كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1أحدث الصورالتسجيلدخولالثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه I_icon12

 

 الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
المعتمد بن عباد


ذكر الموقع : اندلسى

الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Empty
مُساهمةموضوع: الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه   الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Emptyالجمعة مارس 25, 2011 7:54 pm


ليس من العسير أن نتصور شقاء المصريين ، إذ أنهم لم يكونوا خاضعين لملوك غرباء فحسب بل كذلك لجنس غريب بأسره تغلغل في جميع نواحي حياة البلاد ، فلم تنج طبقة واحدة من المصريين من استبداد البطالمة واستغلال الإغريق .
وقد عرفنا كيف أثقل البطالمة كاهل المصريين بالضرائب الفادحة والتكاليف المرهقة، وكيف وضعوا يدهم على كل موارد البلاد بشكل لم يسبق له مثيل، حتى في عهد الآشوريين أو الفرس أنفسهم، وكيف استولى الإغريق على أرفع المناصب وأخصب الضياع وأوسعها بل امتدت أيديهم حتى إلى داخل المنازل، وكيف قضى البطالمة على الأرستقراطية الأهلية الدنيوية، وكيف أذلوا الأرستقراطية الدينية والمحاربين المصريين. فلا عجب إذن أن نبضت قلوب المصريين بكراهية الأجانب، وأن انفجر مرجل غضبهم في وجه مغتصبي بلادهم، فقد تضافر في إشعال لهيب الثورات المصرية عاملان لهما أقوى الأثر في حياة الناس في كل زمان ومكان، وهما العامل القومي والعامل الاقتصادي.
ويريد بعض المؤرخين إلقاء كل تبعة هذه الثورات على بطلميوس الثاني، لأنه حتى إذا كان بطلميوس الأول يشارك أبنه آراءه التي أكسبت مصر طابعها في عهد البطالمة، فإن الظروف المحيطة به لم تمكنه من تنفيذها، إذ يحتمل أن يكون الإسكندر الأكبر قضى على الاحتكارات القديمة وأنه لم يعد إنشاءها إلا بطلميوس الثاني، ولأن بطلميوس الثالث لم يفعل إلا أنه أقتفى أثر سياسية أبيه.

ونحن نرى أنه إذا كان يجب أن يتحمل بطلميوس الثاني الجانب الأكبر من تبعة الثورات المصرية، بسبب ما نستدل به من وثائق عصره على شدة عطفه على الإغريق ومعاملتهم معاملة ممتازة، واختفاء المصريين من المراكز الرفيعة في الحكومة، وتضييق الخناق على رجال الدين المصريين، وبسبب ذلك النظام الاقتصادي والمالي الصارم الذي أرهق المصريين، فلابد من أن يتحمل بطلميوس الأول وسائر البطالمة جانبًا من هذه التبعة، لأنهم لم يحاولوا إنشاء دولة قومية، ولأنها يبدو من القليل الذي نعرفه عن بطلميوس الأول أنه وإن كانت الظروف قد فرضت عليه أن يتوخى جانب الاعتدال في معاملة المصريين في بداية حكمه، إلا أنه مع ذلك قد وضع أساس معاملة المصريين معاملة المقهورين المغلوبين على أمرهم، ومعاملة الإغريق معاملة السادة. وقد أقتفى أثر هذه السياسة سائر البطالمة حتى المتأخرين منهم، الذين وإن كانوا قد حاولوا منذ عهد بطلميوس الرابع كسب ود المصريين ببعض المنح، فإنهم لم يغيروا هذه السياسة تغييرًا جوهريًا.
1.الثورة الأولى
بوادر التذمر:

لقد ضاق المصريون ذرعًا بالنظام الاقتصادي والمالي الجديد منذ عهد فيلادلفوس، فإن وثائق زينون تحدثنا عن وقوع اضطرابات بين المزارعين، كانت تنتهي بإضرابهم عن العمل وفرارهم إلى المعابد للاحتماء بالآلهة. ولم تقل عن ذلك شأنًا الاضطرابات التي كانت تنشأ بين المشتغلين بالصناعة والتجارة في كنف النظام الجديد، ولم يفض ذلك إلى الإضراب عن العامل فحسب، بل كذلك إلى تهريب السلع وبيعها دون تصريح. وقد أدت أيضًا مختلف أنواع الخدمة الجبرية إلى اضطرابات واضرابات مماثلة، ولشد ما كانت الحكومة تنزعج من كل هذه القلاقل، فكانت تقابلها بعقوبات صارمة. وقد وجد العيون مرتعًا خصبًا في هذه الحالة، التي لا يمكن تفسيرها بالنقائص الطبيعية في كل نظام جديد لم يألفه الذين يطبقونه ولا الذين كان يطبق عليهم. فقد كان السبب أبعد مدى من ذلك، لأن النظام لم يكن صارمًا فحسب، بل كان تطبيقه في فبضة أجانب اعتبروا أنفسهم أرفع قدرًا وأعظم شأنًا من المصريين، ولم يتكلموا اللغة المصرية بل أرغموا على الأقل بعض المصريين على تعلم لغتهم الأجنبية. وكانوا لا يعبدون آلهة البلاد بل آلهتهم الأجنبية التي أحضروها معهم، ولا يحيون الحياة التي كان المصريون يألفونها بل حياتهم الخاصة، وكان يرغمون أهالي البلاد على بذل أقصى الجهد في استغلال المرافق الاقتصادية. ولم يتحمل المصريون كل ذلك في سبيل آلهتهم أو ملوكهم الوطنيين، الذين يعتنقون نفس المعتقدات الدينيةويتكلمون نفس اللغة ويحيون نفس الحياة، وإنما في سبيل صوالح ملك أجنبي ومن يحيط به من الأجانب، الذين منحهم أفضل المناصب وخير الفرص لإثراء أنفسهم، فظفر الأجانب بالثروة حين حلت الفاقة بالمصريين. وإذا احتاج مصري إلى اقتراض نقود أو بذور، فإنه كان يقترضها عادة من أحد هؤلاء الأجانب، وإذا أراد استئجار قطعة أرض فإنه كان يستأجرها عادة منهم، وفضلاً عن كل ذلك فإنه كثيرًا ما كان يفرض عليه إيواء هؤلاء الأجانب في مسكنه. فلا عجب إذن أن أدرك المصريون أنهم قد أصبحوا غرباء في بلادهم، أداة يجب أن تكون طيعة في خدمة الأجانب، فتملكهم شعور جارف ضد أولئك الدخلاء.

ووسط هذه الظروف كان من اليسير أن يندلع لهيب الثورة لأي سبب، فقد امتلأت النفوس غضبًا وحقدًا، وتوفر جييش الثورة من ملايين الزراع والصناع والعمال الذين لم ينقصهم القادة، فإن النبلاء المصريين وقد عصف البطالمة بمكانتهم وثروتهم وامتيازاتهم، وكذلك رجال الدين قود كيلهم البطالمة بالقيود التي كسرت شوكتهم، كانوا جميعًا يحنون إلى استعادة ما كانوا ينعمون به في الماضي من الكرامة والعزة والنفوذ والثراء. ولم يؤد مضي الزمن إلا إلى ازدياد الهوة بين الفريقين، وساعد على ذلك أيضًا صرامة العقاب، الذي كان يكال للناقمين على سوء الحال. ولذلك فإن الاضطرابات التي بدأنا نشهدها في عهد فيلادلفوس لم تنقطع في عهد خلفائه بل ازدادت عنفًا وشدة. وإذا كانت أشد ثورات المصريين لم تقع إلا بعد انتصارهم في موقعة رفح، فإن ذلك يرجع دون شك إلى أنه كان ينقص المصريين الحافز الذي يعيد إليهم ثقتهم بأنفسهم ويزكي روح الوطنية الكامن في صدورهم، فيخلصوا بلادهم من نير الأجنبي، كما تخلص أجدادهم من الهكسوس بعد حكم دام مدة لا تقل عن قرن.


الثورة الأولى

لقد نشبت أول ثورة شعبية في عهد بطلميوس الثالث في خلال حربه السورية، لكننا لا نعرف عنها إلا النزر اليسير من مؤرخين متأخري العهد، وهما يوستينوس وهيرونيموس المعروف باسم سان جروم، فإن أولهما يحدثنا بأنه لو لم تستدع الملك ثورة داخلية لاحتل كل مملكة السلوقيين، والمؤرخ الثاني أكثر إيجازًأ من ذلك. أكانت هذه الثورة حركة إغريقية دبرها بعض رجال القصر أو قواد الجيش، أم أنها كانت حركة مصرية أفضت إليها العوامل التي دفعت المصريين من قبل إلى الأضراب عمل العمل والاحتجاج على سوء المعاملة؟ ليس هناك ما يبرر الفرض الأول، بينما يبرر الفرض الثاني أن الاستعدادات الكبيرة لفتوحات بطلميوس الثالث الواسعة أنطوت على ازدياد ضغط الحكومة على الأهالي، لأننا نسمع عن القسوة المتزايدة في وسائل الأداة الحكومية وعن مطالبة مزارعي الملك بإيجازات باهظة. فلا يبعد إذن أن هذه الحركة كانت ثورة قومية أدت إليها هذه العوامل، وساعد عليها غياب قوات الحكومة في الخارج، وكذلك فميا يبدو تلك المجاعة التي يذكر قرار كانوب أنها ترتبت على نقص الفيضان عن منسوبه، فسارع بطلميوس الثالث إلى إنقاذ الموقف باستيراد القمح من سوريا وفينيقيا وقبرص وغيرها من الأقاليم. وربما تعزى هذه الثورة أيضًا إلى توزيع اقطاعات كثيرة بين أسرى الحرب الآسيويين، مما أفضى إلى إزعاج المزارعين المصريين.

وإذا عزونا إلى عهد بطلميوس الثالث وثيقة تبتونيس المشهورة، التي يدل خطها على أنها ترجع إلى النصف الثاني من القرن الثالث، فإننا نستطيع نبين شيء عن طبيعة هذه الثورة. إن هذه الوثيقة تشير إلى الخطر المزدوج الذي كان يتهدد سلطان البطالمة، وهو مساوئ رجال الإدارة وعدم إقبال المصريين على العمل. لكن بما أن البلاد كانت تواجه حالة مماثلة غداة رفح، فإنه لا يمكننا الجزم إذا كانت هذه الوثيقة ترجع إلى بداية عهد بطلميوس الثالث أم إلى بداية عهد خليفته، ومع ذلك فإنها على كل حال تبين أسباب ذلك القلق الذي يتصف به النصف الثاني من القرن الثالث.

ويعتقد البعض أنه قد ظهرت في عهد بطلميوس الثالث تلك النبوءة الديمقوتيقية، التي أعطتنا ترجمتها الإغريقية وثيقة بردية من القرن الثالث للميلاد. وتتكشف هذه النبوءة، التي تعرف باسم نبوءة صانع الخارج (Potter's Prophecy)، عن كره عميق للإسكندرية وعداء دفين للأجانب، وتتنبأ بقيام زعيم وطني يحرر البلاد من مغتصبيها، ويعيد العاصمة إلى منف، ويتولى حكم مواطنيه. وتزعم هذه الوثيقة أنها نبوءة ترجع إلى عهد الملك تاخوس (Tachos) (269-260ق.م)، وتروي تاريخ مصر منذ ذلك الوقت في شكل نبوءة، لكنها في الواقع ترجع إلى عهد البطالمة، وتعبر عما يجيش في صدور المصريين من الآلام والآمال إذ ذاك. وإذاكان لا يوجد ما يقطع بظهور هذه النبوءة في عهد بطلميوس الثالث، فإن الظواهر المختلفة التي تدل على بلبلة أفكار المصريين واضطراب أحوالهم عندئذ تحملنا على تصديق ما قاله بوستينوس وهيرونيموس عن ووقع اضطراب في مصر أبان حكم بطلميوس الثالث، وعلى الاعتقاد بأن هذا الاضطراب كان ثورة مصرية، بلغت في الخطورة حدا اضطر الملك معه إلى أن يترك فتوحاته الأسييوية ويعود مسرعًا إلى مصر.

ولقد عرفنا أن سياسة البطالمة الأوائل الداخلية كانت سياسية سيطرة على أهالي البلاد يشارك الملك فيها أعوانه المدنيون والعسكريون الذين كان أغلبهم من الإغريق أما منذ عهد بطلميوس الرابع، فقد اتبع البطالمة سياسة جديدة في معاملة المصريين. ويعتقد البعض أن البطالمة قد استبدلوا عندئذ بسياسة السيطرة على المصريين سياسة إشراكهم في الحكم، لكننا نرى أن الطبالمة وإن كانوا قد غيروا حقًا سياستهم الأولى، إلا أنهم لم يذهبوا إلى حد إشراك المصريين في الحكم، بل اكتفوا بمنحهم بعض الامتيازات وفي الوقت نفسه استمروا يوالون الإغريق بعطفهم. وحسبنا دليلاً على صحة هذا الرأي أن أغلب المناصب الكبرى والضياع والاقطاعات الكبيرة بقيت من نصيب الإغريق، وإن النظام الاقتصادي والمالي الصارم بقى في جوهره كما هو بما ينطوي عليه من إرهاب المصريين.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
المعتمد بن عباد


ذكر الموقع : اندلسى

الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Empty
مُساهمةموضوع: رد: الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه   الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Emptyالجمعة مارس 25, 2011 7:58 pm


[size=16]2.الثورة في عهد فيلوباتور


أننا لا نعرف عن عهد فيلوباتور أكثر مما تحدثنا به المصادر الأدبية عن سياسته الخارجية وحياته الخاصة وحياة قصره ، فإن وثائق هذا العهد المؤرخة بدقة قليلة وفي أغلب الأحوال غير ذات بال ، ومع ذلك يبدو أنه كان لحكم هذا الملك ونشاط كبير وزرائه سوسيبيوس من الأثر في تطور تاريخ مصر أكثر مما توحي به المصادر الأدبية .
ومن المحتمل أنه في خلال الاستعدادات لمحاربة أنطيوخوس الثالث، وكذلك في خلال الثورة القومية التي أعقبت ذلك، أدخل فيلوباتور وسوسيبيوس بعض التعديلات على النظم المالية والإدارية لمواجهة تكاليف هذه الأعباء فضلاً عن تكاليف العطايا السخية التي أجزلها فيلوباتور لجيشه وللمعابد بعد رفح. إذ يلوح أنه قد زيدت بعض الضرائب وإيجارات الأراضي الملكية بوجه خاص، وأنه قد عرضت ضرائب جديدة، حتى أن بعض المؤرخين يرون أن بطلميوس الرابع هو الذي أنشأ ضريبة الرأس. ومن المحتمل أيضًا أن ازدياد نفقات الحكومة وفي الوقت نفسه نقص مواردها، نتيجة لتدهور مرافق البلاد الاقتصادية منذ أواخر القرن الثالث، أديا إلى إزدياد التشدد في جمع الإيجارات والضرائب وكافة استحقاقاتها. وإلى الإكثار من الأعباء والالتزامات غير العادبة .

ولابد من أنه قد ترتب على كل ذلك إدخال بعض التعديلات على نظام الإدارة الحكومية، إذ ترينا وثائق القرن الثاني بعض التعديلات الهامة في الإدارة الماية، مثل تقوية العنصر الإداري وتنظيم العلاقات بين الموظفين المسئولين عن جمع الضرائب تنظيمًا دقيقًا. وإزاء افتقارنا إلى وثائق من عهد بطلميوس الرابع لا نستطيع الجزم إذا كانت هذه التعديلات ترجع إلى عهده، وإن كان ذلك غير مستبعد. ولما كان ازدياد التشدد في جمع الضرائب، وفي تنفيذ قواعد المسئولية المادية الملقاة على عاتق الموظفين والملتزمين وضامنيهم، قد أدى إلى مصادرة الأملاك في كثير من الأحيان، فلابد من أن تكدس هذه الأملاك المصادرة قد أفضى إلى إنشاء إدارة خاصة لتتولى أمرها. ومع أن أقدم الأدلة التي لدينا عن وجود إدارة حساب الملك الخاص (Idios logos) ترجع إلى عام 179 ق.م.، فإنه يظن أن هذه الإدارة قد أنشئت أو أعطيت أهمية متزايدة في عصر بطلميوس الرابع .

وقد عرفنا أنه من بين الوسائل التي لجأ بطلميوس الرابع لمحاربة أنطيوخوس الثالث إدماج الجنود المصريين لأول مرة في صلب الجيش العام، بعد أن كانوا لا يؤلفون حتى ذلك الوقت إلا الفرق الإضافية في الجيوش البطلمية. وقد كان ذلك تغييرًا خطيرًا في سياسة البطالمة، أملته عوامل مختلفة ربما كان في مقدمتها إرضاء الكرامة المصرية، إذ لا يبعد أن الحكومة كانت تخشى أن يتكرر في خلال هذه الحرب، وقت أن كان العدو على مقربة من الحدود المصرية، ما حدث في أثناء اشتباك بطلميوس الثالث في حربه السورية. ولذلك يبدو أن الحكومة قد استفادت من عبرة الماضي، وحاولت بإدماج المصريين في صلب الجيش إعطاء هذه الحرب طابعًا قوميًا، لتضمن سلامة مؤخرتها من أن تتهددها ثورة قومية ونرجح أنه قد ساعد على هذا التغيير ما كان قد لمسه فيلوباتور وسوسيبيوس من فتور روح الإغريق وتراخيهم، فقد وصل إلينا التماس رفعه إلى الملك أحد أرباب الاقطاعات ـ أي أحد الجنود الذين منحو أراضي ليكونوا رهن إشارة الملك في أي وقت ـ لإعفائه من الخدمة العسكرية لأنه يفضل البقاء في أرضه!.

لقد نجحت سياسة فيلوباتور في كسب الحرب، لكنها تمخضت عن نتائج خطيرة بعد ذلك مباشرة، ذلك أن الجيش ما كاد يعود مظفرًا من موقعة رفح حتى اشتعل لهيب الثورة بين المصريين. وقبل أن نتتبع هذه الثورة يجدر بنا أن نشير إلى أن الجو كان مشبعًا بالاضطراب أبان حكم فيلوباتور قبل هذه المعركة وبعدها. فقد عرفنا أن هذا الملك المستهتر الضعيف، الذي كان واقعًا تحت تأثير بطانة من أهل السوء لا يعرفون الضمير وازع، قد قضى في بادية حكمه على عمه ليسيماخوس وأخيه الصغير ماجاس وأمه الملكة برينيكي، وزاد الأعباء المفروضة على المصريين. وقد عرفنا أيضًا أن كليومنيس، ملك أسبرطة المنفي وضيف ملك مصر، حاول حيث الإسكندريين على الثورة، لكنه لم تكن لهذه الحركة نتيجة سوى القضاء على مدبرها. وقد عرفنا كذلك كيف أن ثيودوتوس، حاكم جوف سوريا البطلمي، خان سيده، لأن نجاحه في صد هجمات أنطيوخوس الأولى أثار عليه حقد رجال البلاط، فأصبح لا يأمن على حياته مما دفعه إلى الانضمام إلى أنطيوخوس. فلا عجب إذن أن المصريين، عندما استشعروا قوتهم بعد انتصارهم في موقعة رفح ولمسوا أدلة ضعف فيلوباتور وجوره، قدهبوا ثائرين على ما كانوا يلقونه من صنوف الظلم والإرهاق.

أن المصادر القديمة لا تعطينا مع الأسف معلومات وافية عن هذه الثورة، التي سنروي أولاً أخبارها لنتعرف ماهيتها ثم نناقش أسبابها ونتائجها. ويحدثنا بوليبيوس بأن المصريين، وقد ازدهوا إعجاباً بانتصارهم في موقعة رفح، أصبحوا لا يحتملون الخضوع لسادتهم، فأخذوا يبحثون عن زعيم يقود ثورتتهم، ولم يطل بهم البحث عن ضالتهم المنشودة. ويضيف بوليبيوس إلى ذلك أنه عندما اضطر فيلوباتور إلى ترك حياة اللهو لمحاربة المصريين، خاض ضدهم غمار حرب خلت من المعارك المنظمة ومن كل شيء جدير بالذكر، فيما عدا ما ارتكبه الفريقان من القسوة والجرائم الأخلاقية.

وإذا كانت النبوءة الديموتيقية، التي سبقت الإشارة إليها، ترجع إلى هذا الوقت، فلا يبعد أن زعيم هذه الثورة كان من هيراكليوبوليس (أهناسيا المدينة)، لأن هذه النبوءة تذكر أن أحد رجال هذه المدينة سيحكم البلاد بعد الأجانب (الفرس) والأيونيين (الإغريق). ويظن أن الثورة بدأت في مصر الوسطى والدلتا، لكنه في العام السادس عشر من حكم فيلوباتور (عام 207/206) كان لوارها مستعمرًا في مصر العليا أيضًا، إذ أن نقوش معبد أدفو تحدثنا بأن أعمال البناء في هذا المعبد العظيم توقفت في ذلك العام، عندما اندلع لهيب الثورة هناك وكان الثوار يختبئون داخل المعبد. وتصف لنا وثيقة بردية من نهاية القرن الثالث جانبًا يسيرًا مما قام به بعض الثوار وسط أتون هذه الحرب، إذ تروي هذه الوثيقة، التي يبدو أنها جزء من تقرير لأحد رجال الشرطة، أنه في بداية الشهر هاجم المصريون الحراس واختبأوا في مركزهم. وبعد ذلك ظهر الحراس على مقربة من هذا المركز، فتقدم المصريون نحو المنازل المجاور وأحضروا عدة الهجوم عند منزل نختنيبيس المطل على ساحة المعبد وأنقضوا عليه، لكنهم أنسحبوا عندما أستعد الحراس ليهدموا عليهم جانبًا من السور. ويلاحظ كاتب التقرير أن المصريين لا يراقبون القرية كما أمروا في البداية، وذلك "لأن كالياس لا يقدم تقريره ...".

ويستدل من هذه الوثيقة على أن المصريين لم يشتركوا جميعًا في الثورة، وأن الثوار أعتدوا على بيت أحد المصريين لعله كان أحد مناوئ الثورة، وأن ثورة أولئك الأشخاص لم تنشأ في داخل القرية ولا يبعد أن أولئك الثوار الذين تتحدث عنهم هذه الوثيقة كانوا مزارعين واضطروا إلى هجر أراضيهم لارتفاع إيجارها أو لشدة وطأة أعمال السخرة في قريتهم، أو لعلهم كانوا أيضًا صناعًا أرهقتهم الالتزامات الجائرة أو كثرة العمل المضنية، فهجروا جميعًا قريتهم إلى الصحراء أو المستنقعات إلى أن جاء الوقت المناسب للهجوم على قريتهم. ومن الجائز أيضًا أن يكون الثوار قد جاءوا من قرية أخرى أو أي معقل للثورة، لرفع لوائها في هذه القرية ومهاجمة الموالين للأجانب.

ولم يعتد الثوار على بعض بيوت المصريين فحسب بل اعتدوا أيضًا على بعض المعابد المصرية، فإن قرار حجر رشيد، الذي أصدره الكهنة المصريون المجتمعون في منف في العام التاسع من حكم بطلميوس الخامس، يهنئ الملك الشاب على معاقبته الثوار الذين هاجموا المعابد وخربوها. وهذا يدل على أن بعض رجال الدين لم يساهموا في الثورة وأظهروا ولاءهم للنظام القائم، فاعتدى الثوار عليهم وعلى معابدهم. ويجب أن نفرق بين موقف كهنة آمون في مصر العليا الذين ناصبوهم عداء شديدًا. ويعزو بعض المؤرخين ولاء كهنة الوجه البحري إلى المنح التي جاد بها عليهم بطلميوس الرابع، ويعددها القرار الذي أصدره مجمع الكهنة في منف في شهر نوفمبر عام 217، وحفظه لنا نصب بيثوم باللغات الهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، فإن هذا القرارا يحدثنا عن الأموال الطائلة التي أغدقها بطلميوس الرابع على المعابد ورجال الدين. لكننا سنرى فيما بعد أن سبب ولاء كهنة الوجه البحري للبطالمة لم يكن المنح بل عداءهم لكهنة طيبة، غير أنهم استغلوا موقفهم ليفوزوا بمنح كثيرة من البطالمة. وجدير بالملاحظة في هذا القرار شيئان: وأحدهما أنه قد ورد فيه ما يفهم منه أن بطلميوس الرابع قد توج في منف على نهج الطريقة الفرعونية، وإذا صح ذلك فيكون هذا الملك أول من توج من البطالمة على هذا النحو. والآخر أن الألقاب الفرعونية قد ظهرت كاملة في النص الإغريقي لهذا القرار، وهذه هي أول مرة فيما نعلم تذكر فيها الألقاب الفرعونية كاملة في نصر رسمي إغريقي، فإنها لم ترد قبل ذلك في قرار كانوب مثلاً. ويبدو أن بطلميوس الرابع قد حرص دائمًا على استخدام ألقابه الفرعونية، فإننا نجدها ثانية في وثيقة بردية يبدو أنها تحوي قراراً ملكيًا، وكذلك في نقش مكتوب باللغات الهيروغليفية والديموتيقية والإغريقية، وهذه الوثيقة وهذا النقش من عهد بطلميوس الرابع. وينهض تتويج بطلميوس الرابع على نهج الطريقة الفرعونية، واستخدامه الألقاب الفرعونية حتى في النصوص الإغريقية، واهتمامه بشئون الديانة المصرية، وإدماج المصريين في صلب الجيش البطلمي العامل، دليلاً على اتجاه جديدة في سياسة البطالمة نحو المصريين، لكن كل ذلك لم يكف لإرضاء المصريين الذين هبوا ثائرين في وجه طغاتهم.

وقد كانت منطقة طيبة أحد معاقل الثورة الرئيسية، فإنها بزعامة أرماخيس (Armchis) ثم انخماخيس (Anchmachis)، وبمعاونة النوبيين فيما يظن، اشتبكت في صراع عنيف مع فيلوباتور ثم بعد ذلك مع ابنه ابيفانس. ويبدو من الوثائق أن منطقة طيبة انفصلت عن حكم البطالمة فترة دامت عشرين عامًا (من 206 إلى 186 ق.م)، وكان يحكمها إذ ذاك المكان النوبيان اللذان سبق ذكرهما، إذ أن الكثير من الوثائق الديموتيقية التي من تلك المنطقة مؤرخة بسنى أرماخيس أولاً ثم أنخماخيس ثانيًا، بل أن بعض هذه الوثائق مؤرخة بالعام الرابع عشر من حكم أرماخيس وبعضها الآخر بالعام السادس من حكم أنخماخيس. وليس في الوثائق ما يستخلص منه أن حكومة البطالمة قد جبت الضرائب من منطقة طيبة بعد العام السادس عشر من حكم فيلوباتور (عام 206)، وهو العام الذي يحدثنا أحد نقوش معبد إدفو بأن أعمال البناء قد أوقفت في خلاله في هذا المعبد، عندما اندلع لهيب الثورة وأحتمت إحدى فرق الثوار داخل المعبد واحتدم الصراع في الجنوب. وسنرى أن لهيب الثورة بقى مشتعلاً إلى أن أخضع أنخامخيس في التاسع عشر من حكم أبيفانس (عام 186 ق.م).

ويرى بوليبيوس أن أسباب هذه الثورة الجامحة أسباب قومية، ترتبت على التغيير الذي طرأ على توازن القوى بين الملك والمصريين، عقب انتصارهم في موقعة رفح. وترى الآنسة بريو أن هذه الثورة لم تكن قومية، وإلا لو كان الأمر كذلك لساهم فيها كل رجال الدين، وهي تستخلص من اعتداء الثوار على إحدى القرى وبعض المعابد أن أسباب هذه الثورة كانت اقتصادية اجتماعية، وأنه لم يشترك فيها إلا الذين تخلصوا من ربقة اقتصاد الدولة الخاصنق، وهاموا على وجوههم في الفيافي والقفار، وعاشوا عيشة قطاع الطرق، وهاجموا المراكز الاجتماعية المنظمة كالقرى والمعبد. ونحن نرى أن كلاً من هذين الرأيين يجنح عن جادة الصواب، لأنه إذا كان الأول قد أغفل العام الاقتصادي، فإن الثاني قد بالغ في هذا العامل وأهمل العامل القومي. حقًا للعامل الاقتصادي أثر بعيد المدى في حياة الناس، لكنه ليس كل شيء. ولا يمكننا أن ننتظر من كل أفراد أي شعب ، مهما سمت مداركهم وقوي الروح الوطني بينهم، أن يساهموا في أية ثورة قومية.

إننا لنعتقد أن الثورة التي وقعت في عهد بطلميوس الرابع لم تختلف كثيرًا في طبيعتها عن الثورة التي وقعت في عهد بطلميوس الثالث، والثورات التي وقعت في عهد البطالمة المتأخرين، لكن ثورة عهد بطلميوس الرابع كانت أخطر من سابقتها، لأن الجنود المصريين كانوا عندئذ أفضل تدريبًا وتسليحًا ورأوا فيمديان القتال في أثناء موقعة رفح أنها لا يقلون كفاية ومقدرة عن الإغريق والمقدونيين. وعندما عاد الجنود المصريون من انتصارهم في موقعة رفح إلى قرأهم وأخذوا يباشرون حياتهم العادية، ازداد أحساسهم بالألم من مركزهم الوضيع بالنسبة للأجانب، وحنقوا أكثر مما كانوا يحنقون في الماضي على الأعباء المتزايدة التي كان النظام الاقتصادي والمالي يفرضها عليهم. فلا عجب إذن أن انتهز رجال الدين المخلصون كل هذه الظروف واستنفروا وطنية المصريين ومشاعرهم الدينية، فهبوا ثائرين على طغاتهم وكل من لاذ بهم أو انتصر لهم أو تخلف عن موكب الوطنية.

ولا يبعد أن أحد العوامل الهامة، التي الهبت مشاعر المصريين ـ وخاصة في مصر العليا ـ ودفعتهم إلى الثورة ضد البطالمة، كان بقاء التقاليد الفرعونية في وادي النيل جنوبي مصر؛ لأنه إذا كان الغزاة المقدنيون والإغريق قد أخضعوا مصر نفسها، فإنهم لم يخضعوا كل دولة الفراعنة القدماء، أو بعبارة أخرى كل منطقة الحضارة المصرية. ولا شك في أنه عندما كان المصريون الوطنيون يرون تقاليدهم القديمة تسود ذلك الإقليم الواقع إلى ما وراء الحدود الجنوبية، كانت صدورهم تتأجج وطنية، وكانت تبدو لهم بارقة أمل في إحياء ماضيهم المجيد واسترجاع حريتهم العزبزة، فيدفعهم كل ذلك إلى البذل والفداء.

إن الشلل الذي أصاب سياسة مصر الخارجية على عهد بطلميوس الرابع يفسر عادة بإهمال هذا الملك للشئون العامة وبغرامة بحياة اللهو والمجون، لكن لعله كان للثورة المصرية التي لا نعرف عنها إلا النزر اليسير نصيب في هذا الشلل. إذ يبدو لنا بجلاء أنها كانت ثورة خطيرة اقتضت مجهودًا حربيًا خطيرًا وتمخضت عن نتائج اقتصادية فادحة، لأنها أنقصت اليد العاملة وعطلت الزراعة والصناعة في مناطق واسعة. ولا يبعد أيضًا أن تكون الاضطرابات التي عانتها مصر العليا قد أثرت في واردات مصر من الذهب عن طريق الجنوب، وفي العلاقات التجارية بين مصر وبلاد النوبة وكذلك بين مصر والصومال. ولذلك يبدو أن حكومة الإسكندرية، وقد شغلت بالشئون الداخلية، لم تجد وقتًا ولا مجالاً لمتابعة سياسة نشيطة في بحر أيجة، ولا للمحافظة على سلامة البحار مثل ما كانت تفعل في الماضي. وقد ترتب على ذلك أن فقدت مصر مكانتها الممتازة في حياة بحر أيجة التجارية، وإن نقصت مواردها من تجارة بحر أيجة. وإزاء سوء حالة البلاد الاقتصادية لجأت الحكومة في عهد بطلميوس الرابع ـ على نحو ما أوضحنا في معرض الكلام عن النقود ـ إلى إجراءاين خطيرين، وهما رفع القيمة الإسمية للعملة ثم إتخاذ البرونز قاعدة أساسية للنقد البطلمي.

[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
المعتمد بن عباد


ذكر الموقع : اندلسى

الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Empty
مُساهمةموضوع: رد: الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه   الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Emptyالجمعة مارس 25, 2011 8:00 pm

3.الثورة في عهد إبيفانس

وإذا كانت حال مصر سيئة في عهد فيلوباتور ، فإنها كانت أكثر سوءًا في عهد ابنته وخليفته أبيفانس . ففي الإسكندرية وقعت إضطرابات شديدة وقتل أجاثوكلس وبطانته وتعاقب الأوصياء على هذا الملك الصغير ، لكنهم إن اختلفوا في الأسماء فقد اتفقوا في الجري وراء أطماعهم .
وفي مصر العليا وفي الوجه البحري، كانت الثورة القومية لا تزال محتدمة وكان أنخماخيس لا يزال يسيطر على الجنوب. ولسنا ندري إذا كان قد حدث في العام السادس من عهد هذا الملك حصار أبيدوس، الذي تذكره عبارة خطها أحد الجنود على جدران معبد ممنون وورد فيها: "أنا فيلوكلس بن فيلوكلس من ترويزن. جئت لأتعبد لسيرابيس في خلال حصار أبيدوس، 28 بؤونة، العام السادس". ولسنا ندري كذلك إذا كان يجب أن نعزو إلى هذا العهد أيضًا ملكًا نوبيًا جديدًا يدعى هيرجونافور (Hyrgonaphor)، كان يحكم أبيدوس وهزم الجيش البطلمي. وعلى كل حال لقد كان أوار الثورة متأججًا في بداية عهد أبيفانس في مصر العليا، وكذلك في مصر السفلي، إذ يحدثنا بوليبيوس وقرار حجر رشيد عن حصار مدينة ليكوبوليس (Lycopolis) بمديرية أبو صير في العام الثامن حكم هذا الملك.
لقد بلغ منسوب الفيضان في صيف ذلك العام (عام 197) حدا غير مألوف، حتى أنه كان يخشى من طغيانه على معدات الحصار التي أقيمت حول ليكوبوليس. وتفاديًا لهذه النكبة، سدت الفرق الملكية القنوات التي كانت تمد جهة ليكوبوليس بالماء وحولت مجراها في اتجاه آخر. وعندما رأى زعماء الثورة أنه لم يعد هناك أمل في الاحتفاظ بموقعهم اضطروا إلى التسليم. وبعد أن يصف قرار الكهنة هذا الحصار والاستيلاء على المدينة، يحدثنا بأن الملك "قتل كل الكفار الذين وجدهم فيها. كما عامل قديمًا هرمس وحورس بن إيزيس وأوزيريس الثوار في نفس المكان". ويلاحظ أن الكهنة يدعون الثوار كفارًا، ويشبهون انتصار الملك على هذه المدينة بانتصار حورس على المدن الثائرة، ولذلك فإن البعض يرى أن هذه الثورة، التي يعتبرها الكثيرون منذ عهد بوايبيوس ثورة مبعثها حقد دفين ضد الإغريق، لم تكن إلا ثورة ضد الملك لأسباب اقتصادية واجتماعية. بيد أنه لو كان الأمر كذلك لأفلحت منح الملك المادية في القضاء على الثورة، ولما رأينا الزراع والجنود يشتركون في الثورة في أعداد متزايدة، مما يدل دون شك على أن الدافع كان قوميًا، وعلى أن المادة لم تستو إلا النفوس المريضة، وعلى أنه وإن استكان بعض الكهنة للبطالمة فإن غالبية الأهالي العظمى كانت تعلل الأمل بطرد الطغاة الأجانب وإقامة فرعون قومي، على نحو ما يبدو لنا من نبوءة صانع الفخار.

وقد انتهز أنطيوخوس الثالث وفيليب الخامس فرصة هذه المشاكل الداخلية، واقتسما ممتلكات مصر الخارجية فلم يبق منها إلا قبرص وقورينائية على نحو ما مر بنا. وإزاء الأخطار الخارجية التي تهدد مصر، فزع حكامها إلى روما ينشدون مساعدتها، فبدأ النفوذ الروماني يلقي ظلاً قاتمًا على دولة البطالمة. وقد ترتب على ضياع ممتلكات مصر الخارجية واضطراب أحوالها الداخلية وقوع تجارة قوافل سوريا في قبضة السلوقيين واضطراب تجارة مصر مع الصومات وتروجوديتكي (Trogodytike)، وضياع أسواقها في بحر أيجة. ولذلك نقصت موارد مصر من التجارة الدولية ومن أملاكها الخارجية نقصًا محسوسًا.

ونستدل من قرار حجر رشيد الذي أصدره الكهنة المجتمعون في منف في عام 196 إجلالاً لابيفانس على سوء حال مصر عندئذ. وتشبه محتويات هذا القرار محتويات القرار الذي أصدره الكهنة بعد موقعة رفح، ومحتويات قرار العفو التي سنعرض لها فيما بعد. وإذا كان قرار الكهنة الذي أصدروه بعد موقعة رفح يستند إلى بيان ملكي، فإن هذا القرار يستند فيما يبدو إلى بيانين أصدر الملك أولهما قبل الإستيلاء على ليكوبوليس وأصدر الآخر بعد هذا الحادث. ويتبين أن الملك وجه البيان الأول لسائر السكان عقب وفاة أبيه، أملاً في وضع حد للاضطرابات التي عمت البلاد، ولذلك عفا عن كل الثوار بوجه عام والجنود المصريين بوجه خاص وأعطى المعابد والسكان عامة عددًا من المنح. ونشمل منح السكان عامة إلغاء بعض الضرائب وتخفيف البعض الآخر، دون تخصيص اسم الضرائب الملغاة أو المخففة، وتنازل الدولة عما تأخر لها من الديون، وفك أسر المسجونين، والسماح للجنود المصريين وكل من خرج على طاعة الملك في أثناء الاضطرابات باسترداد ممتلكاتهم القديمة بمجرد عودتهم إلى مواطنهم. أما منحة للمعابد فكانت متعددة ومتنوعة وتشمل هبات سخية، كإبقاء دخل المعابدومرتباتها السنوية الماليةوالنوعية ونصيب الآلهة من ضريبة الأبومويرا وممتلكاتهم كما كانت في عهد أبيه، وإلا يدفع الكهنة عند رسامتهم ضريبة أكبر مما تقرر في عهد أبيه. وإعفاء الكهنة من الذهاب سنويًا إلى الإسكندرية، وعدم إرغام مزارعي المعابد وعمالها على الخدمة في الأسطول، وإنقاص الضريبة المفروضة على المنسوجات الكتانية الدقيقة بمقدار الثلثين، وإحياء ما أهمل من الطقوس الدينية.

أما البيان الثاني فيبدو أن الملك أصدره بمناسبة تتويجه في منف على نهج الطريقة الفرعونية، وأنه كان يحوي وصف الاستيلاء على ليكوبوليس، والإشارة إلى أن الملك عاقب الذين ثاروا على أبيه وعليه، وأنه أدى المراسم المناسبة لتتويجه، وأنه جاد بمنح عديدة على الكهنة، تتضمن تنازل الملك عما تأخر لدى المعابد حتى العام الثامن من حكمه من الغرامات المفروضة عليها لعدم تسليم مقادير الكتان المقررة للتاج، وإعفاء المعابد من تكاليف فحص الكتان الذي قدمته حتى ذلك التاريخ، ومن ضريبة الأردب عن كل أرورة من أراضي المعابد، وضريبة الكراميون عن كل أرورة مزروعة كروما من هذه الأراضي، وذلك إلى جانب المنح السخية وتأسيس المعابد. ويلاحظ أن إعفاء المعابد من ضريبتي الإردب والكراميون يمثل منحًا دائمة أنقصت دخل الملك نقصًا مستديمًا وإن لم يكن خطيرًا.

ويتكشف قرار حجر رشيد عن صورة قاتمة للحالة التي سادت مصر في أواخر عهد بطلميوس الرابع وبداية عهد الخامس. ولاشك في أن هذه المنح التي مر بنا ذكرها لم تعط عفوًا، بل اقتضاها نقل عبء الضرائب وتراكم ديون الأهالي للدولة وما تبع ذلك من مصادرات الأملاك وحشد السجون بالدائنين ومرتكبي الجرائم وفرار الكثيرين من مواطنهم في كل أنحاء البلاد. قد ترتب على كل ذلك نقص عدد سكان القرى وهجر الأراضي والمصانع وإهمال الترع والجسور، والهاب روح الوطنية وإشعال نار ثورة المصريين ضد طغاتهم، وإذا كانت هذه العوامل قد أدت إلى تدهور الحالة الاقتصادية ودفعت إلى الثورة، فلابد من أن تكون الثورة أيضًا، بما صحبها من الإضراب عن العمل وإهمال المرافق العامة وتخريبها، قد زادت الحالة الاقتصادية سوءًا على سوء.

إن العقاب الصارم الذي أنزله أبيفانس بالثوار في عام 197 والمنح التي جاد بها على المصريين لم تضع حدًا للثورة. ذلك إن قرار حجر رشيد يرجع إلى عام 196، على حين أن الثورة استمرت في الجنوب حتى العام التاسع عشر ـ على الأقل ـ من حكم أبيفانس (186ق.م)، عندما أفلح أحد قواد هذا الملك في أسر أنخماخيس وقاته النوبية في 27 أغسطس سنة 186. وقد خلد هذا النصر قرار عفو نقش على نصب في فيلة، وأحد نقوش معبد إدفو، الذي ينبئنا باستناف أعمال البناء في هذا المعبد عندئذ، بعد وقفه زهاء عشرين عامًا. وقد اعتبر هذا النصر انتصارًا على بلاد النوبة، فإن الكراهية التي أثارها النوبيون في أبيفانس لمساهمتهم في الثورة جعلت أبيفانس يحقد عليهم جمعيًأ حتى أنه محا من آثار فيلة اسم أرجامنس صنيعة فيلادلفوس وصديق فيلوباتور. وبالرغم من القضاء على أنخماخيس في عام 186، فإنه يبدو أن الثورة استمرت في الجنوب حتى عام 184/183، وهو العام الذي قضى فيه على الثورة في الدلتا، عندما استولى بوليكراتس على سايس ومثل الملك بالزعماء المصريين أفظع تمثيل.

ولا يبعد أن هؤلاء الزعماء الذين وصلتنا أسماؤهم ـ وهي أثينيس وباوسيراس وخوفوس وتروباستوس ـ كانوا ينحدرون من سلالة بعض الفراعنة القدماء، ويعللون النفس بإنشاء أسرة حاكمة جديدة من أبناء وادي النيل، بعد تطهير بلادهم من أوضار الاحتلال الأجنبي. وعندما يئس أولئك الزعماء الأبرار من نجاح محاولتهم، سلموا أنفسهم بعد أن أمنهم الملك الإله أبيفانس على حياتهم، لكنه لم يكن إلهًا باطلاً فحسب بل ملكًا مختلاً تغلب فيه حب الانتقام على كل نزعة شريفة، إذ أنه ما كاد يضع يده على الزعماء المصريين حتى وطأ شرفه بقدمه، فقد شد وثاق أولئك الزعماء إلى عجلته الحربية وجرهم وراءه عارين وشوههم ثم أعدمهم.

وتدل وثائق مختلفة على أن حالة مصر العامة لم تتحسن بعد قرار عام 196 حتى نهاية عهد هذا الملك، فإن بقايا وثيقتين، لا نعرف تاريخهما بالضبط لكنه يبدو محتملاً أنهما من أواخر حكم أبيفانس أو بداية عهد فيلومتور، تشير فيما يبدو إلى وقوع اضطرابات وسرقات. ونسمع بأن كومانوس حاكم مديرية أرسينوي استخدم في عام 187 ضابطًا لحراسة مركب تحمل بضاعة له. ولا يبعد أنه كان يرافق هذا الضابط ثلة من الجنود، إذ نسمع كذلك بأنه في خلال حكم بطلميوس الرابع أو بطلميوس الخامس نظمت فئة من المحاربين المصريين (ماخيموي) لتحشد بهم سفن الحراسة في النيل. وقد أطلق عليهم اسم مناسب وهو المحاربون المصريون الذين يحرسون الملاحين (Naukleromachimoi). وفي آخر سنى حكم ابيفانس أو بداية حكم فيلومتور، تشير الوثائق لأول مرة إلى وجود سفن من الأسطول الملكي في النيل بقوادها وملاحيها تحت أمرة وزير المالية، لضمان سلامة الملاحة في النيل والترع. ويلقى خطاب ملكي من عام 184/183 ضوءًا على الحالة المترتبة على الثورة. وهذا الخطاب موجه إلى شخص يدعى سينوموس (Synnomos) ويشير إلى أوامر ملكية أصدرها هذا الملك وأبوه وأجداده. وإحدى فقرات هذا الخطاب تكاد تكون كاملة، وهي تتناول مسألة العيون الذين استفحل أمرهم في خلال الفوضى التي أعقبت الحرب الأهلية. إلى حد دفع الملك إلى أن يصدر إلى رجال الشرطة تلك التعليمات التي يشير إليها هذا الخطاب. وتتضمن هذه التعليمات توبيخ الذين يوجهون إلى الناس تهمًا باطلة بدون قصد سيئ، أما الذين يتهمون الناس باطلاً بقصد استغلالهم وإثارة الأضطراب بينهم فيجب تقديمهم للملك في الحال.

وترينا إحدى فقرات وثيقة من عهد فيلومتور أثر الثورة في حالة الزراعة في الأراضي الملكية في عهد أبيفانس، فإن هرودس وزير مالية فيلومتور يشير في تعليماته المفصلة لمرءوسيه إلى هيبالوس، الذي عرفنا أن القرائن تدل على أنه كان في عهد أبيفانس يتولى منصب الحاكم العام في مصر ـ وهو منصب يرجح أنه أنشئ عندئذ لمواجهة نتائج الثورة الأهلية وإعادة تنظيم شئون البلاد ـ وأنه واجه الظروف الأليمة نفسها التي كان هرودس يواجهها. وقد مر بنا أنه عندما هجر المزارعون مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية في خلال الثورة وتركوها دون زرع استصرخ هيبالوس المتيسيرين من مزارعي الملك وأصحاب الأراضي وموظفي الحكومة، وأفلح في حملهم برفق على أن يتحملوا مسئولية سداد المستحق عن الأراضي المهجورة، أو بعبارة أخرى زرعها على مسئوليتهم. ويبدو أن هذه الحكومة إلى حمل (epibole أو Epigraphe) المتيسيرين على زراعة الأراضي المهجورة في أوقات الضرورة، وهو إجراء قدر له أن يلعب دورًا رئيسيًا في الزراعة المصرية في خلال القرون التالية، وأصبح بمضي الزمن تستخدم فيه وسائل أقل لطفًا وأكثر دقة مما حدث في عهد أبيفانس.

إن الظاهرة التي دفعت هيبالوس إلى اتخاذ ذلك الإجراء، الذي يتسم بسمة الظروف القاهرة، كانت خطيرة ودائمة في عهد البطالمة المتأخرين، وهي قلة اليد العاملة وما كان يتبع ذلك من نقص مساحة الأراضي الزراعية ودك دعائم نظام الدولة الاقتصادي. وقد سبقت الإشارة إلى هذه الظاهرة عند الكلام عن منح أبيفانس، لكن هذه المنح لم تؤد إلى تحسين الحالة. وحسبنا دليلاً على ذلك أن قطعة أرض كانت تؤجر في الماضي لقاء أجر معين، ثم يبدو أن إيجارها أنقصى بعد ذلك نتيجة منحة خاصة لأحد الموظفين، ومع ذلك لم يقبل أحد استئجارها في عام 180/179 بهذه الشروط، فتقرر تأجيرها وفقًا لحالتها الراهنة. وفي ضيعة أبولونيوس السابقة، أصبحت توجد مساحات كبيرة من الأراضي البور، وقد حاولت الحكومة استصلاحها فعرضتها بشروط مغرية، تتلخص في إعفائها من الإيجار مدة عشر سنين ثم فرض إيجار أسمى عليها بعد ذلك، قدره دراخمة واحدة عن كل أرورة. وقد أدت سوء حال البلاد الاقتصادية إلى تدهور قيمة العملة في عهد أبيفانس، إلى حد أن نسيبة الدراخمة الفضية إلى الدراخمة البرونزية أصبحت تعادل 1: 423، مما حدا بالحكومة إلى رفع القيمة الإسمية للعملة مرة ثانية .

لقد هدأت الحال نسبيًا في نهاية عهد أبيفانس، الذي تكشف عن عوامل مختلفة تنخر في عظام دولة البطالمة. وتتلخص هذه العوامل في جشع الوزراء والقواد الإغريق والموظفين بوجه عام؛ وازدياد مطالب رجال الدين التي بادر الملك بالاستجابة إليها ليظفر بتأييد نفر منهم على الأقل؛ وثورة غالبية المصريين الذين كانوا ينعون سوء حالهم ويتوقون قبل كل شيء إلى التحرر من ربقة حكامهم الأجانب، فإن المنح المادية لم تكف لإرضائهم ولذلك لم تضع ثورتهم أوزارها إلا تحت ضغط قوة خصومهم المتفوقة؛ وأخيرًا تدهور حال البلاد الاقتصادية نتيجة لفساد نظام الحكم وثورة الأهلي.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
المعتمد بن عباد


ذكر الموقع : اندلسى

الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Empty
مُساهمةموضوع: رد: الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه   الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Emptyالسبت مارس 26, 2011 10:45 am

4.الثورة في عهد فيلومتور

وعندما توفي ابيفانس في الثامنة والعشرين من عمره وارتقى العرش مرة أخرى طفل صغير ، عانت مصر في عهده كثيرًا من جشع الأوصياء وفساد حكمهم ، ومن الدمار الذي أنزلته بالبلاد غزوتا الطيوخوس الرابع ، ومن النزاع بين بطلميوس السادس فيلومتور وأخيه الصغير الذي عرف فيما بعد باسم بطلميوس بورجتيس الثاني .
وإذا كانت روما قد استغلت هذا النزاع واتخذت منه وسيلة لتحقيق أطماعها وتنفيذ سياستها في مصر، فإن أحد زعماء المصريين، ديونيسيوس بتوسيرابيس قد حاول أيضًا استغلال هذا النزاع لتحقيق الآمال التي كانت تجيش في صدور المصريين منذ مدة طويلة. وبيان ذلك أن هذا الزعيم، الذي كان يتولى منصبًا كبيرًا في القصر ويتمتع بنفوذ كبير بين المصريين ولعب دورًا ممتازًا في الحرب ضد أنطيوخوس وذاعت شهرته الحربية بين الناس، أراد في عام 195/164 أن يتخلص من الملكين الأخوين الواحد بعد الآخر، باستثارة خواطر الإسكندريين ضد بطلميوس السادس فيلومتور، حتى إذا ما تم له ذلك استنفر فيما يبدو وطنية الأهالي ضد بطلميوس الصغير.


لكن فيلومتور خيب عليه خطته بمصالحة أخيه، فانسحب ديونيسيوس إلى اليوسيس (Eleusis)، ضاحية الإسكندرية المشهورة، حيث التف حوله 4000 من الجنود لعلهم كانوا جميعًا من المصريين. وعندما انقض عليهم فيلومتور وعزمهم، تمكن ديونيسيوس من الفرار وإشعال لهيب الثورة في البلاد .
ويحدثنا ديودوروس بأن فيلومتور تولى بنفسه إخماد الثورة بمعاونة قوات كبيرة، وبأنه استطاع إخمادها بصهولة في منطقة طيبة فيما عدا مدينة بانوبوليس (Panopolis) (مدينة أخميم الحالية) التي قاومته مقاومة عنيفة. إذ يبدو أن صعوبة الوصول إليها بسبب ارتفاعها ساعدت الثوار على الاعتصام بها، فلم يتسول الملك عليها إلا بعد حصار شديد. وبعد ذلك عاقب الثوار ثم عاد إلى الإسكندرية. وجدير بالملاحظة أن الثورة قد تركزت هذه المرة أيضًا في أحد معاقل عبادة آمون. وهل تحالف المصريون هذه المرة أيضًا مع النوبيين، وأنفصلت منطقة طيبة ثانية عن حكم الطبالمة؟ هذا جائز إذا عزونا إلى هذا الوقت الملك هيرجونافور، وإذا كان حصار أبيدوس الذي سبقت الإشارة إليه قد حدث في هذا الوقت، أي في العام السادس من حكم فيلومتور (عام 164) ولم يحدث في العام السادس من حكم أبيفانس. وقد يدل اهتمام فيلومتور بحماية الحدود الجنوبية على مساعدة النوبيين للمصريين في ثورتهم.

وترينا عدة وثائق الأحوال التي سادت مصر بوجه عام، ونتائج الثورة المصرية بوجه خاص في عهد فليومتور. وتأتي في مقدمة هةذه الوثائق وثيقة مطولة من عام 164، وهي تلك الوثيقة التي سبقت الإشارة إليها وعرفنا أنها تتضمن تعليمات هرودس وزير مالية فليومتور لمرءوسيه بخصوص الحالة الزراعية. لقد جاءت الثورة الأخيرة عقب ثورة العهد السابق وغزوتي أنطيوخوس ضغثا على إبالة، فإن عددًا كبيرًا من المصريين اشتركوا في الثورة وهلكوا في معاركها العديدة، أو أعدموا بعد إخماد الثورة، أو بقوا مختفين في الصحارى والمستنقعات، فترتب على كل ذلك قلة اليد العاملة في كل أنحاء البلاد. وصاحب ذلك أيضًا قلة الماشية، وتبعًا لذلك تأثرت الزراعة إلى حد بعيد كما تأثرت دون شك الصناعة والتجارة. لكن الزراعة كانت تعني الحكومة قبل كل شيء لتوفير غذاء سكان البلاد ولأنها كانت مورد الحكومة الرئيسي. ولما لم يعد يجدي استصراخ همة المتيسيرين لإنقاذ الموقف، فإنه تقرر إرغام "الجميع" على المساهمة في زراعة الأراضي المهجورة.

ولم يحفق هذا القرار الغرض المنشود منه فمن ناحية أخذ الموظفون ينفذونه بنشاط جم ولكن دون تفكير، ذلك أنهم فسروا كلمة "الجميع" حرفيًا. ومن ناحية أخرى يبدو أن الأثرياء وذوي النفوذ استطاعوا أن يتخلصوا من العبء برشوة الموظفين واستغلال نفوذهم، فوقع كل العبء أو أكثر على التاعسين الذين لا نفوذ لهم ولا مال يحيمهم من غائلة الموظفين. ولما كان أغلبهم من مزارعي الملك الفقراء والجنود المصريين بوجه خاص ـ وكانت اطاعاتهم تتراوح بين خمس أرورات وثماني أرورات ـ فإن الموقف كان دقيقًا، ولاسيما إذا أدركنا أنعدد الجنود المصريين الذين منحوا اقطاعات ازداد سريعًا منذ ع هد فيلوباتور، وانهم كانوا يتمتعون بمركز هام في الجيش عقب موقعة رفح، وأن عددًا منهم كان معسكرًا في الإسكندرية بمثابة حرس خاص للملك. وإزاء الأعباء التي ألقيت على كاهلهم تقدموا بظلاماتهم إلى الملك، الذي خشى هو ومستشاروه عاقبة الأمر، فبادر هرودس بإرسال تعليمات إلى مرءوسيه لرفع الغبن الذي لحق بالجنود المصريين وطبقات السكان الدنيا بوجه عام والمصريين بوجه خاص. ونرى هرودس ثائرًا على مرءوسيه لغباوتهم، فإنه لم يقصد "بالجميع" كل فرد بل جميع القادرين على ت حمل العبء. أما مقدار ما أصابته تعليمات هرودس من النجاح فلا نعرفه، وإن كنا نعرف أنها كانت تنطوي على إرغام المتيسيرين من طبقة ملاك الأراضي على زراعة الأراضي لمهجورة. ولما كان الإرغام يؤدي دون شك إلى الإرهاق، فإن أفراد تلك الطبقة حاولوا بطبيعة الحال أن يتخلصوا من التبعات التي فرضت عليهم. وقد مر بنا أن إحدى حيلهم لتحقيق ذلك كان التسرب إلى صفوف تلك الطبقة الممتازة، طبقة رجال الجيش، ولذلك اتخذت الحكومة من الإجراء ما يحول دون ذلك.

وقد كان الإرغام سلاحًا خطيرًا، وكان بعض الأهالي يحاولون تفادية والبعض الآخر يقابلونه بالشكاوي المريرة والإضراب عن العمل وهجر مواطنهم، مما كان يساعد على إشعال لهيب الثورة. ولذلك فإن الحكومة كانت لا تلجأ دائمًا إليه، أو كانت تحاول تخفيف عبئه، بإنقاص الإيجار أو منح بعض الامتيازات للزراع لقاء استصلاح الأراضي البور المهجورة، وذلك بإعفائهم من الإيجار مدة عشر سنوات أو خمس، ثم فرض إيجار أسمى مدة معينة، وبعد ذلك يحصل الإيجار كاملاً. وإذا كانت النتيجة مرضية في بعض الحالات، حيث أعيدت الأرض إلى حالها السابقة، فإنها لم تكن كذلك بوجه عام لأنها لم تضع حدًا لإطراد زيادة مساحة الأراضي غير المنزرعة التي كانت الحكومة لا تصيب منها أي دخل.

وقد كان يزعج الحكومة كذلك نقص مواردها من الضرائب فكانت تضغط على الملتزمين، وترينا وثيقة من عام 156 ق.م. كيف أنهم ألقوا بدورهم هذا الضغط على كاهل دافعي الضرائب، إذ أنهم استخدموا كل وسيلة مشروعة وغير مشروعة في امتصاص دمائهم. ولما لم تثمر شكاوى دافعي الضرائب لرجال الإدارة المحلية، فإنهم فزعوا إلى الملك ووزير المالية من جور رجال الإدارة المحلية وملتزمي الضرائب. وقد حاول ديوسكوريدس وزير المالية عندئذ، وضع حد لهذه الحالة، بإرسال منشور إلى مرءوسيه في الأقاليم يذكرهم بأن الملك والملكة يرغبان في معاملة الرعية بالعدل، ويأمرهم بعدم إرهاق الناس. لقد كانت نوايا الملك والملكة والوزير طيبة لكنه يشك فيما إذا كانت لها نتائج فعالة، نظرًا إلى أن الحكومة، لفرط حاجتها إلى الأموال، كانت تضغط على الملتزمين ضغطًا شديدًا.

ويبدو أن طبقة الكهنة انتهزت فرصة تحرج مركز الحكومة للفوز بامتيازات جديدة، فعملت على استرداد إدارة أراضي المعابد، أو ـ في رأي البعض ـ عملت على التمتع بقدر من الحرية في إدارة أراضي المعابد، وبكل الحرية في إدارة الأرضي الموقوفة، لكننا لا نعرف مدى نصيبها من النجاح في ذلك على عهد فيلومتور.

إن وثيقة هردوس سالفة الذكر تشير إلى وجود جنود مصريين في الإسكندرية، كانوا بين حرس الملك الخاص، وتدل على أن بعض الجنود المصريين كانوا موالين للملك، على حين اشترك البعض الآخر في الثورة ضده. ويدل نجاح البطالمة في إخضاع الثورات المصرية على أنه إذا كان الكثيرون من الجنود المصريين قد اشتركوا في هذه الثورات، فإن غالبيتهم موالين للبطالمة. ويبدو أن الكهنة المصريين قد انقسموا أيضًا بين ثائرين على المك وموالين له. أما لثائرون فقد عرفنا ما كان من أمرهم إما عن الموالين له فإن وثيقة من حوالي عام 164 تحوى شكوى من اعتداء الثوار على معبد مصري بالفيوم كان فيلومتور قد أعاد بناءه بعد ما دمره أنطيوخوس الرابع. ولعل هذا العطف الذي أبدأه فيلومتور نحو هذا المعبد، ومن المحتمل أيضًا ولاء كهنته للملك في أثناء الثورة قد دفعا الثوار إلى تخريبه تخريبًا. ويبدو أن الحالة كانت مماثلة لذلك في قرية أخرى من قرى الفيوم، فإن كاهنًا يدعى مارس (Marres) كان قد اشترى قبل الثورة منزلاً من كاهنة تدعى ثمبوس وأودع عقد البيع عند شخص يدعى كونديلوس، وعندما استولى الثوار على هذه القرية أحرقوا العقد، وانتهزت ثمبوس هذه الفرصة لتضع يدها على المنزل ولا يبعد أن إحراق العقد كان للانتقام من مارس، بسبب ولائه للملك.

وقد وصلت إلينا من منطقة طيبة شكوى قدمها شخص يدعى بتيارويريس إلى القائد ضد شخص آخر يدعى بمسايس، لأن الأخير اشترى جانبًا ووضع يده على الجانب الآخر من قطعة أرض مساحتها 80 أرورة كانت ملكًا لزوج الطرف الأول وأعتبرت في خلال الاضطرابات أرضًا لا صاحب لها، لأن صاحبة الأرض ومن المحتمل زوجها أيضًا كانا قد هربا من الجنوب إلى الشمال، وفي أثناء غيبتهما عن موطنهما أعتبرت الأرض دون صاحب وبيعت. أما سبب فرار بتيارويريس وزوجه فلا نعرفه على وجه التحقيق، لكنه يبدو أنهما لم يشاركها بقية المواطنين مشاعرهم أو على الأقل لم تكن لديهما الشجاعة الكافية للمساهمة في الثورة، فاضطرا إلى الفرار لكيلا يلحق بهما أذى، فقابل الوطنيون كذلك مصادرة أملاكهما.

وتعطينا قصة بطلميوس المتصوف في معبد السيرابيوم بمنف فكرة عن مشاعر المصريين نحو الإغريق. لقد ذهب هذا الشخص قبل ثورة عام 165/164 بمدة طويلة ليقيم في السيرابيوم، أما بدافع التدين أو من المحتمل كذلك بسبب اضطراب الأحوال في البلاد، فإن ثورة عهد أبيفانس كانت قد أخضعت منذ عهد قريب وكانت البلاد تتهددها أخطار الحرب مع سوريا. وبما أن بطلميوس كان ابن أحد المستوطنين من أرباب الإقطاعات (Katoikos)، فمن المحتمل أنه كان عرضة للخدمة العسكرية ولذلك لا يبعد أنه فضل حياة التعبد الهادئة في السيرابيوم على مواجهة أخطار الجندية وأخطار البقاء في قريته بسيخيس (Psichis) وسط المصريين المعادين للأجانب. ويبدو أنه كان أمام الإغريق الذين يبحثون عن نوع من الحياة الآمنة أن يختاروا بين أحد أمرين، أما حياة الإنقطاع للتعبد (أي يصبحوا enkatochoi) أو الانخراط في الندية. وقد رأينا بطلميوس يفضل الأمر الأول، لكن أخاه الصغير أبولونيوس بعد أن خذا حذوه فترة قصيرة انخرط في سلك الجندية، غير أننا لا نعرف إذا كان هذا الاختيار مطلقًا من كل قيد.

وجدير بالملاحظة أن أباهما جلاوكياس قتل في بسخيس في نهاية الثورة الأخيرة (عام 164)، وربما كان مقتله على يد الثوار. لكن بطلميوس كان كالمستجير من الرمضاء بالنار، فإن الكهنة المصريين اعتدوا عليه لأنه كما يذكر في شكواه إغريقي. وقد أظهر أولئك الكهنة العداء نفسه نحو إغريق آخرين في عدة مناسبات أخرى في عام 163 وفي عام 161 وفي عام 158 ق.م. وإذا كان هذا هو موقف كهنة منف المعتدلين إزاء الإغريق، فإنه يمكننا أن نتصور موقف المصريين المتطرفين إزاءهم.

إن القضاء على الثورة لم يضع حدًا للاضطرابات في مصر، ولذلك فإنه ما كاد فيلومتور يعود من روما بعد أن أحرز نصرًا سياسيًا على أخيه الصغير، حتى أعلن في عام 163 عفوًا يشمل فيما يظن كل الذين كانوا مختبئين أو أتهموا باشتراكهم في الثورة. وعلى الرغم من ذلك لم يستتب الهدوء والأمن في البلاد، ونستدل على ذلك من نشاط عصابات اللصوص في أنحاء المجاورة لمعبد سيرابيوم منف في عام 157 وعام 152 ق.م، ومن محاكمة الكثيرين من زراع الملك حوالي عام 157 بتهم السلب والنهب وغير ذلك من الجرائم .

ولم تسهم الثورات القومية وحدها في تدهور حالة البلاد الاقتصادية فقد أضيف إلى ذلك في هذا العهد الآثار المترتبة على النزاع الأسرى وتكاليف التدخل المسلح في سوريا لمناصرة إسكندر بالاس ثم د الثاني، فازدادت الحال سوءًا على سوء. وأبلغ دليل على ذلك استفحال أمر الأزمة النقدية التي شهدنا بدايتها في عهد فيلوباتور فقد زادت باستمرار قيمة العملة الفضية وقل تداولها بين الناس، فأصبحت النسبة بين قميتها وقيمة العملة البرونزية تعادل 1: 500. وقد صاحب ذلك بطبيعة الحال ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمصنوعات والأجور، ولما كانت موارد الملك قد نقصت على حين أن التزماته لم تنقص، فإنه اقتفى أثر أبيه وجده في تخفيف هذه الالتزامات على حساب الأهالي برفع القيمة الإسمية للعملة البرونزية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
المعتمد بن عباد


ذكر الموقع : اندلسى

الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Empty
مُساهمةموضوع: رد: الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه   الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Emptyالسبت مارس 26, 2011 10:48 am

5.الثورة في عهد بطلميوس الثامن




وإزاء الأحوال السيئة التي عمت البلاد ، اضطرت الحكومة إلى منح بعض الامتيازات لفئات مختلفة من سكان البلاد (الكهنة والجنود وملاك الأراضي الذين أقبلوا على استصلاح الأراضي المهجورة) لكن هذه الامتيازات وإن كانت قد عدلت النظام الاقتصادي الذي وضعه البطالمة الأوائل بتخفيف إشراف الحكومة على نشاط الأفراد الاقتصادي ، فإنها لم تتسطع وقف تيار التدهور ، ولم تقض على إرهاق الحكومة للأهالي ، ولذلك استمروا في تذمرهم ويتطلعون إلى القيام بثورة جديدة .
وقد أتاحت لهم ذلك ظروف عهد بطلميوس الثامن، الذي كان عامرًا بالنزاع الأسرى والإضطراب. وعلى الرغم من أن الملك الجديد اقتفى أثر إسلافه وأصدر في بداية حكمه (عام 145/144ق.م) قرار عفو واحد على الأقل فإن السكينة لم تستتب في البلاد، إذ تحدثنا الوثائق عن مقاومة رجال الشرطة في الفيوم في خلال عام 143 لنشاط جماعات المزراعين الهاربين من أراضيهم. وقد كان ذلك نتيجة طبيعة لبقاء نقائص نظام الحكم بل من المحتمل لاستفحالها، مما حدا بالكهنة إلى الشكوى منها وانتهاز الفرصة لتأييد حقوق يبدو أن بطلميوس الثامن كان قد منحهم أباها في بداية حكمه، فإنه استجابة لشكوى بعض الكهنة أصدر في عام 140/139 قرار جديدًا وجهه لجميع موظفي الإدارة وعمال المالية. وقد جاء في هذا القرار الجديد أنه، وفقًا لقراره السابق الخاص بالمعابد يجب عدم المساس بموارد المعابد، وإلا يقوم أحد لأي سبب بجمع هذه الموارد فيما عدا من عينهم الكهنة لهذا الغرض، ويجب إرغام المتقاعسين على أداء التزاماتهم المستحقة عليهم للمعابد بانتظام، وذلك لكي يحصل الكهنة على كل مواردهم كاملة ولا يعوقهم شيء عن القيام بواجباتهم الدينية وإذا كان عمال الكهنة هم الذين أصبحوا يجمعون كافة موارد المعابد بمقتضى ما أقره بطلميوس الثامن، فإن هذا ينهض دليلاً على أن الحكومة لم تعد على الأقل رسميًا منذ حواليمنتصف القرن الثاني تدير أراضي المعابد، وهذا فوز كبير للكهنة لم يفلحوا في استخلاصه من براثن البطالمة إلا نتيجة لتقلقل مركزهم وضعف سلطانهم.
وفي عام 131 أعطت الإسكندرية شارة البدء بالثورة، ففي ذلك العام أرغمت كليوبترة الثانية وأصنارها الملك على الهرب من الإسكندرية، فالتجأ إلى قبرص لكن غيبته عن مصر لم تزد على بضعة شهور وإن كان لم يفلح في استرداد الإسكندرية ذاتها قبل أغسطس عام 127. ويرى بعض المؤرخين أن مصر رجعت إصدار هذا الخلاف وانقسمت فريقين، وأنه كان يؤيد كليوبترة الثانية الإسكندرية أو على الأقل جانب من الإغريق وكذلك اليهود وجانب من الجيش، على حين كان يؤيد بطلميوس الثامن بقية الجيش وكثير من المصريين أو من المحتمل غالبيتهم بزعامة الكهنة، وأن هذه الحرب الأهلية كانت مزيجًا من النزاع الأسري والثورة القومية ولذلك عمت الفوضى البلاد. أننا نعتقد أن هذه الحرب الأهلية كانت ح قًا مزيجًا من النزاع الأسرى والثورة القومية، وأنه عمت البلاد فوضى عنيفة أمعن القدماء في وصف فظائعها وأوالها. وتفسير ذلك كما يولح لنا أنه كان لكليوبترة الثانية حزب يضم الجانب الأكبر من إغريق مصر والمتأغرقين وسائر خصوم كهنة آمون، ولذلك كان الموقف ال طبيعي لغالبية المصريين هو مناهضة هذا الحزب أشفاء لغليل حقدهم على الإغريق ومن هادنهم من المصريين، فبدوا كما لو كانوا يناصرون بطلميوس الثامن. وعلى كل حال يبدو أن المصريين انتهزوا فرصة ضعف الحكومة للإعراب عن مشاعرهم المكبوتة إزاء ما كانوا يعانونه من الإرهاق والظلم.

وبينما اتخذ غضب المصريين في الوجه البحري ومصر الوسطى شكل الأضراب عن العمل، اتخذ في مصر العليا شكل قتال بين المدن والقرى بعضها مع بعض، فقد كانت بعضها، مثل باثيريس (الجبلين) وطيبة، لا تعترف إلا بطلميوس الثامن ملكًا شرعيًا، ومن ثم فإن هذه المدن كانت تؤرخ وثائقها بسنى حكم هذا الملك. وكانت بعصها، مثل هرمونثيس (أرمنت)، لا تعترف إلا بكليوبترة الثانية، فكانت لا تستخدم إلا سنى حكم هذه الملكة. ويحدثنا خطاب كتبه في 23 كيهك عام 40 (15 يناير عام 130) جندي إغريقي يدعى اسثلاداس (Esthladas) بأنه كان على وشك الزحف مع فريق من الجنود الموالين لبطلميوس الثامن ضد مدينة هرمونثيس المناصرة لكليوبترة الثانية، وبأنه قد وصلت أنباء تفيد بأن باوس قادم في الشهر التالي "على رأس قوات كافية لإخضاع أهل هرمونثيس ومعاملتهم معاملة الثوار". ومما يجدر بالملاحظة أن باوس كان الحاكم العام في منطقة طيبة، وأن اسمه يدل على أنه كان مصريًا، وهذا مثل آخر لمصري تولى منصبًا كبيرًا في عهد البطالمة الأواخر.

ولم تؤد عودة بطلميوس الثامن إلى الإسكندرية في عام 127، ولا عقد الصلح بينه وبين كليوبترة الثانية في عام 124 إلى انتهاء الثورات في البلاد فإننا نسمع عن قيام بطلميوس الثامن بحملات في الأقاليم في عامي 127و 126، وعن وقوع حرب بين هرمونثيس وجارتها كروكديلوبوليس (الود قرب أسنا) في عام 123، وعن وقوع اضطرابات في مديرية طينة خلال عام 122/121، وعن حدوث قلاقل في بانوبوليس بعد ذلك. وقد كانت هذه القلاقل خطيرة إلى حد أن هذه المدينة استثنيت من العفو في عام 118. ولما لم تكف القوة وحدها في القضاء على الاضطرابات والقلاقل والثورات، فإن بطلميوس الثامن حاول وضع حد لذلك بإصدار قرار أو سلسلة قرارات عفو في عام 118 ق.م. لمعالجة الأسباب التي أدت إلى هذه الحالة والنتائج التي ترتبت عليها.

ويعتقد البعض أن ما وصلنا من هذا القرار عبارة عن صورة موجزة له. وعلى كل حال فقد تضمنته وثيقة مهلهلة ضاع الكثير من أجزائها، وبعثور الكثير من فقراتها الغموض والإبهام، مما يتعذر معه تفسيرها تفسيرًا كاملاً صحيحًا، ولاسيما أن بها كذلك الكثير من الأخطاء التي وقع فيها الكاتب الذي نسخها.

ومما يجدر بالملاحظة أن قرار عفو عام 118 ق.م. لم يكن الأول ولا الأخير من نوعه، فقد رجحنا أن فيلوباتور أصدر قراراً مثله، ورأينا أن أبيفانس وفليومتور قد أصدرا قرارات مشابهة، وعرفنا أن بطلميوس الثامن قد أصدر قرارات عفو في 145/144 وفي عام 140/129 وذلك إلى جانب قرار عام 118ق.م. ونعرف أيضًأ أن بطلميوس الثاني عشر (أوليتس) قد أصدر قرار عفو في عام 59 ق.م. ويبدو محتملاً جدًا أن كل قرارات العفو كانت تتفق في شكلها العام، الذي قد يكون من ابتكار فليوباتور أو ابيفانس، لكن البعض يميل إلى الاعتقاد بأن فكرة مثل هذه القرارات وشكلها العام كانا من تقاليد مصر القديمة، لأن مصر بلد التقاليد، ولأنها كانتتألف مثل هذه الظروف، التي سادت في عهد فليوباتور وأبيفانس وفليومتور، ويوجتيس الثاني وأوليتس، أي ظروف التهدئة عقب فترات الفوضى. ولما كان البطالمة يتوجهون بالجانب الأكبر من قرارات عفوهم إلى الأهالي المصريين، فمن المرجح أنهم اختاروا لهذا الغرض الشكل الذي كان المصريون يألفونه.

وتبدأ كل هذه القرارات بالعبارة نفسها التي تتم عن عفو الملك عن كل رعيته لما أرتكبوه من الأخطاء والجرائم والآثام على اختلاف أنواعها حتى تاريخ معين، ودعوة كل الذين هجروا بيوتهم واختفوا عن الأعين ليعودوا إلى مواطنهم ويستأنفوا أعمالهم السابقة ويستردوا من أملاكهم ما لم تتصرف فيه الحكومة باعتباره دون صاحب. وتلى ذلك منحة عامة لكل السكان، تنطوي على تنازل الحكومة عما تأخر لها من الضرائب المستحقة حتى تاريخ معين. وتأتي بعد ذلك أوامر خاصة بالطبقات الممتازة بين الإغريق والمصريين، وكانت تشمل فيما يخص الإغريق: تجار الإسكندرية ورجال الجيش وأصحاب الأراضي، وفيما يخص المصريين الكهنة ورجال الجيش. وأخيراً تأتي الأوامر المتعلقة بالطبقات العاملة من الزراع والصناع.

وبرغم النقائص التي تشوب الصورة التي وصلتنا لقرار عفو عام 118ق.م. فإنها تبين لنا مدى اضطراب أحوال البلاد من جراء الجرائم والأحداث التي وقعت في خلال الحرب الأهلية، مثل أعمال العنف والتخريب والحريق، هجر الأراضي ومعيشة أربابها معيشة قطاع الطرق وعدم دفع الضرائب والإيجارات، وبوار الأراضي وإهمال الري، وعدم تقديم المواد الخام التي تتطلبها احتكارات الحكومة وعدم القيام بأعمال السخرة، واغتصاب أراضي التاج. ويرى البعض أن هذه الحالة، التي رأينا مثيلتها في خلال العهد الماضي، كانت تنكرر في مصر كلما ضعفت السلطة المركزية. لكن لعلها أخذت طابعًا أقوى في عهد البطالمة المتأخرين، لأنه أضيف إلى عامل ضعف الحكومة عامل آخر هام، وهو أن هذه الحكومة كانت حكومة أجنبية، وأن الذين تحملوا نتائج ضعفها وفسادها وإرهاقها كانوا غ البية الأهالي. ولم يقابل الملك مشاعر الأهالي وأعمالهم العدائية بالعقاب، لأن القوة كانت لا تجدي قتيلاً بل اضطر إلى العفو عن مرتكبي هذه الأحداث التي سردناها. ولعل الملك قد أدرك أن أخطر أعدائه لم يكونوا أولئك التاعسين الذين ثاروا لفرط ما قاسوا، بل الموظفين الذين أساءوا استخدام سلطتهم واستباحوا لأنفسهم سلطات لم تكن من حقهم. فقد كانوا يستولون دون حق على السلع الواردة من الخارج إلى الإسكندرية، ويفرضون على المسافرين مكوسا غير مقررة، ويديرون أراضي المعابد ويعتدون على الذين عهد إليهم الكهنة بجابية مواردها ويغتصبون أجزاء منها ويفرضون عليها ضرائب سبق إعفاؤها منها، ويبتزون أموا المزارعين باستخدام مكاييل أكبر من المكاييل الرسمية عند كيل إيجارات الأراضي، ويجبون منهم ضرائب غير مشروعة، ويختصون أنفسهم باستغلال أخصب أراضي الملك، ويستخدمون لأغراضهم الخاصة مزارعي الملك ومواشيهم وعمال اصناعات المحتكرة، ويستبقون لأنفسهم المبالغ التي يجمعونها للخزانة العامة، ويغتصبون لأنفسهم حق الفصل في الشكاوى وسجن الناس. إن كل هذه المساوئ، التي كانت تنخر في عظام الملكية وتنتقص من سلطانها وتشير أقوى المشاعر في الأهالي لظلمها ولأن أغلب مرتكبيها كانوا من الأجانب، لم يقابلها الملك إلا بتحريمها وفرض العقوبات على من يرتكب بعضها مرة أخرى. بيد أن ذلك لم يكن علاجًا شافيًا بل ولا بلسما مخففًا، لأن ذلك لم يكن ضمانًا كافيًا لعدم عودة الموظفين إلى سابق عهدهم، والتقاضي ثانية عن النظم القائمة، وعمل كل ما يحلو لهم. ولعل العلاج الوحيد كان إنقاص التزامات الأهالي وإعفاء الموظفين من مسئوليتهم عن موارد الملك، لكن هذا العلاج كان يفضي حتمًا إلى نقص موارد الملك. وربما خشى الملك فوق كل ذلك عدم ضمان حصوله على هذه الموارد المنقوصة، ولذلك لم يقدم على مثل هذا العلاج.

ولم يكن الموظفون القوة الوحيدة التي تنتقص من حقوق الملك، فقد كانت توجد قوة أخرى هي المعابد، التي سعت على الدوام إلى التحرر من ربقة سلطة الملك. وهذه القوة لم يكن في وسع الملك مقاومتها، فرأى من الحكمة مداراتها وسط الأخطار التي كانت تكتنفه، ولذلك فإنه أجزل لها العطاء وأيد الحقوق والمنح التي سبق إعداقها عليها، وأهمها حق إدارة أراضيها وعدم اعتداء أحد على مواردها وإعفاؤها من بعض الضرائب والتمتع بحق حماية اللاجئين إليها. ومن ثم يبدو أنه لم يبق من القيود، التي فرضها البطالمة الأوائل على رجال الدين، سوى خضوع كل معبد لمراقب وتولى الحكومة أمر جباية ضريبة الأبومويرا واحتفاظ الدولة بحق بيع المناصب الدينية ذات الموارد الخاصة للذين يتولونها.

وقد عمل الملك كذلك على تأمين موارده عن طريق حماية الذين يخدمون هذه الموارد من الزراع والصناع، ذلك أنه حظر سجنهم أو بيع مواشيهم وأدواتهم بسبب الدين. وأعفاهم هم والإغريق الذين يخدمون في الجيش والكهنة من إسكان الجنود في منازلهم إذا كان كل منهم لا يملك إلا منزلاً واحدًا. ومنح الذين اشتروا من التاج بيوتًا وكروما أو حدائق أو سفنًا حق التمتع بملكيتها دون أية منازعات، وأعفاهم من إيواء أحد من بيوتهم ولا شك في أن هذه الإجراءات كانت تساعد على استقرار الناس في مواطنهم وأداء أعمالهم. وقد رمت إلى هذا الهدف نفسه الأوامر التي صدرت حوالي هذا الوقت وأفضت إلى زيادة حقوق أرباب الإقطاعات على الأراضي التي يفلحونها. وإذا كانت هذه الأوامر قد وصلتنا منفصلة عن الوثيقة التي تضم الجانب الأكبر من قرار عفو عام 118، فإنه مع ذلك لا يبعد أن هذه الأوامر كانت جزءًا من هذا القرار أو لعلها كانت تعديلاً له. ومن بين ما قضى به قرار العفو تنظيمها لتصريف العدالة، أن تفصل المحاكم الإغريقية أو المحاكم المصرية في القضايا التي لا تدخل في نطاق القضاء الخاص تبعًا للغة التي حررت بها وثائق القضايا. على نحو ما عرفنا.

ويسترعى انتباهنا في قرار عفو عام 118 ق.م. الاهتمام الذي وجهه الملك للطبقات العاملة من ناحية والكهنة من ناحية أخرى، مما يدل على مقدار الأهمية التي علقها الملك على إرضاء المصريين بوجه عام. ويبدو أن الحكومة قد غمرها فيض من شكاوى الطبقات العاملة، أو لعلها رأت في ثوراتها دليلاً ملموسًا على ما كانت ترزح تحته هذه الطبقات التي كانت تتألف منها ومن المحاربين المصريين أغلب جيوش الثورة، ولذلك لم يسع الملك ووزراؤه إلا أن يحاولوا الاستجابة إلى مطالبها العادلة. وقد رأينا أن أكبر مصدر لمظالم هذه الطبقات كان استدباد موظفي الحكومة وفسادهم. وتكمل الصورة القاتمة التي يصورها لنا قرار العفو، تلك الوثائق والخطابات الخاصة التي يضمها سجل منخص كاتب قرية كركيوسيريس، وهي ترجع إلى أواخر عهد بطلميوس الثامن وبداية عهد بطلميوس التاسع سوتر الثاني، وتكاد تعادل في أهميتها بالنسبة لتاريخ البطالمة الأواخر ما لمجموعة وثائق زينون بالنسبة لتاريخ عهد فيلادلفوس وبداية عهد بطلميوس الثالث.

إن وثائق منخس لا تصور عدة نواح هامة من حياة إحدى القرى في الفيوم فحسب، بل ترينا شيئًأ من نشاط الحكومة ابتداءً من الملك وكبار موظفيه، ومن بينهم إيرنايوس وزير المالية ـ وهو يعتبر من أمهر خلفاء أبولونيوس ـ إلى جموع كبار وصغار موظفي الإدارة المحلية. فإن حياة منخس ورفاهيته كانت تتوقف على هؤلاء جميعًا، كما كانت تتوقف على منخس بدوره حياة ورفاهية الكثيرين من مرءوسيه وزملائه ومواطنيه، وكانوا صغار الموظفين وحراس المحاصيل وجامعي الضرائب والمتلزمين على اختلاف أواعهم وزراع الملك والصناع والعمال. ولا نستدل من قرارات عفو بطلميوس الثامن ولا من الوثائق المعاصرة لها أو المتأخرة عنها أنه قد طرأ تغيير جوهري على الحياة المصرية كما عرفناها في الشطر الأول من عهد البطالمة، وحسبنا دليلاً على ذلك أنه لم يتغير شيء أساسي في نظام فيلادلفوس الاقتصادي.

وليس أدل على ضنك الطبقات العاملة وسوء حالتها من أن عادة وأد الأطفال قد انتقلت تدريجيًا من الإغريق إلى المصريين عامة، وتفشت بين الطبقات العاملة خاصة. ولم تتغير بوجه عام سياسة البطالمة المتأخرين إزاء هذه الطبقات عما كانت عليه سياسة البطالمة الأوائل، فإن البطالمة المتأخرين لم يغيروا شيئًأ جوهريًا في نظام فيلادلفوس الاقتصادي كما سبق القول. وكل ما فعلوه هو أنهم حاولوا حماية أولئك التاعسين من جور موظفي الحكومة العابثين، فقد بقى زراع الملك والصناع وأرباب المهن والحرف المختلفة أداة في قبضة الحكومة لإمداد الملك بموارده، دون أن يكون لهم من الحرية الاقتصادية إلا قسط محدود جدًا.

وقد حاولت الحكومة بشتى الطرق إقناع الطبقات العاملة بأن دورهم في الحياة مقصور على خدمة موارد الملك بسواعدهم، فكان طبيعيًا ألا يقبل الملايين من الزراع والصناع والعمال على عملهم بحماس ونشاط، على الرغم من تظاهرهم بمشاطرة الحكومة أفكارها. ولذلك كثيرًا ما أهملوا الزراعة وتراخوا في إصلاح الجسور وتطهير القنوات وفي القيام بأعمالهم في المصانع والجوانيت، وكثيرًا ما كان الزراع لا يقدمون كل حبوبهم لدرسها أو كل النبات الزيتية لعصرها. وقد ترتب على هذه الروح ونقص اليد العاملة، بسبب الانقطاع عن العمل والثورات، نتائج بعيدة المدى في مجالي الزراعة والصناعة. ولما كانت الحكومة ـ كما هي العادة ـ تؤاخذ الموظفين على ذلك وتتطلب منهم النشاط في السهر على مواردها فإن الموظفين إزاء مسئوليتهم المادية والشخصية قبل الحكومة كانوا يضغطون بدورهم على مرءوسيهم وهؤلاء على الطبقات العامة. ولكي تساعد الحكومة موظفيها على الاضطلاع بأعمالهم، أطلقت يدهم من كل قيد ومنحتهم اختصاصًا قضائيًا واسعًا في الشئون المالية، فأساء الموظفون السطات التي منحت لهم وأرهقوا الأهالي على نحو م ا شهدنا، حتى بدأ إن الموظفين كانوا مصدر كل الشر الذي عانيه الأهالي. وقد حاول بطلميوس الثامن وغيره من الطبالمة كبح جماح شهوات الموظفين دون طائل لأن لاسلطة المركزية لم تعد قادرة على تنفيذ قوانينها وأوامرها. وينهض دليلاً على ذلك أن حالة الطبقات العاملة لم تتحسن في آخر القرن الثاني وبداية القرن الأول، وإن سوء تصرفات الموظفين كان فاشيًا مثل ما كان في الماضي. ولذلك فإنه ليس من الإسراف في الرأي القول بأنه كان يحكم مصر في آخر القرن الثاني وفي القرن الأول فئة من الموظفين الأنانبين الجشعين، الذين اعتبروا أنفسهم فوق سلطان القانون، وكونوا أرستقراطية جديدة ذات ثراء عريض وفنوذ واسع. فلا عجب إذن أن تصرفات موظفين من هذا الطراز كانت على النحو الذي وصفه لنا قرار العفو، وأن الأهالي، وقد حرموا الوسائل المشروعة لمقاومة ما كانوا يعانونه من الظلم وألعنت، لجأوا أولاً إلى الإضراب عن العمل والهروب إلى المعابد للاحتماء بالآلهة أو إلى قرى أخرى للاختباء عند أخوانهم في الظلم، أو إلا المستنقعات والصحارى حيث يعيشون على السلب والنهب، حتى إذا ما تكاثرت جموعهم هبوا ثائرين في وجه الحكومة. وإذا كانت مصر قد شهت مثل هذا الإضرابات منذ عهد فيلادلفوس، فإنها لم ترها بمثل الكثرة التي عرفها عهد البطالمة المتأخرين. وقد كانت الإضرابات شائعة بوجه خاص بين مزارعي الملك وغيرهم ممن كانوا يباشرون الشئون الزراعية. وقد كان الإضراب خسارة فادحة، لأنه كان يحرم الملك والبلاد أهم عنصر في الحياة الاقتصادية، وأعنى اليد العاملة.

وتدل الوثيقة التي سبقت الإشارة إليها ورأينا فيها الكهنة يتقدمون سائر طبقات لاسكان عند استقبال أحد الحكام ـ تدل على المكانة السامية التي كان الكهنة يتمتعون بها خلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد. ويؤيد ذلك ما رأيناه من إصغاء بطلميوس الثامن إلى شكاويهم التي لم تكن جديدة بل لعلها ترجع إلى عهد البطالمة الأوائل، لكنهم لم يجترئوا على ذكرها في قرار كانوب على عهد بطلميوس الثالث ولا قرار منف على عهد بطلميوس الرابع، بينما نجد قرارات بطلميوس الخامس والثامن ترجع إصدار هذه الشكاوى. ولا يمكن أن تقاس المنح الجزئية التي جاد بها البطالمة الأوائل على المعابد ورجاب الدين بما أغدقه البطالمة الأواخر وبطلميوس الثامن بوجه خاص على المعابد والكهنة حين استشعر الكهنة قوتهم أو شعف البطالمة وشهدوا في الوقت نفسه تغاضى الموظفين عن أوامر الملوك وإعتداءهم على حقوقهم. فلم يعمل الكهنة على الاستمساك بما لهم من حقوق فحسب، بل عملوا كذلك على الفوز بحقوق جديدة أو على الأصح باسترداد أكبر قدر ممكن من الحقوق التي كانوا يتمتعون بها قديمًا. ويرى رسوفنزف أن الكهنة كانوا بوجه عام موالين للبطالمة، وأن من الإسراف في الرأي القول بأن لاكهنة كانوا يدبرون الثورات المصرية ويتزعمونها، وبأن المعابد كانت بوجه عام معاقل المقاومة الوطنية لحكم البطالمة، بدليل أن الكثير من المعباد بقيت موالية للبطالمة في خلال غزوتي أنطيوخوس الرابع وثرة ديونيسيوس بتوسيرابيس، وأن الكهنة كانوا يخشون رجال الإدارة أقل مما كانوا يخشون الثوار. ونحن نرى أن في هذا الرأي إسرافًا في الحكم على موقف الكهنة إزاء البطالمة. ولاشك في أن بعضهم، وخاصة كهنة الوجه البحري، كانوا موالين للبطالمة، على حين أن كهنة الوجه القبلي بصفة خاصة ناصبوهم عداء شديدًا. ولعل أهم سبب لهذا التباين في موقف الكهنة من البطالمة كان ذلك العداء الشديد بين كهنة الوجه البحري وكهنة الوجه القبلي. ولذلك إذا كان من الإسراف في الرأي القول بأن الكهنة جميعًا كانوا يدبرون الثورات المصرية وأن المعابد جميعًأ كان معاقل هذه الثورات، فإن من الإسراف في الرأي كذلك القول بأن لاكهنة جميعًا كانوا موالين للبطالمة وأن المعابد لم تكن إطلاقًا معاقل للثورات الوطنية، وإلا فكيف نفسر مثلاً شدة العداء الذي أظهرته طيبة، معقل ديانة آمون؟ ومع ذلك يبدو أن الكثيرين من رجال الدين، وقد رأوا بعد ثورات عهد فيلوباتور وأبيفانس وفيلومتور عبث مقاومة قوات تفوق قواتهم عددًا وعتادًا، صرفوا جهودهم إلى استرداد حقوقهم، فبادر بطلميوس الثامن إلى استرضائهم لكسر شوكة المقاومة الوطنية. وإذا كانت هذه المنح قد أفلحت في كسب جانب كبير من الكهنة، فإنها مع ذلك لم تفلح ـ في رأينا ـ في كسب ودهم جميعًا إذ أن طيبة قد بقيت كما سنرى أشد معاقل الثوار حتى أواخر عهد بطلميوس التاسع. وجملة القول أن منح البطالمة لرجال الدين، أو بعبارة أخرى سياسة إفساد الأخلاق التي يلجأ إليها كل مغتصب أجنبي لإضعاف الحركات القومية، قد أفلحت في تسميم تلك الروح الطاهرة التي كانت تدفع على الأقل الكثيرين من رجال الدين إلى تحرير البلاد من حكامها الأجانب .

وإزاء سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وفساد الموظفين أكتسبت إحدى منح المعابد أهمية كبيرة، وأعني حق حماية اللاجئين (asylia) الذي لم يتمتع به في عهد البطالمة الأوائل إلا القليل من المعابد الكبيرة. وكان يضاف إلى هذا الحق أحيانًأ حق الإعفاء من الضرائب ومن الالتزمات الإاضفية. وإذا كان البطالمة الأوائل قد حرصوا على أن يقيدوا تدريجيًا الحق الممنوح للمعابد لحماية اللاجئين إليها، فإنه كلما ضعف البطالمة وازداد نفوذ ؤجال الدين وكذلك نفوذ الموظفين وعبثهم، ازداد إصرار الكهنة على مطالبة الحكومة بإحترام وتأييد هذا الحق الذي منح لعبض المعابد. وقد رأينا بطلميوس الثامن يؤيد في قرار عام 118 هذا الحق. وهو الذي منح فيما بعد لمعابد كثيرة في خلال القرن الأول، وبخاصة على عهد بطلميوس العاشر إسكندر الأول. ونستدل على ذلك مما وجد في قرى الفيوم وغيرها من النقوش، التي كان الكهنة يعلقونها عند مداخل المعابد لإبلاغ زائريها بأنها تتمتع بحق حماية اللاجئين إليها. وقد كان كل نقش من هذه النقوش يتضمن نص الالتماس الذي فاز المعبد بمقتاضه بهذا الحق. وفي بعض الأحيان كان يرفع الالتماس إلى الملك كهنة المعبد، وفي بعض الأحيان الشخصيات البارزة من رجال الجيش أو موظفي الحكومة الذين يكلأون المعبد بحمايتهم. وأهم مظاهر هذا الحق هو ألا يسمح الكهنة بدخول معابدهم إلا للأشخاص الذين يعتبرونهم مرغوبًا فيهم، ولذلك فإنهم كانوا يضعون في أبرز الأماكن في المعابد لوحات تحمل هذه العبارة "لا يسمح بدخول الأشخاص الذين لا شأن لهم في المعبد". وقد كان الكهنة يصرون في التماساتهم بأ،ه لا يحق لأحد أن يدخل المعابد عنوة للاعتداء على الكهنة أو على الذين احتموا بالمعابد، أو لإخراجهم من المعابد. ولا شك في أن أولئك الذين حرص الكهنة على تأمين نزلاء معابدهم منهم كانوا أشخاص لهم حقوق خاصة أو عامة قبل نزلاء المعابد الدائمين أو المؤقتين، مثل الدائنين الذين كانوا يرغبون في سجن مدينتيهم بمساعدة الحكومة، وعمال الحكومة الذين كانوا يريدون جمع الضرائب أو متأخراتها أو إرغام نزلاء المعابد على أداء أنواع من الخدمات الجبرية. ولم يقصد الكهنة بحق حماية اللاجئين إلى المعابد مناهضة القوانين والنظم القائمة، وإنما مناهضة عبث الموظفين وجورهم وكذلك مواجهة دخول بعض الأهالي المعابد عنوة لكن المعابد، يفتح أبوابها للكثيرين من الزراع والصناع والعمال الذين تركوا عملهم وذهبوا للاحتماء بها حين كانت الحكومة في أشد الحاجة إليهم، لعبت دورًأ هامًأ في التطورات التي اجتازتها الحياة الاقتصادية
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
المعتمد بن عباد


ذكر الموقع : اندلسى

الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Empty
مُساهمةموضوع: رد: الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه   الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه Emptyالسبت مارس 26, 2011 10:50 am

6.الثورة في أواخر عهد البطالمة

ولم تجد فتيلاً المحاولات التي بذلها بطلميوس الثامن لتهدئة البلاد ، فإنه عقب وفاته في عام 116 ق.م بقيت البلاد تعاني نفس ما كانت تعانيه في خلال حياته ، نتيجة للصراع على السطلة .
وقد نشب هذا الصراع أولاً بين كليوبترة الثالثة وكليوبترة الثانية حتى وفاة الأخيرة في أواخر عام 116، وثانيًا بين كليوبترة الثالثة وابنها الأكبر بطلميوس التاسع سوتر الثاني الذي أرغمها الإسكندريون على إشراكه معها في الحكم بدلاً من ابنها المفضل لديها بطلميوس إسكندر وانتهى الأمر بطرد سوتر الثاني (عام 107) وذهابه إلى قبرص ليعد العدة لاستراداد عرشه، وثالثًا بين كليوبترة الثالثة وابنها بطلميوس إسكندر الذي لم يكن أسعد حظًا من أخيه مع أمه، فقد صممت على أن تقبض على كل السلطات، مما أثار الشحناء والبغضاء بينهما وبين أنصارهما إلى أن توفيت كليوبترة (عام 101) فحكم بمفرده إلى أن طرده الإسكندريون (عام 89) ولقى حتفه في العام التالي.


وعندئذ استرد سوتر الثاني عرشه وظل يتولاه إلى أن توفي (عام 80) وبعد وفاة سوتر الثاني ومأساة برينيكي الثالثة وبطلميوس الحادي عشر،تربع على العرش بطلميوس أوليتس (الزمار) حتى عام 51. وكان الزمار ملكًا تافهًا أراق ماء وجهه وبدد ثروة مملكته في شراء اعتراف الرومان به ملكًا وحليفًا. وعندما سطت روما على قبرص ـ أخر ممتلكات مصر الخارجية ـ تذمر الإسكندريون تذمرًا شديدًا. وإزاء عجزه عن تهدئة ثائر رعاياه، ذهب إلى روما (عام 58) يستعديها عليهم وبعد غيبة دامت أكثر من عامين عاد إلى مصر (عام 55) في حماية كتائب جابينيوس، حاكم سوريا الروماني، لقاء رشوة كبيرة، فانتقم من خصومه شر انتقام، وعين أكبر دائنيه ـ الممول الروماني رابيريوس ـ وزيرًا للمالية، فاعتصر دافعي الضرائب إلى حد أثار نقمتهم عليه وعلى الملك الزمار. وفي عام 51 توفي الزمار مكروهًا من شعبه ومحتقرًا من الرومان. وعقب الخلافات الأسرية التي شهدتها بداية حكم كليوبترة السابعة، أكتسبت مصر لفترة قصيرة أهمية سياسية عظيمة كانت أشبه بصحوة الموت، إذ أن روما لم تلبث أن ضمتها إلى إمبراطوريتها في عام 30 ق.م.

إن الأحوال السيئة التي عمت البلاد في خلال عهد بطلميوس الثامن استمرت كذلك في خلال عهد خلفائه، الذي شهد الكثير من القلاقل والاضطرابات والثورات، فإن الظروف نفسها ك انت لا تزال قائمة: نظام اقتصادي مجحف وأهالي أضنتهم مطالب ملوك أجانب ضعاف يتنازعون الملك فميا بينهم من ناحية ويتنازعهم السلطة موظفون أغلبهم أجانب من ناحية أخرى. وتحدثنا وثيقة عن هياج الأهالي في عام 114 ق.م. في إحدى قرى الفيوم ضد موظفي الحكومة الذي طالما أساءوا استغلال سلطتهم. وتذكر مظلمة من منطقة طيبة من عام 111 ق.م. وقوع قلاقل واضطرابات (amixia) حول هذا الوقت في هذه المنطقة. ويبد أنها كانت مماثلة للاضطرابات التي صحبت طرد بطلميوس الثامن ومحاولته استرداد مملكته (131-127)، فإنها أدت كالعادة إلى الاعتداء على الأملاك، إذ أن شخصًأ استولى على كرم هجرة صاحبه الإغريق، كما حدث في حالة منزل هرمياس صاحب القضية المشهورة، وفي حالة الكثير من المنازل والأراضي في منطقة طيبة وغيرها في خلال عهد إيفانس.

ونعرف عن الثورة التي انتهت في خلال الفترة الثانية من حكم سوتر الثاني أكثر مم نعرفه عن غيرها. وتدل معلوماتنا عىلى أن هذه الثورة لم تختلف عن الثورات السابقة، فإنها كانت مزيجًا من الاحتجاج على حال الطبقات الدنيا، ومن الآمال القومية والتعصب الديني. وقد تفاقمت الحال في منطقة طيبة إلى حد أ، بطلميوس سوتر الثاني خرب مدينة طيبة، معقل الثورة، تخريبًا شديدًا. ويحدثنا بارسانياس بأنه ترتب على مقتل كليوبترة الثالثة وهرب بطلميوس إسكندر خوفًا من الإسكندريين أن بطلميوس سوتر استرد عرشه ثانية، وأنه حارب أهل طيبة الثائرين وأخضعهم بعد ثلاث سنوات من بدء الثورة، أن انتصاره عليهم كان انتصارًا باهرًا، إلى حد أنه لم تبق لهم بقية من رفاهيتهم السابقة.


ومتى بدأت هذه الثورة ومتى انتهت؟ أن وثيقة من عام 90 ق.م (وهو العام الرابع والعشرون من حكم بطلميوس إسكندر) تشير إلى اعتداء الثوار على الأراضي الملكية في لأتوبوليس وباثيريس. ولدينا من عام 88 (وهو العام السادس والعشرون من حكم بطلميوس إسكندر وكذلك العام الثلاثون من حكم سوتر الثاني) بعض رسائل شخص يدعى أفلاطون، كان دون شك الحاكم العام في منطقة طيبة، إذ نراه بضطلع بمهام القيادة العليا، التي كانت من اختصاص هذا الموظف.

ويتضح من كل هذه الوثائق أمران: وأحدهما أن بعض أحداث الثورة وقعت ـ على نحو ما رأينا ـ في عام 90، أي قبل عودة سوتر الثاني، والآخر أن أهل منطقة طيبة لم يكونوا يداً واحدة في خلال هذه الثورة، إذا أننا نرى أفلاطون يكتب في 28 مارس سنة 88 إلى أهالي باثيريس، الذين كانوا موالين للملك وتتهددهم أخطار الثورة، يبلغهم أنه قد برح لاتوبوليس للقبض على ناصية الحالة ويدعوهم إلى الهدوء ومساعدة فائدهم نخثيرس، إلى أن يصل إليهم بأقصى سرعة ممكنة. ونرى أفلاطون يكتب في اليوم نفسه إلى نخثيريس يبلغه فحوى خطابه إلى أهالي باثيريس ويطلب إليه الدفاع عن باثيريس والعمل على أن يسودها الهدوء والسكينة إلى أن ينضم إليه ويتولى بنفسه إخضاع الثورة. وفي 30 مارس سنة 88 نرى أفلاطون يكتب إلى نخثيريس ليهتم بأن يتوافر لدى كل فرد أردب قمح من باب الاحتياط، وهو مقدار مؤنة شهر وكذلك ما يكفي من الخبز والشعير.

وهكذا نرى الخوف يتملك الأهالي من اقتراب الثوار من إحدى المدن الموالية للملك، ونرى أشباح المجاعة تتهدد هذه المدينة فيعمل المختصون على مواجهة الأزمة والاحتياط لها. ونرى مرة أخرى التصادم بين المدن الثائرة والمدن الموالية على نحو ما شاهدنا مرارًا من قبل في عهد بطليموس الثامن. ومما يجدر بالملاحظة أن نرى مصريًا يتولى الدفاع عن باثيريس الموالية كما رأينا باوس من قبل يتولى أخماد بعض الثوار. ولما كان الثوار قد أفلحوا في محاصرة باثيريس عندئذ ولم يرفع الحصار عنها سريعًا، فإن أفلاطون كتب في أول نفومبر عام 88 إلى "كهنة باثيريس وغيرهم" من أهليها لتشجيعهم، بإبلاغهم أن الملك سوتر الثاني قد وصل إلى منف وأنه قد عهد إلى هيراكس بأخضاء منطقة طيبة بمساعدة قوات كبيرة. ويبدو من هذا الخطاب أنه كان يتزعم المقاومة في باثيريس الموالية للملك رجال الدين فيها، وكانوا كهنة حتحور الذين يضمون عداء وراثيًا لكهنة آمون. وهذا ينهض دليلاً على شيئين: وأحدهما هو أثر الخلافات الشخصية بين رجال الدين في موقفهم إزاء البطالمة، والآخر هو أن كهنة آمون في طيبة كانوا يناصبون البطالمة عداء شديدًا. ويرى البعض أن سبب ذلك العداء لم يكن عداءهم للأجانب وإنما رغبتهم في استعادة استقلالهم القديم، تلك الرغبة التي كانت تدفعهم إلى مناهضة كل ملكية قوية حتى في عهد الفراعنة منذ أزمة العمارنة. لكن إذا كان أولئك الكهنة الأقوياء يكرهون الخضوع لفراعنتهم القوميين، الذين لم يفرضوا عليهم من القيود ما فرضه عليهم البطالمة، فلابد من أنهم كانوا أقل استعدادًا للخضوع لفراعنتهم الأجانب، وأكثر ميلاً للتحرر من رقبتهم. وهل يمكن أن تشك في أن حركتهم، مهما كان الدافع إليها، لابد من أنها قد اصطبغت عندئذ بصبغة وطنية لتكتسب تأييدًا واسعًا وأنصارًا كثيرين؟ وإذا صح أن كهنة طيبة هم الذين كانوا حركون الثوار لأغراضهم الشخصية، فكيف نفسر استمرار الثورات حتى بعد القضاء على طيبة إذا لم يكن الدافع إليها أبعد مدى وأجل خطرًا من مجدر استقلال كهنة طيبة عن السلطة المركزية في البلاد؟ لكن بما أننا لا نسمع بعد ذلك عن ثورات خطيرة كالثورات السابقة، فإن ذلك يدل على الدور الهام الذي كان كهنة آمون يقومون به في هذه الحركة القومية.

وإاذ صح أن ثورة منطقة طيبة قد بدأت في عام 90 ق.م، فلابد من تكون قد أنتهت بحملة هيراكس في آخر عام 88، وبذلك تكون قد انقضت في نهاية ذلك العام السنين الثلاث التي يقول باوسانياس أنها مرت قبل أخماد الثورة. أما إذا كانت الثورة لم تبدأ إلا عقب عودة سوتر الاثني إلى عرشه، فإن ال؛داث التي ترويها رسائل أفلاطون لا تمثل إلا الأدوار الأولى في هذا الصراع، وفي هذه الحالة تكون الثورة التي يشير إليها بوسانياس قد بدأت في عام 88 وانتهت في عام 85.

على كل حال فإن تخريب طيبة، وإن كان فيما يبدو قد قصم ظهر الثورة، إلا أنه لم يؤد إلى هدوء الحالة في مصر، لأن نقشا من هرموبوليس من عام 79/78 ق.م، وأوراقًا بردية من مديرية هيراكليوبوليس من عام 64/63 ق.م. ترينا أن أحوال البلاد كانت مضطربة إلى حد اضطرت معه الحكومة إلى توزيع فرق قوية من الجنود المرتزقة ـ أكثرهم من السوريين والآدوميين ـ في مختلف أنحاء البلاد لوضع الأمور في نصابها، وتكليف وحدات من الأسطور الملكي بتأمين سلامة المواصلات النهرية. في عام 58/57 ـ عندما كان يتولى الحكم برينيكي الرابعة وكليوبترة بريفاينا في أثناء غيبة الزمار في روما ـ اضطربت الأحوال ثانية في منطقة هيراكليوبوليس. وقد لعب في هذا الاضطراب دورًا هامًا شخص يدعى هرمايسكوس (Hermaiscos)، لعله كان مثل ديونيسيوس بتوسيرابيس أحد موظفي الحكومة ثم تزعم حركة ثورية قام بها بعض الأهالي، أو لعله كان أحد المتذمرين من سوء الحالة فهجر أرضه أو مصنعه وألف جماعة من أقرانه السطو والنهب. وقد أزعجت هذه الحركة الأهالي الوادعين المسالمين، إلى حد أنهم هددوا الحكومة بالنقطاع عن العمل. فقد ورد في تقرير رسمي عن هذه الأحداث ما يلي : "وفي اليوم التالي تجمع حول ... أشخاص أكثر عددًا وطالبوا بمساعدة الملكتين وفرق الجيش، ماقبلهم القائد ومعه خايراس (Chairas) وبعض الإسكندريين الذين يقطنون في الأقاليم، وعلم قانية ما ارتكبه رجال هرمايسكوس من المساوئ الكثيرة ضد كل منهم. وقد أعلن الشاكون أنهم يرفضون الاضطلاع بأي عمل خاص أو عام إذا لم يقدم القائد للملكتين ووزير المالية تقريرًا يطالب بإقصاء رجال هرمايسكوس عن المديرية. ولهذا السبب قدمت هذا التقرير".

وقد ازدادت حال الأهالي سوءًا بقدر ازدياد مطالب الحكومة منهم، ولاسيما أن بطلميوس الزمار بدلاً من أن يسدد ديونه لدائنه الروماني وأبيريوس بوستوموس أقامه في عام 55 وزيرًا للمالية. ويمكننا أن نتصور مدى نشاط دائن جشع أقيم وزيرًا للمالية قد بلد أجنبي، ومدى تصرفات موظفي الحكومة في مثل هذه الظروف. وقبل أن ينتهي العام كان رابيريوس قد أثار نقمة الإسكندريين عليه إلى حد أن الملك اضطر إلى أن يسجنه هو وعماله لتهدئة الإسكندريين وحماية رابيريوس ورجاله من الإعتداء عليهم. وحسبنا دليلاً على عبث الموظفين وثيقتان، وإحداهما شكوى قدمها بعض المسجونين في عام 51/50 لأنهم عذبوا وسجنوا بالرغم من براءتهم. والوثيقة الأخرى هي القرار الذي أصدرته كليوبترة السابعة وأخوها بطليموس الثاني عشر في عام 49/48 يحظرا القبض على المدينين ويأمرا باحترام ما أصدره من خطابات الأمان على الأقل طوال موسم الزراعة.

وليس أدل على الأحوال السيئة التي عمت البلاد مما يصوره لنا عدد من الوثائق من مديرية هيراكليبوليس من حوالي منتصف القرن الأول قبل الميلاد، إذ يبدو أن أشباح الفافة والإرهاق المالي دفعت الكثيرين إلى هجر أراضيهم والهرب من قرأهم. وفي بعض الحالات هجر جميع الأهال يموطنهم، إذ يحدثنا تقرير كهنة معبد في هيرانيسوس (Hiera Nesos) عن قلقهم على موارد المعبد لأن كل أهالي القرية قد برحوها ولم يبق فيها إلى الكهنة وحدهم. وفي حالات أخرى لم يبق إلا عدد قليل من الأهالي، أرهقتهم الحكومة بتكليفهم بزراعة مساحات كبيرة من الأراضي. مما حملهم على الإضراب عن العمل. ولاشك في أن هذه الأمثلة لم تكن فريدة في بابها. ويؤيد ذلك ما كشفت عنه الحفريات المنظمة التي قامت بها جامعة مشيجان في كارنيس (كوم أوشيم) بالفيوم، إذ أثبتت أن مساحة هذه القرية كانت في أواخر عهد البطالمة أصغر مما كانت في عهد أوائلهم.

ولا عجب وسط هذه الظروف إن كان لظاهرة عادية مثل عدم بلوغ فيضان النيل مستواه العادي في منتصف القرن الأول قبل الميلاد نتائج فادحة، وإن أظهرت الحكومة جزعها وضعفها إزاء ذلك، إذ صدر في الإسكندرية أمر ملكي في عام 50/49 ق.م. يفرض عقوبة الإعدام على من يصدر القمح من مصر الوسطى إلى مصر السفلى أو مصر العليا بدلاً من تصديره إلى الإسكندرية، ويفسر هذا القرار بأن محصول القمح كان قليلاً فيما عدا في مصر الوسطى، ولذلك كانت مصر العليا ومصر السفلى وكذلك الإسكندرية فيحاجة إلى القمح، لكن الحالة في الإسكندرية كانت أشد خطرًا لأنها لا تزرع الحبوب. وقد خشيت الحكومة عاقبة تذمر الإسكندريين، ولذلك أمرت بإرسال كل القمح الزائد على حاجة مصر الوسطى إلى العاصمة. ولا يرجع نقص المحصول إلى هذا الحد إلى هبوط مستوى النيل فحسب، بل كذلك إلى نقص عدد سكان القرى وقلة مساحة الأرض المنزرعة. وتنم العبارات القلقة التي صيغ فيها هذا القرار عن فزع الحكومة، وتدل الإجراءات التي اتخذت على أن أهم ما عنيت به الحكومة كان ضمان سلامتها بالإرغام والإرهاق مهما تعرضت له البلاد من المخاطر، لكن هذا القرار يدل على شيء آخر، وهو أن الحكومة لم تعد تخشى أهالي البلاد بقدر ما أصبحت تخشى الإسكندريين، ولعل مرد ذلك إلى الضربات المتلاحقة التي أصابت المصريين وازداد أثرها في إضعافهم بقدر ما ازداد تفرقهم.

ومن أهم مظاهر الحياة في مصر في آخر القرن الثاني وفي خلال القرن الأول ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة، وهكذا تشير جميع القرائن إلى ما انتاب مصر، حكومة وشعبًا، من الفقر في خلال هذه الفترة. لكن يجب ألا نبالغ في تقدير الحالة، إذ لا شك في أن البلاد لم ينضب معينها تمامًا ولا في أن البطالمة كانوا لا يزالون يعتبرون أغنى ملوك عصرهم، ولعل من أسباب ذالك أنهم لم يستنزفوا كل الكنوز التي كدسها البطالمة الأوائل بالتدريج، مما ساعد أوليتس على الإنفاق عن سعة وكذلك على الإستدانة عن سعة لرشوة م ؤيديه من الرومان، ومكن كليوبترة السابعة من إعداد ح ملة أنطونيوس في موقعة أكتيوم، وحتى بعد هذه الحملة، عندما فتح أغصطس مصر استولى على كميات هائلة من الكنوز. ولا يرجع ثراء كليوبترة السابعة إلى إدخال أي تعديل ملحوظ على أحوال البلاد الاقتصادية في عهدها، فإن الوثائق البردية القليلة التي وصلتنا من عهدها وكذلك نقودها تدل على أن أحوال البلاد لم تتحسن كثيرًا في عهدها عما كانت عليه في عهد أبيها أوليتس. ويؤيد ذلك المجاعتان اللتان حدثتا في عهدها. فإنه قد يكون سببهما انخفاض مستوى الفيضان، لكن من المؤكد أنه قد ساعد على استفحال أمرهما سوء حالة الجسور والقنوات ونقص عدد السكان في مصر بوجه عام. وإذا كان البعض يرى أن مصر كانت هادئة في عهد هذه الملكة، مما يدل على أنها اكتسبت محبة الأهالي، فإن القرائن تدل على أنها توصلت إلى ذلك عن طريق العناية بالديانة المصرية. ولا ريب في أن كليوبترة كانت كغيرها من البطالمة شديدة الحرص على ثروتها، ولا في أنها كانت شخصيًا غنية، لكن هذا لا يدل على غنى البلاد، فقد لا يبعد أن مخازنها كانت تفيض بالحبوب على حين كانت البلاد وأشد الحاجة إلىالحبوب.

ولنجمل الآن أسباب ثورات المصريين في عهد البطالمة وأسباب فشل هذه الثورات. لقد رأينا كيف أن نظم البطالمة قسمت سكان البلاد فئتين. أحداهما فئة عليا تتمتع بامتيازات سياسية واجتماعية واقتصادية، ويتكون أغلب أفرادها من الأجانب، الذين كانوا يتكلمون الإغريقية ويحيون حياتهم الخاصة ويعبدون آلهتهم ويخضعون لقوانين تتمشى مع تقاليدهم وعاداتهم، ومنهم كانت تتألف أغلب قوات البطالمة وكذلك تلك الأداة الحكومية، التي لم تكتف بتطبيق ما وضعه البطالمة من النظم الجائرة التي فرضت على المصريين أثقل التبعات، بل استغلت كذلك سلطتها لإشباع أطماعها وشهواتها. أما الفئة الأخرى فهي غالبية الأهالي الذين حرموا أرفع المناصب وخيرات بلادهم وقيدت الحكومة حريتهم الاقتصادية واستغلتتهم إلى أقصى حد. ولم يكن كل ذلك لفائدة ملوك قوميين وطبقة ممتازة قومية. بل لفائدة ملوك أجانب وجنس غريب عن أهالي البلاد في اللغة والدين والتقاليد والعادات. فضاق المصريون ذرعًا بهذه الحالة واحتجوا عليها منذ بداية القرن الثالث، لكن احتجاجاتهم لم تتخذ شكلاً خطيرًا إلا عند ما استعادوا ثقتهم بأنفسهم عقب انتصارهم في موقعة رفح. ويبدو إذن أن أسباب هذه الثورات كانت مزيجًا من ال عوامل القومية والدينية والاجتماعية والاقتصادية. وإذا كان للعامل الاقتصادي أثر بعيد في هذه الثورات، فإنه لا يمكن كذلك إغفال العامل القومي، وإلا لما رأينا نبوءة صانع الفخار تردد آمال المصريين في تحريرهم من ربقة الأجانب وإقامة حاكم وطني عليهم في عاصمة وطنية.

أما فشل هذهالثورات فيبدو أنه يرجع إلى سببين رئيسيين وهما : (أولاً) بالرغم من كثرة عدد الثوار فإنهم افتقروا إلى ما امتازت به عليهم قوات البطالمة من النظام والعتاد والأموال. (ثانيً) عدم اتحاد المصريين فإن فريقًا مهماً منهم بدلاً من أن يشتركوا في مناهضة الحكم الأجنبي الجائر اشتركوا في مناهضة مواطنيهم أو على الأقل وقفوا منهم موقفًا سلبيًا، وذلك إشباعًا للأحقاد الشخصية وسعيًا وراء مصالحهم المادية فكانوا بذلك مطية للأجنبي وجزءًا من أداة تنفيذ سياسته الاستعمارية. ويبدو أن البطالمة قد استخدموا قديمًا سياسة إفساد الأخلاق التي درج عليها المغتصبون الأجانب دوامًا، وهي سياسة تنطوي على تفرقة الصفوف وإشباع الأطماع الشخصية للقاء على الحركات القومية. إذ يبين أن البطالمة استغلوا العداء القديم بين كهنة آمون وكهنة الآلهة الأخرى، وشفعوا ذلك مبا أجزلوه لرجال الدين بوجه عام من العطايا والامتيازات والحقوق، فنجحوا في استمالة جانب كبير من رجال الدين، فيما عدا على الأقل كهنة آمون الذين ناصبوهم عداء شديد إلى أن قضى بطلميوس التاسع على طيبة معقل عبادة آمون. وقد نجح البطالمة كذلك في كسب ود جانب من المصريين المتأغرقين بما منحوهم من الأراضي والمناصب، وجانب من المحاربين المصريين بما منحوهم من الإقطاعات والمركز الممتاز.

ولا شكل في أنه قد ساعد لبطالمة على نجاهم في هذه السياسة سموم الاحتلال الأجنبي الطويل الأمد في عهد الفرس ثم في عهدهم، إذ لابد من أن هذه السموم قد أضعفت إيمان فئة من المصريين بقوميتهم. وضعاف الإيمان بقوميتهم في كل عصر وكل أمة مرضى النفوس والعقول والقلوب، ولا يتورعون عن الانحدار إلى أي درك ما دامت نفوسهم المريضة وعقولهم الكليلة وقلوبهم الغليظة تصور لهم أن في ذلك منفعة لهم.

ويابئس المنفعة التي تكتسب على حساب الوطن، فإنها ليست منفعة غير مباركة فحسب. مثل أي ربح غير مشروع، بل هي مذلة وهوان في الدنيا وشقاء وعذاب في الآخرة يوم تجزى كل نفس بما عملت. وقد عرف الوطنيون كيف يثأرون لأنفسهم ممن باعوا أنفسهم لمغتصبي بلادهم، فإنهم اعتدوا عليهم وعلى أملاكهم مهما عظم مقامهم. ولابد من أنه قد فت في عضد المصريين أن يروا على الأقل جانبًا منزعمائهم الروجيين، وهم رجال الدين، وجانبًا من أبطالهم، وهم رجال الجيش الذين أثبتوا كفايتهم في مديان القتال، وجانبًا من سراتهم، وهم أرباب الأملاك، يهللون للأجانب ويسبحون بنعمتهم. ولابد كذلك من أنه قد أضعفت حركات المصريين القومية وساعدت على مقاومتها تلك الأساليب التي ابتعها قادتهم أو فريق كبير من الثوار، إذ لا شك في أن أعمال السلب والنهب التي كانت تعم البلاد في خلال الاضطرابات كانت تدفع أصحاب المصالح من الأهالي إلى مقاومة الثوار أو على الأقل مناشدة الحكومة حمايتهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shabab-tari5h.all-up.com
 
الثورات القوميه فى مصر عصر البطالمه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ القديم-
انتقل الى: