كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق

كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق


 
الرئيسيةبوابه 1اليوميةس .و .جبحـثالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مواقف المرابطين فى دفع بغى السلاطين

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: مواقف المرابطين فى دفع بغى السلاطين   السبت سبتمبر 18, 2010 7:11 pm


مواقف المرابطين
في دفع بغي السلاطين
إعداد الطالب :
عبد العلي بلامين
مادة:التاريخ الإسلامي
السنة الأولى من السلك الثاني دراسات إسلامية
جامعة سيدي محمد بن عبد الله
كلية الآداب والعلوم الإنسانية - ظهر المهراز - فاس
السنة الجامعية
1426 هـ - 2005 م
مقدمة
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى لاسيما عبده المصطفى وعلى آله المستكملين الشرفا، أما بعد:
فإن بلاد المغرب والأندلس مرت بمراحل من التدهور والانحطاط والترف وولاء بعض زعمائها للعدو المتربص بها ما دامت السماوات والأرض.
وإني لأحمد الله تعالى أن يسر لنا المؤرخين عبر مرّ السنين يسجلون ما مر من الأحداث والوقائع، لنقرأها على مكث ونتأمل فيها، فعسى أن نعتبر بما فات، فنتجاوز الهفوات، قبل الفوات.
لقد تأثرت كثيرا – وأنا أقرأ تاريخ الدولة المرابطية - بمواقف أمرائها الشجعان بغية تحكيم شريعة الله عز وجل واستئصال الظلم والشرك والفساد، وبتضحيتهم بالنفس والمال والبنين في سبيل هذه المبادئ السامية.
لذلك ارتأيتُ أن يكون عرضي موسوماً ب: "مواقف المرابطين في دفع بغي السلاطين".
ولله ذر الشاعر حين قال:
وسَلاَطِينُهُم سَلِ الطِّينَ عَنْهُم *** والرُّؤوس العِظام صارت عِظاماً ![1]
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العنوان لا يعكس أي موقف أو أي اتجاه سوى سرد الحقائق التاريخية فقط.
وهذا العرض مكون من فصلين:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن مرحلة الخطاب والدعوة، فوجدت نفسي مجبراً للتحدث عن أصول المرابطين والتعريف بهم، ثم ارتأيت تقسيم خطاب عبد الله بن ياسين إلى سلبي وإيجابي دافع عنه بالسيف بعد نهيهم وإقامة الحجة عليهم، حتى يفهم القارئ الأحداث جيدا.
أما الفصل الثاني: فقد سلطت الضوء من خلاله على مرحلة التطبيق والممارسة إذ حاولت إيضاح بعض مواقف أشهر أمراء المرابطينفي دفع الظلم والاستبداد ومحاربة الشرك والإلحاد، ونشر الخير والسلام بين الناس وتحكيم شرع الله، وقد اقتصرت في هذه المرحلة على ثلاثة مواقف لأشهر أمراء المرابطين : بدءا بيحيى بن عمر وغزوه سجلماسة، وأبي بكر بن عمر وفتحه برغواطة، ويوسف بن تاشفين وغزوه للصليبيين في معركة الزلاقة.



[1] كنت قد مررت عليه وأنا أطالع إحدى الكتب، فلم أتذكر المصدر.
ولقد حاولت جاهدا الحصول على خرائط للدولة المرابطية، فتأتى لي ذلك بعد مجهود جليل، وهذه مناسبة أتقدم من خلالها بالشكر للمشرف على موقع تاريخ الحكام والسلالات الحاكمة[1]، والذي وفَّر لي- من خلال موقعه - هذه الخدمة جزاه الله عنا خير الجزاء ووفقه،
فالكل يعلم أن فهم التاريخ بدون خرائط صعب يحتاج إلى قارئ متخصص، واعْتُبر ذلك بموقف أحد الطلبة في هذه السنة وكان قد طالبَ الأستاذ بالخريطة، ليستسيغ حدود الموضوع.
وأخيرا، أسأل الله تعالى أن أكون قد أديت زكاة قلبي وواجبا على نحو تاريخ الإسلام، فقد بذلت ما في وسعي من جهد من أجل إيجاد المصادر الكافية ثم فهمها الفهم القويم لصياغتها في أسلوب شيق مع مراعاة تعدد الروايات، غير أنني لا أدعي الكمال في عملي لأن الكمال لله وحده، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان، وحسبي الله، عليه توكلت وإليه أنيب.



الفصل الأول
المرابطون ومرحلة الدعوة والخطاب
لقد حاولت من خلال هذا الفصل التعريف بالدولة المرابطية، وهذا ألزمني الحديث عن قبيلة صنهاجة وما يتعلق بها.
ثم تحدثت عن الخطاب الذي قام به عبد الله بن ياسين، فكان خطاباً ناجحاً خصوصا بعد الاعتزال، ليصبح الخطاب من مسؤولية أزيد من ألف مرابط، فهموا للدفاع عن دعوتهم بالسيف بعد إقامة الحجة.
1 - التعريف بالدولة الصنهاجية اللمتونية المرابطية:
يجدر بنا قبل أن نتحدث عن دعوة المرابطين وخطابهم المثمر عن دولة عظيمة بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس، أن نعرف بأصول هذه الدولة، وذلك لا يتأتى إلا بالحديث عن قبيلة صنهاجة التي تعتبر إحدى قبائل البرانس من البربر، فلا يكاد قطر من أقطار المغرب يخلو من بطن من بطونهم في جبل أو بسيط[1]، إلا أن ابنَ خلكان ذهب إلى أن أصلهم من حمير: " والذي وجدته أن أصل هؤلاء القوم من حمير بن سبأ "[2]، ويعضد ذلك ما نقله ابن أبي زرع عن أبي فارس بن عبد العزيز الملْزُوزي الشاعر – رحمهما الله – في أرجوزته في التاريخ المسماة بنظم السلوك في الأنبياء والخلفاء والملوك:
مرابطون أصلهم من حمير**** قد بعدت أنسابهم عن مضـر
وإن صنهاج سليل حمـير**** وهو ابنه لصلبه لا العنصـر
أكرم به من نسب صريح**** فقـله لا تخفـه بالتصـريح
عدلهم وفضلهم مشهـور **** ومجدهم وسعدهم مذكــور[3]
عكس أبي العباس أحمد بن خالد الناصري حيث قال: " والتحقيق خلاف ذلك: وأنهم من كنعان بن حام كسائر البربر. "[4]
وتحت صنهاجة قبائل كثيرة تنتهي إلى السبعين، منهم: لمتونة وكدالة ومسوفة ولمطة ومسراته وتكلاتة ومداسة وبنو وارث وبنو مسفير وبنو دحير وبنو زياد وبنو موسى وبنو لماس وبنو قشتال وغير ذلك؛ وتحت هذه القبائل بطون وأفخاذ تفوت الحصر، وهذه القبائل كلها صحراوية.
وكانت لهم بالمغرب دولتان عظيمتان إحداهما: دولة بني زيري بن مناد الصنهاجيين بإفريقية ورثوا ملكها من يد الشيعة العبيديين، والأخرى: دولة الملثمين بالمغرب الأقصى والأوسط والأندلس
وموطنهم أرض الصحراء والرمال الجنوبية، فيما بين بلاد البربر وبلاد السودان. ومساحة أرضهم نحو سبعة أشهر طولا في أربعة عرضا.[5]
وكان أول ملك منهم بالصحراء يتلوتان بن تلاكاكين الصنهاجي اللمتوني؛ ملك بلاد الصحراء بأسرها، ودان له بها أزيد من عشرين ملكاً من ملوك السودان؛ كلهم يؤدون له الجزية، ودامت أيامه وطال عمره نحواً من 80 سنة إلى أن توفي في سنة 222 هـ ، فكانت أيامه 65 سنة.
فولى بعده حفيده الأثير بن فطر بن يتلوتان، فقام بأمر صنهاجة إلى أن توفي سنة 287 هـ ، فكانت أيامه 65 سنة، فولى بعده ولده تميم بن الأثير، فأقام ملِكا على قبائل صنهاجة إلى 306 هـ؛ فقامت عليه أشياخ قبائل صنهاجة؛ فقتلوه وافترق أمرهم؛ فلم يجتمعوا على أحد



[1]أنظر كتاب الاستقصا، ج: 2 ، ص:159
[2]وفيات الأعيان ، ج:7 ص: 128
[3] روض القرطاس ، ج: 2 ص: 5
[4]كتاب الاستقصا ج:2 ، ص: 159
[5]أنظر الاستقصا ج: 2 ، ص: 159، وكذلك روض القرطاس ج:2 ص: 6
بعده، فاختلفت كلمتهم وتفرقت أهواؤهم مدة من 120 سنة إلى أن قام فيهم الأمير أبو عبد الله محمد بن تيفاوت المعروف بتارشتا اللمتوني، فاجتمعوا عليه وقدَّموه على أنفسهم، وكان من أهل الدين والفضل والصلاح والحج والجهاد؛ فأقام أميراً على صنهاجة مدة من 3 أعوام إلى أن استشهد، فولي أمر صنهاجة بعده صهره يحيى بن ابراهيم الكدالي[1].
وسُمُّوا بالملثمين لأنهم لا يتلثمون ولا يكشفون وجوههم أصلا ولا يزيلونه ليلا ولا نهاراً فلا يعرف الشيخ من الشاب.[2]
وفي سبب تلثمهم روايتان ذكرهما ابن خلكان: " وسبب ذلك على ما قيل أن حمير كانت تتلثم لشدة الحر والبرد، يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم، وقيل كان سببه أن قوما من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زي الرجال إلى ناحية ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زي النساء فإذا أتاهم العدو ظنوهم النساء فيخرجون عليهم ففعلوا ذلك وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم فلزموا اللثام تبركا بما حصل لهم من الظفر بالعدو"[3]
وهناك قول ثالث يمكن أن يستفاد من قول أبي حامد الكاتب:


قوم لهم شرف العلا من حمير
وإذا انتموا صنهاجة، فهم
لما حووا احراز كل فضيلة
غلب الحياء عليهم فتلثموا[4]
وذلك أن سبب تلثمهم هو شدة الحياء الذي اتصف به الملثمون.
"إلا أن المرجح في استخدام اللثام هو ظروف المناخ الصحراوي الجاف في الصيف، والقارص في الشتاء، هو الذي فرض هذا اللثام على القبائل كما أن الرياح العاتية التي تهيل الرمال معها فرضت على سكان الصحراء أن يضيقوا هذا اللثام لحماية عيونهم وأفواههم من سفو الرّمال، وربما استخدم اللثام لأسباب أمنية أو تمويهية تخدم أغراضاً عسكرية، وعلى كل حال فإن اللثام عادة اعتادها القوم وحافظوا عليها حتى أصبحت تتكرر تلقائيا، إلى الحدّ الذي أصبح فيه هذا الاسم يطلق على عموم المرابطين عند الكثير من المؤرخين."[5]
2 - مرحلة الخطاب بقيادة عبد الله بن ياسين الجزولي:
إني لا أستطيع أن أتجاوز دور الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي- صاحب الفكرة الأولى والساعي بكل ما أوتي من قوة لتوحيد صفوف قبائل الملثمين، وتصحيح عقيدتهم وتفقيههم في أمور دينهم ودنياهم- وأتحدث مباشرة عن دعوة عبد الله بن ياسين وخطابه المشرق، فالقارئ يجب عليه أن يعلم من هو عبد الله بن ياسين؟ ومن أين أتى؟ ومع من ؟ وكيف تيسر له القدوم للصحراء ؟ وماهو هدفه ؟..
لذلك فدور الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي لا يمكن تجاهله والحديث مباشرة عن دعوة عبد الله بن ياسين ثم جهاده.
· يحيى بن إبراهيم الجدالي والتقاؤه بالشيخ أبي عمران الفاسي:
ولما توفي أبو عبد الله بن تيفاوت، تولى أمر صنهاجة من بعده يحيى بن إبراهيم الجدالي، وفي سنة 427 هـ استخلف ابنه ابراهيم بن يحيى وارتحل إلى المشرق برسم الحج، فلما قضى حجه وزيارته همَّ بالرجوع إلى بلاده فمر بالقيروان، فلقي بها الشيخ الفقيه أبا عمران الفاسي[6]، فرآه هذا الأخير محبا في الخير فأعجبه حاله.
وسأله الشيخ عن فروض دينه فلم يجده يعرف منها شيئا – لافتقارهم إلى من يقرئهم القرآن ويدرس لهم العلم الشرعي- ، إلا أنه حريص على التعلم، صحيح النية والعقيدة.
فطلب يحيى بن إبراهيم من الشيخ أن يبعث معه بعض طلبته ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين لكن تلامذة الشيخ استعصوا دخول أرض الصحراء.
فما كان من الشيخ أبي عمران الفاسي إلا أن أرشد يحيى بن إبراهيم إلى فقيه ببلد نفيس من أرض المصامدة واسمه واجَّاج بن زلو اللمطي، وأعطاه كتابا ليوصله إليه يأمره فيه ببعث أحد من طلبته المتميزين بالعلم والورع وحسن السياسة ليقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام، ويفقههم في دين الله.
· يحيى بن إبراهيم الجدالي رفقة عبد الله بن ياسين الجزولي، وما كان من أمرهما:
فسار يحيى بن إبراهيم بكتاب الشيخ أبي عمران حتى وصل إلى الفقيه واجاج بمدينة نفيس، فسلم عليه ودفع إليه الكتاب في رجب 430هـ.
فما كان من الفقيه واجاج إلا أن ندب طلبته لما أمر به الشيخ أبو عمران.
فانتدب لذلك رجلٌ منهم يقال له عبد الله بن ياسين الجزولي، وكان من حذاق الطلبة، ومن أهل الفضل والدين والورع والسياسة، فخرج مع يحيى بن إبراهيم إلى الصحراء[7]، لتبدأ دعوته من أجل تأسيس دعائم الدولة المرابطية والشروع في الممارسة والتطبيق.



[1] روض القرطاس ج 2 ص 6- 8 بتصرف يسير.
[2] أنظر (وفيات الأعيان ج: 7 ، ص: 129) و(كتاب الاستقصا ج:2 ، ص: 159 ) و (الكامل ج: 8 ص: 330).
[3] وفيات الأعيان ج: 7 ص: 129
وقد نقل صاحب الاستقصا عن ابن خلكان في ج:2 ص: 159 و 160 هاتان الروايتان، وكذا ابن الأثير في ج:2 ص 160 ما يشبه الرواية الثانية. ويمكنك مراجعة " الكامل " ج: 8 ص: 330 فمنه نقل صاحب الاستقصا.
[4] كتاب الاستقصا ج: 2 ص: 161
[5] " انتصارات يوسف بن تاشفين " ، ص: 13
[6] الإمام الكبير العلامة عالم القيروان أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج البربري الغفجومي الزناتي الفاسي المالكي أحد الأعلام تفقه بأبي الحسن القابسي وهو أكبر تلامذته ودخل إلى الأندلس فتفقه بأبي محمد الأصيلي وسمع من عبد الوارث بن سفيان وسعيد بن نصر وأحمد بن القاسم التاهرتي.قال أبو عمر بن عبد البر: كان صاحبي عندهم وأنا دللته عليهم. أخذ القراءات ببغداد عن أبي الحسن الحمامي وغيره وسمع من أبي الفتح بن أبي الفوارس وأخذ علم العقليات عن القاضي أبي بكر بن الباقلاني في سنة تسع وتسعين وسنة أربع مئة.
قال حاتم بن محمد: كان أبو عمران من أعلم الناس وأحفظهم، جمع حفظ الفقه إلى الحديث ومعرفة معانيه وكان يقرأ القراءات ويجودها ويعرف الرجال والجرح والتعديل، أخذ عنه الناس من أقطار المغرب، لم ألق أحدا أوسع علما منه ولا أكثر رواية. قال ابن بشكوال: أقرأ الناس بالقيروان ثم ترك ذلك ودرس الفقه وروى الحديث. قال ابن عبد البر: ولدت مع أبي عمران في سنة ثمان وستين وثلاث مئة.قال أبو عمرو الداني: توفي في ثالث عشر رمضان سنة ثلاثين وأربع مئة. أنظر ( سير أعلام النبلاء ج: 17 ص: 545- 546 ) و (شذرات الذهب ج:2 ص: 247 ).
[7] أنظر ( الاستقصا ج: 2 ص: 164 )، وانظر ( الكامل ج: 8 ص: 328 ).وانظر ( روض القرطاس ج:2 ص: ص: 8 – 11 ).
وارتأيت تقسيم مرحلة الخطاب أو الدعوة – بقيادة عبد الله بن ياسين – إلى مرحلتين:
v الخطاب السلبي[1] ( ما قبل الرباط والاعتزال).
v الخطاب الإيجابي[2] ( الرباط وما بعده ).
أ - الخطاب السلبي:
وصل يحيى بن إبراهيم إلى بلاده وبرفقته الفقيه عبد الله بن ياسين الجزولي " وسألوه عن الفقيه فقال: هذا حامل سنة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] قد جاء يعلمكم ما يلزم في دين الإسلام فرحبوا بهما وأنزلوهما"[3].
فتلقاه قبائل كدالة ولمتونة وفرحوا بمقدمهما، وتيمنوا بالفقيه، وبالغوا في إكرامه وبره[4]،فانقادوا له انقياداً عظيما ووالوه في ابتداء الأمر تكريماً.[5]
ولما أنزله معه، وجد عند يحيى بن إبراهيم تسع نسوة، فسأله ابن ياسين عنهن،فقال: هنَّ زوجاتي؛ فقال له الفقيه: هذا شيء لايجوز في دين الإسلام، وإنما يجوز لك أربع، ففارق خمساً؛ فأجابه بالسمع والطاعة وفارقهن، ثم قال له: إن جميع الرؤساء من كدالة ولمتونة مثل حالي؛ فأنذرهم وعرفهم حكم الله، فخرج الفقيه عبد الله بن ياسين ويحيى معه وجميع الرؤساء فقال لهم: بلغني أنكم تتزوجون بما شئتم من النساء حتى إن الشخص منكم يجمع بين العشرة وليس هذا من السنة؛ وإنما السنة والإسلام أن يجمع الرجل بين أربع نسوة حرائر؛ وله سعة فيما شاء من ملك اليمين؛ ثم جعل يعلمهم الدين ويبين لهم شرائع السنة[6]،" وجعل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وكبحهم عن كثير من مألوفاتهم الفاسدة، وشدَّد في ذلك. فاطَّرحوه واستعصبوا علمه، وتركوا الأخذ عنه لما جشمهم من مشاق التكليف"[7]
" فقالوا أما ما ذكرت من الصلاة والزكاة فهو قريب وأما قولك من قتل يُقتل ومن سرق يُقطع ومن زنا يُجلد أو يُرجم فأمر لا نلتزمه اذهب إلى غيرنا"[8]، فعزلوه من الرأي والمشورة، وقطعوا منه مالهم، وانتهبوا داره وهدموها، وأخذوا ما كان فيها، وخرج عبد الله بن ياسين منهم خائفاً منهم[9] .
قد تبين لنا كيف استقبلت القبائل قدوم عبد الله بن ياسين فبدأ دعوته المباركة لكن سرعان ما أجهضوها، لأنهم لا يستطيعون التخلي أبداً عن قتل النفس فدل على أن القوم يعشقون سفك الدماء بالباطل فتلك عادتهم فأين حقوق النفس عند هؤلاء؟، كما أنهم لم يتقبلوا قطع يد السارق فدل على أن السرقة كانت ديدنهم فأين حقوق التملك عند هؤلاء؟ ، وكذلك لم يتقبلوا جلد الزاني فدل على أنهم كانوا يتخبطون في الشهوات بغير حق وهتك الأعراض، فأين حقوق المرأة عند هؤلاء ؟، وأي حياة كان يعيشها هؤلاء الهمجيون الرافضون لشريعة خالق كل شيء؟!.
وبما أن الجهل كان منتشراً في القبائل والمرء عدو لما يجهل، فلا بد أن يلقى عبد الله بن ياسين، معارضة للانعتاق من النظام والالتزام بالواجبات الشرعية، التي يؤكد عليها وهذا ليس بالغريب فقد عودي الرسل وكذِّبوا وأُوذوا وضُيِّق على الدُّعاة المخلصين على مرِّ العصور، وَشُرِّدوا وسُجِنوا وَقُتِلوا وهذه سنة الله تعالى في خلقه



[1] أقصد بالخطاب السلبي ما كانت نتائجه سلبية دون جدوى وكأنك تخاطب عقولا كالحجارة أو أشد قسوة لا تتقبل الخير بل تنفر منه ولا تستسيغه ( عدم الاستجابة ).
[2] أقصد بالخطاب الإيجابي ما كانت نتائجه وثماره طيبة حيث يتقبل الناس الدعوة إلى الخير ونبذ الشر ومحاربته ( الاستجابة ).
[3] الكامل ، ج: 8 ص: 328
[4] الاستقصا ج: 2 ص: 165.
[5] البيان المغرب ج: 4 ص: 8
[6] روض القرطاس ج2 ص: 11- 12 .
[7] الاستقصا ج: 2 ص: 165
[8] الكامل ج: 8 ص: 328
[9] البيان المغرب ج:4 ص9
ولا شك أن أول من تزعم حركة هذه المعارضة؛ أسياد هذه القبائل وأعلاها منصباً، لأن هؤلاء يستغلون مناصبهم لاستعباد الناس وانتهاك حرماتهم وسرقة أموالهم، فكيف يتقبلون ما يدعو إليه الفقيه عبد الله بن ياسين من مساواة وعدل بين الغني والفقير.
ب - الخطاب الإيجابي:
بعدما أعرضوا عن دعوة عبد الله بن ياسين، واتبعوا أهواءهم عزم على الرحيل عنهم إلى بلاد السودان الذين دخلوا في الإسلام يومئذٍ، فلم يتركه يحيى بن إبراهيم لذلك، وقال له: " إنما أتيت بك لأنتفع بعلمك في خاصة نفسي. وما عليَّ فيمن ضلَّ من قومي ".
ثم قال يحيى بن إبراهيم لعبد الله بن ياسين: " هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة ؟ " قال: "ما هو ؟ " قال: " إن ههنا جزيرة في البحر". قال ابن خلدون: " هو بحر النيل، يحيط بها من جهاتها. يكون ضحضاحا في المصيف يخاض بالأقدام، وغمرا في الشتاء يعبر بالزوارق".
قال يحيى بن إبراهيم: " وفيها الحلال المحض من شجر البرية وصيد البر والبحر، ندخل فيها ونقتات من حلالها، ونعبد الله تعالى حتى نموت". فقال عبد الله بن ياسين: " إن هذا الرأي حسن! فهلم بنا فلندخلها، على اسم الله!" فدخلها، ودخل معهما سبعة نفر من كدالة، وابتنى عبد الله رابطة هناك، وأقام في أصحابه يعبدون الله تعالى مدة في ثلاثة أشهر، فتسامع الناس بهم، وأنهم اعتزلوا بدينهم يطلبون الجنة والنجاة من النار. فكثر الواردون عليهم، والتوابون لديهم، فأخذ عبد الله بن ياسين يقرئهم القرآن، ويستميلهم إلى الخير، ويرغبهم في ثواب الله، ويحذرهم ألم عقابه حتى تمكن حبه من قلوبهم. فلم تمر عليه إلا مدة يسيرة حتى اجتمع له من التلامذة نحو ألف رجل."[1]
وتستمر دعوة عبد الله بن ياسين الإيجابية خصوصاً لما اجتمع إليه من أشراف صنهاجة نحو ألف رجل، فسماهم المرابطين للزومهم رابطته.[2]
وإن من حكمة عبد الله بن ياسين أنه لم يكن متهوراً يلقي بنفسه إلى التهلكة بل انتظر حتى تفقه القوم ورسخ فيهم الدين "فقام فيهم خطيبا فوعظهم وشوقهم إلى الجنة، وخوفهم من النار، وأمرهم بتقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخبرهم بما في ذلك من ثواب الله تعالى وعظيم جزائه"[3]
وهنا أشير إلى أنه من الضروري البدء بالإعداد الروحي والعقائدي، وعدم التسرع وإنْ توفرت المادة، لأن هذه الأخيرة لا تغني شيئا أمام فراغ روحي وعقائدي، فتأمل كلامي فسوف يتحقق فيما سيأتي بيانه: " ثم ندبهم إلى جهاد من خالفهم من قبائل صنهاجة وقال لهم: "معشر المرابطين، إنكم اليوم جمع كثير نحو ألف رجل! ولن يغلب ألف من قلة! وأنتم وجوه قبائلكم ورؤساء عشائركم، وقد أصلحكم الله تعالى، وهداكم إلى صراطه المستقيم، فوجب عليكم أن تشكروا نعمته عليكم، بأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتجاهدوا في الله حق جهاده!" فقالوا له: " أيها الشيخ المبارك، مُرنا بما شئت تجدنا سامعين لك ومطيعين! ولو أمرتنا بقتل آباءنا لفعلنا![4] " فقال لهم: اخرجوا على بركة الله، وأنذروا قومكم، وخوفوهم عقاب الله، وأبلغوهم حجته، فإن تابوا ورجعوا إلى الحق وأقلعوا عما هم عليه فخلوا سبيلهم؛ وإن أبوا من ذلك، وتمادوا في غيهم، ولجوا في طغيانهم، استعنا بالله تعالى عليهم، وجاهدناهم حتى يحكم الله بيننا؛ وهو خير الحاكمين."[5]
هنا تبدأ الدعوة الحقيقية الجماعية ( دعوة الألف رجل ) بعد أن كانت فردية[6]، " فسار كل رجل منهم إلى قومه وعشيرته فوعظهم، وأنذرهم ودعاهم إلى الإقلاع عما هم بسبيله، فلم يرفعوا بذلك رأسا فخرج إليهم عبد الله بن ياسين بنفسه، وجمع أشياخ قبائلهم ووجوهها، وقرأ عليهم حجة الله ودعاهم إلى التوبة، ورغبهم في الجنة، وخوفهم من النار، وأقام ينذرهم سبعة أيام، وهم في ذلك كله لا يلتفتون إلى قوله! ولا يزدادون إلا فسادا! فلما يئس منهم قال لأصحابه: " قد أبلغنا في الحجة، وأنذرنا وأعذرنا، وقد وجب علينا الآن جهادهم، فاغزوهم على بركة الله". "[7]
يا له من منهج معتدل وسطيّ يبرهن أن عبد الله بن ياسين لم يكن يعشق سفك الدماء بل "كان يفضل جانب الدعوة والإصلاح لعودة المسلمين إلى الشرع الإسلامي في حياتهم، لكن إذا تمادوا في غَيِّهم ولَجُّوا في طغيانهم، حكَّم السيف حتى يسود الحق ويمحق الباطل"[8]



[1] الاستقصا ج: 2 ص: 165
[2] روض القرطاس ج 2 ص: 13
[3] الاستقصا ج:2 ، ص: 167
[4] هنا ثمار الدعوة الروحية والعقائدية، فقد آن لعبد الله بن ياسين أن يؤمر فيطاع ويقول فيسمع له، فانظروا إلى أي حدّ تمكنت دعوة الحق والنور والعدل في نفوس هذه الكوكبة، فإذا حصل الولاء التام لله ولرسوله حصلت الولاية والنصرة من الله " بل الله مولاكم وهو خير الناصرين" ( آل عمران: 150 ).
[5] روض القرطاس ج:2 ص: 14
[6] نتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدأ الدعوة لوحده ولاقى من الصعاب ما لا يعد ولا يحصى، لكن وبفضل من الله عز وجل صارت الدعوة جماعية وتأسست الدولة الإسلامية بالمدينة ثم شرع الجهاد – بعد الدعوة - "وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (التوبة 40). فتأمل الحدثين وتقاربهما.
[7] الاستقصا ج:2 ص: 167.
[8] " انتصارات يوسف بن تاشفين " ص :22
3 - عبد الله بن ياسين و حمايته الخطاب و الدعوة بالسيف:
بعد المبادرة الدعوية الشاملة التي قام بها ابن ياسين وإخوانه المرابطون، لم يعد هناك مجال للحلول الوسط، بل أصبحنا نلاحظ موقفين متناقضين: موقف جاهلي يصر على حالة التشردم والتشتت الاجتماعي والضياع والانحطاط الخلقي، وموقف آخر يتوقد حماساً لحماية الأمة ومبادئها والعودة بها إلى طريق الحق، بعد توحيد الصفوف وتحكيم الشرع الإسلامي في شؤون الحياة، وعلى هذا كان لابد من الصراع بين هذين الموقفين، وإن كان يبدوا لأول وهلة أن أصحاب الموقف الباطل أطول باعاً وأكثر جمعاً؛ إلا أن أصحاب الحق أثبت قدماً وأشدّ إصراراً[1] ، " فبدأ أولا بقبيلة كدالة فغزاهم في ثلاثة آلاف رجل من المرابطين؛ فانهزموا بين يديه، فقتل منهم خلقا كثيرا؛ وأسلم الباقون إسلاما جديدا، وحسنت حالهم؛ وأدوا ما يلزمهم من جميع ما فرض الله عليهم، وذلك في شهر صفر سنة 434 هـ؛ ثم سار إلى قبيلة لمتونة فنزل عليها، وقاتلهم حتى ظهر عليهم، وأذعنوا إلى الطاعة وتابوا، وبايعوه على إقامة الكتاب والسنة، ثم سار إلى قبائل مسوفة فغزاهم حتى أذعنوا وبايعوه وأقروا بالسمع والطاعة.
فلما رأى ذلك قبائل صنهاجة ولمتونة سارعوا إلى التوبة وإلى المبايعة، وأقروا له بالسمع والطاعة..."[2] .
وبعد أن نظم ابن ياسين جانب الدعوة وجانب العبادة نلاحظ أنه سرعان ما التفت إلى الجانب الاقتصادي حيث أمرهم بالصلاة والزكاة وأداء العشر، واتخذ لذلك بيت مال يجمع فيه ما يرفع إليه من ذلك.
كما ركز على الجانب العسكري حيث أخذ في اشتراء السلاح وإركاب الجيوش التي ألقي على كاهلها حماية خطاب ودعوة المرابطين وتطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد التي سيطروا عليها.
وكذلك لم يتجاهل – عبد الله بن ياسين – الجانب العلمي حيث " بعث بمال دَثْر مما اجتمع لديه من الزكوات والأعشار و الأخماس إلى طلبة العلم ببلاد المصامدة "[3].
وتلك عين الحكمة، لأن الوعي شيء ضروري في تقدم الأمم وازدهارها، فهذا درس عظيم لمن ينفق الأموال في غير حقها.
وليُعلم أن المجتمع الذي يغيب فيه العلم ولا يمُوّل ولا تُعطى له قيمة ، هو مجتمع جاهلي منحط، يعتبر من دول العالم الثالث المتخلفة لذلك تجدها تهتم كثيرا بالفنون الجميلة وتنسى العلوم الجليلة، التي ساد بها سلفنا فاحتلوا بفضلها - بعد الله عز وجل – أعلى وأسمى مكانة في تاريخ البشرية، والكل يعلم أن الحرب اليوم حرب ثقافية علمية محضة (العولمة)، فإذا ناديت بما نادى به عدوك انهزمت، فصرت خاتما في أصبعه يحركك كيف يشاء، لأنك خنت الإرث العظيم الذي ورثته عن آباءك وأجدادك الذين سادوا به وتقدموا ، فإلى مزبلة التاريخ كسائر المتخاذلين.
يقول الدكتور حامد خليفة منوها بصنيع هذا البطل: " إن هذه الالتفاتة نحو طلبة العلم لهي إحدى روائع ابن ياسين، حيث لم يشغله عن هذا الجانب مسائل الإمارة الفتية، ولا المشاركة في الأعمال العسكرية وقيادة الجيوش وإعدادها، ولهذا كان لها أطيب الأثر في النفوس، ولاقت الارتياح التام في الأوساط العلمية المتمثلة بالربط والمدارس الفقهية آنذاك"[4]
وكل ذلك ساهم إعلاميا بالتعريف بقائد المرابطين ودعوته، " فاشتهر أمره في جميع بلاد الصحراء وما والاها من بلاد السودان، وبلاد القبلة، وبلاد المصامدة، وسائر أقطار المغرب؛ وأنه قام رجل بكدالة يدعوا إلى الله تعالى وإلى الصراط المستقيم، ويحكم بما أنزل الله، وأنه متواضع زاهد في الدنيا، وطار له ذكر في العالم، وتمكن ناموسه من القلوب، وأحبته الناس"[5]، مما فتح لهم أبواب التوسع ونشر الدعوة المرابطية في الاتجاهات المحيطة بهم كافة.[6]
هذه هي دعوة عبد الله بن ياسين التي بدأها وحده حتى أصبح الآلاف يحملون نفس الشعار ونفس الخطاب، فدل ذلك على نجاحها.
وفي ما سيأتي مرحلة الممارسة والتطبيق وتتجلى في مواقف هؤلاء المرابطين في دفع بغي السلاطين وظلمهم واستبدادهم لرعيتهم.



[1] " انتصارات يوسف بن تاشفين " ص: 23
[2] روض القرطاس ج:2 ص: 14 – 15 .
[3] الاستقصا ج: 2 ص: 167
[4] انتصارات يوسف ابن تاشفين ص 24 - 25
[5] الاستقصا ج 2 ص 168
[6] انتصارات يوسف بن تاشفين ص: 25
يتبع
</STRONG>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: مواقف المرابطين فى دفع بغى السلاطين   السبت سبتمبر 18, 2010 7:19 pm

الفصل الثاني


المرابطون ومرحلة الممارسة والتطبيق



لقد حاولت جاهدا في هذا الفصل إيضاح بعض مواقف أشهر أمراء المرابطين[1] في دفع الظلم والاستبداد ومحاربة الشرك والإلحاد، ونشر الخير والسلام بين الناس وتحكيم شرع الله فيهم فلا يصلح تشريع غير تشريع الحق، لأنه خالق البشر وأعلم بهم من غيره.

هذه المرحلة ليست كسابقتها لأن المرابطين الآن أصبحت لهم دولة قوية داع صيتها بالمشرق والمغرب، فلم يعد بين الظلم والكفر إلا السيف( طبعا بعد إقامة الحجة ) .

وقد اقتصرت في هذه المرحلة على ثلاثة مواقف لأشهر أمراء المرابطين : بدءا بيحيى بن عمر وغزوه سجلماسة[2]، وأبي بكر بن عمر وفتحه برغواطة، ويوسف بن تاشفين وغزوه للصليبيين في معركة الزلاقة.

وركزت على هذه المواقف الثلاثة لأهميتها في تثبيت دعائم الدولة المرابطية بالصحراء والمغرب والأندلس.







1 - الموقف الأول: دفع بغي الأمير مسعود بن وانُّودين بسجلماسة[3] على يد أمير الحق[4] يحيى بن عمر ابن تكلاكين اللمتوني:




· القيادة المزدوجة في بداية الدولة المرابطية:

بعدما توفي يحيى بن إبراهيم الكدالي عزم عبد الله بن ياسين على تقديم رجل يقوم بأمر المرابطين في حربهم وجهادهم لعدوهم.[5]

فبما أن لقبيلة لمتونة شدة وجلد، إذ كانوا يختارون الموت على الانهزام ولا يحفظ لهم فرار من زحف وكان قتالهم على النجب أكثر من الخيل وأكثرهم مترجلون على أقدامهم صفوفاً صفاً بعد صف[6]، وكانت أكثر القبائل طاعة لله تعالى ودينا وصلاحاً،فإنك تجد عبد الله بن ياسين يكرمهم ويقدمهم على غيرهم وخير دليل على ذلك توليته ليحيى بن عمر اللمتوني، وعبد الله بن ياسين هو الأمير على الحقيقة لأنه هو الذي يأمر وينهى ويعطي ويمنع، فكان يحيى بن عمر يتولى النظر في أمر الحرب، وعبد الله بن ياسين ينظر في أمر الدين وأحكام الشرع، ويأخذ الزكوات والأعشار[7].

· سقوط دولة بني مدرار بسجلماسة وفساد الحكم بها بعدهم:

انقرضت دولة بني مدرار المكناسيين أصحاب سجلماسة على يد خزرون بن فلفل بن خزر المغراوي حين زحف إلى سجلماسة سنة 366 هـ، وقتل صاحبها أبا محمد المعتز بالله – آخر ملوك بني مدرار الصفرية – واستولى على بلده وذخيرته، وبعث برأسه إلى قرطبة، واستمر خزرون واليا على سجلماسة إلى أن هلك. وولى بعده ابنه مسعود بن وانُّودين.

فنال أهل سجلماسة من بني خزرون بن فلفل ما لا يتصور من الظلم والاستبداد حيث عدم الوازع وأخذوا يتصرفون في الرعايا بمقتضى أعراضهم وشهواتهم[8].

· استجابة المرابطين لاستصراخ أهل سجلماسة وإنقاذهم من بغي أميرهم:

اجتمع فقهاء سجلماسة وفقهاء درعة[9]وصلحاؤهم سنة447 هـ ، فكتبوا إلى الفقيه عبد الله بن ياسين وإلى الأمير يحيى بن عمر وأشياخ المرابطين كتاباً يرغبون منهم الوصول لبلادهم ليطهروها مما هي فيه من المنكرات وشدة العسف والجور؛ وعرفوهم بما هم فيه بها أهل العلم والدين وسائر المسلمين من الذل والصغار والجور؛ مع أميرهم مسعود بن وانُّودين الزناتي المغراوي؛ فلما وصل الكتاب لعبد الله بن ياسين جمع رؤساء المرابطين وقرأ عليهم الكتاب وشاورهم في الأمر؛ فقالوا له: أيها الشيخ الفقيه هذا مما يلزمنا ويلزمك؛ فسر بنا على بركة الله تعالى؛ فأمرهم بالجهاد[10].

هكذا يجب أن يكون المسلمون؛ القوي منهم يساعد الضعيف، وينصره ظالماً كان أو مظلوما[11]والغني منهم يساعد الفقير ويرفع من شأنه.

ثم إن عبد الله بن ياسين لما وصله كتاب المستنجدين لم يقل لأصحابه :} !$tB öNä3ƒÍ‘é& žwÎ) !$tB 3“u‘r& !$tBur ö/ä3ƒÏ‰÷dr& žwÎ) Ÿ@‹Î6y™ ϊ$x©§9$# { (سورة غافر، الآية 29)، بل شاورهم في الأمر كما قال تعالى:} tûïÏ%©!$#ur (#qç/$yftGó™$# öNÍkÍh5tÏ9 (#qãB$s%r&ur no4qn=¢Á9$# öNèdãøBr&ur 3“u‘qä© öNæhuZ÷t/ { (سورة الشورى، الآية 38)، فدل ذلك على أن ابن ياسين يحرص على التمسك بالكتاب والسنة لأن فيهما خيري الدنيا والآخرة.

وإن تعجب فعجب جواب قومه بصيغة الأمر - فسر بنا على بركة الله – فدل ذلك على أمرين:

- الأول: أن عبد الله ابن ياسين لم يكن دكتاتوريا مستبدا، فلو كان كذلك، ما تجرأ القوم على الكلام بصيغة الأمر، وبتلك الطريقة.

فتأمل في أسمى مراتب الحرية في الرأي والتواضع.

- الثاني: توكلهم على الله عز وجل وحده لا شريك له، تحقيقا لقوله تعالى: } x‚$&shy;ƒÎ) ߉ç7÷ètR y‚$&shy;ƒÎ)ur ÚúüÏètGó¡nS { (سورة الفاتحة الآية 5 )، وقوله تعالى: ’n?tãur} «!$# È@©.uqtGuŠù=sù tbqãYÏB÷sßJø9$# { (آل عمران الآية ، 122 ) ، وقوله تعالى: } ö@©.uqs?ur ’n?tã «!$# 4 4’s"x.ur «!$$Î/ ¸x‹Ï.ur { (النساء الآية 81 ) ، وغير ذلك من الآيات.

· إطاحة المرابطين بملك مسعود بن وانودين، وانتشار الخير والعدل بسجلماسة:

اجتمع لعبد الله بن ياسين جيش كثيف من لمتونة ومسوفة ولمطة ومزجة وصار بهم إلى درعة[12]، فوجد بها عاملا لمسعود بن وانودين فنفاه عنها، ووجه 50 ألف ناقة لمسعود – وكانت ترعى في حمًى حماه لها هناك – فاكتسحها عبد الله بن ياسين.

وصل الخبر إلى مسعود بن وانودين فجمع جيوشه وخرج نحوه، فالتقى الجمعان فيما بين درعة وسجلماسة، فمنح الله النصر للمرابطين بعد حرب فظيعة بينهما.

فقُتل أميرهم مسعود، وأكثر جيشه، وفرَّ الباقون، واستولى عبد بن ياسين على دوابهم، وأسلحتهم، وأموالهم، مع الإبل التي كان اكتسحها في درعة.[13]

ولكن، كيف سيتعامل عبد الله بن ياسين مع هذه الغنائم، وماذا سيفعل بعد ذلك؟

من حكمة عبد الله بن ياسين وعدله أن أخرج من هذه الغنائم الخمس ففرقه في فقهاء سجلماسة ودرعة وصلحائهم؛ وقسم الباقي على المرابطين؛ وبعد ذلك ارتحل من فوره إلى سجلماسة؛ فقتل من وجد بها من مغراوة؛ وأقام بها حتى هدَّنها وأصلح أحوالها وغيَّر ما وجد بها من المنكرات؛ وقطع المزامير وأحرق الديار التي كانت تباع بها الخمر؛ وأزال المكوس؛ وأسقط المغارم المخزنية؛ وترك ما أوجب الكتاب والسنة تركه؛ وقدم عليها عاملا من لمتونة وانصرف إلى الصحراء[14].

وهكذا نعمت سجلماسة بنور الإسلام الحقيقي، وانتشر العدل بعد أن استأصل المرابطون ما كان بها من ظلم وفساد، بقيادة عبد الله بن ياسين ويحيى بن عمر.



































2 - الموقف الثاني: دفع بغي أبي حفص عبد الله أمير برغواطة على يد أبي بكر بن عمر واستشهاد عبد الله بن ياسين أثناء المعركة:




· كيف كان يعيش سكان برغواطة تحت ظل تسلسل أمرائها ؟

استمر مخطط المرابطين في دفع الظلم والبغي واستئصاله - لتخليص الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد – رغم استشهاد يحيى بن عمر فقد ارتأى عبد الله بن ياسين أن يكمل أخوه أبو بكر بن عمر المسير فكان هذا الأخير رجلا بحق، وخلفاً لخير سلف.

ومن أهم مواقف هذا البطل الشجاع غزوه لبرغواطة والقضاء على أميرها أبي حفص عبد الله من ذرية الخبيث المتنبئ صالح بن طريف.

والذي اشتغل بالسحر، فجمع منه فنوناً كثيرة، وأوصى بشريعته لابنه إلياس بن صالح سنة 174 هـ، هذا الأخير الذي أصرَّ على ما أوصاه به أبوه من كلمة كفرهم، فهلك سنة 224هـ ، ثم ولى بعده ابنه يونس بن إلياس، فأظهر دينهم ودعا إلى كفرهم، وقتل من لم يدخل في أمره حتى حرَّق 380 مدينة، وقتل بموضع يقال له تَامْلُوكالاَت 7770 نفساً.ثم هلك سنة 268 هـ، وانتقل الأمر عن بنيه إلى غيرهم من قرابته، فولي أمرهم أبو غفير محمد بن معاذ بن اليسع بن صالح ابن طريف.

فاستولى على ملك برغواطة، وأخذ بدين آبائه واشتدت شوكته وعظم أمره.

أشار إلى ذلك سعيد بن هشام المصمودي في أبيات، منها قوله:
وهذه أمة هلكوا وضلُّوا *** وخابوا لاَ سُقوا ماءً معيناً
يقولون: النبي أبو غفير *** فأخزى الله أم الكاذبينـا
سيعلم أهل تامسنا إذا ما *** أتوا يوم القيامة مهيمنينا
هناك يونس وبنوا أبيه *** يقودون البرابر مهطعينـا


وكان لأبي غفير 44 زوجة، لأنهم يبيحون في ديانتهم الخسيسة أن يتزوج الرجل من النساء ما شاء، وهلك أواخر المائة الثالثة.

ثم ولى بعده ابنه أبو الأنصار عبد الله بن أبي غفير، فاقتفى سننه وتوفي سنة 341 هـ، وولى بعده ابنه أبا منصور عيسى بن أبي الأنصار فسار سيرة آبائه، وادعى النّبوة، واشتد أمره وعلا سلطانه، ودانت له قبائل المغرب[15].

وهكذا إلى أن ولي أمر برغواطة أبو حفص عبد الله من ذرية أبي منصور، والكل من ذرية صالح بن طريف، فاستمر حاله كحال أسلافه على الضلالة والكفر.

فمن ديانتهم أنهم يطلقون ويراجعون ألف مرة في اليوم، ويحرم عندهم رأس كل حيوان؛ والدجاجة مكروه أكلها؛ ومن ذبح ديكاً أو أكله أعتق رقبةً؛ ويلحسون بصاق وُلاتهم تبركا به، كما وُضع لهم قرآن يقرءونه في صلاتهم ويتلونه في مساجدهم، ومن شك في شيء من ذلك منهم فهو كافر؛ والقرآن الذي شرع لهم ثمانون سورة؛ منها سورة آدم وسورة نوح وسورة أيوب وسورة بني إسرائيل وسورة الديك وسورة الجراد وسورة الجمل وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا؛ ولا غسل عليهم من الجنابة إلا من الحرام[16]، إلى غير ذلك من أعاجيب ديانتهم وحمقها.

ومن حسن حظ شعب برغواطة، وسوء حظ آخر أمرائها- أبو حفص عبد الله - أن ملكه تزامن مع قيام الدولة المرابطية بقيادة أبي بكر بن عمر اللمتوني.

· وصول خبر برغواطة إلى المرابطين وتقديم جهادهم على غيرهم:

وصل الخبر إلى عبد الله بن ياسين فرأى أن الواجب تقديم جهادهم على جهاد غيرهم، فسار إليهم في جيوش المرابطين، فكانت بين ابن ياسين وأمير برغواطة ملاحم عظام، مات فيها من الفريقين خلق كثير وأصيب عبد الله بن ياسين فقضى بذلك نحبه، فاستشهد رحمه الله تعالى[17].

ولعبد الله بن ياسين موقف عظيم سجله التاريخ إلى يومنا هذا، ويتجلى في الوصية التي قدَّمها لإخوانه المرابطين وهو على فراش الموت، وهي كالآتي: " يا معشر المرابطين إنكم في بلاد أعدائكم؛ وإني ميت في يومي هذا لا محالة؛ فإياكم أن تجبنوا أو تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم وكونوا ألفة وأعوانا على الحق وإخوانا في ذات الله تعالى؛ وإياكم والمخالفة والتحاسد على طلب الرياسة؛ فإن الله يوتي ملكه من يشاء من خلقه ويستخلف في أرضه من أحب من عباده؛ ولقد ذهبت عنكم؛ فانظروا من تقدمونه منكم يقوم بأمركم ويقود جيوشكم ويغزو عدوكم ويقسم بينكم فيئكم وياخذ زكاتكم واعشاركم"[18].

يقول الدكتور حامد محمد خليفة معلقاً على ذلك: " من خلال هذه الوصية يتبين لنا أن ابن ياسين، كان مخلصاً في كل ما يدعوا إليه إلى حدّ الاستشهاد وبذل الدماء في سبيل مبادئه التي آمن بها، فلا يشغله عن بذل النصيحة لإخوانه ألم الجراح ولا نزيف الدّماء التي تجري من جسده ولا قعقعة السلاح من حوله، بل إن حرصه على إتمام رسالته والبذل في سبيلها يشغله حتى عن نفسه.

وعلى هذا المستوى من الإيمان الراسخ واليقين الثابت يسلم ابن ياسين الروح لبارئه؛ ليتحقق فيه قول الله تعالى:} ‘@ä. <§øÿtR èps)ͬ!#sŒ ÏNöqpRùQ$# { ( آل عمران، الآية 185 ) "[19]

فاتفق رأيهم على تقديم أمر الحرب لأبي بكر بن عمر اللمتوني؛ فقدمه عبد الله بن ياسين عليهم باتفاق من جميع أشياخ صنهاجة واجتماع منهم على ذلك؛ وتوفي عبد الله بن ياسين في عشي يومه ذلك؛ وذلك يوم الأحد 24 جمادى الأولى سنة 451 هـ [20]

وبعد وفاته قام أبوبكر بن عمر لقتال برغواطة حتى أخذ الثأر منهم[21]، "فأثخن فيهم قتلا وسبيا حتى تفرقوا في المكامن والغياض، واستأصل شأفتهم، وأسلم الباقون إسلاما جديداً، ومحا أبو بكر بن عمر أثر دعوتهم من المغرب وجمع غنائمهم وقسمها بين المرابطين وعاد إلى مدينة أغمات[22] "[23].




[1] لأنه يصعب ذكر جميع مواقف أمراء المرابطين بدءا من المرحلة الصحراوية ومرورا بالمرحلة المغربية وختاما بالمرحلة الأندلسية، اعتداداً بالتخصص والمستوى الدراسي وكذلك الموضوع.


[2] هي في الحقيقة قيادة مزدوجة يعني عبد بن ياسين ويحيى بن عمر، بحيث يمكن اعتبار الأول زعيما روحيا، والثاني قائدا لأركان الجيش برمته.


[3] سجلماسة : بكسر أوله وثانيه وسكون اللام وبعد الألف سين مهملة، مدينة في جنوبي المغرب في طرف بلاد السودان بينها وبين فاس عشرة أيام تلقاء الجنوب، وهي في منقطع جبل درن، وهي في وسط رمال كرمال زرود، ويتصل بها من شماليها جدد من الأرض يمر بها نهر كبير يخاض، قد غرسوا عليه بساتين ونخيلا، وأكثر أقوات أهل سجلماسة من التمر، وغلتهم قليلة، ولسنائهم يد صناع في غزل الصوف ،وبين سجلماسة ودرعة أربعة أيام وأهل هذه المدينة من أغنى الناس وأكثرهم مالا لأنها على طريق من يريد غانة التي هي معدن الذهب ولأهلها جرأة على دخولها. أنظر " معجم البلدان ج: 3 ص: 192".


[4] كذا سماه عبد الله بن ياسين ، أنظر "البيان المغرب " ج4 ص12


[5] الاستقصا ج2 ص: 169


[6] البيان المغرب ج:4 ص: 11


[7] أنظر الاستقصا ج:2 ص: 169


[8] الاستقصا ج2 ص: 171 بتصرف.


[9] درعة مدينة صغيرة بالمغرب من جنوب الغرب، بينها وبين سجلماسة أربعة فراسخ، ودرعة غربيها أكثر تجارها اليهود وأكثر ثمرتها القصب اليابس جدا ينسحق إذا دق، ينسب إليها أبو زيد نصر ابن علي بن محمد الدرعي ومنها أيضا أبو الحسن الدرعي الفقيه. أنظر (معجم البلدان ج: 2 ص: 451 ).


[10] روض القرطاس ج:2 ص: 18-19


[11] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه".رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه، باب : أعن أخاك ظالما أو مظلوماً ، رقم 2312.

ورواه الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه، باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، رقم 2584 ، وبلفظ "... إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره".


[12] البيان المغرب ، ج:4 ص: 14


[13] أنظر الاستقصا، ج:2 ص: 171- 172


[14] روض القرطاس، ج: 2 ص: 20.


[15] أنظر الاستقصا ج:2 ص: 179- 181 ، بتصرف.


[16] أنظر روض القرطاس ج 2 ص: 26


[17] أنظر الاستقصا ج:2 ص: 181- 182 ، بتصرف.


[18] روض القرطاس ج:2 ص: 29- 30


[19] انتصارات يوسف ابن تاشفين ، ص: 38


[20] روض القرطاس ج: 2 ص: 30


[21] البيان المغرب ج: 4 ص: 17


[22] أغمات ناحية في بلاد البربر من أرض المغرب قرب مراكش، وأهلها فرقتان يقال لإحداهما الموسوية والغالب عليهم جفاء الطبع وعدم الرقة والفرقة الأخرى مالكية حشوية وبينهما القتال الدائم وكل فرقة تصلي في الجامع منفردة بعد صلاة الأخرى كذا ذكر ابن حوقل التاجر الموصلي في كتابه، وكان شاهدها قديما بعد الثلاثمائة من الهجرة ولا أدري الآن كيف هي فقد تداولتهم عدة دول منها دولة الملثمين وكان فيهم جد وصلابة في الدين، ثم عبد المؤمن وبنوه ولهم ناموس يلتزمونه وسياسة يقيمونها لا يثبت معها مثل هذه الأخلاط والله أعلم.أنظر (معجم البلدان ج: 1 ص: 225 ).


[23] الاستقصا ج: 2 ص: 182

وهكذا يكون المرابطون قد قدموا خدمة كبرى للأمة بأجمعها، حيث أنيرت هذه الزاوية المظلمة بمبادئ الحق وأصبحت جزءاً من كيان الأمة وثغراً من ثغورها الصامدة، فضلا على أنهم مَهَّدوا الطريق لربط أقاليم المغرب فيما بينها بعد إزالة الكيان الغريب في تركيبه وتفكيره، ومن تمَّ تكوين الدولة الواحدة التي تخضع لقيادة واحدة وقانون واحد[1].

وبعد هذا الإنجاز الكبير الذي حققه الأمير أبو بكر بن عمر، رجع إلى بلاد الصحراء لتسوية الأمور بها وجعل الخلافة لابن عمه يوسف ابن تاشفين على المغرب.






[1] انتصارات يوسف ابن تاشفين، ص: 40
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
المعتمد بن عباد
Admin
avatar

ذكر الموقع : اندلسى

مُساهمةموضوع: رد: مواقف المرابطين فى دفع بغى السلاطين   السبت سبتمبر 18, 2010 7:22 pm

3 - الموقف الثالث: دفع بغي المدّ الصليبي بقيادة الأذفونش، على يد أمير المسلمين يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة:

الخريطة الثانية [1]

















· ولاية يوسف بن تاشفين المغرب بعد أن خلع أبو بكر بن عمر نفسه عن الملك:

لما علم الأمير أبوبكر أحوال يوسف وما هو عليه من الميل إلى نخوة الملك و عز السلطان عزم على تسليم الأمر له، فبعدما وصل إليه تعجب أبو بكر من كثرة عساكره واحتفال هيئته، فأخذ يتكلم مع يوسف في مصالح المسلمين ثم قال له: " يا يوسف أنت ابن عمي ومحل أخي وأنا لا غنى لي عن معاونة إخواننا بالصحراء، ولم أر من يقوم بأمر المغرب غيرك، ولا أحق به منك، وقد خلعت نفسي لك ووليتك عليه فاستمر على تدبير ملكك وأنت حقيق به وخليق له، وما وصلت إليك إلا لإمرتك في بلادك وأسلم لك [الأمر وأعود] في [الصحراء] مقر إخواننا وموضع استيطاننا، فدعا له الأمير يوسف وشكر [ وقال له: لك عليَّ ] " ألا أقطع أمراً دونك ولا أستأثر – إن شاء الله – بشيء عليك " وأحضر [أشياخ لمتونة] الصحراويين، وخلع له أبو بكر نفسه، وشهد بذلك بعض العدول وأعيان القبائل، وعاد الأمير أبو بكر إلى أغمات[2].

وقد ذكر ابن خلكان أن سبب رجوعه إلى بلاده الجنوبية واستخلافه يوسف على المغرب هو أنه قد سمع عجوزاً في بلاده ذهبت لها ناقة في غارة فبكت، وقالت: ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب[3].

وهكذا أصبح حكم المغرب بيد يوسف بن تاشفين، وكان هذا الأخير أسمر اللون؛ معتدل القامة؛ نحيف الجسم؛ خفيف العارضين؛ رقيق الصوت؛ أكحل العينين؛ أقنى الأنف؛ له وفرة تبلغ شحمة أذنيه؛ مقرون الحاجبين؛ جعد الشعر؛ وكان رحمه الله بطلا نجداً شجاعاً حازماً مهاباً ضابطاً لملكه؛ متفقد الموالي من رعيته؛ حافظا لبلاده وثغوره؛ مواظباً على الجهاد؛ مؤيداً منصوراً؛ جواداً سخياً زاهداً في الدنيا متورعاً عادلاً صالحاً؛ وأكله الشعير ولحوم الإبل وألبانها؛ وكان ملكه من مدينة إفراغ أول بلاد الإفرنج قاصية شرق بلاد الأندلس إلى آخر عمل شنترين والأشبونة على بحر المحيط من بلاد غرب الأندلس وذلك مسيرة 33 يوماً طولا؛ وفي العرض ما يقرب من ذلك؛ وملك بالمغرب من بلاد العدوة من جزائر بني مَزغَنَّة إلى طنجة إلى آخر سوس الأقصى إلى جبل الذهب من بلاد السودان.

وقد وفق الله عز وجل هذا الأمير فلم يوجد في بلد من بلاده ولا في عمل من أعماله على طول أيامه رسم مكس ولا معونة ولا خراج لا في حاضرة ولا في بادية إلا ما أمر الله تعالى به وأوجبه حكم الكتاب والسنة من الزكاة والأعشار وجزية أهل الذمة وأخماس غنائم المشركين، وكان رحمه الله يسير في أعماله فيتفقد أحوال رعيته كل سنة، وكان محبا في الفقهاء والعلماء والصلحاء ومقربا لهم صادراً عن رأيهم مكرماً لهم[4].

وهو أول من لقب بأمير المسلمون، وسبب ذلك أن أشياخ القبائل اجتمعوا عليه وقالوا له: أنت خليفة الله في المغرب وحقك أكبر من أن تُدعى بالأمير إلا بأمير المؤمنين، فقال لهم " حاشا لله أن أتسمى بهذا الإسم، إنما يتسمى به الخلفاء وأنا راجل الخليفة العباسي والقائم بدعوته في بلاد الغرب، فقالوا له " لابد من اسم تمتاز به" فقال لهم: " يكون أمير المسلمين "[5].

من هنا يظهر لنا مدى تواضع يوسف بن تاشفين، وطاعته للخليفة العباسي، وذلك خير دليل على حبه لوحدة صفوف المسلمين وعدم تفرقهم.

· الأندلس قبل عبور المرابطين إليها:

عرفت الأندلس خلال هذا العصر تقسماً سياسيا لم يعرف له مثيلا.فقد تمزقت وحدة الأندلس التي كانت تتمثل في الخلافة وتطاحن ملوك الطوائف[6]، وصارت الحال إلى ما قال ابن الخطيب:
حتى إذا سلك الخلافة انتثر *** وذهب العين جميعا والأثر
قام بكل بقــعة مليـك *** وصاح فوق كل غصن ديك[7]


ويصور لنا لسان الدين بن الخطيب حالة ملوك الطوائف المزرية قائلا: " وذهب أهل الأندلس من الانشقاق، والانشعاب، والافتراق، إلى حيث لم يذهب كثير من أهل الأقطار، مع امتيازها بالمحل القريب، والخطة المجاورة لعباد الصليب، ليس لأحدهم في الخلافة إرث، ولا في الإمارة سبب، ولا في الفروسية نسب، ولا في شروط الإمامة مكتسب، اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار،...، وقصارى أحدهم يقول: " أقيم على ما بيدي، حتى يتعين من يستحق الخروج به إليه !" ولو جاءه عمر بن عبد العزيز، لم يقبل عليه، ولا لقي خيراً لديه؛ ولكنهم استوفوا في ذلك آجالا وأعماراً، وخلَفوا آثاراًّ، وإن كانوا لم يبالوا اغتراراً من معتمد ومعتضد ومرتضى وموفق ومستكف ومستظهر ومستعين ومنصور ومتوكل، كما قال الشاعر:
ممَّا يُزهّدنـي في أرض أنْدلسٍ *** أسـماءُ مُعتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ مملَكَةٍ في غير مَوْضِعها *** كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صَوْلَة الأَسَدِ


..."[8]

قد رأينا الحالة المأساوية التي تعيشها الأندلس بسبب الفرقة، حيث نجد في الربع الشرقي رجلا اسمه سليمان بن هود الملقب بالمؤتمن، وتلقب ابنه بالمقتدر، وتلقب ابنه بالمستعين، كان بنو هود هؤلاء يملكون من مدن هذه الجهة الشرقية: طرطوشة وأعمالها وسرقسطة وأعمالها وافراغة، ويجاور بني هود رجل آخر اسمه عبد الملك بن عبد العزيز يُكنى أبا مروان، وكان يملك بلنسية وأعمالها، وكان يلي الثغر رجل آخر يقال له أبو مروان بن رزين كان يملك إلى أول أعمال طليطلة، وكان الذي يملك طليطلة وأعمالها الحسن يحيى بن إسماعيل بن عبد الرحمان بن إسماعيل بن عامر بن مطرف بن موسى بن ذي النون، والملقب بالمأمون.

وكان يملك إشبيلية وأعمالها القاضي أبو القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد اللخمي.وكان يملك مالقة والجزيرة وغرناطة وما إلى ذلك البربر بنو برزال. وتغلب على المرية وأعمالها زهير العامري الخادمثم ملكها بعده خيران العامري أيضا الخادم، ثم تغلب عليها بعدهما أبو يحيى محمد بن صمادح المتلقب بالمعتصم[9].

· استنجاد الأندلسيين بأمير المسلمين يوسف بن تاشفين للقضاء على الصليبيين في معركة الزلاقة الكبرى :



قال تعالى:Ÿwur} (#qããt“»uZs? (#qè=t±øÿtGsù |=ydõ‹s?ur ö/ä3çt†Í‘){الأنفال، الآية 46)، وهذا ما حدث بالضبطفلقد تحرك الاذفنش لعنه الله في جيوش لا تحصى من الروم ومن الافرنج والبَشْكُنْس والجلاقة وغيرهم، فشق بلاد الأندلس شقاًّ يقف على كل مدينة منها ثلاثة أيام فيفسد ويخرب ويقتل ويسبي ويرتحل إلى غيرها؛ ونزل على إشبيلية فأقام عليها ثلاثة أيام؛ فأفسد أحوازها وهتكها؛ وخرَّب بالشرق قرى كثيرة، وكذلك فعل بشذونة وأحوازها؛ ثم سار حتى وصل إلى جزيرة طريف فأدخل قوائم فرسه في البحر وقال: " هذا آخر بلاد الأندلس قد وطئته" ، ثم رجع إلى مدينة سَرَقُسطة؛ فنزل عليها وحاصرها وحلف أن لا يرتحل عنها حتى يدخلها أو يحول الموت بينه وبين ما يريد؛ وأراد أن يقدمها بالفتح على غيرها من بلاد الأندلس[10].

تُرى كيف سيكون موقف أميرها المستعين بن هود ؟

على طريقة الجبناء المخذولين توجه المستعين بمال عظيم للأذفنش فبذله له؛ فلم يقبله منه وقال: المال والبلاد لي، فضيق الحصار عليهم حتى ملك مدينة طليطلة، وذلك سنة 477 هـ.[11]

لقد عاشوا في غفلة من أمرهم حتى باغتهم العدو بالهجوم واستولى على أراضيهم، فلو[12] أنهم ما تفرقوا وعملوا بقول الله عز وجل ما تجرأ عليهم المستعمر، ولا فكر في محاصرتهم.

لكن ما هو الحل ؟

لما رأى رؤساء الأندلس ما نزل بهم من مضايقة عدو الدين، واستطالته على ثغور المسلمين، أجمع رأيهم على إجازة يوسف بن تاشفين. فكاتبه أهل الأندلس كافة من الخاصة والعلماء يستصرخونه في تنفيس العدو عن مخنقهم، ويكونوا معه يداً واحدة عليه.[13]

وكتب المعتمد بن عباد إلى يوسف بن تاشفين يقول له: إن كنت مؤثرا للجهاد فهذا أوانه، فقد خرج الأذفونش إلى البلاد، فأسرع في العبور إليه ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك، وكان يوسف بن تاشفين على أتم أهبة فشرع في عبور عساكره، فلما أبصر ملوك الأندلس عبور أهل المغرب يطلبون الجهاد وكانوا قد وعدوا من أنفسهم بالمساعدة أعدوا أيضا للخروج فلما رأى الأذفونش اجتماع العزائم على مناجزته علم أنه عام نطاح، فاستنفر الفرنجية للخروج فخرجوا في عدد لا يحصيه إلا الله تعالى، ولم تزل الجموع تتألف وتتدارك إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجلا من الفريقين، كل أناس قد التفوا على ملكهم، فلما عبرت جيوش يوسف بن تاشفين عبر في آخرها[14]وأمر بعبور الجمال، فعبر منها ما أغص الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة رأوا قط جملا ولا كانت خيلهم قد رأت صورها ولا سمعت أصواتها، وكانت تذعر منها وتقلق، وكان ليوسف بن تاشفين في عبورها رأي مصيب كان يحدق بها معسكره وكان يحضرها الحرب فكانت خيل الفرنج تحجم عنها[15]، ثم أرسل يوسف بن تاشفين للأذفونش كتابا يعرض عليه فيه الدخول في الإسلام أو الجزية أو الحرب: كما هي السنة، ومن جملة ما في الكتاب: " بلغنا يا أذفونش أنك دعوت الله في الإجتماع بنا، وتمنيت أن تكون لك سفن تعبر عليها البحر إلينا، فقد عبرناه إليك، وقد جمع الله تعالى في هذه العرصة بيننا وبينك، وسترى عاقبة دعائك!} $tBur âä!%tæߊ tûï͍Ïÿ»s3ø9$# žwÎ) ’Îû 9@»n=|Ê {[16] " فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه يوسف جاش بحر غيظه، وزاد في طغيانه، وأقسم أن لا يبرح من موضعه حتى يلقاه.

فاستنفر الفرنجة للخروج، ورفع القسيسون والرهبان والأساقفة صلبانهم، ونشروا أناجيلهم، فاجتمع له منهم ما لا يحصى عدده.

ثم برز بالمختار من جنوده، وترك بقية جموعه خلفه، وقال حين نظر إلى ما اختاره منهم: " بهؤلاء أقاتل الجن والانس وملائكة السماء! "[17]، لم يكن يعرف هذا الأحمق أن الكيف أهم من الكمّ وأن الإيمان والاعتقاد الصحيح هو المحرك الأول للإنسان،قال تعالى:} NŸ2 `ÏiB 7pt¤Ïù A's#ŠÎ=s% ôMt7n=xî Zpt¤Ïù OouŽÏWŸ2 ÈbøŒÎ*Î/ «!$# {(سورة البقرة، الآية 249 ).و قال أيضا: }#’n?t/ 4 bÎ) (#rçŽÉ9óÁs? (#qà)&shy;Gs?ur Nä.qè?ù'tƒur `ÏiB öNÏd͑öqsù #x‹»yd öNä.÷ŠÏ‰ôJムNä3š/u‘ Ïp|¡ôJsƒ¿2 7#»s9#uä z`ÏiB Ïps3Í´¯»n=yJø9$# t{ ûüÏBÈhq|¡ãB (سورة آل عمران، الآية 125) .

بعد ذلك نزل الأمير يوسف بن تاشفين بموضع يعرف بالزلاقة؛ وتقدم المعتمد وأمراء الأندلس فنزلوا بجهة أخرى بينهما ربوة حاجزة ترهيبا للعدو وتخويفا له؛ وبين الفريقين وعسكر الروم نهر بطليوس حاجز يشرب منه هؤلاء وهؤلاء؛ فأقاموا ثلاثة أيام والرسل تختلف بينهم إلى أن اتفق رأيهم أن تكون الملاقاة يوم الاثنين 14 رجب سنة 479 هـ، فلما وقع الاتفاق بينهما على ذلك بعث المعتمد إلى الأمير يوسف بن تاشفين يعلمه أن يكون على أهبة واستعداد للحرب وأن العدو صاحب مكر وخديعة في الجواب؛ فلما كان الليل من يوم الخميس 10 رجب عبأ ابن عباد كتائبه وصفَّ جيوشه واستعد للقتال؛ ومن ذكائه أن جعل على عسكر العدو عيوناً يتتبعون بها حركاتهم؛ فلم يزل كذلك إلى الفجر من يوم الجمعة؛ فبينما ابن عباد في آخر ركعة من صلاة الصبح إذ أقبلت الخيل التي كانت طليعة على العدو مسرعةً إليه؛ فأخبروه أن العدو قد زحف نحو المسلمين في أمم كالجراد المنتشر؛ فأرسل في الحين بالخبر إلى أمير المسلمين؛ فوجده على أهبة للحرب، فأرسل قائده المظفر داود بن عائشة في جيش عظيم من لمتونة؛ وكان عدو الله الأذفونش قد قسم عساكره على فرقتين؛ فتوجه هو وفرقة نحو أمير المسلمين يوسف بن تاشفين؛ فوقع في الجيش الذي كان مع القائد داود بن عائشة؛ فاقتتلوا قتالا عظيماً؛ وصبر المرابطون صبراً جميلاً؛ وداسهم اللعين بكثرة جنوده حتى كاد يستأصلهم؛ وصارت الفرقة الثانية من عسكر اللعين مع البرهانس وابن ردمير نحو محلة ابن عباد؛ فداسوها؛ ولم يثبت منهم غير ابن عباد وجيشه؛ فقاتلوا قتالا شديدا؛ وصبروا صبر الكرام[18]، وأصيب عبد الله بن المعتمد بجراحات في رأسه، وبدنه، وتذكر في تلك الحالة ابناً له صغيراً يكنى أبا هاشم – وكان قد تركه بإشبيلية عليلا – فقال:
أبا هاشم هَشَّمَتْني الشِّفار *** فللَّه صبري لذلك الأوار
ذكرت شُخَيْصَكَ تَحْتَ العَجَاج *** فلم يثنني ذكره للفرار


ثم أقبل يوسف بعد ذلك، وطبوله قد ملأت أصواتها الجو. فلما أبصره الأذفونش، وجه حملته إليه، وقصده بمعظم جنوده، فبادر إليهم السلطان يوسف وصدمهم صدمة ردتهم إلى مركزهم، وانتظم به شمل ابن عباد، واستنشق الناس ريح الظفر، وتباشروا بالنصر.

ثم تراجع ابن عباد إلى يوسف، وحمل معه حملة جاء معها النصر. وصدقوا الحملة، فانكشف الطاغية، ومر هارباً منهزماً، وقد طعن في إحدى ركبتيه طعنة بقي يخمر بها عمره.

وهبت ريح النصر، فأنزل الله سكينته على المسلمين، ونصر دينه القويم وصدقوا الحملة على الأذفونش وأصحابه فأخرجوهم عن محلتهم، فولوا ظهورهم وأعطوا أقفاءهم والسيوف تصفعهم والرماح تطعنهم، إلى أن لحقوا بربوة لجؤوا إليها واعتصموا بها وأحدقت بهم الخيل، فلما أظلم الليل، انساب الأذفونش وأصحابه من الربوة وأفلتوا من بعد ما نشبت فيهم أظفار المنية.

واستولى المسلمون على ما كان في محلتهم من الأثاث والآنية والمضارب والأسلحة وغير ذلك.

وهكذا انتصر المسلمون على الصليبيين عندما اتحدوا وتوكلوا على الله، فأقبل ابن عباد على السلطان يوسف وصافحه، وهنأه وشكره وأثنى عليه. وشكر يوسف صبر ابن عباد ومقامه وحسن بلائه.[19] " وكتب أمير المسلمين بالفتح إلى بلاد العدوة؛ وإلى تميم صاحب المدينة؛ فعملت المفرحات في جميع بلاد إفريقية وبلاد المغرب والأندلس؛ واجتمعت كلمة الإسلام؛ وأخرج الناس الصدقات؛ وأعتقوا الرّقاب شكراً لله تعالى على صنعه الجميل وفضله؛..."[20].

وبهذا يكون يوسفُ بن تاشفين قد علَّم ملوكَ الطوائف وغيرَهم أن الاعتماد على الله سبيل الانتصار ووحدة الصف، فهل من معتبر ؟.







B



خاتمة


تبين من خلال هذا العرض أن أصل كل المواقف تنتج عن الدعوة والخطاب، فلا فائدة من الاندفاع الجاهلي دون تأسيس وتأطير عقائدي روحي.

كما اتضحت لنا بعد ذلك ثمار الدعوة التي قام بها عبد الله بن ياسين، حيث كانت للمرابطين مواقف عظيمة في استجابة نداءات الشعوب ونشر السلام فيها.

وظهر في هذا العرض أن مظاهر الانحلال الأخلاقي وانتشار المحرمات، شاهد على ضعف الأمة وتمزقها وتبعيتها للعدو. وليُعلم أن التمسك بهدي الإسلام والشريعة المحمدية هما سفينة النجاة ومؤشرات العزة والوحدة والكرامة.

واتضح كذلك أن من يصدق مع الله تعالى يكون الله معه، وحسبك بإنجازات المرابطين.

فما على أمتنا اليوم إلا أن تستفيد من تاريخ أمتها المملوء بالعطاء والازدهار، و تبحث جيدا لترى مكمن نصرتهم وتقدمهم وكذلك سبب انهزامهم وتشتتهم ، فإن لم يُستغل التاريخ لمثل هذا، فما كان على المؤرخين إضاعة مدادهم في كتابته.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين










المصادر والمراجع




1 – القرآن الكريم

2 – صحيح البخاري، للإمام البخاري، دار ابن كثير ببيروت، الطبعة الثالثة، سنة 1987 م.

3- صحيح مسلم، للإمام مسلم، دار إحياء التراث العربي ببيروت، طبعة بدون تاريخ.

4 – الكامل في التاريخ لمحمد بن محمد بن عبد الواحد الشيباني،دار الكتب العلمية ببيروت(1415 – 1995)الطبعة الثانية.

5 – وفيات الأعيان وأنباء الزمن لأبي العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان، دار الثقافة ببيروت 1968.

6 – كتاب الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى ( الجزء الثاني )، لأبي العباس أحمد بن خالد الناصري، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، سنة 2001.

7 – البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، لابن عذاري المراكشي ( الجزء الرابع ) دار الثقافة ببيروت – لبنان – الطبعة الأولى 1967م.

8 – الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، لابن أبي زرع ( الجزء الثاني )، المطبعة الوطنية بالرباط – المغرب – سنة ( 1355 هـ - 1936 م ).

9 – المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، الطبعة الأولى.

9 – شذرات الذهب في أخبار من ذهب لعبد الحي بن أحمد العكري الدمشقي، دار الكتب العلمية ببيروت، طبعة بدون تاريخ.

10 – سير أعلام النبلاء، لأبي عبد الله الذهبي، مؤسسة الرسالة ببيروت، الطبعة التاسعة 1413هـ.

11 – معجم البلدان، لياقوت الحموي، دار الفكر ببيروت، طبعة دون تاريخ.

12- التاريخ الأندلسي من خلال النصوص ، د.محمد المنوني، د. محمد رزوق، د. امحمد بن عبود، د. إبراهيم القادري بوتشيش، د. السعدية فاغية، د. أحمد الطاهري، شركة النشر والتوزيع المدارس بالدار البيضاء، الطبعة الأولى: 1412 هـ - 1999 م.

13 – انتصارات يوسف ابن تاشفين، للدكتور حامد محمد الخليفة، مكتبة الصحابة بالشارقة، ومكتبة التابعين بالقاهرة، الطبعة الأولى: 1425 هـ - 2004 م.

14 - http://www.hukam.net/essay/maps





[1]أنظر http://www.hukam.net/essay/maps


[2]البيان المغرب ج:4 ص: 24 - 25


[3]أنظر وفيات الأعيان ج: 7 ص: 113


[4]أنظر روض القرطاس ج:2 ص: 35 – 38 بتصرف


[5]البيان المغرب ج:4 ص: 28


[6] أنظر التاريخ الأندلسي من خلال النصوص، ص: 94


[7]الاستقصا ج:2 ص: 205


[8]التاريخ الأندلسي من خلال النصوص، ص: 96


[9]أنظر المعجب ص: 70 – 74 بتصرف


[10] روض القرطاس ج:2 ص: 84-50


[11] أنظر المصدر نفسه ج:2 ص: 50- 51.


[12]علما بأن " لو " لا تستعمل في الكتابات التاريخية.


[13]الاستقصا ج: 2 ص: 206


[14]فلما ركب السفينة واستقر على ظهرها رفع يديه ودعا الله تعالى وقال في دعائه: " اللهم إن كنت تعلم أن في جوازي هذا خيراً وصلاحاً للمسلمين فسهل علي جواز هذا البحر؛ وإن كان غير ذلك فصعبه علي حتى لا أجوزه " فسهل الله عليه الجواز في أسرع ما يكون، وذلك في يوم الخميس عند الزوال في منتصف ربيع الأول سنة 479 هـ.( روض القرطاس ج: 2 ص: 52).


[15]وفيات الأعيان ج:7 ص: 116


[16]سورة الرعد آية 14


[17]أنظر الاستقصا ج: 2 ص: 212 – 213 بتصرف.


[18]روض القرطاس ج:2 ص: 56 – 58


[19]أنظر الاستقصا ج: 2 ص: 215 -217 بتصرف


[20]روض القرطاس ج:2 ص: 61- 62.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shabab-tari5h.all-up.com
 
مواقف المرابطين فى دفع بغى السلاطين
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كلية الاداب قسم التاريخ جامعة الزقازيق :: التاريخ الاسلامى :: تاريخ الاندلس-
انتقل الى: