كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بين المعتمد و ابن عمار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: بين المعتمد و ابن عمار   الثلاثاء يوليو 13, 2010 9:25 pm



رغم الصداقة التي خلّداها في أشعارهما، ورغم الود الذي تحدثت به الأندلس كلها في تلك الفترة العاصفة من تاريخ العرب في الجزيرة الجميلة. شاعران.. كان فساد ما بينهما ثم مقتل أحدهما، بداية الضياع للمجد المؤثل في أرض السمن والعسل (الأندلس)!!.. والعجيب أن أولهما كان ملكاً.. بينما كان الثاني صعلوكاً..



• ولنبدأ حكايتنا بالصعلوك.. حيث نراه يدخل مدينته (الواقعة) في أقصى الجنوب الغربي من الأندلس فوق ربوة متدرجة حتى المحيط الأطلسي. نراه يدخلها على حمار هزيل، وفي ثياب رثة مهلهلة، وليس معه من متاع الدنيا سوى لسان ذرب، وقريحة رائعة، وخيال بديع.. صاحبنا شاعر، ولكنه شاعرٌ فقير، جائع، ومتعب.... كان في السابعة والعشرين من عمره، عندما عُقد في تلك المدينة اجتماع الأمراء.. فمحمد (المعتمد) ولي عهد المعتضد، أمير إشبيلية، شاب في العشرين من عمره، جعله أبوه أميراً على مدينة شلب ليتدرب على الملك، حتى إذا ورثه يكون مستعداً متمرساً بسياسة الحكم، والمعتضد يزور الآن ولده، حيث وصل إليه من إشبيلية محفوفاً بعددٍ من الأمراء.

والمعروف أن محمد شاعر رقيق، وأبوه المعتضد يحسن النظم أيضاً، وقد انتهز ابن عمار فرصة هذا الاجتماع ليلقي شعره على المجتمعين في بلدته.. فتمكن من الوصول إلى القصر حيث ألقى قصيدته عليهم، فبدأها بالقول:





أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى



والصيح قد صرف العنان عن السرى



والصبح قد أهدى لنا كافوره



لما استرد الليل منا العنبرا



والروض كالحسنا كساه زهره



وشيا وقلده نداه الجوهرا



.. فلما سمع المعتضد تلك الأبيات، قال لولده:

ـ أهذا شاعرك يا محمد؟!


ـ ما رأيته قبل اليوم يا أبتي!!


ـ أهكذا يقتحمون حديقة قصرك، وأنا والأمراء ضيوف عندك دون إذنٍ منك؟!!


ـ ولكن ألا ترى أن شعره جميل يا أبتي؟!


وهنا يلتفت المعتضد نحو ابن عمّار ليتوجّه إليه بالسؤال:


ـ من أنت؟.. ومن أين جئت أيها الشاعر؟!


ـ خادمك يا مولاي.. أبو بكر بن عمّار من أهل شلب..


ـ أتمم أبياتك أيها الشاعر..






روض كأن النهر فيه معصم



صاف أطل على رداء أخضرا



وتهزه ريح الصبا فتخاله



سيف ابن عباد يبدد عسكرا



أندى على الأكباد من قطر الندى



وألذ في الأجفان من سنة الكرى



فاح الثرى متعطرا بثنائه



حتى حسبنا كل ترب عنبرا



وتتوجت بالزهر صلع هضابه



حتى ظننا كل هدب قيصرا



فتصدر كلمات الإعجاب من المعتضد الذي يقول لولده:

ـ لكأن هذا الشاعر قد تفوق عليك يا محمد؟!!


ـ لكأنه كذلك يا مولاي..


لكن ابن عمار يبادر الأمير محمد ـ المعتمد ـ بالقول:


ـ وأين كلماتي الهزيلة من بارع كلماتك يا مولاي الأمير؟!


ـ فيقول المعتمد لأبيه:


ـ لم لا تجعل ابن عمار من شعرائك يا أبتي؟!


ـ ولم لا تجعله من شعرائك أنت؟!.. أتخشى المنافسة؟.. اجزه بألف دينار، وكسوة تليق بمجلسك.


• منذ ذلك اليوم لزم كل واحد منهما الآخر.. وصار الناس لا يرون أميرهم محمد بن المعتضد الشاب ابن العشرين، إلا وفي رفقته الشاعر المرح الظريف أبو بكر بن عمّار بن السابعة والعشرين..


• ولا أدري كيف استطاع ابن عمار التسلل إلى قلب الفتى المترف الطيب، حتى جعل الناس يرددون إنه أفسد عليهم أميرهم، فترك الاهتمام بإدارة الحكم، ليلتفت إلى اللهو وقرض الشعر ومتابعة الحسان خفية، كأنه واحد من فتيان شلب.. وهذا مخالف للهدف الذي أرسله أبوه إلى تلك المدينة من أجله، وصار الناس يرددون حادثة ليلةٍ تنكر الأمير فيها بثياب تاجر، وخرج إلى شاطئ البحر حيث كانت الفتيات الحسناوات تتجمعن في ذلك الشاطئ.. وراقت إحداهنّ للأمير، فتابعها حتى كوخها، بعد أن أطعمته بضحكاتها، وغمزاتها، ثم دخلت هي الكوخ وأشارت إليه أن يقفز من النافذة.. وما أن قفز حتى انهال عليه أخوتها ضرباً، وما نفعه صياح ابن عمّار: ويحكم!!.. ويحكم!!.. إنه الأمير!!..


ولكن الأمير يصيح فيه خجلاً:


" قبّحك الله يا ابن عمّار، هل يضرب الأمير بزعانف السمك؟!"


ثم يضحكان للموقف الذي وقع لهما، وتحدثت به كل مدينة شلب!!





• ويسمع المعتضد بسيرة ولده، وما يقوم به من أفعال في تلك المدينة، ويعزو ما طرأ على سلوكه إلى رفقة شاعره الجديد أبي بكر بن عمار، فيطلبهما إلى إشبيلية، ويذهبان معاً، فيرغم الأب ولده على أن يلزم مجلسه ويباعد بينه وبين ابن عمار.. ولكن ما بينهما من صداقة وود.. يدفعهما إلى التسلل والتجوال معاً في مغاني إشبيلية، حتى عادت سيرتهما مع حسناوات المدينة الساحرة ثانية.. وتصل الأخبار إلى أسماع المعتضد، فيأمر بترحيل ابن عمار إلى شلب منفياً، على ألا يغادرها مطلقاً..!! فيكتب أبياتاً يودع بها صديقة



سكن فؤادك لا تذهب بك الفكر



ماذا يعيد عليك البث والحذر



وازجر جفونك لا ترض البكاء لها



واصبر فقد كنت عند الخطب تصطبر



وإن يكن قدر قد عاق عن وطر



فلا مرد لما يأتي به القدر



كم زفرة من شغاف القلب صاعدة



وعبرة من شؤون العين تنحدر



رضاك راحة لا فجعت به



فهو العتاد الذي للدهر أدخر




* * *

• وبينما كان ابن عمار في مدينة شلب تصله قصيدة المعتمد التي يرد بها عليه:





ألا حييّ أوطاني بشلب أبي بكر



وسلهن هل عهد الوصال كما أدري

وسلّم على قصر الشراجيب من فتى





له أبدا شوق إلى ذلك القصر

وليل بسـدّ النهـر لهـواً قطعته





بذات سوار مثل منعطف البـدر



وظلّ المعتضد مصرّاً على ألا يعود ابنه إلى مدينة شلب إذ استقر به المقام في القصر مع أبيه ليتعلم منه مباشرة فن الحكم..



* * *

ويضرب القدر ضربة ظنها الصديقان عودة إلى الماضي القريب السعيد، أيام اللهو والمرح والشباب العابث.. ولكنها كانت بداية لا تنبئ بتلك النهاية التي انتهت إليها.. فقد مات المعتضد.. وقام بالملك من بعده محمد المعتمد..





مـات عباد ولكن بقي الفرع الكريم



فكـأن الميـت حـيّ غيـر أن "الضاد" "ميم



وكان أول عمل قام به صاحب (الميم) ـ أي المعتمد ـ أن أرسل إلى صديقه ابن عمار الذي لبّى الدعوة بهذه الأبيات:



لبّيـك لبّيـك من منـادٍ له الندى والرحب والندى هأنا بالبـاب عبـد قنٍّ قبلتـه وجهـك السـني

شرفـه والـده باسـم شرفتـه أنـت والنبـيّ






فيسرّ المعتمد بن عباد لما سمع من صديقه ويستقبله قائلا

ـ بالغت، والله كعهدك يابن عمّار.. لشد ما طال شوقي إليك يا أخي


ـ والله يا مولاي ما كان للحياة طعم وأنت عني بعيد!!.. وأقسم بحبي لك أن أبياتي الثلاثة هذه، هي أول ما كتبت منذ أن غادرت إشبيلية حتى عدت إليها..


ـ عودٌ حميد يا صديقي..


ـ ما أحسب ما ذهب يعود يا سيدي وابن سيدي..


ـ ويحك يا ابن عمار..!!.. أمللتنا ولم تبق معي غير ساعة من زمان؟!.. أم تركت لك قلباً في شلب تود لو تعود إليه؟!..


ـ لا هذا ولا ذاك يا مولاي!!


ـ فما معنى: أصلح الله ما فسد من طبعك!!.. قد كان طبعك المرح والمزاح، لكنك اليوم كئيب الوجه، كثير السهوم، ما الذي حلّ بك يا صديقي..؟!


ـ يا مولاي.. إنك اليوم سلطان هذا الملك الواسع كله، وتلك أعباءٌ لا يتسق حملها مع مثل ما كنا فيه أيام النزق واللهو والدعة..


ـ تعلم والله يا بن عمار إني أحب الجلسة الصافية.. أسمع فيها شعرك.. وتسمع فيها شعري.. أقول شطراً.. وتقول أنت الشطر الآخر..


ـ لا بد مما ليس منه بد يا مولاي.. وما كان لسليل ابن عباد أن ينام عن أمور الحكم ومشاغل السياسة في هذا الظرف العصيب الذي تترصدنا فيه عيون الإسبان، تريد أن ترى منا غفلة، فتنقضّ علينا.







قال المعتمد:






ـ لعلني لم أرث قدرة أبي!!.. أتحسبني لم أفكر في هذا يا صديقي؟!لقد فكرت وقلت أن أبي كان يصطنع الوزراء حتى يستطيع أن يفرغ بعض الوقت، فينال من الحياة ما ينال الناس من الأنس والمرح..





ـ نعم يا مولاي، وقد أكد ما تقوله في هذه الأبيات:






قسمت زماني بين كـدٍ وراحـةٍ





فللـرأي أسمار وللطيب آصال





فأمسي على اللذات واللهو عاكفاً





وأضحى بساحات الرياسة أختال





ولست على الإدمان أغفل بغيتي





من المجد إني في المعالي لمحتال





إذا نام أقوام عن المجـد ضلـة





أسـهّر عيني أن تنام بي الحـال






ـ ما دمت يا بن عمار قد جئت على هذه الأبيات لوالدي المعتضد، فلا بدّ لي أن أصطفي لي وزيراً يقوم مقامي في إدارة الأمور والحكم.. وزيراً أثق بقدرته، وأعلم أنه لا يطمع في أن يستبد بالأمر دوني..





ـ كان أبوك رحمه الله يجد أمثال هؤلاء حوله كثيرين.. فأين من حولك مما تحب؟!





ـ وجدت من أثق في قدرته، وأعلم أمانته، وأعرف أنه لن يفارقني حينما، وحيثما أريد!!





ـ ومن ذاك يا مولاي؟!





ـ أبو بكر ابن عمار..!!





ـ أنا؟!.. أنا.. وزير سلطان الأندلس؟!..





ـ (ضاحكاً) ـ نعم.. وزيره، وصاحبه، وإلف شبابه.. أهلاً بك يا وزيري..





ـ مولاي!!





ـ من الآن تمارس العمل..





ـ كشاعر.. أم وزير..؟!





ـ هذه اللحظة كشاعر: أكمل هذا البيت يا ابن عمار..





ـ " هذا المؤذن قد بدا بأذانه"..





ـ " يرجو بذاك العفو من رحمانه"





ـ طوبى له من شاهد بحقيقة"





ـ إن كان عقد ضميره كلسانه."





ـ عجباً لك.. ماذا جرى لمزاجك يا ابن عمار؟!.. أحس في صوتك التوجس والتشكك.. أولا تحس مزاجي من شعري؟!.. الوثوق، والاطمئنان؟!..





ـ أوأفتح قلبي يا مولاي؟!





ـ كل ساعة لك عجيبة!!.. ومنذ متى كان قلبك لي مغلقاً؟!





ـ أما التوجس والتشكك، فبسبب قلة حيلتي، وضعف موقفي من الناس جميعاً.. أما الوثوق والاطمئنان، فبسبب ما أنت فيه يا مولاي من مجدٍ وعزةٍ وقوةٍ أمام الناس جميعاً.





ـ لم أرك فيلسوفاً من قبل يا ابن عمار!!.. لشدّ ما غيّرتك الإقامة في شلب.. هيا إلى الصلاة!!.






* * *





• وسكن ابن عمار في قصره الجديد الملحق بقصر الإمارة، وكان حريصاً على مشاعر سيده، وكانت تصيبه الغيرة القاتلة والحسد من الآخرين الذين يتوددون للسلطان.. فعمل على استحكام شدة قبضته، لدرجة أن البعض كان يراه يتصرف وكأنه هو الحاكم في مصير الأندلس.. وصار مثل هذا الشعور ينتاب المعتمد بن عبّاد حيال صديقه.. والملوك لا تغفر لمن يتحلب ريقه إلى سلطانهم!!.





لكن ابن عباد أراد أن يتجاوز عن تلك الأفكار التي تراوده حيال صديقه ابن عمار.. فأراد أن يسترجع معه أيام اللهو التي قيدتها تبعات الإمارة، والوزارة.. فدعاه إلى رحلةٍ يتنزهان فيها، وتنكرا بهيئة تاجرين، وذهبا إلى منتزه بإشبيلية، يطلق عليه الناس ( مرج الفضة) لجمال منظره، وطيب هوائه، وجلسا في أمسيةٍ رقّ فيها النسيم، وطاب فيها الهواء.. فعبّر المعتمد عن ذلك المنظر، وهو يحدث صديقه ابن عمّار:





ـ منظرٌ بديع!!.. انظر إلى حركة مياه النهر مع مداعبة النسيم..





ـ والأبدع من كل هذا وذاك يا مولاي الأمير!!





ـ على رسلك يابن عمار.. لا تنسى أننا مجرد تاجرين، فدع الأمارة والوزارة حتى لا تنفر منا تلك الحسناوات اللائي يغسلن الثياب على حافة الغدير..





ـ صدقت.. صدقت.. أنظر إلى تلك الفتاة الطويلة.. إنها أروعهن جميعاً..





ـ دعنا من النساء الآن، لنبقى مع منظر هذا النهر، وما يفعله النسيم في مائه.. واسمع هذا البيت.. ثم ردّ عليه:






ترقرق الماء بهفهاف النسيم واطّرد





يا لوحة أبدعها بفنه الفرد الصمد


فلم يجب ابن عمار وظل ملتزماً الصمت..!!









فقال له المعتمد:






ـ ماذا جرى؟!.. أين قريحتك؟!.. قد كنت تسبقني في القريض!!





ـ أمهلني لحظة.. أولا يفكر الشاعر؟!





فكرر المعتمد عليه بيت الشعر، وكانت الشابة الطويلة القامة التي تقوم بغسل الثياب في النهر قريبةً منهما، وكأنها قد استرقت السمع لبيت الشعر، ولمحت عجز ابن عمار عن مجاراة صديقه.. وإذا بها تقول:






أجمل بها يوم الوغى لو أن ذا الماء جمـد


تخالهـا منســوجةً من جلّق ومـن زرد









فيُدهش المعتمد بن عباد ويقول في دهشة وإعجاب:






ـ بالله لقد غلبتك والله يا صديقي.. من علّمك الشعر يا جارية؟!..





فتجيبه:





" علّمنه شعر مولانا المعتمد سلطان إشبيليا، وشعر وزيره أبا بكر بن عمّار!!"





ـ اقتربي يا جارية.. من أنتِ؟!..





ـ يدعونني يا سيدي " إعتماد"





ـ وما اسم سيّدك؟!





ـ رميك بن حجاج!!





ـ وأين يقيم يا إعتماد؟!..





ـ على غير بعيد من هنا..





ـ وهل اتخذك زوجة؟!





ـ وكان لي منه طفل اخترمه الموت..





ـ من الرق إلى الرق؟!..





ـ أعتقك، وأتزوجك إن طلقك الرجل بغير مَنٍّ ولا أذى.. إذا عدتِ إلى البيت يا إعتماد، فقولي لزوجك يأتيني في القصر، ولا تذكري له السبب..





ـ ومن أين أنت أيها السيد؟!





ـ أنا المعتمد بن عبّاد..






* * *





• ولم يكن رميك بن حجاج في حاجة إلى معرفة السبب.. يكفي أن المعتمد بن عبّاد سلطان إشبيلية شرّفه بشراء جارية أخذ منها مبتغاه ومات عنها طفلها..






• دخلت إعتماد قصر المعتمد، لتصير سيدة القصر، وسيدة قلب صاحب القصر.. وبدأت الغيرة والوساوس تنهش قلب ابن عمّار.. أجاءت هذه الجارية لتسلبه حب صاحبه له؟!.. ومن يدري لعلها تغيّره عليه فيفقد الوزارة، ويعود إلى حياة الصعلكة والفقر، والتسول بالبيت أو البيتين من الشعر..





لكنه كان يخفي ما بصدره ويظهر للعاشق وللمعشوقة البشر والبشاشة.. فحين غاضبت اعتماد زوجها يوماً، أرسل إلى صديقه ابن عمّار أن يتدخل ليعود الصفاء إلى قصره بعد أن تكدّر عندما غضبت الحبيبة. ووافاه بأبياتٍ من الشعر، فحملها الوزير، وقرأها أمام زوجة أميره كي يعود السلام بينهما، قال فيها:






أغائبة الشخص عن ناظـري


وحاضـرة في صميـم الفـؤاد


عليك سلام بقـدر الشجـون


ودمع الشـؤون وقدر السهـاد


تملّكتِ مني صعـب المـرام


وصادفتِ ودّي سهـل القيـاد


مرادي لقياك في كـل حيـن


فيا ليت أني أعطـى مـرادي


أقيمي على العهـد ما بيننـا


ولا تسـتحلي لطـول البعـاد


دسست اسمك الحلو في طيّه


وألّفت فيه حـروف "اعتمـاد"


وكان ابن عمار يخفي مشاعره الحقيقية في صدره، ولكنه كلما دخل دهاليز النعاس، كان يتراءى له شبحٌ ينبثق إليه من عيني رأسه، فيردد له:


" أفق يا بن عمّار، إن النعم ستزول، وستفقد الكثير إذا لم تفق.."


وظلّ المسكين قلقاً في النهار ويعاني من الأرق في الليل، ومضطرب، كثير السهر والسهوم، وكان يتساءل: هل تغيّر قلب المعتمد بن عباد عليّ، وصار يضيق ببقائه بالقرب منه؟!، غير أن الواقع يقول بعكس ذلك، فكلما لقيه المعتمد كانت البسمة الحلوة التي اعتادها منه على شفتيه، والكلمة الرقيقة التي تنعش الأمل، وتمحو القلق، وتبذر زهور الثقة الرطبة الندية في نفسه.


ما باله يفرغ طويلاً في نفسه، وتزدحم في رأسه التساؤلات: ما باله يفرغ طويلاً إلى الرمكية، وقد مرّ على زواجهما أكثر من عام؟!.. ألا يملكها؟!.. ألا يشبع من التطلع إلى وجهها؟!.. هل سلبته المرأة قلبه وعقله؟!..


هل أطرح الوزارة وأفرّ من إشبيلية قبل أن تفسد الرمكية ما بيني وبين صديقي؟!.. إلى متى يا ربّ هذه الحيرة..؟!.. مَن يريني طريقي ومذهبي في الحياة غير الله..؟!





• كانت نار الغيرة تتأجج في صدر ابن عمار، وتوشك أن تنسيه أيادي المعتمد التي امتدت إليه.. حتى أن القصيدة التي بعث بها إليه المعتمد يوماً يمتدحه فيها باعتباره خرج من بيئة غير كريمة كما جاء في هذه الأبيات:
الأكثـرين مسـوّداً ومملـكا
ومتوجاً في سالف الأعصـار
المكثرين من الكبار لنارهـم
لا يوقدون بغيـره للسـاري
والمؤثرين على العيال بزادهم
والضاربيـن لهامـة الجبـار
لما نماهـم للعـلا عمّارهـم
تركوا العداوة قصير الأعمـار
كانت هذه الأبيات تنهش في صدر ابن عمّار، ويراها تعريضاً، وسخرية بأهله.. لكنه يدرك بقرارة نفسه أن المعتمد لو كان لا يحبه، لما قبل أن يثبته على مرسية..
• ولعبت المقادير لعبتها، عندما أصرّ المعتمد على ابن عمّار في العودة إلى إشبيلية، لكن هذا الأخير قد تمسك بالولاية على مرسية لأنه كان يعتقد جازماً أن الرمكية تترصده وتخطط لإزالته، ولو ذهب إلى إشبيلية فلن تدعه يخرج منها حياً..
ولهذا فقد عقد العزم أن يتمرد على المعتمد بن عبّاد، حتى وإن اقتضاه الأمر أن تكون المواجهة بينهما حربية..
وبدأ اتصالاته بقادة قوات الأمراء الذين كانوا يعادونه بالأمس، والذين أشبعهم هجاءً في شعره.. لكنه الخوف الذي يكرسه بداخله ذلك الشبح، من أن صديقه سيقتله بيده..
.. ومرةً أخرى يلح المعتمد على صديقه في العودة إلى إشبيلية بعد أن عيّن لـ مرسية والٍ جديد، ويكون أمر المعتمد هذه المرة، متسماً ببعض الشدة، فيفقد الغضب والخوف ابن عمّار اتزانه، وينسيه حبه لصديقه، وينطلق لسانه في مجلس من مجالسه بقصيدة بالغة العنف موجعة الهجاء، سبّ فيها المعتمد وزوجته الرمكية وأولادهما سبّاً قبيحاً، لا يليق بمنزلة الشاعر ولا بإنسانية الحاكم والصديق..
ويقرأ المعتمد بن عبّاد تلك الأبيات:
ألا حيّي بالغرب حيـاً حـلالاً
أناخوا جمالاً وحازوا جمـالا
وعرّج بيـوميـن " أم القرى "
ونم فعسى أن تراهـا خيـالا
تخيرتها من بنـات الهجـان
رمكيـة ما تسـاوى عقـالا
فجاءت بكل قصيـر العـذار
لئيم النجارين عمـّاً وخـالا
قصـار القـدود و لكـنهـم
أقامـوا عليها قروناً طـوالا
سأهتك عرضك شيئاً فشيئـاً
وأكشف سترك حـالاً فحـالا
• حزن ابن عبّاد حزناً شديداً لما آل إليه أمر صديقه من خيانة العهد والتنكر للصداقة.. وقال:
" أما إنه لو تعرض لي لعفوت عنه بحق الأيام السالفة.. ولكنه تطاول على أولادي وزوجتي:
جراحات السنـان لهـا التئـام
و لا يلتام ما جـرح اللسـان
ثم يأمر ابن اللبّانة قائد جنده أن يخرج بجيش لجب، وأن يأتي بابن عمّار مقيداً.
• ويدخل به ابن اللبّانة إلى مجلس المعتمد ذليلاً مهاناً، جمعت يداه إلى عنقه بقيدٍ من ليف، وعليه جلباب بائع شعير.. وجعل المعتمد يطرح السؤال تلو السؤال، ويعدد عليه أياديه ونعهم.. ثم يسأله:
ـ أكذبت عليك في شيء مما قلت يا بن عمّار؟!
ـ والله ما كذب غيري يا مولاي.. ولست أنكر شيئاً مما ذكرت.. أبقاك الله، ولو أنكرته لشهدت عليّ به الجمادات فضلاً عمن ينطق!!
ـ فماذا؟!
ـ عثرت، فأقل.. وزللت فأصفح..!!
ـ هيهات يا بن عمّار.. هيهات.. إنها عثرة لا تقال!!
ـ أهو القتل يا مولاي؟!
ـ فإن كان؟!
ـ فاقتلني بيدك.. فهكذا رأيتك في الحلم تفعل!!.. وهذا ما كان يردده عليّ الشبح..
ـ لبئس ما تطلب مني.. خذوه إلى السجن، حتى أنظر في أمره..
• ويسجن ابن عمّار في غرفة بالقصر الذي شهد مجده أيام حظوته عند المعتمد.. وطال سجنه.. وكثر ما كتب إلى المعتمد من رسائل الاستعطاف حتى كان آخرها:
سجاياك إن عافيت أندى وأسجح
وعذرك أن عاقبت أجلى و أوضح
وإن كان بين الخطتيـن مزيـة
فأنت إلى الأدنى مـن الله تجنـح
حنانيك في أخذي برأيك لا تطع
عدايا ولو أثنـوا عليّ وأفصحـوا
فإن رجائي إن عندك غيـر ما
يخوض عدوى اليوم فيه ويمرحوا
أقلني بما بيني وبينك من رضىً
له نحـو روح الله بـابـاً يفتّـح
ولا تلتفت قول الوشاة ورأيهـم
فكـل إناءٍ بالـذي فيـه ينضـح
• ويرقّ قلب المعتمد لصديقه ويذهب لزيارته في سجنه، وتكون خلوة يتذاكر الصديقان فيها أيامهم الحلوة.. ولياليهما الصافية.. ويبكي كل منهما على صدر صاحبه.. ويخرج المعتمد متأثراً بعد أن عقد العزم بقرارة نفسه أن يعفو عن صاحبه.. ولم يشر له بذلك صراحةً، ولكنه أوحى إليه بإيحاءات تدل على نيته، وطلب إليه أن يتفاءل خيراً.. وأن يكتم أمر زيارته له.
• لكن ابن عمّار يستخفه الطرب، فيكتب إلى صاحب له في القصر بما دار بينه وبين السلطان.
إلا أن حاشية الملوك أكثر الناس حساسيةً لاتجاهات ريح السياسة.. وكان الجميع في القصر يدركون أن شمس ابن عمّار قد أفلَِت، فذهب ذلك الصديق بالورقة التي جاءته من ابن عمّار وهو في سجنه.. ليسلمّها إلى ابن اللبّانة ـ الوزير الجديد ـ الذي ذهب هو بدوره إلى المعتمد مصطنعاً الغضب، حيث فاجأ المعتمد بقوله:
ـ يا مولاي.. قد جئت أرجو السماح لي بمغادرة إشبيلية!!
ـ لمَ يا ابن اللبّانة؟!
ـ لأقيل نفسي قبل أن تستغني عن خدماتي..
ـ ويحك أيها الوزير!!.. أأنا قلت لك هذا؟!
ـ كلا يا مولاي..
ـ فمن إذن..؟!
ـ وزيرك الكبير أبو بكر ابن عمّار!!
ـ ابن عمّار في السجن، فكيف جاءك إنه قال هذا..؟!
ـ أرسل من سجنه بهذه الورقة إلى بعض أصحابه، يقول فيها إن مولانا قد وعده بالعودة إلى مركزه أقوى مما كان، وعندها فسوف ينتقم من كل أعدائه!!.. ولا أظنه سينسى يا مولاي أنني جئت به مكبّلاً مهزوماً من مرسية..
ـ صه.. صه.. فإن لي عينين أقرأ بهما.. إذن فلم يحسن حتى أن يحفظ سره وسرى..!!
ثم يقوم المعتمد وبيده هراوة حديدية.. مسرع الخطى وقد استبدّ به الغضب والحنق حتى إذا كان في غرفة السجن صاح:
ـ يا ابن عمّار.. هل أخبرت أحداً بما كان بيني وبينك عندما زرتك هنا..؟!
ـ حاشا أن أفعل يا مولاي..!!
ـ ولكن بهذا أخبرني من لا أتهم، ولا أشك في صدقهم!!
ـ كذبوك.. يا مولاي.. أقسم برأسك أنهم كذبوك..
ـ أولم تكتب إلى بعض أصحابك أنني عفوت عنك، وسأعيدك إلى الوزارة..؟!
ـ يا مولاي.. أقسم بحبي لك إنني لم أفعل ما يفترون به عليّ..
ـ فما تقول في هذه الورقة وهي بخطّك والكلام كلامك..؟!
فينهار ابن عمّار باكياً..
ـ أقلني يا مولاي، إنها لآخر زلة!!
ـ والله ما أقيلك أبداً.. لقد رأيت في منامك أنك تموت بيدي.. وقد صدق هاتفك أيها الخبيث.. وفي غضبٍ جارف هوت الهراوة الحديدية المرة بعد الأخرى على رأس ابن عمّار.. ولم يكف المعتمد عن الضرب العنيف، وكأنه قد انتابته حالة هستيرية وهو يضربه، إلا بعد أن صار السجين جثةً هامدة..
وحين أفاق المعتمد بن عبّاد على نفسه، انكفأ على جثة صديقه، وأخذ يبكي وينشج، وفقدت الأندلس شاعرها الكبير أبو بكر بن عمّار الذي قتلته هواجسه.. والعقد المترسبة في داخله، حيال صديقٍ أحبه، وأخلص له الودّ

وبعد مده جاء المرابطون وأنزلوا المعتمد حيث أنزل صاحبه فمات في المغرب فقيرا لا يعرف ونودي على جنازته ( الصلاة على الغريب) وهذا هو نهاية كل عيش ومصير كل مُلك وجيش ولا يدوم إلا الحي القيوم

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
 
بين المعتمد و ابن عمار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ الاسلامى :: تاريخ الاندلس-
انتقل الى: