنوا حتى إذا بلغهم مهلك السلطان بادر النصارى إلى العيث فيهم فلجوا إلى الحصون والأوعار، ونصبوا عليهم ثائراً من بني عبس، وحاصرهم طاغية صقلية بمعقلهم من الجبل. وأحاط بهم حتى استنزلهم. وأجازهم البحر إلى عدوته، وأنزلهم بوجاره من عمائرها. ثم تعدى إلى جزيرة مالطة فأخرج المسلمين الذين كانوا بها، وألحقهم بأخوانهم. واستولى الطاغية على صقلية وجزائرها. ومحا منها كلمة الإسلام بكلمة كفره، والله غالب على أمره.

الخبر عن بيعة السلطان أبي عبد الله المستنصر وما كان في أيامه من الحوادث
لما هلك الأمير أبو زكرياء بظاهر بونة سنة سبع وأربعين كما قدمناه اجتمع الناس على ابنه الأمير أبي عبد الله، وأخذ له البيعة عمه محمد اللحياني على الخاصة وسائر أهل المعسكر، وارتحل إلى تونس فدخل الحضرة ثالث رجب من السنة، فجدد بيعته يوم وصوله وتلقب المستنصر بالله. ثم جدد البيعة بعد حين، واختار لوضع علامته: الحمد لله، والشكر لله وقام بأعباء ملكه، وتقبض على خاصة أبيه الخصي كافور، كان قهرمان داره، فأشخصه إلى المهدية، وأوعز إلى الجهات بأخذ البيعة على أهل العمالات فترادفت من كل جانب. واستوزر أبو عبد الله بن أبي مهدي، واستعمل على القضاء أبا زيد التوزري وكان يعلم ولد عمه محمد اللحياني الثائر عليه كما نذكره.

الخبر عن ثورة ابن عمه محمد اللحياني ومقتله ومقتل أبيه
كان للأمير أبي زكريا من الأخوة اثنان: محمد وكان أسن منه ويعرف باللحياني لطول لحيته، والآخر أبو إبراهيم، وكان بينهم من المخالصة والمصافاة ما لا يعبر عنه. ولما هلك الأمير أبو زكرياء، وقام بالأمر ابنه أبو عبد الله المستنصر، واستوزر محمد بن أبي مهدي الهنتاتي، وكان عظيماً في قومه، فأمل أن يستبد عليه لمكان صغره، إذ كان في سن العشرين ونحوها. واستصعب عليه حجر السلطان بما كان له من الموالي العلوجيين، والصنائع من بيوت الأندلس. فقد كان أبوه اصطنع منهم رجالا، ورتب جنداً كثروا الموحدين وزاحموهم في مراكزهم من الدولة. فداخل ابن أبي مهدي أخوي السلطان، وبعث عندهما الأسف على ما فاتهما من الأمر، فلم يجد عندهما ما أفل من ذلك. فرجع إلى ابن محمد اللحياني، فأجابه إلى ذلك. وبايعه ابن أبي مهدي سراً، ووعده المظاهرة. ونمي الخبر بذلك إلى السلطان من عمه محمد اللحياني وحذره من غائلة ابنه، وأبلغه ذلك أيضاً القاضي أبو زيد التوزري منتصحاً.
وباكر ابن أبي مهدي مقعده للوزارة بباب السلطان لعشرين من جمادى سنة ثمان وأربعين، وتقبض على الوزير أبي زيد بن جامع. وخرج ومشيخة الموحدين معه، فبايعوا لابن محمد اللحياني بداره، واستركب السلطان أولياءه. وعقد للعاقد ظافر على حربهم فخرج في الجند والأولياء، ولقي الموحدين بالمصلى خارج البلد، ففض جمعهم، وقتل ابن أبي مهدي وابن وازكلدن وسار ظافر مولى السلطان إلى دار اللحياني عم السلطان فقتله وابنه صاحب البيعة، وحمل رؤوسهما إلى السلطان. وقتل في طريقه أخاه أبا إبراهيم وابنه، وانتهب منازل الموحدين وخربت. ثم سكنت الهيعة وهدأت الثائرة، وعطف السلطان على الجند والأولياء وجهل الاصطناع، فأدر أرزاقهم ووصل تفقدهم. وأعاد عبد الله بن أبي الحسين إلى مكانه بعد أن كان هجر أول الدولة، وتزحزح لابن أبي مهدي عن رتبته، وتضاءل لاستطالته، فرجع إلى حاله واستقامت الأمور على ذلك. ثم سعى عند السلطان بمولاه الظافر، وقبحوا عنده ما أتاه من الأفتيات في قتل عميه من غير جرم. ونذر بذلك فخشي البادرة ولحق بالدواودة، وكان المتولي لكبر هذه السعاية هلال مولاه، فقعد له مكانه واستنفر ظافر في جوار العرب طريداً، إلى أن كان من أمره ما كان.

الخبر عن الآثار التي أظهرها السلطان في أيامه
فمنها شروعه في اختطاط المصانع الملوكية، وأولها المصيد بناحية بنزرت. اتخذه للصيد سنة خمسين، فأدار سياجاً على بسيط من الأرض قد خرج نطاقه عن التحديد، بحيث لا يراع فيه سرب الوحش، فإذا ركب للصيد تخطى ذلك السياج إلى قوره في لمة من مواليه المتخصين وأصحاب بيزرته، بما معهم من الجوارح بزاة وصقوراً وكلاباً سلوقية وفهوداً، فيرسلونها على الوحش في تلك القوراء، وقد وثقوا باعتراض البناء لها من أمام فيقضي وطراً من ذلك القنيص سائر يومه، فكان ذلك من أفخم ما عمل في مثلها. ثم وصل ما بين قصوره ورياض رأس الطائبة بحائطين ممتدين يجوزان عرض العشرة أذرع أو نحوها طريقاً سالكاً ما بينهما، وعلى ارتفاع عشرة أذرع يحتجب به الحرم في خروجهن إلى تلك البساتين عن ارتفاع العيون عليهن، فكان ذلك مصنعاً فخماً وأثراً على أيام الدولة خالداً.
ثم بنى بعد ذلك الصرح العالي بفناء داره ويعرف بقبة أساراك. وأساراك بالسان المصمودي هو القوراء الفسيحة. وهذا الصرح هو إيوان مرتفع السمك متباعد الأقطار متسع الأرجاء يشرع منه إلى الغرب، وجانبيه ثلاثة أبواب لكل باب منها مصرعان من خشب مؤلف الصنعة ينوء كل مصراع منها في فتحة وغلقه بالعصبة أولي القوة. ويفضي بابها الأعظم المقابل لسمت الغرب إلى معارج قد نصت للظهور عليها عريضة ما بين الجوف إلى القبلة بعرض الإيوان، يناهز عمدها الخمسين أو نحوها، ويفضي البابان عن جانبيه إلى طريقين ينتهيان إلى حائط القوراء. ثم ينعطفان إلى ساحة القوراء يجلس السلطان فيها على أريكته مقابل الداخل أيام العرض والفود ومشاهد الأعياد، فجاءت من أضخم الأواوين وأحفل المصانع التي تشهد بأبهة الملك وجلالة الدولة.
واتخذ أيضاً بخارج حضرته البستان الطائر الذكر المعروف بأبي فهر، يشتمل على جنات وغير معروشات، اغترس فيها من شجره كل فاكهة من أصناف التين والزيتون والرمان والنخيل والأعناب، وسائر الفواكه وأصناف الشجر. ونضد كل صنف منها في دوحة حتى لقد اغترس من السحر والطلح والشجر البري، وسمى دوح هذه بالشعراء واتخذ وسطها البساتين والرياض بالمصانع والجوائز وشجر النور والنزه من الليم والنارنج والسرو والريحان، وشجر الياسمين والخيري والنيلوفر وأمثاله. وجعل وسط هذه الرياض روضاً فسيح الساحة، وصنع فيه للماء حائزاً من عداد البحور، جلب إليه الماء في القناة القديمة، كانت ما بين عيون زغوان وقرطجنة تسلك بطن الأرض في أماكن، وتركب البناء العادي ذا الهياكل الماثلة والقسي القائمة على الأرجل الضخمة في أخرى، فعطف هذه القناة من أقرب السموات إلى هذا البستان. وأمطاها حائطاً وصل ما بينهما حتى ينبعث من فوهة عظيمة إلى جب عميق المهوى، رصيف البناء متباعد الأقطار مربع القنا مجلل بالكلس، إلى أن يقمعه الماء فيرسله في قناة أخرى قريبة الغاية، فتنبعث في الصهريج إلى أن يفهق حوضه، وتضطرب أمواجه تترفه الحظايا عن السعي بشاطئه لبعد مداه فيركبن في الجواري المنشئات ثبجه فيتبارى بهن تباري الفتح، ومثلت بطرفي هذا الصهريج قبتان متقابلتان كبراً وصغراً على أعمدة المرمر، مشيدة جوانبها بالرخام المنجد، ورفعت سقفها من الخشب المفدر بالصنائع المحكمة والأشكال المنمقة، إلى ما اشتملت عليه هذنه الرياض من المقاصير والأواوين والحوائز والقصور غرفاً من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، وتأنق في مبانيه هذه واستبلغ وعدل عن مصانع سلفه ورياضهم إلى متنزهاته من هذه، فبلغ فيها الغاية في الاحتفال وطار لها ذكر في الأفاق.

الخبر عن فرار أبي إسحاق وبيعة رياح له وما قارن ذلك من الأحداث
كان الأمير أبو إسحاق في إيالة أخيه المستنصر، وكان يعاني من خلقه وملكته عليه شدة، وكان السلطان يخافه على أمره وخرج سنة إحدى وخمسين لبعض الوجوه السلطانية، ففر الأمير أبو إسحاق من معسكره، ولحق بالدواودة من رياح، فبايعوه بروايا من نواحي نقاوس، واجتمعوا على أمره. وبايع له ظافر مولى أبيه النازع إليهم واعتقد منه الذمة والرتبة، وقصدوا بسكرة وحاصروها، ونادى بشعار طاعتهم فضل بن علي بن الحسن بن مزني من مشيختها. وائتمر به الملأ ليقتلوه، ففر إليه وصار في جملته. ثم بايع له أهل بسكرة ودخلوا في طاعته، ثم ارتحلوا إلى قابس فنازلوها، واجتمعت عليه الأعراب من كل أوب. وأهم السلطان شأنه، وتقبض على ولده فحبسهم بالقصبة جميعاً. ووكل بهم من يحوطهم وألطف ابن أبيلحسين الحيلة في فساد ما بين الأمير أبي إسحاق ومولاه ظافر، وسار إلى المغرب. ثم لحق بالأندلس، وافترق جموع الأمير أبي إسحاق فلحق بتلمسان، وأجاز منها إلى الأندلس. ونزل على السلطان محمد بن الأحمر فرعى له عهد أبيه، وأسنى له الجراية. وشهد هنالك الوقائع، وأبلى في الجهاد. ولم يزل السلطان المستنصر يتاحف ابن الأحمر ويهاديه، ويوفد عليه مشيخة الموحدين مصانعة في شأن أخيه واستجلاء لحاله، إلى أن هلك. وكان من ولاية أخيه أبي إسحاق ما نذكر. ولحين مهلكه أجاز ظافر من الأندلس إلى بجاية. وأوفد ولده علي الواثق مستعتباً وراغباً في السبيل إلى الحج. وقلق المستولي على الدولة بمكانه، وراسل شيخ الموحدين أبا هلال عياد بن محمد الهنتاني صاحب بجاية في اغتياله عن قصده، فذهب دمه هدراً وبقي ولده عند بني توجين حتى جاءوا في جملة السلطان أبي إسحاق، وبيد الله تصاريف الأمور.

�الخبر عن بني النعمان ونكبتهم والخروج أثرها إلى الزاب
كان بنو النعمان هؤلاء من مشيخة هنتاتة ورؤسائهم، وكان لهم في دولة الأمير أبي زكريا ظهور ومكان، وخلصت ولاية قسطنطينة لهم يستعملون عليها من قرابتهم. واتصل لهم ذلك أول دولة المستنصر، وكان كبيرهم أبو علي وتلوه ميمون وعبد الواحد، وكان لهم في مداخلة اللحياني أثر. فلما استوسق للسلطان أمره، وتمهدت دولته نكبهم وتقبض عليهم سنة إحدى وخمسين، فأشخص أبو علي إلى الإسكندرية، وقتل ميمون وانقرض أمرهم. وظهر أثر ذلك بالزاب خارج تسمى بأبي حمارة، فخرج السلطان من تونس وقصده الزاب، فأوقع به وبمجموعة وتقبض عليه، وسيق إلى السلطان فقتله، وبعث برأسه إلى تونس فنصب بها. وقفل السلطان إلى مقره فنزل بها، وسخط وجوها من سليم: من مرداس ودباب، كان فيهم رحاب بن محمود وابنه، فاعتقلهم وأشخصهم إلى المهدية فأودعهم بمطبقها ورجع إلى تونس ظافراً غانماً.
الخبر عن دعوة مكة ودخول أهلها في الدعوة الحفصية
كان صاحب مكة ومتولي أمرها من سادة الخلق وشرفائهم ولد فاطمة، ثم من ولد ابنها الحسن صلوات الله عليهم أجمعين، أبو نمي وأخوة إدريس، وكانوا قائمين بالدعوة العباسية منذ حولها إليهم بمصر والشام والحجاز صلاح الدين يوسف بن أيوب الكردي، وأمر الموسم وولايته راجعة إليه، وإلى بنيه ومواليه من بعده إلى هذا العهد. وجرت بينهم وبين شرف الدين صاحب مكة مغاضبة وافقها استيلاء الططر على بغداد، ومحوهم رسم الخلافة بها، وظهور الدعوة الحفصية بإفريقية، وتأميل أهل الآفاق فيها وامتداد الأيدي إليها بالطاعة. وكان أبو محمد بن سبعين الصوفي نزيلاً بمكة، بعد أن رحل من بلده مرسية إلى تونس، وكان حافظ العلوم الشرعية والعقلية، وسالكاً مرتاضاً بزعمه على طريقة الصوفية. ويتكلم بمذاهب غريبة منها، ويقول برأي الوحدة كما ذكرناه في ذكر المتصوفة الغلاة، ويزعم بالتصوف في الأكوان على الجملة، فأرهن في عقيدته، ورمي بالكفر أو الفسق في كلماته، وأعلن بالنكير عليه والمطالبة له شيخ المتكلمين بإشبيلية ثم بتونس أبو بكر بن خليل السكوني، فتنمر له المشيخة من أهل الفتيا وحملة السنة وسخطوا حالته.
وخشي أن تأسره البينات فلحق بالمشرق ونزل مكة، وتذمم بجوار الحرم الأمين، ووصل يده بالشريف صاحبها. فلما أجمع الشريف أمره على البيعة للمستنصر صاحب إفريقية، داخله في ذلك عبد الحق بن سبعين وحرضه عليه، وأملى رسالة بيعتهم، وكتبها بخطه تنويهاً بذكره عند السلطان والكافة، وتأميلاً للكرة ونصها: بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على الأسوة المختار سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً، وينصرك الله نصراً عزيزاً، هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، ولله جنود السموات والأرض، وكان الله عليماً حكيماً".
هذا النوع من الفتح أعني المبين هو من كل الجهات داخل الذهن وخارجه، وهو الذي خصت به مكة، وهو أعظم فتح نذر في أيام الدهر والزمان الفرد منه خير من أيام الشهر، وبه تتم النعمة، ويستقيم صراط الهداية، وتحفظ النهاية، وتغفر ذنوب البداية، ويحصل النصر العزيز، ونور السكينة، وتتمكن قواعد مكة والمدينة. وكلمة الله عاملة في الموجودات بحسب قسمة الزمان. ثم لا يقال إنها متوقفة على شيء، ولا في مكان دون مكان.
وهذا الفتح قد كان بالقصد الأول والقدر الأكمل، للمتبوع الذي أفاد الكمال الثاني كالسبع المثاني، فإنه هو الأسوة صلى الله عليه وسلم، وكل نعمة تظهر على سعيد ترجع إليه مثل التي ظهرت على خليقته وعلى يديه. وإن كانت نصبة مولده صلى الله عليه وسلم ورسالته تقتضي ختم الأنبياء بهذا القرن الذي نحن فيه، وإمامنا فيه هو ختم الأولياء. فمن فتح عليه بفتح مكة تمت له النعمة، ورفعت له الدرجة، وضفت عليه الرحمة. ومن وصل سلطانه إليها فقد هدي الرشد وسار على صراطه، ورجح ميزان ترجيحه على أقرانه وإرهاطه. ومن حرم هذا فقط حرم من ذلك، والأمر هكذا.
وسنة الله كذلك، وصلى الله على رسوله الذي طلع المجد من مدينته بعد ما أطلعه من بلده، ورضي الله عن خليفته المنتخب من عنصر خليفة عمر صاحب نبيه، ثم من عمر صاحبه ووليه والحمد لله على نعمه.
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيد ولد آدم محمد. "حتم، والكتاب المبين، إنا أنزلناه في ليلة مباركة، إنا كنا منذرين. فيها يفرق كل أمر حكيم. أمراً من عندنا، إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك، إنه هو السميع العليم". قد صح أن هذه الليلة فيها تنزل الآيات وترتقب البينات، وفيها تخصيص القضايا الممكنة وأحكام الأكوان ويفرق الأمر، ويفسر الملك الموكل بقبض الأرواح بحمل الآجال في الأزمان، وفيها تقرر خطة الإمامة والملك، وتقيض الإمامة بالهلك، وهي في القول الأظهر في أفضل الشهور، وفي السابع والعشرين منه كما ورد في الحديث المشهور. ثم هي في أم القرى وفي حرمها تقدر بقدر زائد، ويعم فضلها إلا للحائد عن الفائد، وإنما قلت هذا ورسمته ليعلم من وقف على الخطبة التي اقتضبتها، والليلة التي فيها قرأتها، أنها من أفضل المطالب التي قصدت، وإن القرائن التي اجتمعت فيها ولها، زادت على الفضائل التي لأجلها رصدت، وأيضاً تأخر فيها مجد إمام عن إمام، وبعد مجد إمامه وراء إمام هو وراء الإمام، ورحمت فيها نفس خليفة عبرت وتلقب وعظمت فيها ذات خليفة تحيي التي سلفت، فهذه نعمة بركة ينبغي أن يقرر حدها ويتحقق مجدها، ولا يقدر قدرها فإنها ليلة قدر، ليلة قدرها.
والحمد لله حمداً واصلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على واحد الله في عنايته سيدنا محمد "طسم، تلك آيات الكتاب المبين" إلى قوله: "منهم ما كانوا يحذرون" الحق الشاهد لنفسه المتفق من جميع جهاته، وفي سنة الله التي لا تحول ولا تبدل والمتعارف من عادته التي ربطها بحكمته التي تعدل ولا تعدل، إن لكل هداية نبوية ضلالة فرعونية، وكذا الحال في الأولياء، ومع كل مصيبة فرج، ولا ينعكس الأمر في الأتقياء. ولكل ظلم ظالم متجبر قهر قاهر متكبر، وعند ظهور ظفر المبطل يظهر قصد المحق المفضل. وفي عقب كل فترة أو فيها كلمة قائم بحق يغلب لا يغلب، وفي كل دور أو قرن أمامة تطلب بشخصها ولا تطلب، وكواكب الكفر إذا طلعت على أفق الإيمان فيه نكب آفلة، وكلمة الله إذا عورضت تكر معارضتها قافلة. وإنما ذكرت ذلك بعد الذكر المحفوظ ليتذكر بالآيات الظاهرة إلى الآيات القاهرة. وليعلم كل مؤمن أن كلمة الله متصلة الاستصحاب والسبب، وعاملة في الأشياء مع الأزمان والحقب، وأن رجال الملة الحنفية أعلى المنازل والرتب. ولذلك يقول في نوع فرعون الأذل، ونوع موسى الأجل: أشخاصها متعددة، وأكوانها متحدة، والله غالب على أمره. وقد قيل إن الملة الحنفية المضرية تنصرها السيرة العمرية المحمدية المستنصرية.
ولعل الذي أقام الدين وأطلعه من المشرق وأتلفه منه، يجيره من المغرب ولا ينقله عنه، فينبغي لمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما يجب كما يجب أن لا يتغير قصده ولا يتوقف عند سماع المهلكات حمده، قد قيدت إقدام قوم بشرك الشرك، وحملهم الضجر إلى الهلك بطاعة الترك وكع كيد الكنود هلك كنعان وكل بصر بصيرته، ولبس لهم ثوب الذل بالعرض، وجعل مصيبة الدين تفئته مع جحوده لسلطان السنة والفرض. وأما هامان المرتدين فليس هم بالمؤمنين، وعلا فرعون الشر في الأرض، والله يمن على المستضعفين في الأرض بنصر من عنده، ويهلك المفسدين بجند من رفده. وينبغي أو يجب أن نضرب عن ذكر كائنة مدينة السلام، فإنها تزلزل الطبع وتحمل الروح إلى ساحة الشام أو تفزع في صلاة كسوف شمس سرورها إلى التسليم بالاستسلام ونكبر أربع تكبيرات على الإنس ويوح بعد ذلك وعد وسلام، وينتظر قيامه بقيام أمر محيي الدين والإسلام، والحمد لله على كل حال.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 11:50 am

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على الذي أعجزت خصاله العد والحد، مسلم والطبقة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيثاً لا يعده عداً". وقال صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعد". زاد أبو العباس الهمداني، وأشار بيده إلى المغرب. وذكر بهاء الدين التبريزي في ملحمته التي زعم أنه لا يثبت فيها من الأخبار إلا ما صححته روايته، ولا يذكر من الأحكام المنسوبة إلى الصنائع العملية إلا ما أبرزته درايته. ولا يعتبر من الأعلام الدينية إلى ما أدركته هدايته. قال في الترجمة الأولى: إذا خرجت نار الحجاز يقتل خليفة بغداد، ويستقيم ملك المغرب وتبسط كلمته في الأقطار، ويخطب له على منابر خلفاء بني العباس، و يكثر الدر بالمعبر من بلاد الهند.
ذكرت هذا ليعلم المقام أيده الله أنه هو المشار إليه، وأنه الذي يعول في إصلاح ما يفسد بحول الله عليه. ومن تأمل قوله صلى الله عليه وسلم: "يكون في آخر الزمان" الحديث، تبين له ما أردناه وذلك يظهر من وجوه، منها: أن الخليفة المذكور لم يسمع به فيما تقدم، ولا ذكر في الدول الماضية، ولو ذكر لرددنا القول به وأهملناه لأجل تقييده بآخر الزمان. والثاني: أن آخر الزمان الذي يراد به ظهور الشروط المتوسطة، وأكثر العلامات المنذرة بالساعة هذا بعينه. الثالث: لا خليفة لأهل الملة في وقتنا هذا غير الذي قصدناه.
وهذه أقطار الملة منحصرة ومعلومة لنا من كل الجهات، والذي يشاركه في الاسم ويقاسمه في إطلاقه فقط لا يصدق عليه، إذ هو أضعف من ذرة في كرة، ومن نملة رملة. وأفقر من قصد طالب السراب، ويده مع هذا أيبس من التراب فصح بالسبر والتقسيم، وبتصفح الموجودات والأزمان والدول والمراتب والنعوت أنه هو لا شريك له فيها، والمصحح لذلك كله، والذي يصدق وينطبق عليه مدلول الحديث كرمه الذي يعجز عنه الحد، ولا يتوقف فيه العد. وهذا خليفة الملة كذلك، وهذه دلائله هي أوضح من نار على علم. وهذه خصاله شاهدة له بفضائل السيف والقلم، وهذه خزائنه تغلب الطالب وتعجز عن الدافع، وهذه سعوده في صعوده، وهذه متاجر تعويله على الله رابحة، وهذه أحواله بالكلية صالحة، وهذه سعايته ناجحة. ثم هذه موازين ترجيحه راجحة، والحمد لله كما يجب.
وما النصر إلا من عند الله وصلى الله على عبده محمد بن عبد الله أنه من بكة وأنه للحق وأنه بسم الله الرحمن الرحيم، وأنه إلى خضر لا تحصر الخصر ويحدر فيها الندر ويحافظ على سنة الرؤوف الرحيم. صلى الله عليه وسلم أما بعد فبهداهم اقتده، الحمد لله الذي أحسن بمقام الإحسان وتمم النعمة، وبين لمن تبين علم البيان، وحكم لمن أحكم الحكمة وسبقت في صفات أفعاله صفة الرحمة وذكر الهداية في كتابه بعد ذكر النعمة، هو الرؤوف بالبرية وهو الرحيم والحفي بالحنفية، وهو القاهر الماضي المشيئة الذي يقبض ويبسط ويمضي المشيئة. شهد له بالكمال الممكن الذي أبرزه وخصصه وعرفه بالجلال من يسره لذلك وخلصه. هو الذي استعمل عليها من اختاره لإقامة النافلة والفرض، وأعمى من أهلها من توسل له بنية العرض وأعتق العقاب وسر العقاب وأهمل العقاب بطاعة من يستعمر به الربع المعمور، وأنعم على المستضعفين في الأرض بإمام بخر المجد في بحر خصاله يعد بعض البعض.
سنته محمدية، وسيرته بكرية وسريرته علوية، وسلالته غمرية. فهذه ذرية وأنواع مجد بعضها من بعض، بل هذه خطوط فصل الطول فيها مثل العرض. عرف بالرياسة العالية، ووصف بالنفاسة السالية، وشهد له بذلك الخاص والعام ونزه من النقائص. النزيه النفس ومن نزهه في سلطانه علمه العام. صلى الله على الأسوة الرؤوف بالمؤمنين، سيدنا محمد الذي أنزل عليه التنزيل، وكتب اسمه في صحيح القصص والنصوص، ونبي الله به وبأئمة أمته الذين شبههم بالبنيان المرصوص، وعلى آله وصحبه الكرام البررة الذين اصطفاهم وطهرهم، ثم أيدهم فطهروا الأرض من الكفرة الفجرة. وأخرج من ظهورهم ذرياتهم بالدين أظهرهم، ويسر بهم السبيل ثم السبيل يسرهم.
ومنهم الخليفة المستنجد بالله المفضل على الناس، ولكن أكثرهم ورضي الله عنهم وعنه، وضاعف للمحب الثواب الدائم منهم ومنه. وبعد خدمة يتقدم فيها بعد الحمد والتصلية والدعاء للدولة الدالة على قبول الدعوة أصلية، تحية بعضها مكية وكلها ملكوتية، وروضة ريحها حضرة القدس ونشرها يحرك فيه صحبة النفث، روح القدس. وتكبر عن أن تشتبه بالعنبر والند والورد وأزهار الربى والرياض. لأن المفارق للمادة مفارق لغير المفارق لها مفارقة السواد للبياض. ثم هي مع هذا واجبة القصد عذبة الورد، تذكر الذاكر الذكي بعرفها الذكي لمدركات جنة الخلد والنعيم. وفي مثل هذه فليتنافس المتنافسون.
وتدرك النفس النفيسة لذة النعيم لأنها ظاهرة طيبة، وكريمة صيبة، واقفة على حضرة الملك والسلطان، ومدار ذلك النسك ومستقر الإمامة والجلالة، ومعقل الهداية والدلالة، وأصل الأصالة ودار المتقين، وبيت العدالة وحزب اليقين. وإنسانها الأعظم معلي الموحدين على الملحدين وقائم الدين وقيمه، ومقر الإسلام ومقدمه، القائم بالدعوة العامة بعد أبيه إمام المجد والفخر، ثم الأمة الذي إذا عزم أوهم بتخصيص مهمل، اتخذ في خلده ما هو بالفعل مع ما هو بالقوة، وأن يعرض له في طريق إعراضه الممكن العسير يسره سعده وساعده ساعد القوة وإن سمع بالحمد في جهة حدبه بخاصة خصاله بعد مجد الأبوة وفخر النبوة، لا يذكر معه ولا عنده صعب الأمور إلا بالضد، فإنه مظهر العناية الإلهية، ومرءاة المجد والجد. هو علم العلم ثم هو محل الحلم، اسمه متوحد في مدلوله كالاسم العلم، وعهده لا يتوقف على اللسان ولا على رسوم القلم.
كتب في السماء وسع به في الكرسي، وكذلك العرش، وما هنا إنما هو مما هنالك فهو الأعلى. وإن كان في الفرش هو شامخ القدر ظاهر الفضل شديد البطش. ثم هو مما ظهر عليه علم أن الشجاعة لم تتنقل من الإنسان إلى الأسد. ولا يقال هذا بحر العلم فينقل من الطبيعة إلى بحر الخلد، لأن ذلك كله فيه برجه أكمل وبه وعليه، وفي يديه بنوع أفضل بلغ ذروة النهاية المخصوصة، بالمطالب العالية وحصل في الزمان الفرد ما حصله الفرد في الأيام الخالية. وبلغ في تبليغ حمده بصفاته ما بلغ الأشد عمره ونال غاية الإنسان، ويتعجب منه في القيامة عمره، وشره أمره طلعت سعوده على مولده، ومطالعه كلمة مجده لأحكام الفلك وطالعه. إن حرر القول فيه وفهم شأنه، قيل هو من فوق الأطلس والمكوكب، وإن قيس سعده بالكمالات الثلاثة كان كالبسيط مع المركب.
أي غاية تطلب بعد طاعته، وأي تجارة تنظر مع بضاعته، له الحمد بيده الملك والأمانة، بل له الكل بفضل الله وفيه المقصد والسلامة، لا بل له الفتح المبين وتتميم النعمة والهداية ونور السكينة، وفيه الإمارة والعلامة. منير منكة بازاء بيت بكة خطب بخطبته، والذي ذهب بالمدينة يطلب فلعله يسعفه في خطبته أفئدة السر تطير إذا سمحت بذكره، والمهندات البتر تلين لباس ساعده. ويقول طباع أربابها بشكره دولة التوحيد، توحدت له إذ هو واحدها الأوحد، وسياسة التسديد تحكمت له فهو مدبرها الأرشد. ومع هذا كتابه أهملت صيت الصادين. وكورت شمس الفتح، ثم الفتح والصيادين.
وكذلك الثلاثة الذين من قبلهم لا نذكر معه الأديب حبيب في رد الإعجاز على الصدور، فإنه الذي يعتبر في ذلك والذي يصدر عنه هو واقع في الصدور، وافعل في طباع المهرة وفي نفوس الصدور يتأخر عن شعره شر الرجلين. وسمه نذكر الطبقة، ثم شعراء نجد، والخبب والجبلي والولد بعده والهذلي، والمؤكد هو تقديمه في المغرب من ذلك. والهذلي علوم الأدب، الخمسة تممها وسادسها وسابعها زاده من عند نفسه. وخليل النحو لو حضر عنده كان خليله في تحصيل نوعه وجنسه، والفارسي تلميذه ثم الآخر بعده والأخفش الكبير ثم الصغير ما ضرب لهم من قبل في مثله بنصيب. وأقام أئمة النحو تنحو نحوه بنحو ينحوه نحو نحوه، ثم لا يكون كالمصيب. وكل كوفي بل كل بصري يجب الظهور إذا سمع به اختفى، والمنصف منهم هو الذي بنجوه اكتفى. أقيسة الفقه الثلاثة هذبها وحصلها، وأصوله كما يجب علمها وفصلها. والمسائل الطبولية تكلم على مفصلها ومجملها، وسهل الصعب من مخصصها ومهملها.
وإن فسر كتاب الله المعجز عجز أرباب البلاغة بإجاز بعد إعجازه، وإن تعرض لعوارض ألفاظه أظهر العجب في اختصاره وإيجازه. وإن شرع في شرح قصصه وجدله، وفي تفسير ترغيبه وترهيبه. ومثله يبصر الناظر فيه والمستمع لما لم يسمع وما لم يبصر، فإنه سلك بقدم كماله وتكميله على قنطرة بعد لم تعبر ويضطر الزعيم به بتحصيله إلى تجديد قنطرة أخرى، وبعد هذا يفتقر في بيانه إليه في الأولى وإلى الله في الأخرى. وإن تكلم عن متشابهه ومحكمه علم الاصطلاح. ثم بيان النوع للخبير به وبمحكمه، وكذلك القول على الناسخ والمنسوخ والوعد والوعيد. وإن يشاء طول في مطولاتهم واختصر من مختصراتهم، فبيده الزيادة وضد المزيد، وأما تحرير أمره ونهيه وأسراره ورقائقه، وفواتح سوره وحقائقه. والذي يمال إنه لا من جنس الذي يكتسب والذي هو أعظم من الذي يرد، وإليه الأحوال تنسب فهو الشارح لها والخبير بها، وإن تأخر. وينوع في ذلك ويزيد غير الأول وإن تكرر. وأما علوم الحديث وأنواعها السبعة فهو بعلمها، وصناعته بجملتها للعلماء يعلمها. والوارقة والضبط والخط وقفت عليه مهنة غايتها، وحمله الأمر علوم الشريعة كلها عرفها ووعاها ورعاها حق رعايتها. وكل العلوم العقلية والنقلية ورجالها على ذهنه الطاهر من دنس النسيان، والمقامات السنية المستنزلات العلوية أدركها بعد التبيان. فمن أراد أن يمدحه ويعدل عن إطلاق القول فقد اقترف أعظم الذنب. ومن ذكره ولم يتلذذ بذلك فقد جاء بما ينضح حمله الخبب، ونعوت جمالها يمنع عن إدراكها نور المتصل، وحضرة جلاله محفوظة بجدها وجدها وقاطعها الفنفصل. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قل اللهم مالك الملك، الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
هذه كلها. آياته والرابعة: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" فإنها هباته إن حدث المحدث بكرمه يقول، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده، ونصر الله إذا جاء لا يرده، وفتحه من ذا الذي عن السعيد يصده، والمؤرخ يتذكره بتذكره الكلمات الهذلي من حيث المطالب، إذ قال وقد سئل عن الإمام علي بن أبي طالب هو الإمام وفيه أربعة وهو واحدها حتى في رفع التشبيه وقطع السبب، والعلم والحلم والشجاعة وفضل الحسب، يسر بحكمته ويغبط بها متى يتبع جملته، الباحث للحكيم ولا يشعر بشعره إذا تصفح نعوته الشاعر العليم، وينشد طبعه في الحين والوقت والحزة ويخرج الحروف من مخارج الهمزة.
شهدت لقد أوتيت جامع فضلـه وأنت على علمي بذاك شهـيد
ولو طلبت في الغيب منك سجية لقد فر موجود وعـز وجـود
أدام الله له المجد الذي يسلك به على النجدين، وحفظ عليه مقامه الذي لا يحتقر فيه إلا جوهر النقدين، وبسط له في العلم والقدرة، وبارك له في نصيب النصرة، وجهز به العسرة، ورد به على الشرك والفتن الكرة، وعرفه في كل ما يعتزمه صنعاً جميلا، ولطفاً خفياً جليلا. وكفاه الشر المحض وخير الشرين، كما كشف له عن الخير المحض وعلم السرين، وأيده بروح منه في السر والسريرة، وحفظه في حركاته وسكناته من الصغير والكبيرة. وجعل كلمته غالبة للضد والجند، وبلغ صيته الجزائر والبربر، ثم إلى السند والهند. وخلد ملكه وسلم فلكه، ورفعه على أوج المجد بحده الطويل العريض. واهبط عدوه من شرف الأعلى إلى الحضيض.
وفتح الله به باب الفتح في المشرق والمغرب بعد فتح الثغور، وشرح بنصره وفتحه أوساط الصدور، ومما استنبطته الضمائر من نفثات الصدور وأبر به كسر الظفر، ووصل به ما انقطع من الأسباب. وعصم جنده من ضد الدنف الأنف، وردهم إلى ردم الأبواب وقدس كلمته بعد الحرمين في البيت المقدس، وسلك به مسلك السبل في المقيل والمعرس. وبعد هذا فهذه أدعيتنا، بل هذه أوديتنا، وهذه مسائلنا بل هذه وسائلنا، وهذه تحية حياها ذو الفطرة السليمة، وهذه خدمة يفتخر بها طبيعة النفس العليمة. واستنبت فيها الكتاب واستثبت فيها الجواب، والموجب لإصدارها محبة أصلها ثابت وفرعها في العلى وحفز عليها حافزان: شوق قديم، ورعاية الآخرة والأولى، بل الأمر الذي هو في خير الأمور من أوسطها، وإذا نظم في عقد الأسباب الموجبة لهذه الخطابة يكون في وسطها، فإنه يحكي أحكام الشأن والقصة، ويعلم المقام أيده الله الذي حصل له في حرم الله وحرم نبيه من النصيب والحصة، وفيه ينبغي أن تذهب الألفاظ وتلحظ عيون الأغراض وينفح المقاصد وجمل على جواهر الكمالات كالأعراض، فمن ذلك ذكر الملة التي كملت وكبرت، والأخرى التي كانت ثم غمرت وصغرت. والمنبر الذي صمد خطب خطبته على الخطيب، وعرج إلى سماء السمو وهو على درجه، والآخر الذي درج عنه خطيبه وضاق صدره الأمر حرجه، وقرئت سورة الإمام بحرف المستنجد المستبصر، لا بحرف المستعصم بن المستنصر.
بسط القول وأطلق ترجمة عبد الله بعد ما قبضه الني أمات وأحيا، وقبض على مقامه ودفع للإمام محمد بن يحيى، وكان ذلك في يوم وصول الخبر بمصيبة الأخبار، ثم في ليلة الآيات والاعتبار. ومن ذلك أيضاً بنعمة الحمد والدعاء الظاهر القول والمقبول في الحرم الشريف، وانقياد الذي ظهر على طائفة الحق والسيد الشريف. ومن ذلك صعود علم الأعلام على جبل معظم الحج ومقر وفوق الحاج، ووقف به المتكلم في مقام من كانت له سقاية الحاج، وذكر كما يجب بما يجب في موقف الإمام مالك، وعرف هنالك أنه الإمام والمالك لكل مالك. وتعرفت نكرة دعوة التوحيد بتخصيص خصوصية المخصوص بعرفة، وتعارف بها من تعارف معه هناك ونعم التعارف والمعرفة.
ثم ذكر عند المشعر الحرام وفي جهات حدود حرم المسجد الحرام، وعظم اسمه بعد ذكر الله وذكر الوالدين، وطلع الذاكر التركيب إلى الجدين الساكنين في الخلد والخالدين فلما وصل الحجيج إلى عقبة الجمرات، ذكر مع السبع الأولى سبع مرات. وكذلك عند الركوع في مسجد الخيف، وكل كلمات تمجيده بالكم والكيف، وعند التوجه من هناك ويوم النفر قررت آياته المذكورة في كتاب الجفر. ثم جدد الذكر حول البيت العتيق بالحمد والشكر. فلما وصل العلم بانتقال بيت الملك والسلطان من بغداد في شهر رمضان، أظهر الخفي المكنون فكان ذلك مع التسبيح والقرآن، وكان الخادم في الزمان الأول وفي الذاهب ينتظر الخطفة من نحو عراق والمغرب. والآن وجد نفسها من نحو اليمن إقليم الأعراب والعرب.
والذي حمل على هذا كله طاعة كاملة وغبطة عاملة، والله تعالى بفضله يعصمه من كيد المعاند، فإنه في إظهار دعوة التوحيد كالمجاهد والمكابد، ومعاد التحية على المقام الأرفع والمقر الأنفع، وعلى خدام حضرته العلية، وأرباب دعوته الجلية وأنواع رحمته تعالى وبركاته. والحمد لله كما يجب وصلى الله على نبيه محمد وعلى آله وسلم. وكتب تجاه الكعبة المعظمة في الجانب الغربي من الحرم الشريف، والحمد لله رب العالمين. ولما وصلت هذه البيعة استحضر لها السلطان الملأ والكافة، وقرئت بمجمعهم وقام خطيبهم القاضي أبو البراء في ذلك المحفل فاسحنفر في تعظيمها والإشادة بحسن موقعها، وإظهار رفعة السلطان ودولته بطاعة أهل البيت والحرم ودخولهم في دعوته. ثم جار بالدعاء للسلطان وأنفض الجمع فكان من الأيام المشهودة في الدولة.

الخبر عن الوفود من بني مرين والسودان وغيرهم
كان بنو مرين كما قدمناه قد تمسكوا بطاعة الأمير أبي زكريا ودخلوا في الدعوة الحفصية، وحملوا عليها من تحت أيديهم من الرعايا مثل: أهل مكناسة وتازى والقصر، وخاطبوا السلطان بالتمويل والخضوع. ولما هلك السلطان وولي ابنه المستنصر، ذلك ولاية المرتضى بمراكش. ثم كان بينهم وبين المرتضى من الفتنة والحرب ما ذكرناه ونذكره، فاتصل ذلك بينهم وبعث الأمير أبو يحيى بن عبد الحق بيعة أهل فاس، وأوفد بها مشيخة بني مرين على السلطان وذلك سنة اثنتين وخمسين فكان لها موقع من السلطان والدولة. وقابلهم من الكرامة كل على قدره، وانصرفوا محبورين إلى مرسلهم ولما هلك أبو يحيى بن عبد الحق، واستقل أخوه يعقوب بالأمر أوفد إليه ثاني رسله وهديته، وطلب الإعانه من السلطان على المرتضى وأمر مراكش على أن يقيموا بها الدعوة له عند فتحها. ولم يزل دأبهم هذا إلى أن كان الفتح.
وفي سنة خمس وخمسين وصلت هدية ملك كانم من ملوك السودان، وهو صاحب برنو مواطنه قبلة طرابلس، وكان فيها الزرافة وهو الحيوان الغريب الخلق المنافر الحلى والشيات، فكان لها بتونس مشهد عظيم برز إليها الجفلى من أهل البلد حتى غص بها الفضاء، وطال إعجابهم بشكل هذا الحيوان وتباين نعوته، وأخذها من كل حيوان بشبه. وفي سنة ثمان وخمسين وصل دون الرنك أخو ملك قشتالة مغاضباً لأخيه، ووفد على السلطان بتونس فتلقاه من المبرة والحباء بما يلقى به كرام القوم وعظماء الملوك، ونزل من دولته بأعز مكان. وكان تتابع هذه الوافدات مما شاد بذكر الدولة ورفع من قدرها.

الخبر عن مقتل ابن الأبار وسياقة أوليته
كان هذا الحافظ أبو عبد الله بن الأبار من مشيخة أهل بلنسية، وكان علامة في الحديث ولسان العرب، وبليغاً في الترسيل والشعر. وكتب عن السيد أبي عبد الله بن أبي حفص بن عبد المؤمن ببلنسية. ثم عن ابنه السيد أبي زيد. ثم دخل معه دار الحرب حين نزع إلى دين النصرانية، ورجع عنه قبل أن يأخذ به. ثم كتب عن ابن مردنيش. ولما دلف الطاغية إلى بلنسية ونازلها بعث زيان بوفد بلنسية وبيعتهم إلى الأمير أبي زكريا، وكان فيهم ابن الأبار هذا الحافظ، فحضر مجلس السلطان وأنشد قصيدته على روي السين يستصرخه، فبادر السلطان بإغاثتهم وشحن الأساطيل بالمدد إليهم من المال والأقوات والكسي فوجدهم في هوة الحصار، إلى أن تغلب الطاغية على بلنسية. ورجع ابن الأبار بأهله إلى تونس غبطة بإقبال السلطان عليه فنزل منه بخير مكان، ورشحه لكتب علامته في صدور رسائله ومكتوباته، فكتبها مدة. ثم إن السلطان أراد صرفها لأبي العباس الغساني لما كان يحسن كتابتها بالخط المشرقي، وكان آثر عنده من الخط المغربي فسخط ابن الأبار أنفة من إيثار غيره عليه، وافتأت على السلطان في وضعها في كتاب أمر بإنشائه لقصور الترسيل يومئذ في الحضرة عليه، وأن يبقى مكان العلامة منه لواضعها فجاهر بالرد ووضعها استبداداً وأنفة، وعوتب على ذلك فاستشاط غضباً ورمى بالقلم وأنشد متمثلاً: واطلب العز في لظى وذر الذل ولو كان في جنان الـخـلـود
فنمى ذلك إلى السلطان فأمر بلزومه بيته، ثم استعتب السلطان بتأليف رفعه إليه عد فيه من عوتب من الكتاب، واعتب. وسماه أعتاب الكتاب. واستشفع فيه بابنه المستنصر فغفر السلطان له وأقال عثرته، وأعاده إلى الكتابة. ولما هلك الأمير أبو زكريا رفعه المستنصر إلى حضور مجلسه مع الطبقة الذين كانوا يحضرونه من أهل الأندلس وأهل تونس، وكان في ابن الأبار أنفة وبأو وضيق خلق، فكان يزري على المستنصر في مباحثه ويستقصره في مداركه، فخشن له صدره مع ما كان يسخط به السلطان من تفضيل الأندلس وولايتها عليه.
وكانت لابن أبي الحسين فيه سعاية لحقد قديم، سببه أن ابن الأبار لما قدم في الأسطول من بلنسية نزل ببنزرت، وخاطب ابن أبي الحسن بغرض رسالته، ووصف أباه في عنوان مكتوبه بالمرحوم. ونبه على ذلك فاستضحك وقال: إن أباً لا تعرف حياته من موته لأب خامل. ونميت إلى ابن أبي الحسين فأسرها في نفسه، ونصب له إلى أن حمل السلطان على إشخاصه من بجاية. ثم رضي عنه واستقدمه ورجعه إلى مكانه من المجلس. وعاد هو إلى مساءة السلطان بنزعاته إلى أن جرى في بعض الأيام ذكر مولد الواثق وساءل عنه السلطان فاستبهم فعدا عليه ابن الأبار بتاريخ الولادة وطالعها، فاتهم بتوقع المكروه للدولة والتربص بها كما كان أعداؤه يشنعون عليه، لما كان ينظر في النجوم فتقبض عليه. وبعث السلطان إلى داره فرفعت إليه كتبه أجمع، وألقى أثناءها فيما زعموا رقعة بأبيات أولها: طغى بتونس حلف سموه ظلماً خليفة
فاستشاط لها السلطان وأمر بامتحانه ثم بقتله قعصاً بالرماح وسط محرم من سنة ثمان وخمسين، ثم أحرق شلوه وسيقت مجلدات كتبه وأوراق سماعه ودواوينه فأحرقت معه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 11:53 am

الخبر عن مقتل اللياني وأوليته وتصاريف أحواله
أصل هذا الرجل من لليانة قرية من قرى المهدية، مضمومة اللام مكسورة الثانية، وكان أبوه عاملا بالمهدية، وبها نشأ ابنه أبو العباس. وكان ينتحل القراءة والكتاب حتى حذق في علوم اللسان. وتفقه على أبي زكرياء البرقي. ثم طالع مذاهب الفلاسفة، ثم صار إلى طلب المعاش من الإمارة فولي أعمال الجباية. ثم صودر في ولايته على مال أعطاه وتخلص من نكبته، فنهض في الولايات حتى شارك كل عامل في عمله بما أظهر من كفايته وتنميته للأموال حتى قصر بهم وأديل منهم.
وكان الكثير منهم متعلقاً من ابن أبي الحسين رئيس الدولة بذمة خدمة، فأسفه بذلك وأغرى به بطانة السلطان ومواليه، حتى سعوا به عند السلطان، وأنه يروم الثورة بالمهدية، حتى خشن له باطن السلطان. فدخل عليه ذات يوم أبو العباس الغساني فاستجازه السلطان في قوله: اليوم يوم المطر فقال الغساني: ويوم رفع الضرر فتنبه السلطان واستزاده فأنشد: والعام تسعة كمثل عام الجوهري فكات إغراء باللياني، فأمر أن يتقبض عليه وعلى عدوه ابن العطار، وكان عاملا. وأمر أبا زيد بن يغمور بامتحانهما فعذبهما حتى استصفى أموالهما، والميل في ذلك على اللياني. وكان في أيام امتحانه يباكر موضع عمله. ثم نمي عنه أنه يروم الفرار إلى صقلية، وبوحث بعض من داخله في ذلك فأقر عليه، فدفع إلى هلال كبير الموالي من العلوج فضربه إلى أن قتله، ورمى بشلوه إلى الغوغاء فعبثوا به وقطعوا رأسه، ثم تتبع أقاربه وذووه بالنكال إلى أن استنفدوا.

الخبر عن انتقاض أبي علي الملياني بمليانة علي يد الأمير أبي حفص
كان المغرب الأوسط من تلمسان وأعمالها إلى بجاية في طاعة السلطان منذ تغلب أبوه الأمير أبو زكرياء عليه، وفتح تلمسان وأطاعه يغمراسن وكان بين زناتة بتلك الجهات فتن وحروب شأن القبائل اليعاسيب، وكان مليانة من قسمة مغراوة بني ورسيفان، وكانوا أهل بادية. وتقلص ظل الدولة عن تلك الجهات بعض الشيء. وكان أبو العباس الملياني من مشيخة مليانة صاحب فقه ورواية وسمت ودين، رحل إليه الأعلام وأخذ عنه العلماء، وانتهت إليه رئاسة الشورى ببلده. ونشأ ابنه أبو علي خلوا من الخلال متهالكاً في الرياسة متبعاً غواية الشبيبة، فلما رأى تقلص ظل الدولة وفتن مغراوة مع يغمراسن ومزاحمته لهم، حدثته نفسه بالاستبداد فخلع طاعة آل أبي حفص ونبذ دعوتهم، وانبرى بها داعياً لنفسه. وبلغ الخبر إلى السلطان فسرح إليه أخاه الأمير أبا حفص، ومعه الأمير أبو زيد بن جامع، ودن الرنك أخو الفنش، وطبقات الجند. فخرج من تونس سنة تسع وخمسين وأغذ السير إلى مليانة فنازلها مدة، وشد حصارها حتى اقتحموها غلاباً. وفر أبو علي الملياني ولحق ببني يعقوب من آل العطاف أحد شعوب زغبة فأجاروه وأجازوه إلى المغرب الأقصى، إلى أن كان من خبره ما نذكره بعد.
ودخل الأمير أبو حفص مليانة ومهد نواحيها وعقد عليها إلى ابن منديل أمير مغراوة فملكها مقيماً فيها لدعوة السلطان شأن غيرها من عمالات مغراوة. وقفل الأمير أبو حفص إلى تونس، ولقيه بطريقه كتاب السلطان بالعقد له على بجاية وإمارتها، فكره ذلك غبطة بجوار السلطان. وترددت في ذلك رغبته فأديل منها بالشيخ أبي هلال عياد بن سعيد الهنتاني، وعقد له على بجاية. ولحق الأمير أبو حفص بالحضرة إلى أن كان من خلافته ما نذكره بعد. وهلك شقيقه أبو بكر ابن الأمير أبي زكريا ثانية مقدمه إلى تونس سنة إحدى وستين، فتفجع له الخليفة والقرابة والناس وشهد السلطان جنازته، والبقاء لله وحده.

الجبر عن فرار أبي القاسم بن أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد وخروجه في رياح
كان أبو القاسم بن أبي زيد هذا في جملة ابن عمه الخليفة، وتحت جرايته، وأبوه أبو زيد هو القائم بالأمر بعد أبيه الشيخ أبي محمد؛ ولحق بالمغرب. وجاء أبو القاسم في جملة الأمير أبي زكريا، وأوصى به ابنه إلى أن حدثته نفسه بالتوثب والخروج. وخامره الرعب من إشاعة تناقلها الدهماء، سببها أن السلطان استحدث سكة من النحاس مقدرة على قيمة من الفضة، حاكى بها سكة الفلوس بالمشرق تسهيلا على الناس في المعاملات بإسرافها وتيسيراً لاقتضاء حاجاتهم. ولما كان لحق سكة الفضة من غش اليهود المتناولين لصرفها وصوغها، وسمى سكته التي استحدثها بالحندوس. ثم أفسدها الناس بالتدليس وضربها أهل الريب ناقصة عن الوزن، وفشا فيها الفساد. واشتد السلطان في العقوبة عليها فقطع وقتل، وصارت ريبة لمن تناولها. وأعلن الناس بالنكير في شأنها وتنادوا بالسلطان في قطعها وكثر الخوض في ذلك وتوقعت الفتنة. وأشيع من طريق الحدثان الذي تكلف به العامة أن الخارج الذي يثير الفتنة هو أبو القاسم بن أبي زيد، فأزال السلطان تلك السكة وعفا عليه، وأهمه شأن أبي القاسم ابن عمه، وبلغه الخبر فخامره الرعب إلى ما كان يحدث نفسه من الخروج، ففر من الحضرة سنة إحدى وستين، ولحق برياح ونزل على أميرهم شبل بن موسى بن محمد رئيس الدواودة، فبايع له وقام بأمره. ثم بلغه اعتزام السلطان على النهوض إليه فخشي بادرته واضطرب أمر العرب من قبيله. ولما أحس أبو القاسم باضطرابهم وخشي أن يسلموه إذا أزادهم السلطان عليها، تحول عنهم ولحق بتلمسان وأجاز البحر منها إلى الأندلس، وصحب الأمير أبا إسحاق ابن عمه في مثوى اغترابهما بالأندلس. ثم ساءت أفعاله وعظم استهتاره. وفشا النكير عليه من الدولة فلحق بالمغرب وأقام بتينملل مدة. ثم رجع إلى تلمسان، وبها مات. وقام الأمير أبو إسحاق بمكانه من جوار ابن الأحمر إلى أن كان من أمره ما نذكره.

الخبر عن خروج السلطان إلى المسيلة
لما اتصل بالسلطان شأن أبي قاسم ابن عمه أبي زيد وفضاله عن رياح إلى المغرب بعد عقدهم بيعته، وأجلابهم على البلاد معه، خرج من تونس سنة أربع وستين في عساكر الموحدين وطبقات الجند لتمهيد الوطن، ومحو آثار الفساد منه، وتقويم العرب على الطاعة. وتنقل في الجهات إلى أن وصل بلاد رياح فدوخها ومهد أرجاءها، وفر شبل بن موسى وقومه الدواودة إلى القفر، واحتل السلطان بالمسيلة آخر وطن رياح. ووافاه هنالك محمد من عبد القوي أمير بني توجين من زناتة مجدداً لطاعته، ومتبركاً بزيارته، فتلقاه من البرور تلقي أمثاله، وأثقل كاهله بالحباء والجوائز، وجنب له الجياد المقربات بالمواكب المثقلة بالذهب، واللجم المحلات. وضرب له الفساطيط الفسيحة الأرجاء من ثياب الكتان وجدل القطن، إلى ما يتبع ذلك من المال والظهر والكراع والأسلحة. وأقطع له مدينة مقرة وبلد أوماش من عمل الزاب، وانقلب عنه إلى وطنه.
ورجع السلطان إلى تونس وفي نفسه من رياح ضغن إلى أن صرف إليهم وجه تدبيره كما نذكره، ولثانية احتلاله بالحضرة سنة خمس وستين كان مهلك مولاه هلال، ويعرف بالقائد، وكان له في الدولة مكان بما كان تلادا للسلطان، وكان شجاعاً جواداً خيراً محبباً سهلا مقبلا على أهل العلم وذوي الحاجات، وله في سبيل الخير آثار منقولة طار له بها ذكر، فارتمض السلطان لمهلكه.

الخبر عن مقتل مشيخة الدواودة
كان شبل بن موسى وقومه من الدواودة قد فعلوا الأفاعيل في اضطراب الطاعة، ونصب من لحق بهم من أهل هذا البيت للملك، فبايعوا للأمير أبي إسحاق كما ذكرناه. ثم بعده لأبي القاسم ابن عمه أبي زيد. وخرج إليهم السلطان سنة أربع وستين ودوخ أوطانهم، ولحقوا بالصحراء ودافعوه على البعد بطاعة ممرضة فتقبلها، وطوى لهم على الثنا. ورجع إلى تونس فأوعز إلى أبي هلال عياد عامل بجاية من مشيخة الموحدين باصطناعهم واستئلافهم لتكون وفادتهم عليه من غير عهد. وجمع السلطان أحلافه من كعوب بني سليم ودباب وأفاريق بنه هلال. وخرج من تونس سنة ست وستين في عساكر الموحدين وطبقات الجند. ووافاه بنو عساكر بن سلطان أخوة بني مسعود بن سلطان من الدواودة فعقد لمهدي بن عساكر على إمارة قومه وغيرهم من رياح. وفر بنو مسعود بن سلطان مصحرين في أثرهم حتى نزل نقاوس وعسكروا بثنايا الزاب، ورسلهم تختلف إلى أبي هلال إيناساً للمراجعة على يده للدخلة السابقة، فأشار عليهم بالوفاد على السلطان وفاء بقصده من ذلك، فتقبلوا إشارته.
ووفد أميرهم شبل بن موسى بن محمد بن مسعود وأخوه يحيى، وبنو عمهما أولاد زيد بن مسعود: سباع بن يحيى بن دريد، وابنه، وطلحه بن ميمون بن دريد، وحداد بن مولاهم ابن خنفر بن مسعود وأخوه، فتقبض عليهم لحينهم، وعلى دريد ابن تارير من شيوخ كرفة. وانتهبت أسلابهم وضربت أعناقهم ونصبت أشلاؤهم بزراية حيث كانت بيعتهم لأبي القاسم بن أبي زيد، وبعث برؤوسهم إلى بسكرة فنصبت بها، وأغذ السير غازياً إلى أحيائهم وحللهم بمكانها من ثناية الزاب.
وصبحهم هنالك فأجفلوا وتركوا الظهر والكراع والأبنية، فامتلأت أيدي العساكر وسدويكش منها، ونجوا بالعيال والولد على الأقتاب، والعساكر في أتباعهم، إلى أن أجازوا وادي شدى قبلة الزاب، وهو الوادي الذي يخرج أصله منه جبل راشد قبله المغرب الأوسط، ويمر إلى ناحية الشرق مجتازاً بالزاب إلى أن يصب في سبخة نفزاوة من بلاد الجريد. فلما أجاز فلهم الوادي أصحروا إلى المفازة المعطشة والأرض الحرة السوداء المستحجرة المسماة بالحمادة، فرجعت العساكر عنهم وانقلب السلطان من غماته ظافراً ظاهراً، وأنشده الشعراء في التهنئة، ولحق فل الدواودة بملوك زناتة، فنزل بنو يحيى بن دريد على يغمراسن بن زيان، وبنو محمد بن مسعود على يعقوب بن عبد الحق، فأجاروهم وأوسعوهم حباء وملأوا أيديهم بالصلات، ومرابطهم بالخيل وأحياءهم بالإبل، ورجعوا إلى مواطنهم فتغلبوا على واركلا وقصور ريغة واقتطعوها من إيالة السلطان. ثم زحفوا إلى الزاب فجمع لهم عامله ابن عتو وكان موطناً بمقره، ولقيهم على حدود أرض الزاب فهزموه واتبعوه إلى قطاوة فقتلوه عندها، واستطالوا على الزاب وجبل أوراس، وبلاد الحضنة إلى أن اقتطعتهم الدول إياها من بعد ذلك، فصارت ملكاً لهم.

الخبر عن طاغية الإفرنجة ومنازلته تونس في أهل نصرانيته
هذه الأمة المعروفة بالإفرنجة، وتسميها العامة بالافرانسيس نسبة إلى بلد من أمهات أعمالهم تسمى افرانسة. ونسبهم إلى يافث بن نوح، وهم بالعدوة الشمالية من عدوتي هذا البحر الرومي الغربي ما بين جزيرة الأندلس وخليج قسطنطينة، مجاورون الروم من جانب الشرق والجلالقة من جانب الغرب. وكانوا قد أخذوا بدين النصرانية مع الروم، ومنهم لقنوا دينها. واستفحل ملكهم عند تراجع ملك الروم، وأجازوا البحر إلى إفريقية مع الروم فملكوها ونزلوا أمصارها العظيمة مثل: سبيطلة وجلولا وقرطاجنة ومرفاق وباغاية ولمس وغيرها من الأمصار، وغلبوا على كل من كان بها من البربر حتى اتبعوهم في دينهم وأعطوهم طاعة الانقياد.
ثم جاء الإسلام وكان الفتح بانتزاع الأعراب من أيديهم سائر أمصار إفريقية، والعدوة الشرقية والجزر البحرية مثل أقريطش ومالطة وصقلية وميورقة ورجوعهم إلى عدوتهم. ثم أجازوا خليج طنجة، وغلبوا القوط والجلالقة والبشكنس، وملكوا جزيرة الأندلس وخرجوا من ثناياها ودورها إلى بسائط هؤلاء الإفرنجة فدوخوها وعاثوا فيها. ولم تزل الصوائف تتردد إليها صدراً من دولة بني أمية بالأندلس، وكان ولاة إفريقية من الأغالبة ومن قبلهم أيضاً يرددون عساكر المسلمين وأساطيلهم من العدوة حتى غلبوهم على الجزر البحرية، ونازلوهم في بسائط عدوتهم فلم تزل في نفوسهم من ذلك ضغائن، فكان يخالجها الطمع في ارتجاع ما غلبوا عليه منها.
وكان الربع أقرب إلى سواحل الشام وطمع فيها. فلما وصل أمر الروم بالقسطنطينية ورومة، واستفحل ملك الفرنجة هؤلاء، وكان ذلك على هيئة سمو الخلافة بالمشرق، فسموا حينئذ إلى التغلب على معاقل الشام وثغوره، وزحفوا إليها وملكوا الكثير منها واستولوا على المسجد الأقصى وبنوا فيه الكنيسة العظمى بدل المسجد، ونازلوا مصر والقاهرة مراراً حتى جاد الله للإسلام من صلاح الدين أبي أيوب الكردي صاحب مصر والشام في أواسط المائة السادسة جنة واقية، وعذاباً على أهل الكفر مصبوباً، فأبلى في جهادهم وارتجع ما ملكوه، وطهر المسجد الأقصى من إفكهم وكفرهم، وهلك على حين غرة من الغزو والجهاد.
ثم عاودوا الكرة ونازعوا مصر في المائة السابعة على عهد المالك الصالح صاحب مصر والشام، وأيام الأمير أبي زكريا بتونس، فضربوا أبنيتهم بدمياط وافتتحوها وتغلبوا في قرى مصر. وهلك الملك الصالح خلال ذلك، وولي ابنه المعظم وأمكنت المسلمين في الغزو فرصة أيام فيض النيل، ففتحوا الغياض وأزالوا مدد الماء فأحاط بمعسكرهم وهلك منهم عالم، وقيد سلطانهم أسيراً من المعركة إلى السلطان فاعتقله بالإسكندرية، حتى مر عليه بعد حين من الدهر وأطلقه على أن يمكنوا المسلمين من دمياط فوفوا له. ثم على شرط المسالمة فيما بعد فنقضه لمدة قريبة، واعتزم على الحركة إلى تونس متجنباً عليهم فيما زعموا بمال أدعياء تجار أرضهم، وأنهم أقرضوا اللياني. فلما نكبه السلطان طالبوه بذلك المال وهو نحو ثلاثمائة دينار بغير موجب يستنمون إليه، فغضبوا لذلك واشتكوا إلى طاغيتهتم فامتعض لهم ورغبوه في غزو تونس لما كان فيها من المجاعة والموتان.
فأرسل الفرنسيس طاغية الإفرنج واسمه سنلويس بن لويس وتلقب بلغة الإفرنج روا فرنس ومعناه ملك افرنس، فأرسل إلى ملوك النصارى يستنفرهم إلى غزوها، وأرسل إلى القائد خليفة المسيح بزعمهم فأوعز إلى ملوك النصرانية بمظاهرته، وأطلق يده في أموال الكنائس مدداً له. وشاع خبر استعداد النصارى للغزو في سائر بلادهم، وكان الذين أجابوه للغزو ببلاد المسلمين من ملوك النصرانية ملك الانكتار وملك اسكوسيا وملك تورك وملك برشلونة واسمه ريدراكون وجماعة آخرون من ملوك الإفرنج، هكذا ذكر ابن الأثير. وأهم المسلمين بكل ثغر شأنهم وأمر السلطان في سائر عمالاته بالاستكثار من العدة، وأرسل في الثغور لذلك بإصلاح الأسوار واختزان الحبوب، وانقبض تجار النصارى عن تعاهد بلاد المسلمين. وأوفد السلطان رسله إلى الفرنسيس لاختبار حاله ومشارطته على ما يكف عزمه. وحملوا ثمانين ألفاً من الذهب لاستتمام شروطهم فيما زعموا، فأخذ المال من أيديهم وأخبرهم أن غزوه إلى أرضهم. فلما طلبوا المال اغتل عليهم بأنه لم يباشر قبضه ووافق شأنهم معه وصول رسول عن صاحب مصر، فأحضر عند الفرنسيس واستجلس فأبى.
وأنشده قائلا من قول أبي مطروح شاعر السلطان بمصر: قل للفرنـسـيس إذا جـئتـه مقال صدق من وزير نصيح
آجرك الله على مـا جـرى من قتل عباد نصارى المسيح
أتيت مصراً تبتغي ملكـهـا تحسب أن الزمر بالطبل ريح
فساقك الحـين إلـى أدهـم ضاق به عن ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أودعـتـهـم بسوء تدبيرك بطن الضـريح
سبعون ألفاً لا يرى مـنـهـم إلا قتـيل أو أسـير جـريح
ألهمك الله إلـى مـثـلـهـا لعل عيسى منكم يسـتـريح
إن كان باباكـم بـذا راضـياً فرب غش قد أتى من نصيح
فاتـخـذوه كـاهـنـاً إنـه أنصح من شق لكم أو سطيح
وقل لهم إن أزمعـوا عـودة لأخذ ثأر أو لشغل قـبـيح
دار ابن لقمان على حالـهـا والقيد باق والطواشي صبيح
يعني بدار ابن لقمان موضع اعتقاله بالإسكندرية، والطواشي في عرف أهل مصر هو الخصي. فلما استكمل إنشاده لم يزد ذلك الطاغية إلا عتواً واستكباراً، واعتذر عن نقض العهد في غزو تونس بما يسمع عنهم من المخالفات عذراً دافعهم به، وصرف الرسل من سائر الآفاق ليومه. فوصل رسل السلطان منذرين بشأنهم، وجمع الطاغية حشده وركب أساطيله إلى تونس آخر ذي القعدة سنة ثمان وستين، فاجتمعوا بسردانية وقيل بصقلية. ثم واعدهم بمرسى تونس وأقلعوا ونادى السلطان في الناس بالنذير بالعدو والاستعداد له، والنفير إلى أقرب المدائن، وبعث الشواني لاستطلاع الخبر، واستبهم أياماً.
ثم توالت الأساطيل بمرسى قرطاجنة، وتفاوض السلطان مع أهل الشورى من الأندلس والموحدين في تخليتهم وشأنهم من النزول بالساحل أو صدهم عنه، فأشار بعضهم بصدهم حتى تنقذ ذخيرتهم من الزاد والماء، فيضطرون إلى الإقلاع. وقال آخرون إذا أقلعوا من مرسى الحضرة ذات الحامية والعمد صبحوا بعض الثغور سواها فملكوه واستباحوه، واستصعبت مغالبتهم عليه فواص السلطان على هذا وخلوا وشأنهم من النزول فنزلوا بساحل قرطاجنة بعد أن ملئت سواحل رودس بالمرابطة بجند الأندلس والمطوعة زهاء أربعة آلاف فارس، لنظر محمد بن الحسين رئيس الدولة.
ولما نزل النصارى بالساحل وكانوا زهاء ستة آلاف فارس، وثلاثين ألفاً من الرجالة فيما حدثني أبي عن أبيه رحمهما الله. قال: وكانت أساطيلهم ثلاثمائة بين كبار وصغار، وكانوا سبعة يعاسيب كان فيهم الفرنسيس وأخوه جرون صاحب صقلية وصاحب الجزر، والعلجة زوج الطاغية تسمى الرينة، وصاحب البر الكبير، وتسميهم العامة من أهل الأخبار ملوكاً ويعنون أنهم متباينون إذ ظاهروا على غزو تونس، وليس كذلك. وإنما كان ملكاً واحداً وهو طاغية الفرنجة وأخوته وبطارقته، عدد كل واحد منهم ملكاً لفضل قوته وشدة بأسه، فأنزلوا عساكرهم في المدينة القديمة من قرطاجنة، وكانت ماثلة الجدران اضطرم المعسكر بداخلها، ووصلوا ما فصله الخراب من أسوارها بألواح الخشب ونضدوا شرفاتها، وأداروا على السرر خندقاً بعيد المهوى وتحصنوا. وندم السلطان على إضاعة الحزم في تخريبها أو دفاعهم عن نزلها. وأقام ملك الفرنجة وقومه متمرسين بتونس ستة أشهر، والمدد يأتيه في أساطيله من البحر من صقلية والعلوة بالرجل والأسلحة والأقوات.
وسلك بعض المسلمين طريقاً في البحرية، واتبعهم العرب فأصابوا غرة في العدو فظفروا وغنموا وشعروا بمكانهم، فكلفوا بحراسة البحيرة وبعثوا فيها الشواني بالرماة ومنعوا الطريق إليهم وبعث السلطان في ممالكه حاشداً فوافته الأمداد من كل ناحية، ووصل أبو هلال صاحب بجاية وجاءت جموع العرب وسدويكش وولهاصة وهوارة حتى أمده ملوك المغرب من زناتة وسرح إليه محمد بن عبد القوي عسكر بني توجين لنظر ابنه زيان. وأخرج السلطان ابنتيه وعقد لسبعة من الموحدين على سائر الجند من المرتزقة والمطوعة وهم: إسماعيل بن أبي كلداسن وعيسى بن داود ويحيى بن أبي بكر ويحيى بن صالح وأبو هلال عياد صاحب بجاية ومحمد بن عبو، وأمرهم كلهم راجع ليحيى بن صالح ويحيى بن أبي بكر منهم.
واجتمع من المسلمين عدد لا يحصى، وخرج الصلحاء والفقهاء والمرابطون لمباشرة الجهاد بأنفسهم والتزم السلطان القعود بإيوانه مع بطانته وأهل اختصاصه وهم الشيخ أبو سعيد المعروف بالعود، وابن أبي الحسين وقاضيه أبو القاسم بن البراء وأخو العيش. واتصلت الحرب، والتقوا في منتصف محرم سنة تسع بالمنصف، فزحف يومئذ يحيى صالح وجرون. فمات من الفريقين خلق، وهجموا على المعسكر بعد العشاء وتدامر المسلمون عنده ثم غلبوا عليه بعد أن قتل من النصارى زهاء خمسمائة، فأصبحت أبنيته مضروبة كما كانت. وأمر بالخندق على المعسكر فتعاصرته الأيدي، واحتفر فيه الشيخ أبو سعيد بنفسه، وابتلي المسلمون بتونس، وظنوا الظنون. واتهم السلطان بالتحول عن تونس إلى القيروان.
ثم إن الله أهلك عدوهم وأصبح ملك الفرنجة ميتاً يقال حتف أنفه، ويقال أصابه سهم غرب في بعض المواقف بأبته ويقال أصابه مرض الوباء، ويقال وهو بعيد أن السلطان بعث إليه مع ابن جرام الدلاصي بسيف مسموم وكان فيه مهلكه. ولما هلك اجتمع النصارى على ابنه دمياط، سمي بذلك لميلاده بها فبايعوه، واعتزموا على الإقلاع. وكان أمرهم راجعاً إلى العلجة فراسلت المستنصر أن يبذل لها ما خسروه في مؤنة حركتهم، وترجع بقومها فأسعفها السلطان لما كان العرب اعتزموا على الانصراف إلى مشاتيهم.
وبعث مشيخة الفقهاء لعقد الصلح في ربيع الأول سنة تسع وستين فتولى عقده وكتابه القاضي ابن زيتون لخمسة عشر عاماً. وحضر أبو الحسن علي بن عمرو وأحمد بن الغماز وزيان بن محمد بن عبد القوي أمير بني توجين، واختص جرون صاحب صقلية بسلم عقده على جزيرته. وأقلع النصارى بأساطيلهم، وأصابهم عاصف من الريح أشرفوا على العطب، وهلك الكثير منهم. وأغرم السلطان الرعايا ما أعطى العدو من المال فأعطوه طواعية. يقال إنه عشرة أحمال من المال، وترك النصارى بقرطاجنة تسعين منجنيقاً. وخاطب السلطان صاحب المغرب وملوك النواحي بالخبر ودفاعه عن المسلمين وما عقده من الصلح، وأمر بتخريب قرطاجنة وأن يؤتى بنيانها من القواعد، فصير أبنتيها طامسة ورجع الفرنجة إلى دعوتهم فكان آخر عهدهم بالظهور والاستفحال، ولم يزالوا في تناقص وضعف إلى أن افترق ملكهم عمالات. واستبد صاحب صقلية لنفسه، وكذا صاحب نايل وجنوة وسردانية، وبقي بيت ملكهم الأقدم لهذا العهد على غاية من الفشل والوهن. والله وارث الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الثلاثاء سبتمبر 28, 2010 11:57 am

الخبر عن مهلك رئيس الدولة أبي عبد الله بن أبي الحسين وأبي سعيد العود الرطب
أصل هذا الرجل من بني سعيد رؤساء القلعة المجاورة لغرناطة، وكان كثير منهم قد استعملوا أيام الموحدين بالعدوتين، وكان جده أبو الحسن سعيد صاحب الأشغال بالقيروان. ونشأ حافده هذا في كفالته. ولما عزل وقفل إلى المغرب هلك ببونة سنة أربع وستمائة، ورجع حافده محمد إلى تونس والشيخ أبو محمد بن أبي حفص صاحب إفريقية لذلك العهد فاعتلق بخدمة ابنه أبي زيد. ولما ولي الأمر بعد وفاة أبيه غلب محمد هذا على هواه. ثم جاء السيد أبو علي من مراكش على إفريقية، وارتحل أبو زيد إلى مراكش ومحمد بن أبي الحسين إلى تونس، واتصل الأمير أبي زكرياء لأول استبداده فغلب على هواه، وكان مبختاً في صحابة الملوك. ولما ولي المستنصر أجراه على سننه برهة، ثم تنكر له إثر كائنه اللحياني، وعظمت سعاية أعدائه من البطانة وأشاعوا بمداخلته لأبي القاسم ابن مخدومه أبي زيد ابن الشيخ أبي محمد، فنكبه السلطان واعتقله بداره تسعة أشهر. ثم سرحه وأعاده إلى مكانه وثار من أعدائه، واستولى على أمور السلطان إلى أن هلك سنة إحدى وسبعين.
وكان ابن عمه سعيد بن يوسف بن أبي الحسن صاحب أشغال الحضرة، وكان قد أفنى مالا جسيماً، ونال من الحضرة منالا. وكان الرئيس أبو عبد الله متفنناً في العلوم مجيداً في اللغة. يقرض الشعر فيحسن، ويرسل فيجيد. وله من التواليف: كتاب ترتيب المحكم لابن سيدة على نسق الصحاح للجوهري واختصاره، وسماه الخلاصة. وكان في رياسته صليب الرأي قوي الشكيمة عالي الهمة، شديد المراقبة والحزم في الخدمة، وله شعر نقل منه التجاني وغيره. ومن أشهر ما نقل عنه من شعره يخاطب عنان بن جابر عن الأمير أبي زكريا لما خالف واتبع ابن غانية، وهي على روي الراء، كان قبلها أخرى على روي الدال. وكان له ولد اسمه سعيد، وترقى في حياة أبيه المراتب السلطانية. ثم اغتبظ دون غايته. وفي ثالثة مهلكه كان مهلك الشيخ أبي سعيد عثمان بن محمد الهنتاتي المعروف بالعود الرطب، ويعرف أهل بيته بالمغرب ببني أبي زيد. وكان منهم عبد العزيز المعروف بصاحب الأشغال كان فر من المغرب أيام السعيد لجفوة نالته، ولحق بسجلماسة سنة إحدى وأربعين. وقد كان انتزى بها عبد الله الهزرجي، وبايع للأمير أبي زكريا فأجازه عبد الله إلى تونس، ونزل على الأمير أبي زكريا ونظمه في طبقات مشيخة الموحدين وأهل مجلسه. ثم حظي عند ابنه المستنصر بعد نكبة بني النعمان حظوة لا لم كفاء لها. واستولى على الرأي والتدبير إلى أن هلك سنة ثلاث وسبعين فشيع طيب الذكر ملحفاً بالرضوان من الخاصة والكافة، والله مالك الأمور.

الخبر عن انتقاض أهل الجزائر وفتحها
كان أهل الجزائر لما رأوا تقلص ظل الدولة عن زناتة وأهل المغرب الأوسط حدثوا أنفسهم بالاستبداد والقيام على أمرهم، وخلع ربقة الطاعة من أعناقهم فجاهروا بالخلعان. وسرح السلطان إليهم العساكر سنة تسع وستين، وأوعز إلى صاحب ثغر بجاية، وهو أبو هلال عياد بن سعيد الهنتاني فزحف إليها في عساكر الموحدين سنة إحدى وسبعين، ونازلها مدة حول. وامتنعت عليه فأقلع عنها ورجع إلى بجاية، وهلك بمعسكره ببني ورا سنة ثلاث وسبعين.
ثم إن السلطان صرف عزمه إلى منازلتهم سنة أربع وسبعين وسرح إليهم العساكر في البر، وأنفذ الأساطيل في البحر وعقد على عسكر تونس لأبي الحسن بن ياسين، وأوعز إلى عامل بجاية بإنفاذ عسكر آخر فأنفذه لنظر أبي العباس بن أبي الأعلام، ونهضت هذه العساكر براً وبحراً إلى أن نازلتها وأحاطت بها من كل جانب، واشتد حصارها. ثم اقتحمت عنوة واستحر فيهم القتل، وانتهبت المنازل، وافتضح الكرائم في أبكارهن. وتقبض على مشيخة البلد فنقلوا إلى تونس مصفدين، واعتقلوا بالقصبة إلى أن سرحهم الواثق بعد مهلك السلطان.

الخبر عن مهلك السلطان المستنصر ووصف شيء من أحواله
كان السلطان بعد فتح الجزائر قد خرج من تونس للصيد وتفقد العمالات، فأصابه في سفره مرض ورجع إلى داره، واشتدت علته وكثر الإرجاف بموته. وخرج يوم الأضحى سنة خمس وسبعين يتهادى بين رجلين، ورجلاه لا يخطان الأرض. وجلس للناس في منبر متجلداً. ثم دخل بيته وهلك لليلته رضوان الله عليه، وكان شأن هذا المستنصر في ملوك آل أبي حفص عظيماً. وشهرته طائرة الذكر بما انفسح أمد سلطانه، ومدت إليه ثغور القاصية من العدوتين يد الاعتصام به. وما اجتمع بحضرته من أعلام الناس الوافدين على أبيه وخصوصاً الأندلس، من شاعر مفلق وكاتب بليغ وعالم نحرير وملك أروع وشجاع أهيس، متفيئين ظل ملكه متناغين في اللياذ به، لطموس معالم الخلافة شرقاً وغرباً على عهده، وخفوت صوت الملك إلا في إيوانه.
فقد كان الطاغية التهم قواعد الملك بشرق الأندلس وغربها، فأخذت قرطبة سنة ثلاث وثلاثين، وبلنسية سنة ست بعدها، وإشبيلية سنة ست وأربعين. واستولى الططر على بغداد دار خلافة العرب بالمشرق وحاضرة الإسلام سنة ست وخمسين، وانتزع بنو مرين ملك بني عبد المؤمن. واستولوا على حضرة مراكش دار خلافة الموحدين سنة ثمان وستين، كل ذلك على عهده وعهد أبيه ودولتهم أشد ما كانت قوة وأعظم رفاهية وجباية، وأوفر قبيلا وعصابة وأكثر عساكر وجنداً، فأمله أهل العالم للكرة، وأجفلوا إلى الإمساك بحقويه. وكانت له في الأبهة والجلال أخبار، وفي الحروب والفتوح آثار مشهورة، وفي أيلمه عظمت حضارة تونس، وكثر ترف ساكنها. وتأنق الناس في الملابس والمراكب والمباني والماعون والأبنية، فاستجادوها وتناغوا في اتخاذها وانتقائها إلى أن بلغت غايتها. ثم رجعت من بعده أدراجها، والله مالك الأمور ومصرفها.

الخبر عن بيعة الواثق يحيي بن المستنصر وهو المشهور بالمخلوع وذكر أحواله
لما هلك السلطان المستنصر سنة خمس وسبعين كما قدمناه، اجتمع الموحدون وسائر الناس على طبقاتهم إلى ابنه يحيى، فبايعوه ليلة مهلك أبيه، وفي غدها وتلقب الواثق. وافتتح أمره برفع المظالم وتسريح أهل السجون وإفاضة العطاء في الجند وأهل الديوان، وإصلاح المساجد، وإزالة كثير من الوظائف عن الناس. وامتدحه الشعراء فأسنى جوائزهم، وأطلق عيسى بن داود من اعتقاله، ورده إلى حاله. وكان المتولي لأخذ البيعة على الناس والقيام بأمره سعيد بن يوسف بن أبي الحسين لمكانه من الدولة ورسوخه في الشهرة، فقام بالأمر ولم يزل على ذلك إلى أن نكبه وأدال منه بالحببر.

الخبر عن نكبة ابن أبي الحسين واستبداد ابن الحببر علي الدولة
كان هذا واسمه يحيى بن عبد الملك الغافقي وكنيته أبو الحسن أندلسياً من أعمال مرسية، وفد مع الجالية من شرق الأندلس أيام استيلاء العدو، وكان يحسن الكتاب ولم يكن له من الخلال سواها، فصرف في الآعمال ثم ارتقى إلى خدمة ابن أبي الحسين فاستكتبه، ثم رقاه إلى ولاية الديوان فعظمت حاله وكانت له أثناء ذلك مداخلة للواثق ابن السلطان اعتدها له سابقة. فلما استوسق الأمر للواثق رفع منزلته واختصه بالشورى، وقلده كتاب علامته. وكان سعيد بن أبي الحسين مزاحماً له منافساً لما كان أسف منه بقدميه. فأغرى به السلطان ورغبه في ماله فتقبض على سعيد بن أبي الحسين لستة أشهر من الدولة سنة ست وسبعين واعتقل بالقصبة. وتقبض على نقله ابن ياسين وابن صياد الرجالة وغيرهم، وقدم على الأشغال مدافع من الموالي العلوجي. ووكل أبو زيد بن أبي الأعلام من الموحدين بمصادرة ابن أبي الحسين على المال وامتحانه.
ولم يزل يستخرج منه حتى ادعى الإملاق واستحلف فحلف، ثم ضرب فادعى مؤتمناً من ماله عند قوم استكشفوا عنه فأدوه. ثم دل بعض مواليه على ذخيرة بداره دفينة فاستخرج منها زهاء ستمائة ألف من الدنانير، فلم يقبل بعدها مقاله، وبسط عليه العذاب إلى أن هلك في ذي الحجة من سنته، ودفن شلوه بحيث لم يعرف مدفنه واستبد أبو الحسن الحببر على الدولة والسلطان، وبعث أخاه أبا العلى والياً على بجاية، وأسف المشيخة والبطانة بعتوه واستبداده وما يتحشمونه من مباكرة بابه، إلى أن عاد وبال ذلك على الدولة كما نذكره.

الخبر عن إجازة السلطان أبي إسحاق من الأندلس ودخول أهل بجاية في طاعته
كان السلطان المستنصر قد عقد على بجاية سنة ستين لأبي هلال عياد بن سعيد الهنتاتي، وأدال به من أخيه الأمير أبي حفص، فأقام والياً عليها إلى أن هلك ببني ورا سنة ثلاث وسبعين كما ذكرناه. وعقد عليها من بعده لابنه محمد، فكان له غناء في ولايته، واضطلع بأمره إلى أن هلك المستنصر، وولى ابنه الواثق فبادر إلى إيتاء طاعته، وبعث وفد بجاية بيعتهم. ثم قلد أبو الحسن الحببر القائم بالدولة أخاه إدريس ولاية الأشغال ببجاية، فقام بها واقتنى الأموال، وتحكم في المشيخة. وأنف محمد بن أبي هلال من استبداده عليه، فهم إدريس بنكبته فخشي محمد بن أبي هلال بادرته، وداخل بعض بطانته في قتله. وفاوض الملك فيه فعدوا عليه لأول ذي القعدة سنة سبع وسبعين بمقعده من باب السلطان، فقتلوه ورموا برأسه إلى الغوغاء والزعانف فعبثوا به.
ووافق ذلك حلول السلطان أبي إسحاق بتلمسان وكان عند بلوغ الخبر إليه بمهلك أخيه المستنصر، أجمع أمره على الإجازة لطلب حقه بعدما تردد برهة. ثم اعتزم وأجاز إلى تلمسان، ونزل على يغمراسن ابن زيان فقام لمورده، واحتفل في مبرته. وفعل أهل بجاية وابن أبي هلال فعلتهم، وخشوا بوادر السلطان بالحضرة فخاطبوا السلطان أبا إسحاق، وأتوه بيعتهم وبعثوا وفدهم يستحثونه للملك، فأجابهم ودخل إليهم آخر ذي القعدة من سنته، فبايعه الموحدون والملأ من أهل بجاية. وقام بأمره محمد بن أبي هلال. ثم زحف في عساكرة إلى قسطنطينة فنازلها، وبها عبد العزيز بن عيسى بن داود، فامتنعت عليه فأقلع عنها إلى أن كان من أمره ما نذكره.

الخبر عن خروج الأمير أبي حفص بالعساكر للقاء السلطان أبي إسحاق ثم دخوله في طاعته وخلع الواثق
لما بلغ الخبر إلى الواثق ووزيره المستبد عليه ابن الحببر بدخول السلطان أبي إسحاق بجاية، سرح العساكر إلى حربه، وعقد عليها لعمه أبي حفص. واستوزر له أبا زيد بن جامع، فخرج من تونس واضطرب معسكره ببجاية. وعقد الواثق على قسطنطينة لعبد العزيز بن عيسى بن داود لذمة صهر كانت له من ابن الحببر، فتقدم إلى قسطنطينة، ومانع عنها الأمير أبا إسحاق كما ذكرناه. ثم اضطرب رأى ابن الحببر في خروج الأمير أبي حفص، وأراد انفضاض عسكره فكتب الواثق إلى أبي حفص ووزيره ابن جامع يغري كل واحد منهما بصاحبه، فتفاوضا واتفقا على الدعاء للأمير أبي إسحاق، وبعثوا إليه بذلك. واتصل الخبر بالواثق وهو بتونس منتبذاً عن الحامية والبطانة، فاستيقن ذهاب ملكه، وأشهد الملأ، وانخلع عن الأمر لعمه السلطان أبي إسحاق غرة ربيع الأول من سنة ثمان وسبعين، وتحول عن قصور الملك بالقصبة إلى دار الأقوري وانقرضت دولته وأمره. والبقاء لله وحده.

الخبر عن استيلاء السلطان أبي إسحاق على الحضرة
لما بلغ السلطان أبا إسحاق كتاب أخيه الأمير أبي حفص وابن جامع من باجة، بادر مغذاً إليهم. ثم وافاه خبر انخلاع الواثق ابن أخيه بتونس، فارتحلوا جميعاً وتسايل أهل الحضرة على طبقاتهم إلى لقائه، وأتوه طاعتهم. ودخل الحضرة منتصف ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين، ومحمد بن أبي هلال شيخ دولته. وعقد على حجابته لأبي القاسم ابن شيخ كاتب ابن أبي الحسين، وعلى خطة الأشغال لابن أبي الحسن بن خلدون. كان مع وفد أبيه الحسن على الأمير أبي زكرياء من إشبيلية لذمة رعاها لهم، بما كانت أم ولده أم الخلائف من هدايا ابن المحتسب أبي زكرياء محلهم.
ورحل الحسن إلى المشرق ومات هنالك، وبقي ابنه أبو بكر بالحضرة، فاستعمله الأمير أبو إسحاق لأول دخوله في خطة الأشغال، ولم يكن يليها إلا الموحدون كما قلناه. وعقد لفضل بن علي بن مزني على الزاب، ولم يكن أيضاً يليها إلا الموحدون. لكن رعى لفضل بن مزني ذمة اغترابه معه إلى الأندلس، فعقد له على الزاب، ولأخيه عبد الواحد على بلاد قسطيلية. ثم تقبض على ابن الحببر، وأمر باعتقاله ودفعه إلى موسى بن محمد بن ياسين للمصادرة والامتحان. ووجد مكان التمائم عليه طوابع وطلسمات مختلفة الأشكال والصور، يسحر بها فيما زعموا مخدومه فحاق به وبالها. وكان شأنه في الامتحان والاستخلاف والهلاك بالعذاب، شأن سعيد بن أبي الحسين منكوبه أيام دولته، إلى أن هلك شهر جمادى الأولى من سنته، والله لا يظلم مثقال ذرة.
ولما اقتعد السلطان أبو إسحاق كرسي ملكه، واستوثقت عرى خلافته، تقبض على محمد بن أبي هلال، وقتله لحين نكبته سنة ست وسبعين، لما كان يتوقع منه من المكروه في الدولة، وما عرف به من المساعي في الفتنة.

الخبر عن مقتل الواثق وولده
لما انخلع الواثق عن الأمر وتحول إلى دار الأقوري فأقام بها أياماً، وكان له ثلاثة من الولد أصاغر: الفضل والطاهر، والطيب، فكانوا معه. ثم نفي عنه للسلطان أبي إسحاق أنه يروم الثورة، وأنه داخل في ذلك بعض رؤساء النصارى الجند، فأقلق السلطان مكان ترشيحه، واعتقله بمكان اعتقال بنيه هو من القصبة أيام أخيه المستنصر. لم بعث إليهم لليلته فذبحوا جميعاً شهر صفر سنة تسع وتسعين. واستوسق له الأمر، وأطلق من عنان الإمارة لولده، إلى أن كان من شأنهم ما يذكر.

الخبر عن ولاية الأمير أبي فارس ابن السلطان أبي إسحاق على بجاية بعهد أبيه والسبب في ذلك
كان للسلطان أبي إسحاق من الأبناء خمسة: أبو فارس عبد العزيز، وكان أكبرهم، وأبو محمد عبد الواحد، وأبو زكرياء يحيى، وخالد وعمر. وكان السلطان المستنصر قد حبسهم، عند فرار أبيهم إلى رياح في أيامه، ببعض حجر القصر وأجرى عليهم رزقاً فنشئوا في ظل كفالته وجميم رزقه، إلى أن استولى أبوهم السلطان أبو إسحاق على الملك فطلعوا بآفاقه. وطالت فروعهم في دوحه، واشتملوا على العز، واصطنعوا أهل السوابق من الرجال، وأرخى السلطان لهم ظلهم في ذلك. وكان المجلي فيها كبيرهم أبو فارس بما كان مرشحاً لولاية العهد، وكان ممن اصطنعه وألقى عليه رداء محبته في الناس وعنايته، أحمد بن أبي بكر بن سيد الناس اليعمري، وأخوه أبو الحسين، لسابقة رعاها لهما، وذلك أن أباهما أبا بكر بن سيد الناس، كان من بيوت إشبيلية حافظاً بالحديث رواية له. ظاهرياً في فقهه على مذهب داود وأصحابه. وكانت لأهل إشبيلية خصوصاً من الأندلس وصلة بالأمير أبي زكريا بن عبد الواحد بن أبي حفص وبنيه، منذ ولايته غرب الأندلس.
فلما تكالب الطاغية على العدوة، والتهم ثغورها واكتسح بسائطها. وأسف إلى قواعدها وأمصارها، أجاز الأعلام وأهل البيوت إلى أرض المغربين وإفريقية. وكان قصدهم إلى تونس أكثر لاستفحال الدولة الحفصية بها. فلما رأى الحافظ أبو بكر اختلال أحوال الأندلس وقبح مصائرها، وخفة ساكنها، أجمع الرحلة عنها إلى ما كان بتونس من سابقته عند هؤلاء الخلفاء. فأجاز البحر ونزل بتونس، فلقاه السلطان تكرمة، وجعل إليه تدريس العلم بالمدرسة عند حمام الهوا التي أسستها أمه أم الخلائف.
ونشأ بنوه أحمد وأبو الحسين في جو الدولة وحجر كفالتها للاختصاص الذي كان لأبيهم بها. وعدلوا عن طلب العلم إلى طلب الدنيا، وتشوقوا إلى مراتب السلطان، واتصلوا بأبناء السلطان أبي إسحاق بمكانهم من حجر القصر، حيث أنزلهم عمهم بعد مذهب أبيهم فخالطوهم واستخدموا لهم. ولما استولى السلطان على الأمر ورشح ابنه أبا فارس العهد، وأجراه على سنن الوزارة، فاصطنع أحمد بن سيد الناس، ونوه باسمه وخلع عليه لبوس كرامته. واختصه بلقب حجابته، وأخوه أبو الحسين يناهضه في ذلك عنده. ونفس ذلك عليهما البطانة فأغروا السلطان أبا إسحاق بابنه، وخوفوه شأنه. وإن أحمد بن سيد الناس داخله في التوثب بالدولة. وتولى كبر هذه السعاية عبد الوهاب بن قائد الكلاعي من علية الكتاب ووجوههم. كان يكتب العلامة يومئذ، فسطا السلطان بابن سيد الناس سنة تسع وستين آخر ربيع، استدعي إلى باب القصر فتعاورته السيوف هبراً، ووري شلوه ببعض الحفر. وبلغ الخبر إلى الأمير أبي فارس فركب إلى أبيه في لبوس الحزن، فعزاه أبوه عن ذلك بأنه ظهر لابن سيد الناس على المكر والخديعة بالدولة. وأماط سواده بيده، ونجا أبو الحسين من هذه المهلكة. واعتقل في لمة من رجال الأمير أبي فارس وبطانته، بعد أن توارى أياماً إلى أن أطلق من محبسه، وكان من أمره ما نذكره بعد. واستبلغ السلطان في تأنيس ابنه، ومسح الضغينة عن صدره، وعقد له على بجاية وأعمالها، وأنفذه إليها أميراً مستقلا. وأنفذ معه في رسم الحجابة جدي محمد ابن صاحب أشغاله أبي بكر بن الحسن بن خلدون، فخرج إليها سنة تسع وستين، وقام بأمرها إلى آخر دولته كما نذكره.

الخبر عن ثورة ابن الوزير بقسطنطينة ومقتله
اسم هذا الرجل أبو بكر بن موسى بن عيسى، ونسبته في كومية من بيوت الموحدين. كان مستخدماً لابن كلداسن الوالي بقسطنطينة بعد ابن النعمان من مشيخة الموحدين أيام المستنصر. ووفد ابن كلداسن على الحضرة، وأقام ابن وزير نائباً عنه بقسطنطينة، فكان له غناً وصرامة. وولاه السلطان حافظاً على قسطنطينة. واتصلت ولايته، وهلك المستنصر، واضطربت الأحوال. ثم ولاه الواثق، ثم السلطان أبو إسحاق وكان ابن وزير هذا طموحاً جموح الأمل، وعلم أن قسطنطينة معقل ذلك القطر وحصنه فحدثته نفسه بالامتناع بها، والاستبداد على الدولة. وساء أثره في أهلها فرفعوا أمرهم إلى السلطان أبي إسحاق، واستعدوه فلم يعدهم لما رأى من مخايل انحرافه عن الطاعة. وكتب هو بالاعتذار والنكير لما جاءوا به فتقبل وأغضى له عن هناته. ولما مر به الأمير أبو فارس إلى محل إمارته من بجاية سنة تسمع وسبعين، قعد عن لقائه وأوفد عليه جمعاً من الصلحاء بالمعاذير والاستعطاف، فمنحه من ذلك كفاء مرضاته، حتى إذا أبعد الأمير أبو فارس إلى بجاية، اعتزم هو على الانتزاء. وكاتب ملك أرغون في جيش النصارى يكون معه في ثغره، يردد بهم الغزو على أن يكون فيما زعموا داعية له فأجابه ووعده ببعث الأسطول إليه، فجاهر بالخلعان، وانتزى بثغر قسطنطينة داعياً لنفسه آخر سنة ثمانين.
وزحف إليه الأمير أبو فارس من بجاية في عساكره، واحتشد الأعراب وفرسان القبائل إلى أن احتل بميلة. ووفد عليه مشيخة من أهل قسطنطينة بمكر من الرغبة والتوسل، بعثهم بها ابن وزير، فأعرض عنهم وصبح قسطنطينة في أول ربيع سنة إحدى وثمانين، فنازلها وجمع الأيدي على حصارها. ونصب المجانيق وقرب مقاعد الرماة، وقاتلها يوماً أو بعض يوم، وتسور عليهم المعقل من بعض جهاته. وكان المتولي لتسوره حاجبه محمد بن أبي بكر بن خلدون، وأبلى ابن وزير عند الصدمة حتى أحيط به، وقتل هو وأخوه وأشياعهما، ونصبت رؤوسهم بسور البلد. وتمشى الأمير في سكك البلد مسكناً ومؤنساً، وأمر برم ما تثلم من الأسوار وبإصلاح القناطر. ودخل إلى القصر، وبعث بالفتح إلى أبيه بالحضرة. وجاء أسطول النصارى إلى مرسى القل في مواعدة ابن وزير، فأخفق مسعاهم، وارتحل لأمير أبو فارس ثالثة الفتح إلى بجاية، فدخلها آخر ربيع من سنته.

الخبر عن قيادة أبناء السلطان العساكر إلى الجهات
كان السلطان يؤثر أبناءه بمراتب ملكة، ويوليهم خطط سلطانه شغفاً بهم وترشيحاً لهم، فعقد في رجب سنة إحدى وثمانين لابنه أبي زكرياء على عسكر من الموحدين والجند، وبعثه إلى قفصة للإشراف على جهاتها. وضم مجابيها فخرج إليها وقضى شأنه من حركته، وانصرف إلى تونس في رمضان من سنته. ثم عقد لابنه الآخر أبي محمد عبد الواحد على عسكره، وأنفذه إلى وطن هوارة لاقتضاء مغارمهم وجباية ضرائبهم وفرائضهم، وبعث معه عبد الوهاب ابن قائد الكلاعي مباشراً لذلك وواسطة بينه وبين الناس، فانتهى إلى القيروان، وبلغه شأن الدعي وظهوره في دباب بنواحي طرابلس، فطير بالخبر إلى السلطان وأقبل على شأنه. ثم انتشر أمر الدعي فأنكفأ راجعاً إلى تونس.

الخبر عن صهر السلطان مع عثمان بن يغمراسن
كان السلطان لما أجاز البحر من الأندلس لطلب ملكه، ونزل على يغمراسن بن زيان بتلمسان، فاحتفل لقدومه، وأركب الناس للقائه، وأتاه ببيعته على عادته من سلفه لما علم أنه أحق بالأمر، ووعد النصرة من عدوه والمؤازرة على أمره، وأصهر إليه في إحدى بناته المقصورات في خيام الخلافة بابنه عثمان تشريفاً خطبه منه، فولاه الإسعاف به. ولما استولى السلطان على حضرته واستبد بأحوال ملكه بعث يغمراسن ابنه إبراهيم المكنى بأبي عامر في وفد من قومه لإتمام ذلك العقد، فاعتمد السلطان مبرتهم وأسعف طابتهم، وأقاموا بالحضرة أياماً، وظهر من إقدامهم في فتن الدعي مقامات، وانصرفوا بظعينهم سنة إحدى وثمانين مجبورين محبورين. وابتنى بها عثمان لحين وصولها فكانت من عقائل قصورهم ومفاخر دولتهم، وذكراً لهم ولقومهم آخر الأيام.

الخبر عن ظهور الدعي ابن أبي عمارة وما وقع من الغريب في أمره
هو أحمد بن مرزوق بن أبي عمارة من بيوتات بجاية الطارئين عليها من المسيلة، ونشأ ببجاية وسيماً محترفاً بصناعة الخياطة غراً غمراً. وكان يحدث نفسه بالملك لما كان العارفون زعم يخبرونه بذلك. وكان هو بخط فيريه خطه ذلك. ثم اغترب عن بلده ولحق بصحراء سجلماسة، واختلط بعرب المعقل وانتمى إلى أهل البيت، وادعى أنه الفاطمي المنتظر عند الأغمار، وأنه يحيل المعادن إلى الذهب بالصناعة فاشتملوا عليه وتحدثوا بشأنه أياماً. أخبرني طلحة بن مظفر من شيوخ العمارية إحدى بطون المعقل أنه رآه أيام ظهوره في المعقل ملتبساً بتلك الدعوى حتى فضحه العجز. ثم لما زهدوا فيه لعجز مدعاه ذهب يتقلب في الأرض حتى وصل إلى جهات طرابلس، ونزل على دباب وصحب بينهم الفتى نصير مولى الواثق بن المستنصر، وتلقب نوبى. ولما رآه تبين فيه شبهاً من الفضل ابن مولاه فطفق يبكي ويقبل قدميه فقال له ابن أبي عمارة: ما شأنك? فقص عليه الخبر فقال له: صدقني في هذه الدعوى وأنا أثيرك من قاتلهم.
وأقبل نصير على أمراء العرب منادياً بالسرور بابن مولاه، حتى خيل عليهم. ثم لبس بما دس إلى ابن عمارة من محاورات وقعت بين العرب وبين الواثق، قصها عليهم ابن أبي عمارة نفياً للريب بأمره فصدقوا واطمأنوا وأتوه بيعتهم. وقام بأمره مرعم بن صابر بن عسكر أمير دباب. وجمع له العرب ونازلوا طرابلس، وبها يومئذ محمد بن عيسى الهنتاتي - ويشهر بعنق الفضة - فامتنعت عليهم، ورحلوا إلى مجريس الموطنين بزنزور وجهاتها من هوارة فأوقعوا بهم. ثم سار في تلك النواحي واستوفى جبايته ولماية وزوارة وزواغة، وأغرم نفوسه وغريان ومقر من بطون هوارة وضائع ألزمهم إياها واستوفاها. ثم زحف إلى قابس فبايع له عبد الملك بن مكي في رجب سنة إحدى وثمانين، وأعطاه صفقته طواعية، وفاه بحق آبائه فيما طوقوه ذريعة إلى الاستقلال الذي كان يؤمله، وأعلن بخلافته ونادى في قومه واستخدم له بني كعب من سليم ورياستهم إذ ذاك في بني شيحة لعبد الرحمن بن شيحة، فأجابوا داعية وأنابوا إلى خدمته. وتوافت إليه بيعة أهل جربة والحامة وقرى نفزاوة. ثم زحف إلى توزر وبلاد قسطيلية فأطاعوه ثم رجع إلى قفصة فبايع له أهلها، وعظم أمره وعلا صيته. فجهز إليه السلطان أبو إسحاق العساكر من تونس كما نذكره.

الخبر عن انفضاض عساكر السلطان وتقويضه عن تونس
لما تفاقم أمر الدعي بنواحي طرابلس، ودخل الكثير من أهل الأمصار في طاعته جهز السلطان عساكره وعقد لابنه الأمير أبي زكريا على حربه، فخرج من تونس والقيروان، واقتضى منها غرامات ووضائع واستأثر منها بأموال. ثم ارتحل إلى لقاء الدعي وانتهى إلى تمودة، وبلغه هنالك ما كان من استيلاء الدعي على قفصة، فأرجف العسكر وانفضوا من حوله. ورجع إلى تونس فدخلها آخر يوم من رمضان من سنته، وارتحل الدعي على أثره من قفصة واحتل بالقيروان، فبايع له أهلها واقتدى بهم أهل المهدية وصفاقس وسوسة فبايعوا له وكثر الإرجاف بتونس، فاضطرب السلطان معسكره بظاهر البلد وسط شوال. وضرب الغزو على الناس واستكثر من العدد، وخرج إلى معسكره بالمهدية وتلوم بها لإزاحة العلل. وارتحل الدعي من القيروان زاحفاً فتسربت إليه طبقات الجنود ومشيخة الموحدين، رضي بمكانه وصاغية إلى بني المستنصر خليفتهم الطويل أمد الولاية عليهم، ورحمة لما نال الواثق وأبناءه من عمهم. ثم انفض عن السلطان كبير الدولة موسى بن ياسين في معظم الموحدين ولقي الدعي بطريقه فاختل أمر السلطان وانتقضت على ملكه وفر إلى بجاية كما نذكره.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون    الخميس سبتمبر 30, 2010 9:14 pm

الخبر عن انفضاض عساكر السلطان وتقويضه عن تونس

لما تفاقم أمر الدعي بنواحي طرابلس، ودخل الكثير من أهل الأمصار في طاعته جهز السلطان عساكره وعقد لابنه الأمير أبي زكريا على حربه، فخرج من تونس والقيروان، واقتضى منها غرامات ووضائع واستأثر منها بأموال. ثم ارتحل إلى لقاء الدعي وانتهى إلى تمودة، وبلغه هنالك ما كان من استيلاء الدعي على قفصة، فأرجف العسكر وانفضوا من حوله. ورجع إلى تونس فدخلها آخر يوم من رمضان من سنته، وارتحل الدعي على أثره من قفصة واحتل بالقيروان، فبايع له أهلها واقتدى بهم أهل المهدية وصفاقس وسوسة فبايعوا له وكثر الإرجاف بتونس، فاضطرب السلطان معسكره بظاهر البلد وسط شوال. وضرب الغزو على الناس واستكثر من العدد، وخرج إلى معسكره بالمهدية وتلوم بها لإزاحة العلل. وارتحل الدعي من القيروان زاحفاً فتسربت إليه طبقات الجنود ومشيخة الموحدين، رضي بمكانه وصاغية إلى بني المستنصر خليفتهم الطويل أمد الولاية عليهم، ورحمة لما نال الواثق وأبناءه من عمهم. ثم انفض عن السلطان كبير الدولة موسى بن ياسين في معظم الموحدين ولقي الدعي بطريقه فاختل أمر السلطان وانتقضت على ملكه وفر إلى بجاية كما نذكره.
الخبر عن لحاق السلطان أبي إسحاق ببجاية ودخول الدعي ابن أبي عمارة إلى تونس وما كان أمره بها


ولما انفض معسكر السلطان أبي إسحاق آخر شوال من سنة إحدى وثمانين في خاصته وبعض جنوده ذاهباً إلى بجاية، ومر بتونس فوقف عندها حتى احتمل أهله وولده، وسار في كلب البرد فكان يعاني من قلة الأقوات وتعاور المطر والثلج شدة. يصانع القبائل في طريقه ببذل ماله. ثم مر بقسطنطينة فمنعه عاملها عبد الله بن يوقيان الهرغي من دخولها، وقرب إليه بعض القرى من الأقوات، وارتحل إلى بجاية فكان من أمره ما يذكر. ودخل الدعي ابن أبي عمارة إلى الحضرة، وقلد موسى بن ياسين وزارته وأبا القاسم أحمد ابن الشيخ حجابته. وتقبض على صاحب الأشغال أبي بكر بن الحسن بن خلدون فاستصفاه وصاده على مال امتحنه عليه. ثم قتله خنقاً، وصرف خطة الجباية إلى عبد الملك بن مكي رئي قابس. واستكمل ألقاب الملك، وقسم الخطط بين رجال الدولة وصرف همه إلى غزو بجاية.

الخبر عن استبداد الأمير أبي فارس بالأمر عند وصول أبيه إليه


لما وصل السلطان أبو إسحاق إلى بجاية شهر ذي القعدة من سنته طريداً عن ملكه عاطلا عن حلى سلطانه، انتقض عليه ابنه الأمير أبو فارس ومنعه من الدخول إلى قصره، فنزل بروض الرفيع، وأراده على الخلع فانخلع له. وأشهد الملأ من الموحدين ومشيخة بجاية بذلك، وأنزله قصر الكوكب ودعا الناس إلى بيعته آخر ذي القعدة، فبايعوه وتلقب المعتمد على الله. ونادى في أوليائه من رياح وسدويكش. وخرج من بجاية زاحفاً إلى الدعي، واستخلف عليها أخاه الأمير أبا زكريا. وخرج معه عمه الأمير أبو حفص وأخوته، فكان من أمرهم ما نذكر.

الخبر عن زحف الأمير أبي فارس للقاء الدعي ثم انهزامه أمامه واستلحامه وأخوته في المعركة وما كان أثر ذلك من مهلك أبيهم السلطان أبي إسحاق وفرار أخيهم الأمير أبي زكرياء إلى تلمسان


لما بلغ الخبر إلى الدعي باستبداد الأمير أبي فارس على أبيه واستعداده للقائه تقبض على أهل البيت الحفصي، فاعتقلهم بعد أن هم بقتلهم. وخرج من تونس في عساكره من الموحدين وطبقات الجند في صفر سنة اثنتين وثمانين، فانتهى إلى مرماجنة، وتراءى الجمعان ثالث ربيع الأول فاقتتلوا علية يومهم. ثم اختل مصاف الأمير أبي فارس. وتخاذل أنصاره فقتل في المعركة، وانتهب معسكره وقتل أخواته جميعاً صبراً: عبد الواحد قتله الدعي بيده، وعمر وخالد ومحمد بن عبد الواحد. وبعث برؤوسهم إلى تونس، فطيف بها على الرماح ونصبت بأسوار البلد. وتخلص عمه الأمير أبو حفص من الواقعة إلى أن كان من أمره ما نذكر.
وبلغ خبر الواقعة إلى بجاية فاضطرب أهلها وماجوا بعضهم في بعض. وجمعهم قاضيهم أبو محمد عبد المنعم بن عتيق الجزائري للحديث في الشأن فتكالبوا، وزجرهم ابنه فقتلوا. ثم أشخصوا القاضي إلى بلده في البحر. وخرج السلطان أبو إسحاق وابنه الأمير أبو زكرياء إلى تلمسان، فقدم أهل بجاية عليهم محمد بن أسرعين قائماً فيهم بطاعة الدعي، وخرج في أتباع السلطان فأدركه بجبل بني غبرين من زواوة، فتقبض عليه، ونجا الأمير أبو زكرياء إلى تلمسان، وبقي السلطان أبو إسحاق ببجاية معتقلا ريثما بلغ الخبر إلى تونس، وأرسل الدعي محمد بن عيسى بن داود فقتله آخر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين، وانقضى أمره ولله عاقبة الأمور.

الخبر عن ظهور الأمير أبي حفص وبيعته وما كان على أثر ذلك من الأحداث


قد ذكرنا أن الأمير أبا حفص حضر واقعة بني أخيه مع الدعي بمرماجنة، فخلص من المعركة راجلا، ونجا إلى قلعة سنان معقل هوارة القريب من مكان الملحمة، ولاذ به في ذهابه إلى منجاته ثلاثة من صنائعهم: أبو الحسين بن أبي بكر بن سيد الناس، ومحمد بن القاسم بن إدريس الفازازي، ومحمد بن أبي بكر بن خلدون، وهو جد المؤلف الأقرب. وربما كانوا يتناقلونه على ظهورهم إذا أصابه الكلال. ولما نجا إلى قلعة سنان تحدث به الناس، وشاع خبر منجاته إليها.
وكان الدعي قد أسف العرب وثقلت وطأته عليهم بما كان يسيء الملكة فيهم. فليوم دخوله شكى إليه الناس عيثهم فتقبض على ثلاثة منهم وقتلهم وصلبهم. ثم سرح شيخ الموحدين عبد الحق بن تافراكين لحسم عللهم وأوعز إليه بالإثخان فيهم، فاستلى من لقي منهم. ثم تقبض على مشايخ بني علاق، وأودع سجونه منهم نيفاً على ثمانين، فساء أثره فيهم وتطلبوا أعياص البيت، وتسامعوا بخبر الأمير أبي حفص بمكانه من قلعة سنان، فدخلوا إليه وأتوه بيعتهم في ربيع سنة ثلاث وثمانين. وجمعوا له شيئاً من الآلة والأخبية وقام بأمره أبو الليل بن أحمد أميرهم. وبلغ الخبر إلى الدعي فداخلته الظنة في أهل دولته. وتقبض على أبي عمران بن ياسين شيخ دولته، وعلى أبي الحسن بن ياسين وابن وانودين، وعلى الحسين بن عبد الرحمن يعسوب زناتة فامتحنهم واستصفى أموالهم. ثم قتلهم آخراً، وتوجع لهم الناس واضطرب أمر الدعي إلى أن كان ما نذكره.

الخبر عن خروج الدعي ورجوعه واستيلاء السلطان أبي حفص على ملكه وغلبه ومهلكه


لما ظهر السلطان أبو حفص وبايعه العرب تسامع أهل الحضرة واجتمع إليه الناس، وأوقع الدعي بأهل الدولة فمقتوه. وخرج من تونس يريد قتاله فأرجف به أهل معسكره ورجع منهزماً. ودخلت البلاد في طاعة السلطان أبي حفص ونهض إلى تونس فنزل بسحوم قريباً منها. وعسكر الدعي بظاهر البلد تجاهه، وطالت بينهما الحرب أياماً والناس في كل يوم يستوضحون خبء الدعي ومكره إلى أن تبرأوا منه وأسلموه، ودخل من مكان معسكره ولاذ بالاختفاء. ودخل السلطان البلد في ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين واستولى على سرير ملكه وطهره من دنس فاضحه ودعيه، واختفى الدعي بتونس وغاص في لجة ساكنها وأحاط به البحث فعثر عليه لليال من مدخل السلطان بدول بعض السوقة يعرف بأبي القاسم القرمادي فهدمت لحينها. وتل إلى السلطان فأحضر له الملأ ووبخه وساءله فاعترف بادعائه في بيتهم فأمر بامتحانه وقتله. وذهب في غير سبيل مرحمة، وطيف بشلوه، ونصب رأسه. وكان عبد الله بن يغمور المباشر لقتله، وكان خبره من المثلات. واستبد السلطان بملكه وتلقب المستنصر بالله. وبرز الناس إلى الدخول في طاعته. وبعث أهل القاصية بيعتهم من طرابلس وتلمسان وما بينهما. وعقد للشيخ أبي عبد الله الفازازي على عسكره وعلى الحروب والضاحية، وأقطع البلاد والمغارم للعرب رعياً لذمة قيامهم بأمره، ولم يكن لهم قبلها إقطاع. وكان الخلفاء قبله يتحامون عن ذلك ولا يفتحون فيه على أنفسهم باباً، وأقام متملياً ملكه وادعاً في حضرته إلى أن كان ما نذكر.

الخبر عن استيلاء العدو على جزيرة جربة وميورقة ومنازلته المهدية وأجلابه على السواحل


كان من أعظم الحوادث في أيام هذا السلطان تكالب العدو على الجزر البحرية فاستولت أساطيلهم على جزيرة جربة في رجب من سنة ثلاث وثمانين ورياستها يومئذ من محمد بن سمون شيخ الوهبية، ويخلف بن أمغار شيخ النكارة، وهما فرقتا الخوارج. وزحف إليها المراكيا صاحب صقلية نائباً عن الفدريك بن الريداكون ملك برشلونة في أساطيله البحرية، وكانوا فيما قيل سبعين أسطولا من غربان وشواني، وضايقهم مراراً. ثم تغلبوا عليها فانتهبوا أموالها واحتملوا أهلها أسرى وسبياً، يقال أنهم بلغوا ثمانية آلاف بعد أن رموا بالرضع في الجبوب، فكانت هذه الواقعة من أشجى الوقائع للمسلمين. ثم بنوا بساحلها حصناً واعتمروه وشحنوه حامية وسلاحاً. وفرض عليهم المغرم مائة ألف دينار في السنة، وأقاموا على ذلك. وهلك المراكيا على رأس المائة، وبقيت الجزيرة في ملكة النصارى إلى أن أعادها الله في أواخر الأربعين والسبعمائة كما نذكر.
وفي سنة خمس وثمانين ظفر العدو بجزيرة ميورقة ركب إليها طاغية برشلونة في أساطيله في عشرين ألفاً من الرجال المقاتلة، ومروا بميورقة كأنهم سفر من التجار وطلبوا من أبي عمر بن حكم رئيسها النزول للاستقاء فأذن لهم. فلما تساحلوا آذنوا أهلها بالحرب فتزاحفوا ثلاثاً يثخن فيهم المسلمون في كلها قتلا وجراحة بما يناهزوا الآلاف، والطاغية في بطارقته قاعد عن الزحف فلما كان في اليوم الثالث واستولت الهزيمة على قومه زحف الطاغية في العسكر فانهزم المسلمون، ولحق إلى قلعتهم فانحصروا بها وعقدوا لابن حكم ذمة في أهله وحاشيته، فخرجوا إلى سبتة ونزل الباقون على حكم العدو فأجارتهم إلى جارتها منورقة واستولى على ما فيها من الذخيرة والعدد والأمر بيد الله.
وفي سنة ست وثمانين بعدها غدر النصارى بمرسى الخرز فاقتحموها بعد أن ثلموا أسوارها واكتسحوا ما فيها، واحتملوا أهلها أسرى وأضرموا بيوتها ناراً. ثم مروا بمرسى تونس وانصرفوا إلى بلادهم، وفيها أو في سنة تسع بعدها نازل أسطول العدو مدينة المهدية، وكان فيهم الفرسان لقتالها فزحفوا إليها ثلاثاً ظفر بهم المسلمون في كلها. ثم جاء مدد أهل الأجم فانهزم العدو حتى اقتحموا عليهم الأسطول، وانقلبوا خائبين وتمت النعمة.

الخبر عن استيلاء الأمير أبي زكرياء على الثغر العربي بجاية والجزائر وقسطنطينة وأولية ذلك ومصائره


كان للأمير أبي زكرياء ابن السلطان أبي إسحاق من الترشيح للأمر بهديه وشرف همته وحسن ملكته، ومخالطته أهل العلم ما شهد له بمغبة حاله، وهو الذي اختط المدرسة للعلم بإزاء دار الأقوري حيث كان سكناه بتونس. ولما لحق بتلمسان بعد منجاته من مهلك أبيه ببجاية، نزل على صهره عثمان بن يغمراسن بتلمسان، وجاء في أثره أبو الحسين بن أبي بكر بن سيد الناس صنيعة أبيه وأخيه، بعد أن خلص مع السلطان أبي حفص من الواقعة إلى مرماجنة. فلما بايع له العرب وبدت مخائل الملك رأى أبو الحسين إيثار السلطان للفازازي عليهم فنكب عنه، ولحق بالأمير أبي زكرياء بتلمسان واستحثه لطلب ملكه. واستقرض من تجار بجاية هنالك مالا أنفقه في إقامة أبهة الملك له، وجمع الرجال واصطنع الأولياء.
وفشا الخبر بما يرومه من ذلك فصده عثمان بن يغمراسن عنه، لما كان تقلد من طاعة السلطان أبي حفص على سننهم مع الخلفاء بالحضرة قبله، فاعتزم الأمير أبو زكرياء على شأنه، وخرج من تلمسان مورياً بالصيد الذي كان ينتحله أيام مقامه بينهم، ولحق بداود بن هلال بن عطاف أمير بني يعقوب، وكافة بني عامر من زغبة وأوعز عثمان بن يغمراسن إلى داود برده إليه فأبى من إخفار ذفته، وارتحل معه بقومه إلى آخر بلاد زغبة، ونزلوا على عطية بن سليمان بن سباع من رؤساء الدواودة، فتلقاه بالطاعة وارتحلوا جميعاً إلى ضواحي قسطنطينة فدخل العرب وسدويكش في طاعته.
ونزل البلد سنة ثلاث وثمانين، وعاملها يومئذ ابن يوقيان من مشيخة الموحدين، وكان صاحب الجباية بها أبو الحسن بن طفيل. كان له من العامل فداخل الأمير أبا زكرياء في شأن البلد، وشرط لنفسه وصهره فأمضى السلطان شرطهم وأمكنوه من البلد. وأقاموا بها دعوته، وارتحل إلى بجاية وكانت قد حدث فيها اضطراب بين أهلها أدى إلى الخلاف والتباين. واستحثوا الأمير أبا زكرياء فأغذ السير إليهم ودخلها سنة أربع وثمانين. ويقال إن ملكه لبجاية كان سابقاً على ملكه لقسطنطينة وهو الأصح فيما سمعناه من شيوخنا. وبعث إليه أهل الجزائر وتدلس بطاعتهم فاستولى على هذه الثغور العربية، وتلقب المنتخب لإحياء دين الله. وأغفل ذكر أمير المؤمنين أدباً مع عمه الخليفة بالحضرة حيث ملأ الموحدين أهل الحل والعقد من الجماعة. ونصب للحجابة أبا الحسين بن سيد الناس فقام بها، ورشح ملكه وملك بنيه بهذه الناحية الغربية، وانقسمت به الدولة إلى أن خلص الأمر للملوك من عقبه واستولوا على الحضرة كما نذكر.

الخبر عن حركة الأمير أبي زكرياء إلى ناحية طرابلس ومنازلة عثمان في يغمراسن


بجاية في مغيبه
لما استولى الأمير أبو زكرياء على الناحية الغربية، واقتطعها من أعمال الحضرة اعتمل في الحركة على تونس فنهض إليها في سنة خمسة وثمانين. ووفد عليه عبد الله بن رحاب بن محمود من مشيخة دباب، ومانعه الفازازي عن أحواز تونس فنازل قابس وحاصرها، وكان له في قتالها أثر واستوت الهزيمة على مقاتلها ذات يوم فأثخن فيهم قتلاً وأسراً، وهدم ربضها وأحرق المنازل في غابتها والنخل. وارتحل إلى مسراته، وانتهى إلى الأبيض وأطاعه الجواري والمحاميد وآل سالم وعرب برقة، وبلغه بمكانه من مسراته أن عثمان بن يغمراسن أسف إلى منازلة بجاية، وكان من خبره أن الأمير أبا زكرياء لما فصل من تلمسان لطلب ملكه على كره منه، وامتنع جاره داود بن عطاف من رده امتلأ له عداوة وانحرافاً، وجدد البيعة لصاحب تونس، وأوفد بها على ابن محمد الخراساني من صنائعه. وكان له أثناء ذلك ظهور على بني توجين ومغراوة بالمغرب الأوسط وضاق ذرع أهل الحضرة بمكان الأمير أبي زكرياء من مطالبتهم وتدويخه لقاصيتهم، فدخلوا عثمان بن يغمراسن في منازلة معقله ثغر بجاية ليردوه إلى عقبه عنهم، فزحف إلى بجاية سنة ست وثمانين، ونازلها أياماً، وامتنع عليه سائر ضواحيها، ولم يظفر بأكثر من الاطلال عليها. وانكفأ الأمير أبو زكرياء راجعاً إلى بجاية سنة ست وثمانين إلى أن كان من أمره ما نذكر.

الخبر عن فاتحة استبداد أهل الجريد


كان في بعض الأيام بين سدادة وكنومة من عمل تقيوس فتنة قتل فيها ابن لشيخ سدادة، وأقسم ليثأرن فيه بشيخ كنومة نفسه، وكان عامل توزر محمد بن يحيى بن أبي بكر التينمللي من مشيخة الموحدين، فتذم شيخ كنومة به، وبذل له مالاً على نصره من عدوه فكاتب الحضرة وأعلن بخلاف أهل سدادة واحتشد لهم أهل نفطة وتقيوس، وخرج هو في حشد أهل توزر غزاهم في بلدهم ولاذ بإعطاء الرهن، وبذل المال فلم يقبل فأمدهم أهل نفزاوة وزحفوا إليه، فانهزمت جموعه وأثخنوا فيهم قتلاً وأسراً إلى توزر، وذلك سنة ست وثمانين. ثم عاود غزوهم عقب ذلك فبلخوا عليه ثم عقد لهم سلماً على الوفاء بمغارمهم واشترطوا أن لا حكم عليهم في سواهم، وأن رؤساء نفزاوة منهم فأمضى شرطهم وكانت أول استبداد الجريد كما نذكر.

الخبر عن خروج عثمان ابن السلطان أبي دبوس داعياً لنفسه بجهات طرابلس


كان أبو دبوس آخر خلفاء بني عبد المؤمن بمراكش لما قتل سنة ثمان وستين وستمائة، وافترق بنوه وتقلبوا في الأرض، لحق منهم عثمان بشرق الأندلس. ونزل على طاغية برشلونة فأحسن تكريمه، ووجد هنالك أعقاب عمه السيد أبي زيد المتنصر أخي أبي دبوس في مثواهم من إيالة العدو. وكان لهم هنالك مكان وجاه لنزوع أبيهم السيد أبي زيد عن دينه إلى دينهم فاستبلغوا في مساهمة قريبهم هذا الوافد، وخطبوا له من الطاغية حظاً. ووافق ذلك حصول مرغم بن صابر بن عسكر شيخ الجوالي من بني دباب في قبضة أسره، وكان قد أسره العدى من أهل صقلية بنواحي طرابلس سنة اثنتين وثمانين، وباعوه من أهل برشلونه فاشتراه الطاغية، وأقام عنده أسيراً إلى أن نزع إليه عثمان بن أبي دبوس هذا كما ذكرناه. وشمر لطلب حقه في الدعوة الموحدية حيث كانت. وأمل الظفر في القاصيه لبعدها عن الحامية، فعبر البحر إلى طرابلس وكان من حظوظ كرامته عند الطاغية أن أطلق له مرغم بن صابر، وعقد له حلفاً معه على مظاهرته، وجهز لهما الأساطيل، وشحنها بالمدد من المقاتلة والأقوات على مال شرطوه له فنزلوا على طرابلس سنة ثمان وثمانين، وأحتشد مرغم قومه وحملهم على طاعة ابن أبي دبوس، ونازلوا البلد معه ومع جنده من النصرانية فحاصروها ثلاثاً، وساء أثرهم فيها. ثم دخل النصارى بأسطولهم وأرسوا بأقرب السواحل إلى البلد وتنقل ابن أبي دبوس ومرغم في نواحي طرابلس بعد أن أنزلوا عليها عسكراً للحصار، فاستوفوا من جباية المغارم والوضائع مالاً دفعوه للنصارى في شرطهم، وانقلبوا بأسطولهم. وأقام ابن أبي دبوس يتقلب مع العرب. واستدعاه ابن مكي من بعد ذلك لأنه يشبه به في استبداده، فلم يتم أمره إلى أن هلك بجربة والله وارث الأرض ومن عليها.
�الخبر عن مهلك أبي الحسين بن سيد الناس صاحب بجاية وولاية ابن أبي جبي مكانه:
قد قدمنا سلف هذا الرجل وأوليته، وأنه لحق بالأمير أبي زكريا بتلمسان وأبلى في خدمته فلما استولى الأمير أبو زكريا على الثغر الغربي، واقتطعه عن أعمال الحضرة ة ونزل بجاية وضاهى بها تونس، عقد لأبي الحسين بن سيد الناس على حجابته، وفوض إليه بابه، وأجراه في رياسته على سنن ابن أبي الحسين الرئيس قبله في دولة المستنصر الذين كانوا يتلقنون طرقه، وينزعون إلى مراميه، بل كانت رياسة هذا في حجابته أبلغ من رياسة ابن أبي الحسين لخلاء جو الدولة ببجاية من مشيخة الموحدين الذين يزاحمونه، كما كان ابن أبي الحسين مزاحماً بهم، فاستولى أبو الحسين بن سيد الناس على الدولة ببجاية، وقام بأمر مخدومه أحسن قيام، وصار إلى الحل والعقد وانصرفت إليه الوجوه وتمكن في يده الزمام، إلى أن هلك سنة تسعين أعظم ما كان رياسة وأقرب من صاحبه مكاناً وسراً فأقام الأمير أبو زكريا مكانه، كاتبه أبا القاسم ابن أبي جبى، لا أدري من أوليته أكثر من أنه من جالية الأندلس، ورد على الدولة، وتصرف في أعمالها ، واتصل بأبي الحسين بن سيد الناس فاستكتبه ثم رقاه وخلطه بنفسه، وأجره رسنه، وتناول زمام الدولة من يد ابن سيد الناس، فقادها في يد مطهر خدمته حتى عنت إليه الوجوه وأمله الخاصة، واضطلع السلطان على اضطلاعه وكفايته في أمور مخدومه وهلك أبو الحسين بن سيد الناس فرشحه السلطان بخطته فقام بها سائر أيام ابنه الأمير أبي البقاء حتى كان من أمره ما نذكره بعد.
�الخبر عن خروج الزاب عن طاعة الأمير أبي حفص إلى طاعة الأمير أبي زكريا صاحب بجاية وانتظام بسكرة في عمله: وكان السلطان أبو إسحاق قد عقد على الزاب لفضل بن علي بن مزني من مشيخة بسكرة كما قدمناه، فقام بأمره. ولما هلك السلطان عدا عليه بعض أفاريق العرب الموطنين قرى الزاب بمداخلة قوم من أعدائه، وقتلوه سنة ثلاث وثمانين كما نذكره. وأملوا الاستبداد بالبلد فدفعهم عنها المشيخة من بني رمان، واستقلوا بأمر بلدهم وبايعوا للأمير أبي حفص صاحب الحضرة ودانوا بطاعته على السنن. وتوقعوا عادية منصور بن فضل بن مزني. وكان لحق بالحضرة عند مهلك أبيه فخاطبوا فيه السلطان أبا حفص ورموه بالدواهي فأمر باعتقاله، وأودع السجن سبع سنين إلى أن فر منه ولحق بكرفة من أحياء هلال بن عامر، وهم العرب المتولون أمر جبل أوراس. ونزل على الشبه من أفاريقهم فأركبوه وكسبوه ولحق ببجاية سنة اثنتين وتسعين فنزل بباب السلطان. ورغبه في ملك الزاب، وصانع الحاجب ابن أبي جبى بأنواع التحف، وضمن له تحويل الدعوة بالزاب لسلطانه الأمير أبي زكريا وتسريب جبايته إليه، فاستماله بذلك وعقد له على الزاب وأمده بالعسكر، ونازل بسكرة فامتنعت عليه. ورأى مشيختها بنو رمان بعدهم عن صريخ تونس، وإلحاح عدوهم منصور بن فضل عليهم فأعلنوا بطاعة الأمير أبي زكريا وبعثوا إليه بيعتهم ووفدهم ورفع عادية ابن مزني عنهم، فرجعهم بما أملوه من القبول، وأن تكون أحكامهم إلى قائد عسكره. ونظر ابن مزني مصروفاً إلى الجباية فقط. ولما وصل الوفد إلى بسكرة خرجوا إلى القائد ومنصور بن مزني، فأدخلوهما البلد ودانوا بالطاعة، وتصرفت الأمور على ذلك إلى أن كان من أمر منصور بن مزني ما نذكره في أخباره، ولم يزل الزاب في دعوة الأمير أبي زكريا وبنيه إلى أن استولى على الحضرة وبعده لهذا العهد، كما تراه في الأخبار بعد إن شاء الله تعالى.

الخبر عن مهلك أبي عبد الله الفازازي شيخ الموحدين والحاجب أبي القاسم ابن الشيخ رؤساء الدولة بالحضرة


كان أبو عبد الله الفازازي من مشيخة الموحدين، وكان خالصة للسلطان أبي حفص، وعقد له على العساكر كما قدمناه ودفعه إلى الحروب وتمهيد النواحي، فقام في ذلك المقام المحمود، ودوخ الجهات واستنزل الثوار ودفعهم، وجبى الخراج، وكانت له في ذلك آثار مذكورة، وفي بلاد الجريد ومشيختها تصاريف وأحوال. وهو الذي امتحن أحمد بن يملول بسعاية المشيخة من أهل توزر، وكبح عنانه عن مراميه إلى الرياسة عليهم، وهلك آخر حركاته إلى بلاد الجريد على مرحلتين من تونس سنة ثلاث وتسعين. ولسنة منها كان مهلك الحاجب أبي القاسم ابن الشيخ وكان من خبر أوليته أنه قدم من بلده دانية إلى بجاية سنة ست وعشرين، واتصل بعاملها محمد بن ياسين، فاستكتبه وغلب عليه.
واستدعى ابن ياسين إلى الحضرة وابن الشيخ في جملته، والتمس السلطان من يرشحه لكتابته ويخف عليه، فأطنب ابن ياسين في وصف كاتبه أبي القاسم بن الشيخ وحلاه، وابتلاه السلطان فلم يرضه وصرفه، ثم راجع رأيه فيه واستحسنه ورسمه في خدمته. وأمر ابن أبي الحسين بتلقينه الآداب وتصريفه في وجوه الخدمة ومذاهبها، فكان له ذلك غناء وخفة على مخدومه إلى أن هلك ابن أبي الحسين. وكان الخرج بدار السلطان موقوفاً على نظره من جملة ما إليه. وكان قلمه عاملاً فيه فأفرد ابن الشيخ بذلك بعد مهلكه إلى آخر أيام السلطان المستنصر. ولما ولي الواثق استبد ابن الحببر عليه كما قلناه، فأبقاه على خطته واختصه لنفسه ودرجه في جملته. ثم جاءت دولة السلطان أبي إسحاق فأقامه في رسمه وزاحمه بأبي بكر بن خلدون صاحب أشغاله. وكان الرياسة الكبرى على عهده لبنيه أبي فارس، ثم أبي زكريا وأبي محمد عبد الواحد من بعده. ثم كانت مضلة الدعي، واستولى على ملكهم فاستخلص أبا القاسم ابن الشيخ، واستضاف له إلى خطة التنفيذ كتاب العلامة في فواتح السجلات. فلما ارتجع السلطان أبو حفص ملكه وقتل الدعي، خافه ابن الشيخ لما كان من رتبته عند الدعي فلاذ بالصلحاء لإثارة من الخير والعبادة وصلت بينهم وبينه فشفعوا له وتقبلها السلطان، وأظهر لهم ذات نفسه في الحاجة إلى استعماله وقلده حجابته مجموعة إلى تنفيذ الخرج وصرف العلامة إلى غير ذلك من طبقة الدولة فلم يزل على ذلك إلى أن هلك سنة أربع وتسعين. وبقي اسم الحجابة من بعده في هذه الخطط الثلاث، وأمر التدبير والحرب ورياستهما راجع إلى مشيخة الموحدين إلى أن تصرفت الأحوال، وأديل بعضها من بعض كما يأتيك أثناء الأخبار، وقلد السلطان من بعد ابن الشيخ حجابته لأبي عبد الله التحتي من طبقة الجند فقام بها إلى آخر الدولة، والله وارث الأرض ومن عليها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
 
الكتاب الثالث من تاريخ ابن خلدون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ الاسلامى :: مكتبة التاريخ الاسلامى-
انتقل الى: