كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحاج و قاطع الطريق وصلاح الدين الأيّوبيّ(دراسة في كتاب رحلة بن جُبيْر)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: الحاج و قاطع الطريق وصلاح الدين الأيّوبيّ(دراسة في كتاب رحلة بن جُبيْر)   الثلاثاء ديسمبر 21, 2010 6:08 pm

د. حسن مصطفى سحلول.( )*


بين يديّ النص

ولد أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي في بلنسية سنة 1145. وهو من أصلٍ عربيّ. دخل جدُّه عبد السلام بن جُبَيْر الكناني إلى إسبانيا مع الطلعة الشامية بقيادة بَلج بن بِشر سنة 740. وكان ابن جبير محدّثاً وشاعراً وقاضياً وفقيهاً على المذهب المالكي ومعاصراً لابن طفيل ولابن رشد. وكان كاتباً لأمير غرناطة يحضر مجالسه وأسماره. وأبحر الرحّالة لأداء فريضة الحج سنة 1183 تكفيراً، في ما يبدو، عن شربه الخمر، بعد أن أرغمه على ذلك صاحبُ غرناطة عثمان أبو زيد بن أبي حفص الموحّدي. وغادر غرناطة في 1/شباط/1183م ولم يعد إليها إلاَّ في 25/نيسان/1185. ودوّن وقائعَ رحلته ووصف البلدانَ التي مرَّ بها وأهم آثارها في كتابه الشهير "رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك". وهو يعرف باسم كتاب "رحلةَ ابن جُبيْر"([1]).

الحاج الأندلسي

وإنما كان إبحاره برفقة طائفةٍ من التجّار والمسافرين المغاربة من جزيرة طريف على متن مركب للروم من أهل جنوة قادهم بعد أهوالٍ شديدة إلى بر السلامة في الإسكندرية يوم السبت 26/آذار/ 1183.. كانت "إقامتهم على متن البحر ثلاثين يوماً" (ص12). وفي الإسكندريّة تعرّض المسافرون إلى معاملة أثارت غضب الفقيه المالكي. فقد ضيّق الأمناءُ، وهم أسلاف رجال الجمرك في أيامنا، الخناقَ على القادمين وتشدّدوا في التفتيش على ما دقَّ من الأشياء وما جلَّ. وأدخلوا أياديهم في أوساط المسافرين الغرباء. وألزموهم أداء الزكاة بدون أي وجه شرعي لها. ولم يطلقوا سراح المسافرين إلاَّ بعد مواقف من الذل والخزي عظيمة.
ومن الإسكندرية اتخذ القوم طريقهم إلى القاهرة. وانفصلوا عنها بعد أيام فصعدوا في النيل قاصدين إلى قُوص. ووصلوها بعد إقامة ثمانية عشر يوماً في النيل. "وقُوص هذه مدينة حفيلةُ الأسواق متّسعةُ المرافق كثيرةُ الخلق لكثرة الصادر والوارد من الحجّاج والتّجار اليمنيّيين والهنديّين وتجّار أرض الحبشة. لأنها مَخطَرُ الجميع، ومَحَطُّ الرّحالِ ومجتمعُ الرّفاقُ، ومُلتقى الحجّاج المغاربة والمصريّين والإسكندريين وَمن يتصلُ بهم، ومنها يفوّزون بصحراء عَيْذاب، وإليها انقلابهم من الحج". (الرحلة ص 41). وتعرّض المسافرون خلال رحلتهم النهرية هذه لما تعرضوا له حين حطوا رحالهم في الإسكندرية، فكان مردةُ أعوان الزكاة حسب تعبير ابن جبير يصعدون إلى المراكب استكشافاً لما فيها فلا يتركون عِكماً ولا غرارة إلاَّ وينقبونها بحثاً عن شيءٍ غُيّبَ عليه من بضاعة أو مال.
وفي قوص حملت ابن جبير مع الآخرين قافلةٌ قوصية من الجمّالة العرب اليمنيين وكانوا "أصحاب طريق عيْذاب وضُمّانها" (ص42). فقطعوا المفازة ووصلوا عيْذاب بعد تسعة عشر يوماً. وأقاموا فيها ثلاثة وعشرين يوماً ذاقوا فيها من العذاب أشدّه. ويصفها ابن جبير فيقول: "وهي محتَسَبةٌ عند الله عزَّ وجلَّ لشظفِ العيشِ وسوء الحال واختلال الصحة لعدم الأغذية الموافقة.
وحسْبُكَ من بلدٍ كلُّ شيءٍ فيه مجلوبٌ حتى الماء. والعطشُ أشهى إلى النفس منه. فأقمنا بين هواءٍ يُذيبُ الأجسامَ وماءٍ يشغل المعدةَ عن اشتهاء الطعام. فالحلولُ فيها من أعظم المكاره التي حُفَّ بها السبيلُ إلى البيتِ العتيق، زاده الله تشريفاً وتكريماً، وأعظمَ أُجورَ الحجّاجِ على ما يكابدونَه ولا سيّما في تلك البلدة الملعونةِ. ومما لهِجَ الناسُ بذكر قبائحها حتى يزعمون أن سليمان بن داود، على نبيّنا وعليه السلام، كان اتخذها سجناً للعفارتة‍".(الرحلة ص.49)
ولم يكن قطع بحر فرعون كما يسمي ابن جبير البحر الأحمر من عيذاب إلى جُدّة بأخفِ وقعاً على نفس الحجّاج فقد لاقوا فيه أهوالاً تؤذن باليأس. منها ما كان يطرأ من البحر واختلاف رياحه وكثرة شعابهِ المعترضة فيه. ومنها ما كان يطرأ من ضعف عُدّة المركب واختلالها وانكسارها المرّة بعد المرّة عند رفع الشراع أو حطّه أو جذب مرسى من المراسي. وقد دامت محنتهم هذه ثمانية أيام. وبلغ من يأسِ ابن جبير وغضبهِ مما لقيه وأصحابه من سوء المعاملة والاستهانة بأحكام الدين واستيداء عن المال الزكاة دون السؤال إن كان قد حال الحول عليه أم لا، أن عاهد الله ألاّ يكون انصرافهم من الحج على البحر الأحمر إلاَّ إن طرأت ضرورة تحول بينهم وبين سواه من الطرق. (الرحلة ص 52). وهو يدعو الله عز وجل أن يريح الحجاجَ من هذه السبيل الملعونة التي سلكها بعمارة السبيل الأخرى القاصدة إلى بيت الله الحرام. وهي السبيل التي "من مصر على عقبة أيْلة إلى المدينة المقدسة. وهي مسافةٌ قريبة يكون البحر منها يميناً وجبل الطور المعظّم يساراً" (الرحلة ص 50).

إشكاليّةُ المقالة

إن هذا المقطع الذي يصف كيف اجتاز الرحالة الأندلسي مصر أيام الناصر صلاح الدين في طريقه إلى مكة يثير أسئلةً كثيرةً ودقيقةً غاية في الأهميّة. ويصعبُ فهمه على نحوٍ سليمٍ دون الإجابة عليها، أو على بعضها على الأقل. وهذه التساؤلات يتعلق بعضُها بنظام الجمرك أيام الدولة الأيوبيّة والضرائب والمكوس المفروضة على المسافرين. ويتعلّق بعضُها الآخر بأنظمة المواصلات ووسائلها. ومنها ما يتعلّق أيضاً بوضع المسافر القانوني وما يتوجّب عليه وما يجوز له. ومنها ما يتعلّقُ بوضع رعايا الدولة الموحّديّة في البلاد الأيوبيّة. وهناك أسئلة أخرى عديدة وهامة ولكن سؤالاً منها يطرح نفسه على القارئ منذ أن يضع ابن جبير قدمه على ظهر المركب في النيل. ماذا يفعل ابن جبير في بلاد مصر وهو القاصدُ إلى بلاد الحجاز؟ لماذا لا يتخذُ طريقَه من مصر إلى مكة عن طريق العقبة؟
لماذا يسلك صاحبنا هذه الطريق الطويلة المحفوفة بالصعوبات؟ لماذا لا يطرق سبيلاً أخرى؟ ماذا يقصد (بعمارة السبيل الأخرى القاصدة إلى بيت الله الحرام ص 50) وما يمنعه من اتخاذها؟ ونحن في مقامنا هذا سنحاول أن نوضح هذه النقطة. فهي ليست تفسّر لماذا لجأ ابن جبير إلى هذه الطريق وحسب وإنما هي تلقي كذلك ضوءاً ساطعاً على الأوضاع السياسية التي كانت قائمة في العقد الثامن من القرن الثاني عشر في الشرق الأوسط العربي. وهي توضح ما يكتفي نصُّ ابن جبير في أغلب الأحيان بالتلميح إليه بخصوص الحروب القائمة بين الناصر صلاح الدين يوسف بن أيّوب وأعدائه الصليبيّن. فهذه الظروف الخاصة وتلك الحروب الدامية تحيط بابن جبير ورفاقه خلال رحلتهم وتقرّر مصيرَهم وتفرض عليهم طريقهم التي يسلكونها والاحتياطات التي يتخذونها والتعليقات التي يقولونها. وبتعبير آخر فإنها تسبغ على كتاب الرحلة شكله ومضمونه اللذين نعرفهما. ومن الصعوبة البالغة أن نفهم الرحلة الفهم الكافي وأن ندرك أبعادها على نحوٍ سليم إن جهلنا مجموعَ هذه العناصر.

الصراع ضد الدول الصليبية في بلاد الشام في القرن الثاني عشر

لقد بلغت الحملة الصليبيّة الأولى (1096 ـ 1099) الأراضي السورية في 20/تشرين الأول/1097. وسقطت القدس في 15/تموز/1099. وأخطأ المسلمون في تحليل العدوِّ الجديد لمّا توهّموا هؤلاء الفرنجة على شاكلة الروم البيزنطيين الذين كانوا في قتالٍ معهم منذ أربعة أو خمسة قرون. وفي أواخر القرن الحادي عشر انقسمت سورية على نفسها من الناحيتيْن السياسية والدينيّة. واعتادت على عقد الأحلاف الطائفيّة التي كانت تتنازع فيما بينها. وانصرفت هذه الأحلاف انصرافاً تاماً عن واجب قتال الأعداء ممّا يسرّ للفرنجة النزول في البلاد واقتراف المجازر وترحيل السكان.
وبدأت ردةُ الفعل الإسلامية المُنظّمة ضد ممالك الصليبيّن بظهور زنكي أتابك حلب والموصل
(1127 ـ 1146). وبُعِثت فكرة المقاومة والجهاد من جديد. وأخذت بوادرُ التوحيد والزعامة في الظهور. وأخذ زنكي يعمل على ضم شمل المدن العربية وعلى تسديد الضربات الواحدة تلو الأخرى ضد الدولة الإفرنجية. فضم حماة سنة 1130 وكثيراً من مواقع الصليبيين خلف نهر العاصي. وبعد حصارٍ دامٍ استمر أربعةِ أسابيع انتزع سنة 1144 من يد جوسلان الثاني مدينة الرها. وكانت أول دولةٍ أنشأها الصليبيون في شمال سورية سنة 1098. وكان سقوطها من أهم العوامل التي دفعت أوروبا إلى تجهيز ما يعرف بالحملة الصليبية الثانية (1147 ـ 1149).

وانتقلت بطولة القضية الإسلامية بعد موت زنكي إلى ابنه نور الدين محمود (1146 ـ
1174). وأعلن أن النصر مرهون بوحدة المسلمين السورية. فهزم ريمون دو بواتييه أمير إنطاكية وقتله قرب معرّة النعمان في 29/حزيران/1149 وانتزع من سلطان دولة إنطاكية الصليبيّة كل الحصون الواقعة شرق نهر العاصي كأفامية وحارم وبانياس وأرتاح... وركّز جهوده على دمشق وكانت هذه قد وقعت في يد خلفاء طغتكين وكانت لسنواتٍ عديدة حليفة فعليّة لمملكة القدس فدخلها سنة 1154. وانتزع بعلبك سنة 1155 وشيزر سنة 1147. فامتد سلطانه من الموصل إلى حوران. وكانت مرحلته القادمة تحرير القدس من الصليبيين. وكان عليه للوصول إلى مآربه أن يوحّد الأراضي السورية والمصريّة. وكانت هذه الأخيرة في أيدي الفاطميين منذ أن دخلها المعز لدين الله الفاطمي سنة 969. وكانت شوكة هؤلاء قد ضعفت كثيراً في القرن الثاني عشر. وكان المتنفّذون فيها لا يتورعون عن الاستغاثة بإفرنجة القدس كما فعل الوزير شاور سنة 1164 حين استدعى آموري الأول ملك القدس (1163 ـ 1174). ففرض هذا وصايته على دولة الفاطميين. وبلغ الطموحُ به أن حاول سنة 1168 أن يُخضع مصر لسلطانه المباشر وأن يفتحها بقوة السيف. فاستنجد المصريون بنور الدين فأمدّهم بقائده شيركوه. فدخل هذا مصر وأرغم الجيوش الصليبية على إخلائها. فولاّه الوزارةَ الخليفةُ الفاطمي العاضد (1160 ـ 1170). ولكنه شيركوه قضى نحبه بعد شهريْن من تقلّد الوزارة فانتقلت شارتها من بعده إلى ابن أخيه صلاح الدين بن أيوب فصارت دولة الصليبيين محاصرة من جهات البر الثلاث.

السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب

وجعل صلاح الدين لسياسته ثلاثة أهداف هي إحلال التعليم السني محل التعليم الشيعي وتوحيد مصر وسورية تحت سلطة واحدة ثم مواصلة الجهاد ضد الإفرنج. وبلغ هدفه الأول حين مات العاضد الفاطمي فجعل صلاح الدين خطبة يوم الجمعة باسم الخليفة العبّاسي المستضيء (1171 ـ 1180) فانتهت بذلك دولة الفاطميين "ولم ينتطح في الأمر عنزان!". حسب تعبير ابن الأثير. وحقق هدفه الثاني سنة 1174 عندما توفي نور الدين محمود سيد سورية سنة 1172 وبويع بالملك بعده لابنه إسماعيل وكان صبياً في الحادية عشرة من عمره. فانتزع صلاح الدين منه سورية وسيطر على دمشق وحمص وحماة وأغلب الأراضي السوريّة. وتمكن أخيراً من توحيد سورية ومصر بعد جهود متواصلة دامت تسع سنوات (من 1174 ـ حتى 1183). وبعد حروبٍ ضد الزنكيين في حلب الذين كانوا يعتبرونه غاصباً. وكان الصليبيون يناصرونهم.
وإذ كانت القيروان والحجاز متاخمتْين لمصر فقد انضمتا فوراً إليها وأصبحتا جزءاً من الدولة السورية المصرية الناشئة. ثم ألحق توران شاه أخو صلاح الدين الأكبر بهذه الدولة بلاد النوبة واليمين. فتوحد الشرق الأوسط بقيادة صلاح الدين وتفرّغ هذا لتركيز قواه ضد الصليبيين. وهكذا فإن ما حلم به زنكي وابنه نور الدين من محاصرة الإفرنج وقطع دابرهم بدأ يتحقق بما تم من جليل الأعمال على يد خليفتهما يوسف بن أيوب.
لقد بذل الإفرنجة كل جهودهم لمحاربة صلاح الدين ولمنع اتحاد سورية ومصر. وناصر ملكهم بودوان الرابع (1147 ـ 1185) أعداء صلاح الدين الزنكيين في حلب. وأعلن نفسه وصياً على إسماعيل بن نور الدين يدافع عن مصالحه كما سبق لبودوان الثالث (1143 ـ 1163) أن أعلن نفسه منافحاً عن استقلال دمشق ضد نور الدين. وأثمرت جهودهم وأعاقت حركة السلطان يوسف حتى سنة 1176 عندما طرأ على ميازين القوى العامة في المنطقة تغييرٌ أفاد منه السلطان.
فلقد كانت الدولة البيزنطية في آسيا الصغرى تهدد ديار الإسلام في شمال سورية. وكان إمبراطور القسنطنطينية مانويل كومنيس حليفاً مرهوب الجانب لدول الصليبيين على ساحل سورية.
ولكنه هُزم هزيمة نكراء على رأس جيش عظيم في معركة ميريوكيفالون الدامية التي خاضها ضد سلطان قونية السلجوقي. فعرض على حلفائه الصليبيين القيام بحملة مشتركة ضد مصر وتعهّد لهم بأن ينقل جنودَهم وفرسانَهم على ظهر أسطوله البحري. وكانت غايته الثأر لهزيمته أمام الأتراك المسلمين ونهبَ أراضي مصر الغنيّة وإعادةَ الاعتبار لسمعة جيوشه. ولكن كلمة النبلاء الفرنجة لم تجتمع على ذلك فغضب الإمبراطور وأعلن أنه يتخلى عن مواثيقه معهم.
وكانت تلك هي الفرصة التي ينتظرها صلاح الدين. فتلقّف زمام المبادرة وفرض على الصليبيين حرباً مستمرةً تعاقبت بها الانتصارات والهزائم. وإن حافظ الإفرنجة خلال هذه المرحلة على أهم مواقعهم العسكرية فإنهم قد أصيبوا بهزائم خطيرةٍ في صلب أراضيهم. بل لقد اخترق أسطول صلاح الدين ميناء عكا وكان من أهم مراكزهم العسكرية والتجارية. واضطر ملكهم بودوان الرابع وقد أنهكت الحروب المستمرة قوى رجاله إلى عقد هدنة مع السلطان. وكان ذلك سنة 1180.
وهنا ظهر على مسرح الأحداث رجلٌ كان لسلوكه الشائن أثر عظيم ومباشر في التعجيل بحركة التاريخ وبتحديد مستقبل المنطقة. وبتعديل رحلة ابن جبير الأندلسي وبقية المسافرين على نحو غير مباشر.

البرنس أرناط: قاطع طرق ونبيل من الإفرنجة

بعد سقوط الرها في يد زنكي دعا الباب أوجين الثالث (1145 ـ 1153) إلى إعداد الحملة الصليبية الثانية. وقاد هذه إمبراطورُ الدولة الجرمانية كونراد الثالث (1138 ـ 1152) وملكُ فرنسا لويس السابع (1137 ـ 1180). ووصلت القوات الإفرنجية إلى إنطاكية في شهر آذار 1148 حيث استقبلها أميرها ريمون دو بواتييه. وكان بين صفوفها واحد من المرتزقة اسمه رونو دو شاتييون. ويعرفه المؤرخون العرب باسم أرناط. وكان فارساً من عائلة فرنسيّة متواضعة من صغار النبلاء.
وكان جريئاً جميلاً ومتهوراً عديم الأخلاق والذمة شديد التعصب وذا حب للمال شديد. جاء إلى سورية بحثاً عن الثروة وعن الجاه. وبعد فشل الحملة الصليبية عاد الملك لويس إلى بلاده. ولكن رونو بقي في إنطاكية مرتزقاً في خدمة بودوان ملك القدس.
وابتسم الحظ له حين قُتل أمير إنطاكية الصليبي في معركة شنها ضد نور الدين بالقرب من معرّة النعمان في 29/حزيران/1149. فترملت زوجتهُ كونستانس وكانت الوريثة الشرعية لكرسي إنطاكية فصارت الوصية على حكم الإمارة ريثما يبلغ ابنُها سنَ الرشد. واستطاع أرناط أن يستميل الأرملةَ الثريةَ فأعلنت عن رغبتها في الزواج منه. وأثارت بهذا استياء مطران المدينة أميري دوليموج واستنكار أعيان المملكة وبلاط بيزنطة استصغاراً لأمره واحتقاراً لوضاعة منشئه. ولكن بودوان ملك القدس وكان من أقربائها وولي نعمتها وافق على عقد زواجها من المغامر على ضعة شأنه. وتم الزواج في إنطاكية سنة 1153 فصارت إمارة إنطاكية وثرواتها في يد رونو وصار واحداً من أخطر رجال الدولة الصليبية على الساحل السوري. وصار قاطع الطريق في الأمس نداً لكبار الأشرف اليوم.
ولكن لم يلبث رونو أن أسفر عن خبيئة نفسه. فأمر رجاله بإلقاء القبض على المطران أميري فنهب أمواله وكنوز كاتدرائية إنطاكية. وأمر بجلد رجل الدين قبل تعليقه على خشبةٍ ورأسُه الحليق مدلّى نحو الأسفل وقد طُلي بالعسل لجلب الذباب والزنابير. ولم يُطلق سراح المطران إلاَّ بعد أن هدّده ملكُ القدس بالقدوم بجيوشه إلى إنطاكية.
وبعد ذلك بقليل تحالف رونو مع ملك أرمينيا الصغرى طوروس ضد حليفهما إمبراطور بيزنطة. فنزلت قواتهما على شواطئ قبرص المسيحية وكانت من أملاك بيزنطة. وعاث المجرمون في الأرض فساداً. فقتلوا حاميتها واغتصبوا نساءها وأحرقوا كنائسها وأديرتها ونهبوا أملاكها وعادوا إلى إنطاكية ثملين بنشوة القتل مُثقلين بالغنائم.
وخلال ثلاث سنوات حارب رونو ضد المسلمين بصحبة بودوان الثالث ملك القدس. أو أنه هاجم منفرداً الأراضي الإسلامية لأراضيه فنشر فيها القتل والرعب و الدمار. وبينما كان ذات يومٍ يحاول أن ينهب قطيعاً من المواشي العائدة لإحدى القرى العربية المسيحية هاجمته قوات نور الدين وألقت القبض عليه. وكان ذلك في 23/تشرين الثاني/1160. فجُعل سجيناً في قلعة حلب. وكان له من العمر خمس وثلاثون سنة وظل فيها طيلة ستة عشر عاماً!...
ولم يسعَ ملكُ القدس لإطلاق سراح مولاه. بل إن زوجته كونستانس نفسَها وريثة عرش إنطاكية لم تحرك أنملة لدفع فدية زوجها الأسير. والواضح أن غياب الرجل في قلعة حلب لم يحزن كثيراً من أهله أو أصحابه. ولم يُطلَق سراح أرناط إلاَّ سنة 1176. بمناسبة تبادل للأسرى بين المسلمين والصليبيين. كان عندئذٍ رجلاً كهلاً قد دبَّ الشيب إلى شعره وقد نسيه القوم.
وخلال مدّة سجنه الطويلة كانت كونستانس قد ماتت وصعد على عرش إنطاكية ابنُها الوريثُ الشرعي. وكان ثلاثةُ ملوك قد تعاقبوا على عرش مملكة القدس. وكان الملكُ يوم خروجه هو بودوان الرابع الأبرص. وكان نور الدين قد توفي وقد خلفه صلاحُ الدين يوسف بن أيوب. وكان قد وحّد سورية ومصر.
فذهب رونو إلى القدس والتحق في خدمة ملكها مغامراً ومرتزقاً ضعيف الشأن كما كان قد فعل حين جاء بلاد الشام قبل ما يقرب من ثلاثين سنة.
كانت المنطقة الواقعة شرقيّ نهر الأردن ذات أهمية استراتيجية عسكرية وتجارية بالغة بالنسبة للدولة الصليبية. فقد كانت تُشرف على مرور قوافل التجار والحجيج بين مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية. وكانت قوافل الحجّاج القادمة من بلاد المغرب الإسلامي أو من بلاد الأندلس تنضم إلى القافلة المصرية. وكان سادة هذه المناطق من الفرنجة يتقاضون رسوماً وضرائب من قوافل المسافرين لقاء عبورها في هذه الأراضي. وكانت هذه الإقطاعية تفصل كذلك بين أطراف دولة صلاح الدين وهي سورية في الشمال ومصر والقيروان في الغرب والحجاز في الجنوب.
وكان سيد المنطقة ميلان دو بلانسي قد مات غيلة سنة 1174. وترك أملاكَهُ لزوجته السيدة إتينيت. وكانت هذه تنتمي إلى الأسرة الحاكمة في القدس وابنة عم الملك. ولم يتأخر رونو دو شاتييون في استمالة قلب الأرملة فتزوجته سنة 1177. فتغير حالُه من جديد وصار بفضل زواجه منها واحداً من الأسرة المالكة وله لقب البرنس ومرشحاً للصعود على عرش القدس ذات يوم!. وصار كذلك سيّد المنطقة الواقعة شرق نهر الأردن بين البحر الميت والبحر الأحمر. وكانت تضم مدينة الجليل المسيطرةَ على الطريق المؤدية إلى القدس ومدينة أيلات التي تهيمن على خليج العقبة وعلى جنوب سيناء وهو طريق الحجّاج المصريين والمغاربة والأندلسيين (وكان ابن جبير واحداً من هؤلاء الحجاج ا لمغاربة القاصدين إلى بيت الله الحرام في سنة 1183). وكانت له حصون الكرك وشوبك والبتراء. وصار بفضل حصنه القائم على البلقاء (مؤاب القديمة) شرقي البحر الميت فوق الجرف يسيطر على طريق قوافل الحجاج من دمشق إلى الحجاز. ولم تكن السّنون قد هذّبت من طباعه الغليظة ولم يكن قد نسي سنين أسره الطويلة، ولم يكن يحلم إلاَّ باللحاق بالوقت الضائع. وكانت رغبته بالإثراء لا تقل عن عطشه للمغامرة وللمآثر العسكرية. وأخذ البرنس رونو دو شاتييون يفرض على قوافل التجّار والحجاج ضرائب باهظة جداً. ثم بدأ بنهب القوافل العابرة على مقربة من أراضيه وعلى خطف أصحابها.

الرحّالة واللص والسلطان

كان صلاح الدين قد عقد صلحاً مع ملك القدس بودوان الرابع سنة 180 كما أسلفنا في القول. وكان الطرفان يلتزمان بما جاء فيه. ولم يكن ذلك شأن سيّد الكرك ومولى الملك بودوان. ورغم عهود السلام التي أقسم بودوان أمام مبعوثي السلطان الأيوبي على الوفاء بها مع بقية رجاله والأمراء الصليبيين الخاضعين لسلطته نظّم رونو شاتييون حملة عسكرية قادها في قلب الجزيرة العربية سنة 1181 ونهب تبوك وتيماء في الحجاز وهاجم طريق المدينة المنورة. فردتّه عنها قواتُ صلاح الدين. فانتقم من قافلة للحجاج كانت قد غادرت دمشق إلى مكة فنهبها وغنم فيها غنائم كثيرة واقتاد الحجاج أسرى وألقى بهم في سجون قلاعه. واحتج صلاح الدين وعاتب ملك القدس على خيانته للمواثيق وطالبه بإطلاق سراح الحجاج الأسرى وبإعادة الأموال المنتهبة لأصحابها.
وحين وجه بودوان الرابع أوامرَه بذلك لتابعه البرنس سخر هذا منه. وأعلن أنه لن يعيد أبداً طواعيةً ما أخذه بقوة السيف. ولم يكن بوسع الملك إلاَّ أن يقرَّ لصلاح الدين بعجزه عن إرغام صاحب الكرك على الامتثال لأوامره وعلى احترام العهود المعقودة بين المسلمين والصليبيين. وكان من نتيجة هذا أن ضعُفت الحركةُ التجارية العامة فقلت الأرزاقُ وارتفعت الأسعارُ ارتفاعاً فاحشاً وتحوّلت قوافل التجار عن هذه المناطق بعد أن انعدم الأمن فيها. وتحولت كذلك قوافل الحج إلى طرق أخرى أطول وأكثر مشقة. ومنها القافلة التي كان فيها ابن جبير وأصحابه.
وعبّأ صلاح الدين قواته وقرر معاقبة الصليبيين على خيانتهم. فهاجم كثيراً من حصونهم وقلاعهم في فلسطين. وحاصر بيروت سنة 1182. وكانت في يد الإفرنجة. ولكنه جدّد العهود التي كانت بينه وبين الصليبيين حين طلب هؤلاء ذلك منه ووعدوا باحترامها.
ولكن رونو دو شاتييون لم يرتدع وعزم على الإتيان بما لم يأت به أحد قبله قط وعلى ارتكاب ما لا يستطيع مسلم أن يقبل به قط. فكيف بصلاح الدين؟. فلقد بدأ ببناء خمس سفن حربيّة مفكّكة في الكرك وفي عسقلان. ثم نقل أقسام هذه المراكب على ظهور الجبال حتى شاطئ البحر الأحمر فأعيد بناؤها وجعلت في الماء. وأبحرت ثلاثةٌ منها وعلى متنها مئاتُ الرجال المسلحين. وصعد رونو على ظهر المركبيْن الباقيْين وسد منافذ البحر الأحمر. وأعلن على الملأ نيته في السيطرة على طرق الحج جميعها ووضع يده على الحرميْن الشريفيْن ونقل جثمان الرسول العربي من قبره في المدينة المنورة إلى قلاع البلقاء. وبينما كان البرنس أرناط يحاصر أيلات (شتاء 1182 ـ 1183) أخذت بقيةُ سفنه تنشر الرعبَ والأهوالَ في البحر الأحمر فتنهب موانئه وتحرق السفن المبحرة فيه. ويذكر ابن جبير أنهم قد أحرقوا ستة عشر مركباً. وحاول بعض قادته النزول في جدّه لمهاجمة المدينة ومكة على حين غرّة. ثم نهبوا الربيغ والحوراء على ساحل البحر الأحمر الشرقي بعد أن أنزلوا قواتهم على أرض الحجاز فقتلوا الناس واغتصبوا النساء. وأبحرت بعض المراكب الصليبية حذاء شواطئ بلاد النوبة ونهب جنودها ميناء عيذاب. ونهبوا كذلك في البر المصري قافلةً كبيرة للتجار كانت قادمةً من قوص إلى عيذاب. وقتلوا الجميع ولم يحيوا أحداً. ونهبوا قافلة أخرى في قصير على شاطئ البحر الأحمر الغربي مقابل قوص. واختطفوا سفناً عديدة للمسلمين كانت تنقل حجّاجاً إلى بيت الله الحرام.
ويصف ابن جبير ذلك فيقول: "وأحدثوا حوادث شنيعةً لم يُسمع مثلها في الإسلام. ولا انتهى رومي إلى ذلك الموضع قط!". (الرحلة ص 34).
ونهض صلاح الدين يوسف للأمر. وأمر أخاه الملكَ العادل نائبه على مصر بالتصدي لهذه العصابات المجرمة. فسيّر هذا إليها الحاجب المعروف بلؤلؤ. فلحق الأسطول المصري بأسطول القراصنة الفرنجة قبالة جدة. وأغرقَ سفنَ الصليبيين. ولوحق قطاع الطرق الذين كانوا ما يزالون في بر مصر أو في بر الحجاز وأُخِذوا. ومن نجا منهم من الموت قتلاً خلال المعارك أُرسِل إلى كبرى المدن الإسلاميّة في مصر وسورية حيث قُتِل فيها على رؤوس الأشهاد. ولقد كان ابن جبير قد بلغ لتوه الأراضي المصريّة حين وصلت طائفة من هؤلاء الأسرى "ولما حللنا في الإسكندريّة في الشهر المؤرّخ ـ أ قام ابن جبير فيها بين 26/آذار/1183 و3/نيسان/ عاينّا مجتمعاً من الناس عظيماً بُروزاً لمعاينةِ أسرى من الروم أُدخلوا البلد راكبين على الجمال ووجوهُهم إلى أذنابهم وحولهم الطبول والأبواق" (الرحلة ص34). ويذكر ابن جبير أن منهم من وُجّه إلى مكة والمدينة.
وأما رونو دو شاتييون فإنه تمكن من النجاة بنفسه قبل أن تصل قوات صلاح الدين إلى أيلات فالتجأ إلى قلعة الكرك المنيعة. وحاصرته قوات صلاح الدين فيها مرّات عديدة في نهاية سنة 1183 وخلال سنة 1184 ولكنها اضطُرت إلى الانسحاب حين جاءت جيوش الملك بودوان لنجدة أمير البلقاء. ويذكر ابن شدّاد في مواقع كثيرة من كتابه "النوادر السلطانيّة والمحاسن اليوسفيّة"([2]) أخبار هذه المعارك الضارية بين صلاح الدين وعدوّه اللدود (ص 78 ـ 82).
وبقي ابن جبير في جوار البيت العتيق في مكة ثمانية أشهر (من 3/آب/1183 إلى
3/نيسان/1184) حجَّ خلالها وتردد على حلقات مساجد مكة وأجازه بعضُ شيوخها. وحين قرّر الرجوع إلى بلاده اضطر كذلك إلى سلوك طريق غير التي كان له أن يسلكها في الظروف العاديّة. ولم يكن يستطيع أن يعود إلى بلاده عن طريق عيذاب بعدما قاساه في مصر خلال قدومه إلى البيت الحرام وإثر نذره بأن لا يعود إليها ثانية. وكانت طريق الحجاز التي تمر بعقبة الأردن ماتزال مقطوعة بسبب الحروب الدائرة في منطقة البلقاء وبسبب أعمال البرنس أرناط المجرمة. وكان على جميع الحجاج الشاميين والأتراك السلوقيين (من منطقة قونية وأرمينية الصغرى) أن يتحوّلوا عن طريق الشام وأن يتخذوا طريق العراق اتقاء لشروره. فانضم المسافر الأندلسي إلى الموكب العراقي مع الحجيج الشامي والتركي والخراساني والمَوَاصلة. وبعد زيارة مسجد الرسول في المدينة قطع الموكبُ وادي الرُّمة ثم صحراء نجد قاصداً الكوفة في جنوب العراق. ومنها الحِلّة فبغداد حاضرة العبّاسيين. وهناك انفصل حج خراسان ونيشابور وبخارى وسمرقند وبلاد ما خلف النهر عن المحفل الكبير.

وبقي فيه حجُّ الشام والموصل وأرمينيا وكيليكيا" وأرض الأعاجم المتصلة بالدروب" (الرحلة ص 206) ثم قطع الموكبُ سامرّاء وتكريت والموصل ونصيبين ورأس العين وحرّان ومنبج. وعندها دخل المسافرون ضمن الأراضي الخاضعة لسلطان صلاح الدين الأيوبي. وقطعت القافلة بهم بزاعة وحلب وحماة وحمص ثم ألقت رحالها في دمشق في 5/تموز/1184.
وفي دمشق عاد الرحالة الأندلسي من جديد إلى قلب الحرب التي لم تهدأ قط بين صلاح الدين ورونو دو شاتييون منذ سنوات (الرحلة ص 260). وهو لا يتمكن من رؤية السلطان "لأنه لا يأوي إلى راحةٍ، ولا يخلد لِدعةٍ، ولا يزالُ سَرجُهُ مجلسَهُ. إنَّا بهذه البلدة (دمشق) نازلون منذ شهريْن اثنيْن وحلَلْناها وقد خرج لمنازلة حصن الكَرَك، وهو عليه محاصرٌ حتى الآن. والله تعالى يعينه على فتحه" (الرحلة ص270). ويصف ابن جبير المعركةَ العظيمةَ التي نشبت آنذاك بين قوات المسلمين وجحافل الصليبيين التي تقاطرت من شتى أنحاء القلاع والحصون الصليبية لمجابهة سلطان دمشق ولمناصرة صاحبهم البرنس أرناط (الرحلة. ص272).
وبعد إقامته في دمشق قصد ابن جبير بانياس الشام وكانت ثغر بلاد المسلمين وكان صلاح الدين قد استرجعها من أيدي الصليبيين. ومنها قادته قافلة الركاب إلى عكّة وكانت قاعدة مدن الإفرنج بالشام. وأبحر المركب بمسافرين يوم 18/تشرين الأول/1184 قاصداً صقلية.
وانقطعت أخبار حروب صلاح الدين الأيوبي عن المسافر المغربي ونحن لا نجد لها أثراً بعد ذلك في كتاب الرحلة. فالصفحات الباقية من الكتاب تصف أهوال الرحلة في طريق العودة.
وتصف عاصفة هائلة دمّرت المركب وألقت بمن فيه إلى أمواج البحر فأشرفوا على الغرق لو لم تنقذهم مراكب غليام ملك النورمنديين في صقلية. وهي تتحدّث عن أوضاع المسلمين في صقلية بعد أن غلبهم النورمان على أمرهم. ويذكر لنا ابن جبير فيما بعد كيف وصل إلى بلاده في الأندلس سالماً بعد غيبة دامت عاميْن كامليْن وثلاثة أشهرٍ ونصفاً.

"ذكر وقعة حطّين المباركة على المؤمنين"

لكن الحروب لم تتوقف البتة بعد ذهاب العالم الأندلسي.ولكنها دخلت في مرحلة خطيرة قادت جيوش المسلمين إلى معركة حطّين ثم إلى استرجاع بيت المقدس. ولعب برونو دو شاتييون في التعجيل بهذه الأحداث كذلك دوراً أساسياً. فلقد مات بودوان ملك القدس الأبرص سنة 1185. وخلَفَه بعد صراعٍ دامَ فترةً على عرش القدس جي دو لوزينيان الأول (1186 ـ 1192) (وهو الملك جفري في رواية ابن شدّاد)، بدعمٍ من رونو دو شاتييون وأسقف القدس. وكان هذان من أنصار سياسة الحرب المستمرّة ضد المسلمين. ولكن الملك الجديد أعلن بُعَيْد تتويجه أن يحترم اتفاق السلام الذي عقد مع صلاح الدين سنة 1185. ووعد صاحبُ الكرك بالتزام العهود كذلك وترك القدسَ بعد تتويج الملك الجديد عائداً إلى ممتلكاته شرقي الأردن.
ولكنه نكص بعهده عند أول فرصة سنحت له. فهاجم في مطلع سنة 1187 قافلةً عظيمةً من المسافرين المسلمين كانوا قادمين من القاهرة ويقصدون دمشق عبرت بأراضيه حسب حالة الصلح ونزلت عنده بالأمان. فغدر بهم وبالقافلة ونهبها. وألقى بتجّارها وبجمّاليها وأدلّتها وحاميتها وكل من فيها في سجون قلاعه. واستولى على أملاكهم. ولقد زعم بعض المؤرخين الأوربيين أن أخت صلاح الدين كانت بين أسرى الكرك."وناشده أهل القافلة الله والصلحَ الذي بينه وبين المسلمين، فقال ما يتضمّن الاستخفاف بالنبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ وبلغ ذلك السلطانَ، فحمله الدينُ والحميةُ أن نذر إن ظفر به قتله" "النوادر السلطانية" (ص102). وطالب صلاحُ الدين الملكَ جفري باحترام المواثيق وباللجوء إلى سلطته كملك ليرغِمَ مرؤوسَه صاحب الكرك على إعادة الأموال المنهوبة إلى أصحابها وعلى إطلاق سراحهم. وتوسّل جفري إلى أرناط كما سبق للملك بودوان الرابع أن فعل سنة 1181 بأن يحترمَ العهودَ والمواثيق وأن يرجِعَ الحقوقَ لأصحابها. وكما لم يلقِ رونو فيما مضى أذناً صاغية لأوامر الملك السابق فإنه ضرب عرض الحائط برغبات الملك الحالي.
وقرَّ قرارُ صلاح الدين على وضع حدٍّ نهائيٍّ لسلوك الصليبيين الشائن. وأقسم أمام الناس ليقتلنَّ بيده "شيطانَ الإفرنج" هذا وأخذ يعبّئ قوى المسلمين.
والتقى الجمعان يوم 4/تموز/1187 على هضبة حطين بالقرب من بحيرة طبريّة. وكان الصليبيون قد حشدوا كلّ قواهم. ويقدر صاحب كتاب تأريخ مملكة القدس بثلاثة أو بأربعة آلاف فارسٍ وبثلاثين ألف أو خمسة وثلاثين ألف راجلٍ. وكان هذا جيشاً عظيماً لم يحشد الإفرنجُ مثله قط. وبعد قتال شديد دارت الدائرة على الصليبيين. فقُتِل منهم كثيرٌ وأُسِر منهم كثيرٌ. وبين هؤلاء كان الملك جي دو لوزينيان نفسه ورونو دو شاتييون. ولنترك لابن شدّاد مؤرّخ صلاح الدين أن يصف لنا نهاية قاطع الطرق:
"ولما فتح الله تعالى عليه بالنصر والظفر ونُصِبت الخيمة، جلسَ (صلاح الدين) فرحاً مسروراً شاكراً لما أنعم الله عليه. ثم استحضرَ الملكَ جفري (جي دو لوزينيان) وأخاه البرنس أرناط (رونو). وناولَ الملكَ جفري شربة من جُلاّب بثلجٍ، فشرب منها وكان على أشد حالٍ من العطش. ثم ناول بعضها البرنس أرناط. فقال السلطان للترجمان:
ـ قل للملك: أنت الذي تسقيه!... وإلاَّ أنا ما سقيته!.
وكان على جميل عادة العرب وكريم أخلاقهم أن الأسير إذا أكل أو شرب من مال من أسره أمِنَ على حياته ولم يعد يمسه مكروه. (وكانت غاية الملك بإشراكه رونو بشرب الجلاّب معه أن يُرغم صلاح الدين على إبقاء رونو على قيد الحياة).
ثم أمرهم بمسيرهم إلى موضعٍ عُيّنَ لنزولهم، فمضوا وأكلوا شيئاً، ثم عاد فاستحضرهم ولم يبق عنده أحدٌ سوى بعض الخدم، واستحضرهم وأقعد الملكَ في الدهليز، واستحضر البرنس أرناط، وواقفه على ما قال. وقال له
ـ ها أنا أستنصر لمحمد عليه السلام.
ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل. ثم سلَّ صلاح الدين النّمجاةَ وضربه بها، فحلَّ كتفه، وتمّم عليه من حضر، وعجّلَ الله بروحه إلى النار، فأُخِذَ ورُمي على باب الخيمة.
فلما رآه الملك وقد خُرِجَ به على تلك الصورة لم يشك في أنه يُثني به فاستحضره السلطانُ وطيّب قلبَه وقال:
ـ لم تجرِ عادةُ الملوكِ أن يقتلوا الملوكَ. وأمَّا هذا فإنه تجاوز حدَّه، فجرى معه ما جرى. "النوادر السلطانية"(ص. 103 ـ 104).
r

مراجع النص:

1- ابن جُبَيْر، رحلة ابن جبير، بيروت، دار صادر ، 1959.
2- ابن شدّاد بهاء الدين، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفيّة دمشق (سلسلة المختار من التراث العربي، رقم 10، اختار النصوص وقدّم لها الأستاذ محمد درويش)، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1979.

فهرس الأعلام



ابن جبير، أبو الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسي
ابن رشد
ابن شدّاد
إتيينيت، أرملة صاحب الكرك
ابن طفيل
إسماعيل بن نور الدين محمود
آموري الأول، ملك القدس الصليبي
آميري دو ليموج، مطران إنطاكية
أوجين الثالث، بابا روما
بَلج به بِشر
بودوان الثالث، ملك القدس
بودوان الرابع، ملك القدس
توران شاه، أخو صلاح الدين يوسف
جوسلان الثاني، صاحب الرها
جي دو لوزينيان المعروف بجفري، ملك القدس
رونو دو شاتييون المعروف بالبرنس أرناط
ريمون دو بواتييه، صاحب إنطاكية
زنكي، أتابك الموصل
سليمان بن داود النبي
شاور، وزير الخليفة العاضد الفاطمي
شيركوه، قائد نور الدين محمود
صلاح الدين يوسف بن أيوب
طوروس، ملك أرمينيا
العاضد، الخليفة الفاطمي
عبد السلام بن جُبَيْر الكناني
عثمان أبو زيد بن أبي حفص الموحّدي.
غليام، ملك صقلية النورماندي
كونراد الثالث، إمبراطور الدولة الجرمانيّة
كونستانس، وريثة عرش إنطاكية
لؤلؤ الحاجب
لويس السابع، ملك فرنسا
مانويل كومنيس، إمبراطور بيزنطة
المستضيء، الخليفة العبّاسي
المعز لدين الله الفاطمي.
الملك العادل، أخو صلاح الدين ونائبه على مصر
ميلان دو بلانسي، صاحب الكرك
نور الدين محمود


rrr




* باحث من سورية، مدرس في جامعة ليون- فرنسا.
([1]) ـ ابن جُبَيْر، رحلة ابن جبير، بيروت، دار صادر، 1959.
([2]) ـ ابن شدّاد بهاء الدين، النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفيّة دمشق (سلسلة المختار من التراث العربي، رقم 10، اختار النصوص وقدّم لها الأستاذ محمد درويش)، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1979.

_________________



مثلى الاعلى هو كل ما يحقق لى السعادة من خلال حواسى التى هى
......... أنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
 
الحاج و قاطع الطريق وصلاح الدين الأيّوبيّ(دراسة في كتاب رحلة بن جُبيْر)
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ الوسيط-
انتقل الى: